المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خطبة في اركان الايمان وبيان انه قول وعمل ونية


عبدالله الأحد
2015-05-14, 02:30 PM
خطبة عن أركان الايمان

الخطبة الأولى


وبعد: إخوة الإيمان، نتكلم ـ بإذن الله وعونه ـ عن الطاعات كما وعدنا، وأساس الطاعات وأهمها الذي لا قيمة للطاعات الأخرى بدونه الإيمان.

نتحدث اليوم عن الإيمان معناه وأركانه، ونتكلم في الخطب القادمة ـ بإذن الله ـ عن بعض جوانبه، ثم نتكلم عن مجموعة من الطاعات والخصال الإيمانية، أسأل الله أن يعيننا في الكلام عن هذا الأمر العظيم، وأن يغفر لنا أي خطأ أو تقصير.

فأركان الإيمان هي أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، هذا هو الإيمان كما بينه رسول الله ، وهذه هي أركانه.

أما معنى الإيمان كلفظ فهو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان ـ أي: القلب ـ والعمل بالأركان، يزيد هذا الإيمان بالطاعة، وينقص بالمعصية، فلا بد لكي يكون الإيمان فاعلا من اجتماع الإقرار باللسان ـ أي: أن تقرر حقائق الإيمان بلسانك ـ والتصديق بالقلب وإتباع ذلك بالعمل، وليس صحيحا ما يقوله كثير من الناس الذين يتركون ما فرض الله عليهم من أعمال ثم يقولون: الإيمان في القلب، فما قيمة إيمان لا يحرك صاحبه إلى الامتثال وإلى الطاعة والأعمال الصالحة.

إن الله تعالى قرن الإيمان في غالب الآيات التي ذكر فيها بالأعمال الصالحة كأمرين متلازمين، كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً [الكهف:107]، وقوله: وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [العصر:1-3]، فلا بد أن نعي هذه الحقيقة حتى نكون مؤمنين حقا.

الركن الأول من أركان الإيمان: الإيمان بالله، والإيمان بالله معناه الاعتقاد الجازم بأن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، وأنه الذي يستحق وحده أن يفرد بالعبادة من صلاة وصوم ودعاء ورجاء وخوف وذل وخضوع، وأنه المتصف بصفات الكمال كلها المنزه عن كل نقص، فالإيمان بالله سبحانه يتضمن توحيده في ثلاثة أمور: في ربوبيته وفي ألوهيته وفي أسمائه وصفاته، ومعنى توحيده في هذه الأمور اعتقاد تفرده سبحانه بالربوبية والخلق والتدبير وغيرها من أمور الربوبية، فهو القائل سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:21، 22]. ومعنى توحيده أيضا اعتقاد تفرده بالألوهية والعبادة، يقول سبحانه: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]، ويقول سبحانه: وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنْ الظَّالِمِينَ [يونس:106]. ومن توحيده أيضا اعتقاد تفرده في صفات الكمال وأسماء الجلال، يقول سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، ويقول سبحانه عن نفسه: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65].

هذه إخوة الإيمان ركائز الإيمان بالله جل وعلا، فلا يكون العبد مؤمنا بالله حتى يعتقد أن الله رب كل شيء ولا رب غيره، وإله كل شيء المعبود حقا ولا إله غيره، وأنه الكامل في صفاته وأسمائه ولا كامل غيره.

الركن الثاني من أركان الإيمان: الإيمان بالملائكة الكرام، والملائكة عالم غيبي مخلوقون عابدون لله تعالى، وليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء، خلقهم الله تعالى من نور، ومنحهم الانقياد التام لأمره والقوة على تنفيذه، قال تعالى: وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء:19، 20]، وهم عدد كثير لا يحصيهم إلا الله تعالى، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه في قصة المعراج أن النبي رفع له البيت المعمور في السماء يصلي إليه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا لم يعودوا إليه إلى آخر ما عليهم.

والملائكة مخلوقات عظيمة الخلق، فقد رأى النبي جبريل على صورته وله ستمائة جناح قد سد الأفق، وقد يتحول الملك بأمر الله تعالى إلى هيئة رجل كما حصل لجبريل حين أرسله تعالى إلى مريم فتمثل لها بشرا سويا، وحين جاء إلى النبي وهو جالس في أصحابه بصفة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه أحد من الصحابة، فجلس إلى النبي فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخديه، وسأل النبي عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة وأماراتها، فأجابه النبي ، فانطلق ثم قال النبي: ((هذا جبريل، أتاكم يعلمكم دينكم)) أخرجه مسلم.

ومن الملائكة جبريل الأمين على وحي الله تعالى، يرسله إلى الأنبياء والرسل، وميكائيل الموكل بالقطر أي: المطر والنبات، وإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور عند قيام الساعة وبعث الخلق، وملك الموت الموكل بقبض الأرواح عند الموت، ومالك الموكل بالنار، هؤلاء ملائكة نعرفهم بأسمائهم، ومن الملائكة من نعرفهم بوظائفهم، مثل الملائكة السياحين في الأرض الذين يلتمسون حلق الذكر والعلم، والملائكة الموكلين بالجنة والنار، وقد ذكرنا منهم مالكا خازن النار، والملائكة الذين يكتبون أعمال الناس، والملائكة الذين يتعاقبون على بني آدم في الليل والنهار، والملائكة الركع السجد في السماء، والملكين اللذين يسألان الإنسان في قبره عن ربه ودينه ونبيه، وفي بعض الأحاديث عند الترمذي وغيره أن اسمهما المنكر والنكير إلى غير ذلك من ملائكة كرام.

أما الركن الثالث من أركان الإيمان ـ أيها المسلمون ـ فالإيمان بالكتب التي أنزلها الله تعالى على رسله رحمة للخلق وهداية لهم، ليصلوا بهذه الكتب إلى سعادتهم في الدنيا والآخرة. فعلينا الإيمان بما علمنا اسمه من هذه الكتب باسمه، كالقرآن الذي نزل على رسول الله ، والتوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام، والإنجيل الذي أنزل على عيسى عليه السلام، والزبور الذي أوتيه داود عليه السلام، وصحف إبراهيم وموسى عليهما السلام، وما لم نعلم اسمه من كتب الله فنؤمن به إجمالا.

أما الركن الرابع فهو الإيمان بالرسل عليهم صلوات الله وسلامه، حيث لم تخل أمة من رسول يبعثه الله بشريعة مستقلة إلى قومه أو نبي يوحى إليه بشريعة من قبله ليجددها، قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، وقال تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر:24].

فعلينا الإيمان بمن سمى الله تعالى في كتابه من رسله، والإيمان بأن الله تعالى أرسل رسلا سواهم لا يعلم أسماءهم وعددهم إلا الله الذي أرسلهم، فعلينا الإيمان بهم جملة، يقول تعالى: وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ [النساء:164]، وعلينا الإيمان أيضا بأنهم بينوا ما أرسلهم الله به بيانا لا يسع أحدا ممن أرسلوا إليه جهله ولا يحل خلافه، قال تعالى: فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النحل:35].

وأما أولو العزم من الرسل فعن ابن عباس أنهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم صلوات الله وسلامه، وهم المذكورون في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [الأحزاب:7].

وأفضل الرسل إمام المرسلين وخاتمهم صاحب الشفاعة العظمى نبينا محمد ، يقول كما في الترمذي من حديث أبي سعيد: ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر)).

الركن الخامس: الإيمان باليوم الآخر، اليوم الذي يُبعث الناس فيه للحساب والجزاء، وسمي باليوم الآخر لأنه لا يوم بعده حيث يستقر أهل الجنة في منازلهم وأهل النار في منازلهم، ذكر الله تعالى هذا اليوم في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فقال سبحانه: وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيدًا [النساء:136]، وقال: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ [النساء:87]، وقد قال الكافرون مستبعدين للبعث: أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا [الإسراء:49]، أي: كيف نبعث ونخلق مرة أخرى بعد أن نصبح عظاما ورفاتا؟! فرد عليهم الله سبحانه من نفس منطقهم أن بعثهم وخلقهم بعد أن يصيروا عظاما ورفاتا أيسر من خلقهم أول مرة من العدم، يقول سبحانه: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:78، 79].

الركن الأخير من أركان الإيمان: الإيمان بالقدر خيره وشره من الله سبحانه والرضا به، والقدر تقدير الله تعالى للكائنات حسبما سبق به علمه واقتضته حكمته، وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، فكل شيء بقضاء وقدر، يقول تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49]، ويقول: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان:2]، فلا يكون إلا ما شاء سبحانه وتعالى وقدره بعلمه، فهو العليم الحكيم.

فاتقوا الله عباد الله، وحققوا الإيمان في قلوبكم، واعلموا أن هذه الأركان وغيرها من أصول عقيدتكم مبثوثة في كتاب ربكم سبحانه وسنة نبيكم ، فاعتصموا بهما تفلحوا.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين، إنه هو الغفور الرحيم.








الخطبة الثانية


الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

إخوة الإسلام، تكلمنا عن أركان الإيمان الأساسية في عقيدتنا الإسلامية، وما نريد أن نوجه الاهتمام إليه أن هذه الأركان ليست للعلم النظري والاستظهار اللفظي بحيث إذا سألك أحد عن أركان الإيمان سردتها له، بل هذه الأركان يجب أن يتيقنها الإنسان، ويجب أن يعيها، ويجب أن يغرسها في قرارة نفسه، ويضعها نصب عينيه، ويطبع حياته على أساسها، ويخضع نفسه للشرع، ولا يُخضع الشرع لهواه، ويمتثل كلام الله وكلام رسوله .

