المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بحث في العدالة للشيخ ابو وثقي الأثري


ياسمين الجزائر
2015-05-11, 05:39 PM
بحث في العدالة
للشيخ ابو وثقي الأثري (التونسي)





http://www12.0zz0.com/2015/05/11/16/310503634.jpg لغة: التوسط

وفي الاصطلاح :


فمبحث العدالة مبحث عظيم اختلفت فيه آراء النقاد من المحدثين والاصوليين واختلفت تعريفاتهم والناظر في تعريفات المتقدمين من علماء الحديث لا يجد تعريفا نصيا للعدالة ولكن يجد تعريفا ضمنيا من خلاله سبر المحدثين كالخطيب والحاكم وابن الصلاح والحافظ ابن حجر مرادهم فعرفوا بما رأوه يتوافق مع تطبيقاتهم


فعرف جمهور المحدثين العدالة بقولهم :


العدالة: هي ملكة تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة وليس معها بدعة وتتحقق باجتناب الكبائر وترك الاصرار على الصغائر وبعض الصغائر وبعض المباح.
والمُرادُ بالتَّقوى: اجْتِنابُ الأعمالِ السَّيِّئةِ مِن شِرْك أو فسقٍ أو بدعةٍ.


انظر نزهة النظر للحافظ ابن حجر ص205وفتح المغيث ج2 ص5



http://www6.0zz0.com/2015/05/11/16/162861072.gif


وعرفها الخطيب البغدادي في الكفاية (ص 103) العدالة بقوله :


العدل هو من عرف بأداء فرائضه و لزوم ما أمر به و توقي ما نهي عنه ، و تجنب الفواحش المسقطة وتحري الحق و الواجب في أفعاله ومعاملته و التوقي في لفظه مما يثلم الدين والمروءة فمن كانت هذه حاله فهو الموصوف بأنه عدل في دينه ومعروف بالصدق في حديثه و ليس يكفيه في ذلك اجتناب كبائر الذنوب التي يسمى فاعلها فاسقاً حتى يكون مع ذلك متوقياً لما يقول كثير من الناس أنه لا يعلم أنه كبير .





http://www6.0zz0.com/2015/05/11/16/162861072.gif


فائدة:


لم يشترط الخطيب هاهنا عدم مجانبة البدعة ولعل الصنعاني قصده بذلك في ثمرات النظر كما سيأتي فقال :وإن حذف البعض قيد الابتداع.



http://www6.0zz0.com/2015/05/11/16/162861072.gif


وعرف الاصوليون العدالة كما قال الغزالي في المستصفى (ص/125):


والعدالة عبارة عن استقامة السيرة والدين ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعا حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه , فلا ثقة بقول من لا يخاف الله تعالى خوفا وازعا عن الكذب.
ثم لا خلاف في أنه لا يشترط العصمة من جميع المعاصي. ولا يكفي أيضا اجتناب الكبائر بل من الصغائر ما يرد به كسرقة بصلة وتطفيف في حبة قصدا.
وبالجملة كل ما يدل على ركاكة دينه إلى حد يستجرئ على الكذب بالأعراض الدنيوية , كيف وقد شرط في العدالة التوقي عن بعض المباحات القادحة في المروءة نحو الأكل في الطريق والبول في الشارع وصحبة الأراذل وإفراط المزح؟
والضابط في ذلك فيما جاوز محل الإجماع أن يرد إلى اجتهاد الحاكم , فما دل عنده على جراءته على الكذب رد الشهادة به وما لا فلا , وهذا يختلف بالإضافة إلى المجتهدين , وتفصيل ذلك من الفقه لا من الأصول.





http://www6.0zz0.com/2015/05/11/16/162861072.gif


قال ابن النجار في شرح الكوكب المنير (ص/272):


العدالة في اللغة: التوسط في الأمر من غير زيادة ولا نقصان , وهي في اصطلاح أهل الشرع صفة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة , وتحمله أيضا على ترك الكبائر.

إلى غير ذلك من التعريفات التي تطلب في مظانها.





http://www6.0zz0.com/2015/05/11/16/162861072.gif


فائدة:


الاصوليون اختلفوا في اشتراط الملكة فمنهم من اشترط ومنهم من لم يشترط وممن جزم بالاشتراط الغزالي و الابياري والفهري الفقيه الاشبيلي وغيرهم.

ولكن هذا الحد في العدالة منخرم في التطبيق العملي ولا سيما في الرواة المبتدعة ويعسر تحققه حتى على رواة الصحيحين والغالب من فعل المتقدمين اشتراط الحفظ والضبط بخلاف المتأخرين من أئمة الحديث وقد بسط القول في هذا الامام الصنعاني في ثمرات النظر و إليك بعض كلامه.





http://www6.0zz0.com/2015/05/11/16/162861072.gif


قال الصنعاني (ص/53: 55):


تفسير العدالة بما ذكره الحافظ تطابقت عليه كتب الأصول وإن حذف البعض قيد الابتداع إلا أنهم الكل اتفقوا أنها ملكة إلى آخره وهذا ليس معناها لغة ففي القاموس العدل ضد الجور وهو إن كان كلامه في هذه الألفاظ قليل الإفادة لأنه يقول والجور نقيض العدل فيدور، وفي النهاية العدل الذي لا يميل به الهوى، وهو وإن كان تفسيرا للعادل فقد أفاد المراد في غيرها.
العدل: الاستقامة، وللمفسرين في قوله تعالى:( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْأِحْسَانِ)،
أقوال في تفسيره .