فمعرفتنا بأركان الإيمان تقتضي عملا وخوفا وصدقا في التوجه إلى الله، فما فائدة أن تعرف أن الله مولاك ومصورك ورازقك وأنه يراك ويسمعك وأنه أقرب إليك من حبل الوريد ثم أنت تعصيه بالليل والنهار وتجاهر بالمعصية؟! هل هذا مقتضى الإيمان بالله؟! وما فائدة أن تعرف أن لله ملائكة كراما وأن منهم من وكلهم الله بكتابة أعمال الناس وكسبهم يلازمونك طيلة حياتك ثم أنت لا تتورع عن إيذائهم بالخبائث وترتكب في السر والعلانية الموبقات التي تسجل عليك وتراها في كتابك يوم الحشر؟! وما معنى أن تؤمن باليوم الآخر وبأن الناس سيقفون بين يدي الله رب العالمين ليقتص للمظلوم من الظالم وليوفي كل نفس ما كسبت وليعطي كل ذي حق حقه ثم أنت تظلم الناس وتغشهم وتسرق أموالهم وتسبهم وتؤذي جيرانك إلى غير ذلك من معاص؟! وما فائدة أن تؤمن بالقضاء والقدر ثم أنت تجزع إذا أصابك مكروه وتعترض على حكم الله وقضائه؟!

فالمقصود ـ بارك الله فيكم ـ أن لا نأخذ هذه الحقائق السامية على أنها معلومات تحفظ وتردد فقط، ولكنها عقيدة، كل من ادعى الإسلام ملزم بأن يحيا على ضوئها ولا يحيد عنها قيد أنملة حتى يلقى الله سبحانه وهو راض عنه، فإذا تشرب القلب هذه العقيدة فلا بد أن تظهر آثارها في أخلاق المسلم وسلوكه مع ربه ومع الناس والعكس بالعكس؛ فإن المسلم إذا تخلق بالأخلاق الحسنة وجاهد نفسه في تحقيقها فإنه يحقق الإيمان أو يزيد فيه، يقول في الحديث الحسن الذي أخرجه أحمد والترمذي عن أبي هريرة: ((اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما، ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب)).

اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها...

عبدالله الأحد
2015-05-14, 02:37 PM
الإيمان قول وعمل
مسمى الإيمان عند أهل السنة والجماعة
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:

فصل الإيمان قول وعمل

والإيمان قول باللسان وعمل بالأركان وعقد بالجنان -بالجَنَان- وعقد بالجنان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان.


--------------------------------------------------------------------------------
الجنان بفتح الجيم القلب، وأما الجنى بكسر جمع جنة، والجنان الجنات، والبساتين الجنان، الجنان جمع جنة، وهي بستان، بساتين منه جنان الجنة، أما الجنان بفتح الجيم العقل، عقل بالجنان يعني اعتقاد بالقلب، القلب الجنان القلب، والجنان جمع جنة وهي البساتين، نعم.-

قال الله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ فجعل عبادة الله تعالى، وإخلاص القلب، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، كله من الدين.

وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق .

فجعل القول والعمل من الإيمان، وقال تعالى: فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وقال: لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا .

وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه مثقال برة أو خردلة، أو ذرة من الإيمان، فجعله متفاضلا .


--------------------------------------------------------------------------------

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

هذا الفصل في مسمى الإيمان، مسمى الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل، والقول قسمان:

قول القلب، وهو التصديق والإقرار، وعمل القلب وهو النية والإخلاص، والعمل نوعان:

عمل القلب، وعمل الجوارح، القول قول اللسان، وقول القلب، القول نوعان: قول القلب وهو التصديق والإقرار، وقول اللسان وهو النطق، والعمل نوعان:

عمل القلب وهو النية والإخلاص وعمل الجوارح، فيكون مسمى الإيمان قول باللسان، تصديق بالقلب وعمل بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان.

هذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة وهو الذي دلت عليه النصوص أن الإيمان قول وعمل، وأن الإيمان قول بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان، كما في هذه الأدلة قال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ فجعل الدين هو الإيمان عند الإطلاق، مكون من عبادة الله، وإخلاص الدين له، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، كله يسمى دين، كله دين، عبادة الله وإخلاص الدين.

والإخلاص يكون بالقلب، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، أقوال باللسان، وعمل بالجوارح، وإخلاص بالقلب، وعبادة كل هذا جعله من الدين، وفي حديث أبي هريرة: الإيمان بضع وسبعون شعبة وفي رواية البخاري الإيمان بضع وستون شعبة ، فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان .

فجعل الإيمان بضع وسبعون شعبة، والبضع من ثلاثة إلى تسعة، كل هذه الشعب من الإيمان وذكر مثلا لأعلاها فقال: أعلاها كلمة التوحيد لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان كلمة الشهادة هذا مثال للنطق باللسان، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، هذا مثال لعمل الجوارح، والحياء شعبة من الإيمان، هذا مثال لعمل القلب، فمثل لعمل القلب، وعمل الجوارح، وقول اللسان، وبينهما شعبة متفاوتة، فالصلاة شعبة، والزكاة شعبة، والصوم شعبة، والحج شعبة، والأمر بالمعروف شعبة، والنهي عن المنكر شعبة، وبر الوالدين شعبة من شعب الإيمان وصلة الرحم شعبة، والجهاد في سبيل الله شعبة، كف الأذى عن الناس شعبة، وهكذا هذه شعب الإيمان.

وكذلك حديث وفد عبد القيس قال النبي آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد ا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم ففسر الإيمان بالشهادتين، والصلاة والزكاة والصوم، فدل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، والإيمان يزيد وينقص، قال تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ يزيد وينقص يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.

هذا هو الصواب الذي تدل عليه النصوص، وأن الإيمان قول باللسان، واعتقاد وعمل بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ولهذا يقول العلماء الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان أي الجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، خلافا للمرجئة المرجئة ذهبوا إلى أن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان.

قالت المرجئة الإيمان تصديق القلب فقط، إذا صدّق بقلبه، فهو مؤمن، والمرجئة طائفتان: المرجئة المحضة الغلاة الجهمية يقولون: الإيمان هو التصديق، يقولون: الإيمان هو المعرفة، إذا عرف الإنسان ربه بقلبه فهو مؤمن عند الجهم ولو فعل نواقض الإسلام، ولا يكفر إلا إذا جهل ربه بقلبه وعلى هذا يكون إبليس مؤمن على مذهب الجهم وفرعون مؤمن؛ لأنه عرف ربه بقلبه. هذا من أفسد ما قيل في تعريف الإيمان: إنه هو المعرفة.

ومثله -أيضا- قول الكرامية إن الإيمان هو الإقرار باللسان. وأما مرجئة الفقهاء فلهم روايتان - للإمام أبي حنيفة رحمه الله روايتان-:

الرواية الأولى: أن الإيمان شيئان: تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل الجوارح واجب آخر ليس من الإيمان. والرواية الثانية عن الإمام أبي حنيفة أن الإقرار باللسان ركن زائد ليس من الإيمان، والإيمان تصديق بالقلب، وهذا مذهب الماتريدية وهذه كلها أقوال ليست صحيحة.

والصواب: ما ذهب إليه العلماء ودلت عليه النصوص، أن الإيمان: تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالقلب وعمل بالجوارح. أما المرجئة فأخرجوا الأعمال من مُسمّى الإيمان، قالوا: أعمال القلوب وأعمال الجوارح ما تدخل في الإيمان. والإقرار باللسان منهم من أدخله ومنهم من منعه، وهذا مخالف للنصوص، -أي نعم- الخوارج ++لكن جمهور العلماء على أنهم مبتدعة وأنهم عصاة، وهو الذي ذهب إليه الصحابة الصحابة عملهم وعمل ++ لكن ظاهر النصوص أنهم كفار وهو القول الثاني قال صلى الله عليه وسلم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية++ ثم لا يعودون إليه نعم. وأبو حنيفة في الرواية المشهورة: أن الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالقلب، هذا الذي عليه جمهور أصحابه.

والرواية الثانية: أنه تصديق بالقلب فقط، والإقرار باللسان ركن زائد، وهذا هو مذهب أبي منصور الماتريدي الماتريدية أن الإيمان: تصديق بالقلب فقط؛ لأن أبا حنيفة يعتبر من مرجئة الفقهاء أول من قال بالإرجاء حماد بن أبي سليمان شيخ الإمام أبي حنيفة سمَّوْهم مرجئة الفقهاء هم طائفة من أهل السنة لكن خالفوهم في مُسمَّى الإيمان في اللفظ ووافقوهم في المعنى، وإن كان هذا الخلاف له أثر يترتب عليه، ليس لفظيا من جميع الوجوه.

أما المرجئة الغلاة وهم الجهم هؤلاء خلافهم يترتب عليه فساد في العقيدة، وليس من أهل السنة نعم؛ الشيخ حماد بن أبي سليمان هو أول من قال بالإرجاء. نعم, لا شك أن الإيمان يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح، نعم، لكن ابن حبان رحمه الله غير محقق في صحيحه، فله أغلاط في صحيحه، في الجزء الأول في صحيح ابن حبان ذكر فيما يتعلق بالعقائد ما يتمشى مع أهل البدع، ليس من أهل السنة ولا يتمشى مع معتقد أهل السنة والجماعة
البيهقي رحمه الله- جمع شعب الإيمان حتى أوصلها إلى تسع وسبعين وسماه كتاب شعب الإيمان، كل ما ورد في النص أنه شعبة سمّاه شعبة: الصلاة شعبة، والزكاة شعبة...., حتى أوصلها إلى تسع وسبعين شعبة، وقال: البضع من ثلاث إلى تسع، وقال: تحرر لدي أن شعب الإيمان تصل إلى تسع وسبعين شعبة، وقال يريد أن يفسر هذا الحديث: الإيمان بضع وسبعون شعبة.. يعني تحرى وجمع ما ورد في النص أنه شعبة وسماه شعبة، حتى وصلها إلى تسع وسبعين، وسمى كتابه "شعب الإيمان". نعم.

عبدالله الأحد
2015-05-14, 02:43 PM
مِن أُصُول السنة والاعتقاد عند أهْل السُّنَّة والجماعة: أنَّ الإيمان قوْل وعمَل، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.



وأصْل الإيمان في لغة العرب: تصديق القلْب المتَضَمِّن للعلْم بالمصدق به؛ قال تعالى حكايةً عن إخْوَة يوسُف: ï´؟ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ï´¾ [يوسف: 17].



وأما تعريفه الشرعي: فهو جميع الطاعات الباطنة والظاهرة، فيَتَضَمَّن اعتقاد القلْب ونُطق اللسان وعمَل الجوارح، وهذا مذهبُ أهل السُّنَّة، خلافًا للمُرجئة، ومَن قال بأقوالهم.



قال البخاري: وهو قوْل وفِعْل، يزيد وينقص، وقال أحمد: السُّنَّة أنْ تقولَ: الإيمانُ قول وعمل، يزيد وينقص.



وكتب عمر بن عبدالعزيز إلى عدي بن عدي: إنَّ للإيمان فرائض وشرائعَ، وحُدُودًا وسننًا، فمَن استَكمَلَهَا استَكمَلَ الإيمان، ومَن لَم يستكملْها لَم يستكملِ الإيمان، فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعمَلُوا بها، وإن أمُت فما أنا على صحبتكم بحريص.



وهذا متواتِرٌ عنْ أئمَّة العلْم والسُّنَّة.



قال البُخاري: لقيتُ أكثر من ألْف رجلٍ منَ العلماء بالأمصار، فما رأيتُ أَحَدًا يختلف في أن الإيمانَ قوْل وعمل، ويزيد وينقص، والأدلَّة على ذلك في كتاب الله وسنَّة نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - كثيرة؛ قال تعالى: ï´؟ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ï´¾ [الفتح: 4]، وقال تعالى: ï´؟ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ï´¾ [ طه: 76 ]، وقال تعالى: ï´؟ وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ï´¾ [الأحزاب: 22].



وقد سأل أبو ذر رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان، فتلا عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: ï´؟ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ï´¾[البقرة: 177].



الفرْق بين الإيمان والإسلام:

الإسلام لغة: الانقياد، وشرعًا: إذا أطلق غير مُقترن بالإيمان، فيُراد به الدِّين كله؛ قال تعالى: ï´؟ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ ï´¾، أمَّا إذا اقتَرَنَ بالإيمان، فيُراد به الأعمال والأقوال الظاهرة، دون أمور الاعتقاد، كما في حديث سُؤال جبريل؛ قال تعالى: ï´؟ قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ï´¾ [الحجرات: 14].



والإيمان لغة: التصديق، وشرعًا: إذا أطلق على الانفراد غير مُقترن بالإسلام، فيُراد به الدِّين كله اعتقادًا وقولاً وعملاً، كما بيَّنَّا مِن قبلُ، وإذا اقتَرَنَ بالإسلام فإنَّه يفسر بالاعتقادات دون الأعمال والأقوال.



والحاصلُ أنه إذا أُفرد كلٌّ منهما بالذِّكر، فإنه يُراد به الدِّين كله، فلا فرْق بينهما حينئذٍ، بل كلٌّ منهما على انفرادِه يشْمَل الدِّين كله، وإنِ اجتمع الاسمان فيفرق بينهما على ما في حديث سؤال جبريل، فيُراد بالإيمان: الاعتقادات الباطنة، ويراد بالإسلام: الأقوال والأعمال الظاهرة، ولهذا يُقال عن هذَيْن الاسمَيْن: إذا اجتمعا افتَرَقَا، وإذا افتَرَقَا اجتَمَعَا.



قال ابن حجر: والكلام هنا في مقامَيْن:

أحدهما: كونه قول وعمل، والثاني: كونه يزيد وينقص.



فأمَّا القولُ، فالمُرَاد به النُّطق بالشهادتَيْن، وأما العمل: فالمراد به ما هو أعم من عمل القلب والجوارح؛ ليدخل الاعتقادات والعبادات، ومراد مَن أدْخَل ذلك في تعريف الإيمان ومن نفاه إنما هو بالنظر إلى ما عند الله تعالى، فالسلَف قالوا: هو اعتقاد بالقلْب، ونطق باللسان، وعمل بالأركان، وأرادوا بذلك: أنَّ الأعمالَ شرْطٌ في كمالِه، ومن هنا نشأ لهم القول بالزيادة والنقص، والمرجِئة قالوا: هو اعتقادٌ ونطقٌ فقط، والكرامية قالوا: هو نُطق فقط، والمعتَزِلة قالوا: هو العمَل والنُّطق والاعتقاد.



والفرْق بين المعتزلة والسلَف: أن المعتزلة جعلوا الأعمال شرطًا في صحته، والسلَف جعلوها شرطًا في كماله.



وأما المقام الثاني: فذَهَب السلَف إلى أن الإيمان يزيد وينقص، وأنكر ذلك أكثر المتكَلِّمين، وقالوا: متى قبل ذلك النقص كان شكًّا. اهـ.



شُعب الإيمان:

قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: ((الإيمان بضعٌ وستون شُعبة، والحياءُ شُعبة من الإيمان))؛ رواه البخاري، وفي روايةٍ مُسلم: ((الإيمانُ بضع وستون، أو بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شُعبة من الإيمان)).



وقد حاوَلَ جَماعَة من أهْلِ العلْم حصْر هذه الشُّعَب بطريق الاجتهاد، واستقراء نُصُوص القرآن والسنَّة، ومِمَّنْ فَعَل ذلك ابنُ حبَّان، وعمر بن شاهين، والبيهقي، وابن حجر.



قال الحافظ: هذه الشُّعَب تَتَفَرَّع من أعمال القلب، وأعمال اللسان، وأعمال الجوارِح.



فأعمالُ القلْب فيه المعتَقَدات والنِّيَّات، وتشتمل على أربع وعشرين خصْلة:

الإيمان بالله، ويدخل فيه الإيمان بذاته وصفاته وتوحيده، بأنه ليس كمثله شيء، واعتقاد حدوث ما دونه، والإيمان بملائكته وكُتُبه ورُسُله، والقدَر خيره وشره، والإيمان باليوم الآخر، ويدخل فيه المسألة في القبر، والبعث، والنشور، والحساب، والميزان، والصراط، والجنة والنار، ومحبة الله، والحب والبُغض فيه، ومحبة النبي - صلى الله عليه وسلم - واعتقاد تعظيمه، ويدخل فيه الصلاة عليه، واتِّباع سنته، والإخلاص، ويدخل فيه ترْك الرِّياء والنِّفاق، والتوبة، والخوف، والرَّجاء، والشُّكر، والوفاء، والصبر، والرضا بالقضاء، والتوكُّل، والرحمة، والتوَاضُع، ويدخل فيه توقير الكبير ورحمة الصغير، وترْك الكبْر والعُجْب، وترْك الحسَد وترْك الحِقْد، وترْك الغَضَب.



وأعمال اللسان وتشتمل على سبع خصال:

التلفُّظ بالتوحيد، وتلاوة القرآن وتعلُّمه وتعليمه، والدعاء، والذِّكر، ويدخل فيه الاستغفار، واجتناب اللغْو.



وأعمال البدن، وتشتمل على ثمانٍ وثلاثين خصلة:

منها ما يختص بالأعيان، وهي خمس عشرة خصلة: التطهير حسًّا وحكمًا، ويدخل فيه اجتناب النجاسات، وستر العورة، والصلاة فرضًا ونفلاً، والزكاة كذلك، وفك الرقاب، والجود، ويدخل فيه إطعام الطعام، وإكرام الضيف والصيام فرضًا ونفلاً، والحج والعمرة كذلك، والطواف، والاعتكاف، والتماس ليلة القدر، والفرار بالدِّين، ويدخل فيه الهجرة من دار الشرك، والوفاء بالنذر، والتحرِّي في الأَيْمان، وأداء الكفَّارات.



ومنها ما يتَعَلَّق بالاتباع، وهي ست خصال:

التعفُّف بالنِّكاح، والقيام بحُقُوق العيال، وبر الوالدَيْن، وفيه اجتناب العُقُوق، وتربية الأولاد، وصلة الرَّحِم، وطاعة السادة، والرفق بالعبيد.



ومنها ما يتعَلَّق بالعامة، وهي سبع عشرة خصلة:

القيام بالإمرة مع العدل، ومتابعة الجماعة، وطاعة أولي الأمر، والإصلاح بين الناس، ويدخل فيه قتال الخوارج والبغاة، والمعاوَنة على البرِّ، ويدخل فيه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، والجهاد، ومنه المرابطة، وأداء الأمانة، ومنه أداء الخمس، والقرض مع وفائه، وإكرام الجار، وحسن المعامَلة، وفيه جمع المال من حله، وإنفاق المال في حقه، ومنه ترْك التبذير والإسراف، ورد السلام، وتشميت العاطس، وكف الأذى عن الناس، واجتناب اللَّهو، وإماطة الأذى عن الطريق، فهذه تسع وستون خصلة، ويُمكن عدها تسعًا وسبعين خصلة باعتبار إفراد ما ضم بعضه إلى بعض مما ذكر، والله أعلم.اهـ.



الاستثناء في الإيمان:

من صفة أهلِ الحقِّ الاستثناءُ في الإيمان، لا على جِهة الشَّكِّ، ولكن خوف التزكية لأنفسهم من الاستكمال للإيمان، وقد كان السلَف الصالح ينكرون على مَن يجزم بالإيمان، ويقولون له: أفأنت من أهل الجنة؟



قال رجل لعلقمة: أمُؤمن أنت؟ قال: أرجو - إن شاء الله - وقال يحيى بن سعيد: ما أدركتُ أحدًا من أهل العلم إلا على الاستثناء.



وقال سفيان بن عيينة: إذا سُئل: أمؤمن أنت؟ إن شاء لَم يُجبه، وإن شاء قال: سؤالك إياي بدعة، ولا أشك في إيماني.