http://www6.0zz0.com/2015/05/11/16/162861072.gif


قال الرازي بعد سرده للأقوال إنه عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط وهو قريب من تفسيره بالاستقامة، وقد فسر الاستقامة الصحابة وهم أهل اللغة بعدم الرجوع إلى عبادة الأوثان وأنكر أبو بكر رضي الله عنه على من فسرها بعدم الإتيان بذنب وقال حملتم الأمر على أشده...



http://www6.0zz0.com/2015/05/11/16/162861072.gif




وقال (ص/55: 58):


والحاصل أن تفسير العدالة بالملكة المذكورة ليس معناها لغة ولا أتى عن الشارع حرف واحد بما يفيدها والله تعالى قال في الشهود
(وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ)

(مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء)

وهو كالتفسير للعدل والمرضي من تسكن النفس إلى خبره ويرضى به القلب ولا يضطرب من خبره ويرتاب.


ومنه ( تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ) فالعدل من اطمأن القلب إلى خبره وسكنت النفس إلى ما رواه، وأما القول بأنه من له هذه الملكة التي هي كيفية راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة يمتنع بها عن اقتراف كل فرد من أفراد الكبائر وصغائر الخسة كسرقة لقمة والتطفيف بحبة تمرة والرذائل الجائزة كالبول في الطرقات وأكل غير السوقي فيه فهذا تشديد في العدالة لا يتم إلا في حق المعصومين وأفراد من خلص المؤمنين بل قد جاء في الأحاديث أن (كل بني آدم خطاؤون وخير الخطائين التوابون) وأنه ما من نبي إلا عصى أو هم بمعصية فما ظنك عمن سواهم وحصول هذه الملكة في كل راو من رواة الحديث عزيز الحصول لا يكاد يقع ومن طالع تراجم الرواة علم ذلك وأنه ليس العدل إلا من قارب وسدد وغلب خيره شره.





http://www6.0zz0.com/2015/05/11/16/162861072.gif




قلت:


ولكي لا أطيل النقول عن الصنعاني فقد اعترض أيضا بقبول رواية فاسق التأويل وكذلك قبلوا رواية المبتدعة ولمن أراد الزيادة فلينظر ثمرات النظر (ص/95: 102).



http://www6.0zz0.com/2015/05/11/16/162861072.gif


فائدة:


الملكة لا تعني العصمة كما ذهب الصنعاني لأنه لا يلزم من اتصافه بها أن يكون معصوماً، فقد يخالف صاحب الملكة ملكته أحياناً، وقد يتجاوز ذو السجية سجيته.



http://www6.0zz0.com/2015/05/11/16/162861072.gif


فائدة:


اختلفت أقوال العلماء في تعريف العدالة، ولكن، لا يصرفْك ذلك عن اتفاقهم؛ فاختلاف تعبيرهم عن العدالة، لا يعني اختلافَهُمْ في العدالة، وقُلْ كذلك بالنسبة للمروءة.
ومهما قيل في التعريف فالأصل أن كل ذلك يعود إلى مَلَكَةٍ تَحْمِلُ صاحبها على الاستقامة في الأقوال والأفعال.


والناس يختلفون في تصوّر المعاني، والسِّرُّ في هذا هو أن أسماء المعاني ليست كأسماء الذوات المحسوسة؛ فيحصل الخلاف في أسماء المعاني ولا يحصل في أسماء الذوات، على حدِّ ما يقول الإمام ابن تيمية،رحمه الله.

وأختم هذا البحث بما ترجح لدي من رسم العدالة وتعريفها وهو قول الإمام الشافعي الذي ارتضاه الصنعاني رحمه الله في ثمرات النظر قال: ص/72 - 73


وقد قال الشافعي في العدالة قولا استحسنه كثير من العقلاء من بعده قال لو كان العدل من لم يذنب لم نجد عدلا ولو كان كل ذنب لا يمنع من العدالة لم نجد مجروحا ولكن من ترك الكبائر وكانت محاسنه أكثر من مساوئه فهو عدل انتهى .


قلت أي الصنعاني: وهذا قوله حسن ويؤيده أن أهل اللغة فسروا العدل بنقيض الجور وليس الجور عبارة عن ملكة راسخة توجب إتيان كل معصية ولا الجائر لغة كل من يأتي معصية بل من غلب جوره على عدله .

قلت: و روى عنه الخطيب بسنده في الكفاية (ص/90): عن البويطى قال:
قال الشافعي لا اعلم أحدا أعطى طاعة الله حتى لم يخلطها بمعصية الله إلا يحيى بن زكريا عليه السلام ولا عصى الله فلم يخلط بطاعة فإذا كان الأغلب الطاعة فهو المعدل وإذا كان الأغلب المعصية فهو المجرح.

هذا وفي ختام هذا البحث اسال الله عز وجل القبول فهو سبحانه خير مسؤول وصلي اللهم على نبينا وعلى آله وسلم.


http://www6.0zz0.com/2015/05/11/16/162861072.gif