وقال أحمد بن حنبل: إذا قال الرجل: أنا مؤمن - إن شاء الله - فليس بشاك، فقيل له: "إن شاء الله": أليس هو شكًّا؟ قال: معاذ الله، أليس قد قال الله تعالى: ï´؟ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ ï´¾ [الفتح: 27]، وفي علمه - سبحانه - أنهم يدخلون، ويُقال للمؤمن في قبره: ((على اليقين كنت، وعليه مت، وعليه تُبعَث - إن شاء الله))؛ فأي شك ها هنا؟



وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعاء زيارة القبور: ((وإنا - إن شاء الله - بكم لاحقون)).



وقال الآجُرِّي: إذا قال لك رجل: أمؤمن أنت؟ فقلْ: آمنتُ بالله وملائكته وكتبه ورسله والموت والبعث من بعد الموت والجنة والنار، وإن أحببت ألا تجيبَه فقل له: سؤالك إياي بدعة فلا أجيبك، وإن أجبته فقل: أنا مؤمن - إن شاء الله - واحذر مناظرة مثل هذا، فإن هذا عند العلماء مذموم، واتِّبِع مَن مَضَى من أئمة المسلمين، تسلمْ - إن شاء الله تعالى.



فاحذروا قول مَن يقول: أنا مؤمن عند الله، وأنا مؤمن مستكمل الإيمان، وأنا مؤمن حقًّا، أو إيماني كإيمان جبريل وميكائيل، فهذه من بدَع المرجئة، نعوذ بالله من البدْعة، ونسأل الله تمام النعمة والهداية بأن يتوفَّنا على الإيمان والسُّنَّة وصالح العمل.



قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة - رحمه الله -: والناسُ لهم في الاستثناء ثلاثة أقوال:

منهم من يحرِّمه؛ كطائفةٍ من الحنفية، ويقولون: من يستثنى فهو شاكٌّ، ومنهم من يوجبه كطائفة من أهل الحديث، ومنهم من يجوزه أو يستحبه، وهذا من أعدل الأقوال، فإن الاستثناء له وجه صحيح، فمَن قال: "أنا مؤمن إن شاء الله"، وهو يعتقد أن الإيمان فعل جميع الواجبات، ويخاف ألا يكون قائمًا بها - فقد أحسن، ولهذا كان الصحابة يخافون النِّفاق على أنفسهم.



ومَن اعتقد أن المؤمن المطلق هو الذي يستحقُّ الجنة، فاستثنى خوفًا من سوء الخاتمة - فقد أصاب، ومن استثنى خوفًا من تزكية نفسه أو مدحها، أو تعليق الأمور بمشيئة الله، فقد أحسن، ومَن جزَم بما يعلمه أيضًا في نفسه من التصديق، فهو مصيب.اهـ.



صفات المؤمنين في كلام رب العالمين:

قال تعالى: ï´؟ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ï´¾ [البقرة: 1 - 5].



وقال تعالى: ï´؟ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ï´¾ [آل عمران: 134، 135].



وقال تعالى: ï´؟ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ï´¾ [آل عمران: 191 - 194].



وقال تعالى: ï´؟ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ï´¾ [الأعراف: 201].



وقال تعالى: ï´؟ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ï´¾ [الأنفال: 2 - 4].



وقال تعالى: ï´؟ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ï´¾ [الرعد: 20 - 22].



وقال تعالى: ï´؟ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا * وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا * وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا * أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ï´¾ [الفرقان: 63 - 76].



وأخيرًا:

فهذا غيضٌ من فيض، وصفات المؤمنين في كلام ربِّ العالَمين أعظم من أن نحيط بها في هذه العُجَالة، فاحرِصْ - أخي المؤمن - على تدَبُّر هذه الآيات، واستعنْ بالله على تحصيل هذه الصِّفات.



نسأل الله الهِدَاية والتَّوْفيق

</b></i>

عبدالله الأحد
2015-05-14, 02:48 PM
قول أهل السنة و الجماعة في الإيمان














الإيمان حقيقته عند أهل السنة والجماعة هو: "اعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح". ويستدلون لقولهم هذا بقول النبي صلى الله عليه و سلم، "إن الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان". فالقول قول اللسان "لا إله إلا الله"، وعمل الجوارح وإماطة الأذى عن الطريق، والحياء عمل القلب.

أما عقيدة القلب فقوله، صلى الله عليه و سلم: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره".

وهم أيضاً يقولون إن الإيمان يزيد وينقص، فالقرآن قد دل على زيادته والضرورة العقلية تقتضي أن كل ما ثبت أنه يزيد فهو ينقص إذ لا تعقل الزيادة بدون نقص (وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانا) (المدثر: الآية 31). (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانا) (التوبة: الآية 124). ولاشك في ذلك، ومتى قلنا إن الإيمان قول وعمل فإنه لاشك أن الأقوال تختلف فليس من قال: "سبحان الله والحمد لله، والله أكبر" مرة كمن قالها أكثر، وكذلك أيضاً نقول إن الإيمان الذي هو عقيدة القلب يختلف قوة وضعفاً وقد قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) (البقرة: الآية 260). فإنه ليس الخبر كالمعاينة والمشاهدة.

رجل أخبر بخبر أخبره رجل واحد حصل عنده شيء من هذا الخبر فإذا جاء ثان إزداد قوة فيه، وإذا جاءه الثالث ازداد قوة وهلم، وعليه نقول: الإيمان يزيد وينقص حتى في عقيدة القلب وهذا أمر يعلمه كل إنسان من نفسه، وأما من أنكر زيادته ونقصانه فإنه مخالف للشرع والواقع. فهو يزيد وينقص.



وبهذا تم ما أردنا الكلام عليه، والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

من كتاب تجريد التوحيد المفيد للإمام المقريزي رحمه الله الصفحة الأخيرة :

واعلم أنَّ للعبادة أربع قواعد , وهي :

التحقيق بما يحب الله ورسوله ويرضاه , وقيام ذلك بالقلب واللسان والجوارح , فالعبودية اسم جامع لهذه المراتب الأربع , فأصحاب العبادة حقَّا هم أصحابهم .

فقول القلب : هو اعتقاد ما أخبرنا الله تعالى عن نفسه , وأخبر رسوله عن ربه من أسمائه وصفاته وأفعاله وملائكته ولقائه وما أشبه ذلك .

وقول اللسان : الإخبار عنه بذلك , والدعاء إليه , والذب عنه , وتبيين بطلان البدع المخالفة له , والقيام بذكره تعالى , وتبليغ أمره .

وعمل القلب : كالمحبة له , والتوكل عليه , والإنابة , والخوف , والرجاء , والإخلاص , والصبر على أوامره ونواهيه , وإقراره , والرضاء به وله وعنه , والموالاة فيه , والمعاداة فيه , والإخبات إليه , والطمأنينة , ونحو ذلك من أعمال القلوب التي فرضُها آكد من فرض أعمال الجوارح , ومستحبُها إلى الله تعالى أحبُّ من مستحب أعمال الجوارح .
وأما أعمال الجوارح : فكالصلاة , والجهاد , ونقل الأقدام إلى الجمعة والجماعات , ومساعدة العاجز , والإحسان إلى الخلق , ونحو ذلك , فقول العبد في صلواته : { إياك نعبد} التزام أحكام هذه الأربعة وإقرار بها .
وقوله : { إياك نستعين} طلب الإعانة عليها والتوفيق لها , وقوله : { اهدنا الصراط المستقيم } متضمن للأمرين على التفصيل , وإلهام القيام بهما , وسلوك طريق السالكين إلى الله تعالى .
والله الموافق بمنه وكرمه , والحمد لله وحده , وصلى اللهُ على مَن لا نبيَّ بعدَه وآله وصحبه ووارثيه وحزبه .

معلوم أن الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية . ولأهل السنة عبارة أخرى في هذا الباب وهي أن الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي ، وكلتا العبارتين صحيحة ، فهو قول وعمل ، يعني قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح وهو قول وعمل واعتقاد؛ قول باللسان وعمل بالجوارح واعتقاد بالقلب ، فالجهاد في سبيل الله والصلاة والزكاة والصيام والحج وسائر الأعمال المشروعة كلها أعمال خيرية ، وهي من شعب الإيمان التي يزيد بها الإيمان وينقص بنقصها عند أهل السنة والجماعة؛ وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعهم بإحسان .



فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله والصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد في سبيل الله وسائر الأعمال المشروعة كلها من شعب الإيمان التي يزيد بها الإيمان وينقص بنقصها . كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : الإيمان بضع وسبعون شعبة فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان متفق على صحته .



فلا يربح الناس ولا يسعدون ولا تحصل لهم النجاة في الدنيا والآخرة إلا بهذه الصفات الأربع : الإيمان الصادق والعمل الصالح وهو من الإيمان وإنما عطفه عليه لمزيد التأكيد والإيضاح ولأنه نتيجته وثمرته ، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر وكلاهما أيضا من الإيمان ، وإنما نبه عليهما سبحانه لعظم شأنهما ولشدة الحاجة إليها ، فالرابحون هم الذين آمنوا بالله ورسوله إيمانا صادقا وآمنوا بأن الله معبودهم الحق وآمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم وبجميع المرسلين وآمنوا بكتب الله وملائكته ورسله وآمنوا باليوم الآخر وبالقدر خيره وشره وآمنوا بكل ما أخبر الله به ورسوله .

هؤلاء هم الناجون والرابحون ، ثم قال بعد هذا وتواصوا بالحق وهذه صفة ثالثة وهي من جملة العمل الصالح ومن جملة الإيمان ولكن الله سبحانه نبه عليه لعظم شأنه؛ لأن التواصي معناه التناصح والتعاون على الخير والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كل هذا من جملة التناصح والتواصي كما قال عليه الصلاة والسلام : الدين النصيحة قيل لمن يا رسول الله قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم


ثم ذكر سبحانه الخصلة الرابعة وهي التواصي بالصبر لشدة الحاجة إليه . فهكذا المؤمنون والرابحون والسعداء من الرجال والنساء يؤمنون بالله وباليوم الآخر إيمانا صادقا مستقرا في القلوب ، وقد أخلصوا لله في أعمالهم ووحدوه سبحانه وآمنوا به وبما أخبر به في كتابه وبما أخبر به رسوله عليه الصلاة والسلام وحققوا هذا الإيمان بالعمل الصالح .



فأدوا الصلاة وأدوا الزكاة وصاموا وحجوا واجتهدوا وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر إلى غير هذا من أعمال الإيمان . ومن جملة ذلك الخصلة الثالثة التواصي بالحق وهو عمل من أعمال الإيمان ، لكنه لما كان له شأن عظيم خصه بالذكر كما تقدم ليتناصح الناس وليتآمروا بالمعروف ويتناهوا عن المنكر ويتعاونوا على البر والتقوى ويدعوا إلى الله ويرشدوا إليه ، وهكذا الخصلة الرابعة وهي التواصي بالصبر نبه عليها سبحانه لعظم شأنها وشدة الضرورة إليها؛ لأن الأمور كلها لا تحصل إلا بالله سبحانه ثم بالصبر .



فالواجب على أهل الإيمان الصبر على أداء الحق والكف عن الباطل والاستعانة بالله في ذلك وبذلك يفوزون بالربح العظيم والعاقبة الحميدة والفلاح في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ وقال سبحانه يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
والآيات في هذا المعنى كثيرة .



فالعباد في أشد الحاجة والضرورة إلى الضراعة إلى الله وسؤاله الهداية . فإنه الهادي الموفق سبحانه وتعالى ، فمن يهدي الله فهو المهتد ومن يضلل فلا هادي له ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

فالمؤمن والمؤمنة يضرعان إلى الله ويسألانه الهداية والتوفيق ويعملان بإيمان صادق وإخلاص تام وتواص بالحق وتواص بالصبر ، كما قال الله تعالى وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ وقال سبحانه وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ فالمؤمن يتضرع إلى الله والمؤمنة تتضرع إلى الله ويسألانه سبحانه أن يوفقهما وأن يعينهما حتى يؤديا ما أوجب الله عليهما من الحقوق له سبحانه ولعباده .



فالإيمان كما تقدم بضع وسبعون شعبة أعلاها وأفضلها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق كحجر أو شوك أو نحوهما . والحياء من الإيمان وهو خلق كريم يقوم بالقلب يمنع من سفاسف الأخلاق وسيئ الأعمال ويدعو إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال كما قال صلى الله عليه وسلم الحياء لا يأتي إلا بخير وفي لفظ آخر الحياء خير كله خرجهما مسلم في صحيحه . أما ما يدعو إلى الجبن والضعف عن القيام بأمر الله والغيرة لدينه والنصح لعباده فإنه ليم بحياء ولكنه خور وضعف لا يليق بالمؤمن التخلق به . هذا وأسأل الله عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح وأن يرزقنا وإياكم الفقه في دينه والثبات عليه وأن يجعلنا وإياكم من المسارعين إلى مراضيه والمستقيمين على أمره والمتحابين في جلاله والمتواصين بالحق والصبر عليه كما أسأله سبحانه أن ينصر دينه وأن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان وأن يمنحهم الفقه في الدين وأن يولي عليهم خيارهم ويعيذهم من شرارهم ، كما أسأله عز وجل أن يوفق حكومتنا لكل خير وأن يعينها على كل خير ويصلح لها البطانة وأن يجعلها موفقة في كل أعمالها وأقوالها وسيرتها وأن ينفع بها البلاد والعباد وأن يكثر أعوانها في الخير ، كما أسأله عز وجل أن يبارك في هذه المؤسسة وينفع بها المسلمين وأن يعين القائمين عليها على كل خير وأن ينفع بهم الأمة إنه جواد كريم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان
منقول

عبدالله الأحد
2015-05-14, 02:52 PM
الإيمان قول وعمل ونية ـ

أول المسائل أن الإيمان قول وعمل نعني به قول القلب وقول اللسان وعمل القلب وعمل اللسان وعمل الجوارح ، هذه خمسة اقسام ويمكن أن نقول أربعة ، إذا ضم عمل اللسان إلى عمل الجوارح ، وفي الحقيقة القول أصلاً لكن لماذا خص قول اللسان الذي هو نطق الشهادتين بقسم ؟ لاختلافه في الحكم ، للاتفاق بين أهل السنة على أن ترك النطق بالشهادتين مع القدرة إباء وترك نطق الشهادتين كفر والعياذ بالله ، فالكافر إذا لم ينطق الشهادتين وأبى أن يقول لا إله إلا الله كان كافراً في الدنيا والآخر بخلاف غيرها من الأقوال ، فلا يلزم أن يكفر خلاف الصلاة معروف وهي أقوال بالإضافة إلى الأعمال ، أما مثلاً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أما إذا تكلم بلسانه بكلام يخالف وكان محرماً لا يزول إيمانه ما لم يكن كفراً ،

فجعلوا قول اللسان الذي هو النطق بالشهادتين حكم مستقلاً رغم أنه في الحقيقة حركة اللسان كسائر الحركات باختلاف حكم النطق بالشهادتين عن باقي المسائل ، فقول القلب معناه الاعتقاد والتصديق واليقين والمعرفة بالله ، هذه الألفاظ الأربعة معانيها متقاربة تستعمل استعمالا واحداً وإن كان التدقيق في الفرق بينها يمكن أن يكون له وجه لكن في حقيقتها بمعنى واحد ،

أعني أن الأصل عقد القلب تشبيه له بالعقدة التي تربط لأن القلب يربط على هذه المسائل في العقيدة ومسائل الإيمان ولا ينفك عنها لأنها لا تزول وهو التصديق أيضا وهو تصديق بالقلب لأن النبي صلى الله قال (من قال لا إله إلا الله صدقاً من قلبه ) رواه احمد وغيره وصححه الالباني فهو مصدق .

واليقين أعلى درجات الصديق ، اليقين تصديق لا يأتيه وسوسة ولا شك ،

المعرفة بالله سبحانه وتعالى هو المعرفة وهو أيضاً مبني على أن يعرف الإنسان ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بالله سبحانه وتعالى ،

عند التدبر أن هذه الألفاظ إن اختلفت في معانيها اللغوية إلا أن حقيقتها في القلب متلازمة أو هي مترادفة أو قريبة من الترادف ،

في الله سبحانه وتعالى هو أهل الإيمان ، معرفة الله هو أصل اليقين بالله والتصديق بالله عز وجل ، ما يتفرع عن ذلك الإيمان بالله من باقي أصول الإيمان من الصديق واليقين والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر خيره وشره ،

هذه الألفاظ ، العلم والمعرفة والاعتقاد والتصديق واليقين رغم تفاوت يسير بينها شبه مترادفة ، فالإنسان يعلم أن لا إله إلا الله ويعلم ويؤمن بالملائكة ويوقن بوجودهم وصفتهم وحقيقتهم وحقيقة عبوديتهم لله عز وجل ، ويؤمن بالكتب ويصدق بها ويعلم في قلبه أن الله أنزل كتباً وضمنها كلامه وأنها حق ويعلم صدق الرسل ويؤمن بصدقهم وهذا قول القلب ، هو شرط في أصل الإيمان بلا تردد ، شرط في أصل الإيمان بالاصطلاح المعاصر الواسع لكلمة الشرط ، لا نعني أنه شرط في أصل الإيمان أنه خارج عن ناحية الإيمان ،

كلمة الشرطية لهما معنى اصطلاحي لدى الأصوليين ولهما معنى لغوي وشرعي أوسع من هذا المعنى الاصطلاحي

المعنى الاصطلاحي لدى المتأخرين هو أن الشرط يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده الوجود ،

أما في اللغة والشرع فيستعمل في كل ما كان جزءاً من الماهية أو ليس من الماهية لكن تزول ماهيته بزمنه

أعني قد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط ) رواه بن ماجه وصححه الألباني لا يعني بذلك صلى الله عليه وسلم عند عامة أهل العلم وتفسير الحديث ما كان خارجاً عن أركان العقد بل دخل في ذلك من أركان العقود الباطلة فلو اشترط عقدين وجعل ركناً في أحد العقدين عقداً آخر فهو شرط ليس في كتاب الله كالشغار مثلاً ، إذا زوج ابنته لفلان على أن يزوجه ابنته فهذا في الحقيقة عند التأمل أنهما عقدان كل منهما دخل في الآخر من جهة الأركان ، الإيجاب والقبول كل منهما دخل في الآخر وهذه أركان بالاصطلاح ،

الركن في الاصطلاح هو ما يلزم من وجوده الوجود ويلزم من عدمه العدم

الشرط لا يلزم من وجوده الوجود ويلزم من عدمه العدم .

الركن جزء من الماهية والشرط خارج عن الماهية ،

الماهية يعني حقيقة الشيء

لو قلنا الوضوء بالنسبة إلى الصلاة استقبال القبلة بالنسبة إلى الصلاة ،هذه شروط أما الفاتحة والركوع والسجود فهي أركان لكن كما ذكرنا الاصطلاح الأصولي شيء والاستعمال اللغوي والشرع شيئاً آخر ،

والرسول صلى الله عليه وسلم عندما نهى عن شرطين في بيع دخل في ذلك عند عامة العلماء عقدين في عقد واحد ما كان متعلقاً بالأركان ، ولذلك نقول عندما نقول أن هذا القول قول القلب شرط في أصل الإيمان لانعني أنه خارج عن الإيمان ، نحن نقول هو أصل الأيمان حتى عند غلاة المرجئة أنه من الإيمان ، لكن نستعمل كلمة الشرط بمعناها اللغوي والاستعمال الشرعي كذلك لا الاصطلاحي ، فلا يقول قائل أخرجتم قول القلب من الإيمان أو أخرجتم قول اللسان حيث قلت أنه شرط ،

ولم يزل العلماء يتكلمون كثيراً عن الشروط الصحيحة والباطلة في كثير من الأشياء ، لما قال ابن حجر مثلاً في هذه المسألة قال أن أهل السنة يقولون أن الإيمان قول وعمل ولكن هل هو شرط كمال أو شرط صحة في الإيمان ؟ فيذكر هذه المسألة والصحيح أنها شرط كمال والفرق بين أهل السنة والخوارج أن الخوارج يقولون شرط صحة ،

في الحقيقة لا يستعمل معنى الشرطية على المعنى الاصطلاحي حتى يقال هذا رجل من الأشاعرة المرجئة ،أبداً بل هو ينص على أن الإيمان قول وعمل ، ولا يصلح بعد ذلك أننا نأخذ كلامه ونقول أنه وافق في ذلك قول المرجئة بإخراج العمل من الإيمان حيث سماه شرطاً ، بل نقول هذا علىا المعنى اللغوي والشرعي ، كيف تأخذ من كلامه ما يفهم ضد كلامه قبله بسطر واحد ، هو يصرح بأنه قول وعمل ، الأعمال من الإيمان فلا يصح أن يقال أن قوله شرط يخرجها من الإيمان .

الغرض المقصود بكلمة شرط عندنا هنا بمعنى أنه الركن ، بمعنى أن اعتقاد الإنسان في الله عز وجل ركن في الإيمان ، ومعرفته بأن لا إله إلا الله ركن في الإيمان في أصل الإيمان يزول الإيمان بزواله ، وإذا وجد في القلب وجد شيء من الإيمان لكن لا يلزم وجود الإيمان كله ، ولا حتى أصله كله ،

سيأتي بيان أن هناك من عمل القلب ما هو ركن في أصل الإيمان ،

بمعنى أن وجود الإيمان يتوقف على وجوده وينعدم الإيمان بزواله فهمها عمل الإنسان من عمل لا يكون مؤمناً ما لم يوقن بقلبه ، لابد من يقين القلب ، قال النبي صلى الله عليه وسلم ( من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة ) رواه مسلم ، إذن من مات وهو قد نطق الشهادة وصلى وصام لكن في قلبه يشك لم يكن مؤمناً أو في قلبه يعتقد خلاف ذلك ، منافق نفاق أكبر والعياذ بالله لاعتقاده خلاف الحق ،

أما قول اللسان هو نطق الشهادتين ، أن ينطق العبد ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ، نقول دائماً مع القدرة لأجل أن الأخرص إذا أشار قبل منه ذلك ، حتى لو عجز عن الإشارة لم يكن ذلك قادحاً في إيمانه ، أو أنه عاجلته المنية فم يقلها ولكنه اعتقدها اعتقاداً جازماً ، جاء ليقولها عاجلته المنية أصابته رصاصة مثلاً ، جاء يقول أشهد قتله الكفار ، فهذا وإن لم يحكم بإسلامه عندنا إلا أنه مسلم عند الله سبحانه وتعالى ، لأننا لا نعلم هل قالها أم لا ، لا نعلم إلا بالظاهر أما في باطن الأمر فهو إذا عجز عن قولها فهو عند الله مؤمن ،

أصل الإيمان في هذا القول شهادة أن لا إله إلا الله ، نقول أصل الإيمان شهادة أن لا إله إلا الله ، يعني ممكن يكون في إيمان إذا علم لا إله إلا الله ولم تبلغه دعوة الرسل ولم تبلغه دعوة رسول معين ،

إذا بلغته دعوة محمد صلى الله عليه وسلم ، من بلغه أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم لزمه أن ينطق بذلك ،وإلا لم تقبل منه شهادة أن لا إله إلا الله ،

ولكن يتصور وجود شيء من الإيمان إذا نطق الإنسان بشهادة لا إله إلا الله واعتقدها طبعاً نحن نقصد أنه اعتقدها وهو لا يعلم أن محمد رسول الله لعدم بلوغ خبره ، كأن يكون ذلك قبل بعثته صلى الله عليه وسلم مثلاً ، هذا الإنسان الذي شهد أن لا إله إلا الله ومات ولم يبلغه خبر النبي صلى الله عليه وسلم ومات على ذلك يكون مؤمناً عند الله وعنده أصل الإيمان لأنه نطق بكلمة التوحيد واعتقدها بخلاف من أبى أن يشهد أن محمد رسول الله وقد بلغته فهو كافر أو لم تبلغه وكان مشرك بالله ويصرح بعبوديته لغير الله ، يعني نقول واحد لم ينطق الشهادة أو لم يعتقدها ولم تبلغه دعوة الرسل ، يكون كافر غير معذب ولكنه كافر لأنه لم يقل ولم يعتقد أن لا إله إلا الله ، يعني أصل الدين لا إله إلا الله لابد منها باطناً وظاهراً ، كونه معذور أو غير معذور هذه مسألة أخرى بناءً على بلوغه دعوة الرسل { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } الاسراء 15 ،لكن هل يتصور أن يكون مؤمناً ولم يقل لا إله إلا الله لا بقلبه ولا بلسانه ؟ لا يتصور ذلك ، نحن نستثني في النطق العاجز فقط ، من عاجلته المنية أو كان أخرص ، لكن الاعتقاد الباطن لا يتصور ، إذا اعتقد صحة عبادة غير الله أو عبادة الملائكة أو عبادة المسيح هذا مشرك ابتداءاً إيما كان سواء أكان معذور أم غير معذور ، بلغته الدعوة أم لم تبلغه لكن يتصور في محمد رسول الله أنه لم تبلغه دعوته ويكون مؤمناً عند الله ، والكافر الذي يعبد غير الله لم يأتي بـ لا إله إلا الله كافر وكونه معذب أو غير معذب بناء على بلوغ الدعوة أو عدم بلوغها ،

لذلك نقول من لم تبلغه وكان يشرك بالله ويصرح بعبوديته لغير الله ، لماذا نقول يصرح ؟ لمسألة اللوازم ، من كان يعبد غير الله بلازم حاله وقوله ، يعني يدعوا غير الله ولما تأتي تقول له أنت تعبد غير الله ؟ يقول لا أعبد غير الله ، تقول له الدعاء عبادة يقول أعوذ بالله أنا لا أعبد إلا الله ، أنا لا أعبد البدوي ولا الدسوقي ، بخلاف واحد يقول أنا أعبد اللات والعزى لتوصلني إلى الله ، الذي يعبد الدسوقي والبدي لم يقل ذلك ، بل يقول أنا لا أعبد البدوي والدسوقي ومن هنا نقول يصرح ، لأن الذي يعبد باللوازم ، لازم حاله وهي عبادة البدوي والدسوقي أنه يصرف له العبادة ولم يسمه إلهاً ، لا نسمه كافر أصلي ولا نجعله كافر ليس عنده أصل الإيمان بل هو في الحقيقة عنده لا إله إلا الله إجمالاً ولذلك كان مسلماً معذوراً ، كان عند أصل الإيمان ويمكن أن يغفر له ما جهله لذلك

لماذا نقول يصرح بعبوديته لغير الله ؟ يقول أنا اعبد المسيح أو أنا أعبد الدسوقي والبدوي إذا صرح يقول أنا أعبد اللات والعزى لأن هذه صريحة في نقض لا إله إلا الله

لذلك نقول لم تبلغه دعوة الرسل ولم تبلغه دعوة محمد رسول الله ولم تبلغه دعوة رسول آخر وكان يشرك بالله ويصرح بعبادة غير الله كمن يعبد الملائكة أو المسيح أو الأصنام ولو لم تكن دعوة الرسل تداركته فهو كافر ليس بمؤمن وإن كان غير معذب حتى تبلغه دعوة الرسل

الذي نقول عليه معذور بالجهل فيمن نطق كلمة التوحيد واعتقد أن لا يعبد إلا الله وجهل أن الدعاء عبادة وجهل أن الحكم عبادة وجهل أن موالاة الكفار تكفره أو أنها محرمة أو أن هذه موالاة أو أن هذا النوع يخرجه من الملة أو أن هذا النوع حرمه الله ، من جهل هذه الأشياء وهو عنده أصل لا إله إلا الله ،هل هذا كافر غير معذب في الآخرة ؟ لا لأجل وجود لا إله إلا الله في قلبه وعلى لسانه هو مؤمن ناقص الإيمان ،

طالب : ولو صاحب بدعة مكفرة ؟

الشيخ : صاحب البدعة المكفرة لو بلغته الأدلة كان كافراً خارج من الملة بعينه ،

دعاء غير الله وموالاة الكفار موالاة مكفرة والحكم لغير الله هذه أشياء مكفرات ، ولكن الذي نطق الشهادة وكلمة التوحيد وهو يعتقد أن لا يعبد إلا الله ويقول ذلك بلسانه ولكن يقول لسنا نعبدهم لابد أن تقام عليه الحجة أولاً فالحكم في الآخرة هذا حكمه في الدنيا مسلم مرتكب بدعة قبل أن تقام عليه الحجة لا يكفر لم يخرج من الإسلام بيقين ، لم يمكن تكفيرهم حتى يقام عليهم الحجة الكتابية وإن كانت لا إله إلا الله محمد رسول الله التي عندهم تنفعهم في الدنيا والآخرة ، ويوم القيامة يستحقون العقوبة لتقصيرهم في طلب العلم ، من كان من مفرطاً ويستحق العذاب ودخول النار لكن لا يخلد فيها ، كالرجل الذي أم بحرق نفسه كما سيأتي الاستدلال بذلك ،

الرجل الذي أمر بحرق نفسه أتى بكفرين :

أتى بشكه في قدرة الله وشكه في البعث ،

ومع كونه كان يعتقد أن لا إله إلا الله وفعل ذلك خشية لله غفر الله له وأخرجه من النار وفي بعض طرق الحديث أنه آخر من يخرج من النار ،

نقول هذا الكلام لوجود بعض المشايخ من أيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله فما بعده يجعل هذا الصنف من الناس ، بعضهم يجعله كافراً في الدنيا والآخرة وبعضهم يجعله كافراً في الدنيا وغير معذب بل من أهل الاختبار في الآخرة ،

بعضهم يكفره في الدنيا ويستحل دمه وماله ويعامله ككافر ويجعله يوم القيامة من أهل الامتحان ، بعض المعاصرين يقول ذلك وكثير من الكتب والدراسات الماجستير والدكتوراه وغيرها التي تقدر في هذه الأوقات وخصوصاً في السعودية كثير منها يبدوا على هذه الأقوال لبعض المشايخ التي ليس لها نظير عند أهل السنة من المتقدمين في الحقيقة ،

لذلك أنا أقول الذي يصرح بعبوديته لغير الله غير الذي يقول أنا أعبد الله وحده لا شريك له وهو في نفسه يعتقد ألا يعبد إلا الله ، لذلك نقول هذا ليس بخارج من الملة وإن أتى بكفر ، ولا أن ذلك في أصل إيمانه أنه لا يعلم أن هذه تقدح فيها ، وهو لم يعلم أن هذا الشيء عبادة لغير الله وهو يأبى أن يعبد غير الله ،وقال النبي صلى الله عليه وسلم (الشرك أخفى )من دبيب النمل فقالوا يا رسول الله كيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل قال ( فقولوا اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئاً نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه ) رواه احمد وصححه الألباني في الأدب المفرد عموم هذا الحديث دليل على أن ما لا يعلم من الشرك يمكن أن يغفر ، ولذلك قلنا أن هذا النوع من الشرك وإن كان في حقيقته شركاً أكبر لكن صاحبه لم تقم عليه الحجة فلا يكون كافراً ولا مخلداً في النار إذا لم تقم عليه الحجة ، وعنده أصل كلمة التوحيد عنده لا إله إلا الله ، يعتقدها ويوقن بها وينطق بها فهذه المسألة دليلها الظاهر القريب لكلامنا هذا قصة الرجل الذي أمر بحرق نفسه كما ذكرنا أتى بشيء من الشرك والكفر في موضعين ومع ذلك خرج من النار ونفعه خوفه من الله عز وجل لوجود أصل الإيمان عنده لا إله إلا الله ،

فهنا مسألتان :

عبدالله الأحد
2015-05-14, 02:56 PM
مسألة الإيمان والدين ومسألة الوعد والوعيد ، ولا يشترط أن يكون هناك تلازم تام بينهما فقد يحكم على إنسان بالكفر وذلك لأنه يشرك بالله وإن لم يبلغه عن الله وعن رسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين النهي عن الشرك ولم يأتيه رسول ومات على ذلك إذن هذا كافر بلا نزاع ، لم يأتي بالتوحيد ، ثم إنه يمتحن يوم القيامة ، ولا يدخل النار حتى يمتحن قال الله تعالى { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } الاسراء 15 فلا يحكم له بالإيمان لأنه لا يعلم أنه لا إله إلا الله ولم ينطق بــ لا إله إلا الله ، لكن لم تأتيه دعوة رسول فلذا يمتحن يوم القيامة بأن يأمره الله بدخول النار فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً ومن لم يدخل سحب إليها ،

هذا بالنسبة إلى اعتقاد القلب وقول القلب ،

نقول هذا الكلام لأجل التفريق بين أصل الدين وأصل لا إله إلا الله ، وـ لا إله إلا الله ـ اعتقاداً ونطقاً هي أصل الدين وبين لوازمها ، لأن ما يقع من شرك في كثير من أهل زماننا هو مرده إلى مسألة اللوازم ، هي من حقيقة لا إله إلا الله ،

نقول هناك فرق بين الذين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط وبين من صرحوا لموسى وقالوا اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ، الرسول صلى الله عليه وسلم شبههم وقال ( قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ) رواه الترمذي وغيره وصححه الألباني هذه الكلمة مثل هذه ولكن هؤلاء كانوا يريدون متابعة النبي صلى الله عليه وسلم وكان قصدهم أن يلتزموا بما أمر النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا قد جهلوا أن هذه الكلمة تنافي لا إله إلا الله فلم يعاملهم النبي صلى الله عليه وسلم كمرتدين ولم يعاملهم كأصحاب مسيلمة الكذاب ، ولكن نبههم وغلظ عليهم وأقسم أن هذه الكلمة تناقض لا إله إلا الله ومع ذلك لم يعاملهم كمن نقضوا لا إله إلا الله ، أفهمنا ؟

ولذلك نقول أن هذه المسألة ، مسألة ما يقع من الشرك في زماننا مع نطق من يقع فيه بكلمة التوحيد ، لا يحكم عليه بالشرك والكفر لأجل الجهل أو التأويل أو غير ذلك من الموانع ، ويكون هذا النطق بكلمة التوحيد مع اعتقادها مانعاً للخلود في النار وكونه يدخلها أو لا يدخلها بناءاً على المشيئة عند الله عز وجل ، لكن إن دخلها لم يخلد في النار ،

ونقول ليس هذا من أهل الامتحان بل هذا من أهل الإسلام الذين عندهم أصل كلمة التوحيد ، لا نعني بذلك أن كل من قال لا إله إلا الله واعتقدها يسظل على ذلك ولو فعل ما فعل ، لكن إذا بلغه شيء من لوازمها وعلم حقيقة العبادة بنوعيها فأصر على صرفها لغير الله كان ذلك شركاً ناقلاً عن الملة كما ذكرنا في من لم تبلغه محمد رسول الله ، فبلغته محمد رسول الله فأبى أن يقولها يكون نقض لا إله إلا الله ، أصبح محمد رسول الله هنا في حقه ركن في الإيمان ، لا يقبل لا إله إلا الله بدون محمد رسول الله إذا بلغته ، لا يقبل لا إله إلا الله محمد رسول الله إذا بلغه القرآن حتى يؤمن بالقرآن آية آية إذا بلغته وإجمالاً إذا بلغه كله ،

لو أنه بعد أن قال لا إله إلا الله محمد رسول الله صدق بالفاتحة ثم جاء عند آية من آيات البقرة فقال إنها لا تعجبه أو أنه لا يصدق بها لكان ذلك ردة عن الإسلام وخروجاً من الملة ، لو بلغه خبر رسول من الرسل أو كان يعتقد مثلاً كاليهود في سليمان أنه كان ملكاً وليس برسول وأنه كان يعبد الأوثان ونحو ذلك فبلغه ثناء القرآن عليه فأبى ذلك وكذب سليمان أو كذب عيسى ، كيهودي ظن أن النبي صلى الله عليه وسلم طالما أنه لم يقل بأن عيسى هو الله أنه يقول قولهم في عيسى فلما بلغه أن محمداً صلى الله عليه وسلم يمدح في عيسى كفر بعيسى لكان ذلك نقاضاً لا إله إلا الله محمداً رسول الله ، يعني كل ما يبلغه عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم قطعياً يصبح ركن في الإيمان في حقه ، لذلك هذا التصديق يزيد وينقص من جهة الكمية من هذا الباب ، من جهة أنواع ما يؤمن به ، لو بلغه اسم من أسماء الله ورد في القرآن فكذب به لم يكن مؤمناً ، انتقض أصل إيمانه مع أن أصل الإيمان هو لا إله إلا الله ، لكن هل هذا الأصل يختلف من شخص إلى آخر ؟ نعم حسب ما بلغه عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم ، بدون لا إله إلا الله لم يكن مؤمن بحال من الأحوال لا في الدنيا ولا في الآخرة بل كافر بدون لا إله إلا الله اعتقاداً ونطقاً لا يكون مسلماً ولا مؤمناً في الدنيا ولا في الآخرة يكون كافر لكن لا يعذب حتى يمتحن ، بخلاف واحد نطق الشهادة وارتكب شركاً أو كفراً منع من حكم الكفر عليه مانع من الموانع الجهل أو التأويل أو الإكراه أو الخطأ ،

واحد أتى وقال اللهم أنت عبدي وأنا ربك من شدة الفرح ، لما أتى يقول اللهم لك الحمد أنت ربي وأنا عبدك فأخطأ وقال اللهم أنت عبدي وأنا ربك ، هذه الكلمة كفر بلا شك ، اللهم أنت عبدي كفر والثانية أيضا كفر ، لكن لما نطبق الكفر عليه نجده أخطأ ، فهذا الرجل ما حكمه عند الله مؤمن وعندنا كذلك ، لأنه مؤمن ، لأن خطأه منع من تكفيره مع أنه ارتكب شركاً أكبر وكفراً أكبر نطق به بلسانه ، لو قال ذلك معتقداً ولم يكن مخطئاً ، لو قال ذلك قاصداً لكان ذلك ناقضاً لإيمانه .

نرجو أن يكون الكلام قد فهم .

فهناك فرق بين أصل الدين الذي يثبت به أصل الإيمان هو النطق بالشهادة مع اعتقادها وهذا قد يزيد في حق بعض الأشخاص كلما بلغه شيء عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم لزمه أن يصدق بها ، إذا كذبه صار كافراً بعد أن يبلغه عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم ،

تكلمنا عن أن الإيمان قول وعمل ، ذكرنا فيه قول القلب وهو اعتقاده وتصديقه ويقينه ومعرفته بالله عز وجل وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره وكذلك ذكرنا قول اللسان ونطق الشهادتين أن ينطق العبد ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأصل الإيمان بذلك نطق شهادة أن لا إله إلا الله ولمن بلغه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يتصور وجود من لم يبلغه محمد رسول الله فيكون مؤمناً بـ لا إله إلا الله ، دون هذه الكلمة وبدون أن يقر بـ لا إله إلا الله باطناً وظاهراً لا يكون مؤمناً سواء كان معذوراً أو غير معذور ، غير معذور لأنه بلغته دعوة الرسل ، ومعذور لأنه لم تبلغه دعوة الرسل ، لكن يكون كافراً معذوراً أو مشركاً معذوراً طالما لا يأتي بـ لا إله إلا الله ، أما محمد رسول الله فيتصور أن يكون مؤمناً بـ لا إله إلا الله معذوراً في كونه لا يشهد أن محمد رسول الله لأنه لم يبلغه ولم يسمع به عليه الصلاة والسلام ، فلا يكون من أهل الاختبار ، أما الكافر المعذور فهو من أهل الاختبار ، يجب أن يكف عنه في الدنيا لا يقتل حتى يبلغ ، ولكن لو قتل فقد قتل كافراً ، عمد من قتله محرماً لكنه على الكفر لا يعتد بأنه قد أسلم لأنه لم تبلغه الدعوة بل هو كافر معذور لأنه لم يعتقد أن لا إله إلا الله ولم ينطق بأن لا إله إلا الله ،

أما عمل القلب فهو حب الله عز وجل والإخلاص له والحب لأجله وفيه وكذا البغض لأجله ، ورجاء الله عز وجل الذل له والتوكل والشكر والصبر وسائر أعمال القلوب التي بعضها واجبه وركن ومنها ما يكون مستحباً كالرضا بالمصيبة مثلاً فالصبر واجب والرضا مستحب ، هناك من أعمال القلوب ما يكون مستحباً ككمال درجات التوكل ، كل هذه الأعمال له أصل وكمال واجب وكمال مستحب ، فهذه الأعمال القلبية شيء زائد على مجرد التصديق والعلم

نضرب مثالاً :

نقول كون المرء يعلم أن فلاناً هو أحمد أو محمد ، هذا شيء يعرفه ، كونه يحبه أو يبغضه هذا شيء آخر ، فنحن نعلم تماماً ونوقن بكفر أبي جهل وفرعون ونبغضهم ، الإقرار بكفرهم شيء وعمل القلب وهو بغضهم شيء آخر ، يعني علم وعمل ، العلم أن نعلم أنهم كفار ، إذن لو أن إنساناً كذب بهذا يكون مكذباً للقرآن ، ولو أن إنساناً أحبهم يكون مع كونه مصدقاً بأن القرآن أخبر بكفرهم وصدق بذلك كمن يدافع عن إبليس مثلاً كمن يحب إبليس وأبي جهل ويراه قد عمل ما ينبغي أن يعمله فهذا كفر ليس راجعاً إلى التكذيب ولكن راجع إلى انتفاء عمل القلب ، وهو أنه لابد أن تبغض من أبغض الله ، فهذا يحب من أبغضه الله ، وكذا أن يبغض من أحب الله يعني من أبغض نبياً من الأنبياء ، من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، من أبغض شيئاً من الدين ، فهذا والعياذ بالله يكون كافراً ، لذلك عد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله من نواقض الإسلام من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار ) رواه البخاري فمن أبغض الأنصار لأجل نصرتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا يكون منافقاً النفاق الأكبر ، لو صرح بلسانه زاد على ذلك أنه أصبح كافراً صرح بالنفاق ، لكن في باطنه أنه يبغض الأنصار لأجل نصرتهم ولأجل هذا الوصف فضلاً عن من أبغض ما جاء به القرآن ، قال الله عز وجل { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ } محمد 9 فكراهية ما أنزل الله عز وجل من كتابه وكراهية ما أنزل الله من حب أنبيائه وملائكته ورسله فهذا كله من الكفر قال عز وجل { قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ } البقرة 97 نزلت بإجماع أهل التفسير في اليهود الذي قالوا عن جبريل بعد أن شهدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه نبي وسألوه عن مسائل لا يعلمها إلا نبي فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه من الذي يأتيك من الملائكة فقال جبريل فقالوا هذا عدونا من الملائكة لأنه يأتي بالعذاب والهلاك ولو كان غيره الذي يأتيك لاتبعناك فأبوا أن يتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم مع تصديق الباطل وتصديق أن جبريل ملك وأنه هو الذي يأته ولم يقولوا أن كاذب في ذلك بل جزموا بصدقه وأصبحوا موقنين بصدقه ولكن أبغضوا جبريل فأنزل الله { قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} قضية كبيرة جداً قضية أعمال القلوب لأن البعض يظن ألا كفر إلا بتكذيب وجحود ، والحقيقة أن هناك من الكفر ما يكون بالبغض والكراهية أو بانتفاء أعمال القلوب الواجبة مثل انتفاء الحب وليس انتفاء القدر الواجب فقط بل انتفاء أصل الحب الواجب ، لو أنه لا يحب الله قد ولا يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكون مؤمناً أبداً كما قال الله عز وجل { وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ } البقرة 165 قال النبي صلى الله عليه وسلم { لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين } الواجب للواجب والأصل للأصل ، أعني انتفاء الإيمان هنا لا يؤمن إيماناً واجباً إلا بأن يكون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ،

فلو انتفى أصل حب الرسول صلى الله عليه وسلم إذن انتفى أصل الإيمان أيضاً كذلك ، لذلك نقول يكفر من أبغض الرسول صلى الله عليه وسلم ويكفر من لم يحبه ،

لو احد عنده لا حب ولا بغض لا يكون مؤمناً ، من لا يحب الله عز وجل ولكن لا يكره ، عنده الأمر سواء والعياذ بالله فلا يكون مؤمناً لابد أن من وجود عمل القلب من حب القلب وخضوعه كذلك ، لو زال من القلب أصل الانقياد والخضوع والذل والاستسلام ، التي هي قول الله عز وجل { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } النساء 65 قال ويسلموا تسليماً لأنه أصل الإسلام أن يسلم لله قلبك ، لم يقل أن يعرف وجود الله فقط ، أو أن يصدق بأنه لا يعبد سواه فقط ، بل لابد أن يسلم ، الذي هو الإذعان والإنقياد والذل ، لذلك ذكر العلماء أن معنى لا إله إلا الله هي كمال الحب مع كمال الذي ، فلو زال أصل الحب من القلب وزال أصل الذل أو سميه الاستستلام إن شئت أصل الإسلام ليس عنده انقياد لله عز وجل قط ، لا يرى أن الله هو الذي يأمر وينهى لا يرى أنه يلزمه هذا الشرع واليعاذ بالله فهذا لم يكون مؤمناً أصلاً بل لم يحقق قلبه لا إله إلا الله ولم يعمل قلبه بـ لا إله إلا الله ،وإن صدق بها بلسانه ، بل حقيقة ذلك نقض أصل الدين عند من تدبر ، ينفي أعمال القلوب في كونها أصل الإيمان ويقول يخرج من النار من كان ناطقاً بلسانه فقط ولو لم يحب الله عز وجل طرفة عين ، ولو لم يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا انقاد لله سبحانه وتعالى ولا أسلم له ، فهذا نقض لدين الإسلام في الحقيقة ، بعض كتب الجهال وإن قدمها بعض المشاهير في زماننا يوجد فيها هذا الخبل والضلال المبين والعياذ بالله يصحح حتى من كان عنده أصل الإيمان فقط ، ضلال مبين من لا يحب الله قط ولا يرجوا قط ولا يسلم قلبه لله قط وإنما نطق واعتقد فقط ، قول غلاة الإرجاء والعياذ بالله ، نسأل الله العافية ،

لذلك هذه القضية لا نزاع فيها كتاب وسنة وإجماع ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال ( من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه ) رواه البخاري قال ( إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ) متفق عليه فلابد أن يبتغي بذلك وجه الله ، لأن الله حرم على النار من قال لا إله الله يبتغي بذلك وجه الله ، أما أنه يقول لا إله إلا الله لا يبتغي بها وجه الله ، الجاهل الضال هذا الذي يقول هذا الكلام يقول أنه لابد أن يوجد ضد ، يقول إذا راآى فقط أشرك أما إذا لم يرائي ولم يرد وجه الله فيكون مؤمناً والحديث يقول يبتغي بذلك وجه الله ولم يقل لابد وأن يبتغي غيره ، يعني يشترط هذا الجاهل وهو قدم له من قدم أن يكون أتى بالضد حتى يكفره أو يبغض الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ،بل ليس كذلك ، زوال الحب فقط كافي لزوال الإيمان ، زوال أصل الشكر وإبليس يقول ولا تجد أكثرهم شاكرين ، ليس أنه لابد أن يحصل الكفر أن يكون جاحد للشكر لله ويكون نافي للشكر وساخط على الله عز وجل ، بل يكفي أن يزول الشكر من القلب ، لو زال أصل الشكر حل الكفر ، بمجرد زوال الحب ووقف في المرحلة المتوسطة يقول لا أحب ولا أكره يكون كافر والعياذ بالله مع زوال أصل هذه الأعمال ،

فنقول نحن نوقن نبوة إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، هذا قول القلب نقر ونعلم أنهم رسل الله ، هذا قول القلب ونحبهم ، حبهم أمر زائد على مجرد التصديق ، فلو أن إنسان لم تكن عنده هذه الأعمال القلبية لم يكن مؤمناً ، قال تعالى عن آل فرعون { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ } النمل 14 فكان عندهم يقين في الباطل وهنا تسمية علمهم يقيناً ، كفروا من أجل كراهية الحق الذي جاء به موسى من أجل زوال حب الله عز وجل والانقياد له ، التي هي زوال أصل العبادة ، بل هم لم يحققوا لا إله إلا الله ابتداءً ، لأنه لا حب ولا إسلام ، لا حب ولا انقياد ، لا حب ولا ذل ، إذن لا يوجد لا إله إلا الله ، وإن نطقوا وإن اعتقدوا ما يقوله صحة المسلمون ، لكن لم يعبدوا الله قط وأبوا أن يعبدوه سبحانه وتعالى ، واستكبروا على عبادته لما قال { ظُلْمًا وَعُلُوًّا } وجحدوا بماذا ، مع نطقهم باللسان بتكذيب موسى صلى الله عليه وسلم ، إذن كفروا بعدة أسباب والواحدة منها تكفر ، لذلك المنافقين الذين يبغضون ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وإن نطقوا بلسانهم كفار أيضا عند الله سبحانه وتعالى ، منقول