المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فائدة الايمان في الحياة


عبدالله الأحد
2015-05-16, 03:14 PM
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وخليله وأمينه على وحيه، ومبلِّغُ الناس شرعه، وصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.



أما بعد:

معاشر المؤمنين، عباد الله، اتقوا الله - تعالى - فإن من اتقى الله وقاه وأرشده إلى خير أمور دينه ودنياه، وتقوى الله - جل وعلا - عمل بطاعة الله على نور من الله؛ رجاء رحمة الله، وبُعد عن معصية الله على نور من الله؛ خيفة عذاب الله.



عباد الله:

إن أشرف ما اكتسبته النفوس وحصلته القلوب ونال به العبد الرفعة في الدنيا والآخرة الإيمان.



الإيمان - عباد الله - أشرف المطالب وأجلُّ المقاصد، وأنبل الأهداف على الإطلاق.

الإيمان - عباد الله - سبب العز والفلاح والرِّفعة في الدنيا والآخرة، بالإيمان - عباد الله - تنالوا أشرف المطالب، وأجمل المواهب.

بالإيمان - عباد الله - ينال العبد جنة يوم القيامة عَرْضها كعرض السموات والأرض أعدّت للمؤمنين.

بالإيمان - عباد الله - ينجو العبد من النار وحرِّها الشديد، وقعرها البعيد.

بالإيمان - عباد الله - ينال المؤمن أشرف ما يُنال، ألا وهو رؤية الله - جل وعلا - يوم القيامة، كما قال - عليه الصلاة والسلام -: ((إنَّكم سترون ربكم يوم القيامة لا تضامون في رؤيته)).

بالإيمان - عباد الله - ينال كل خير وفلاح ورفعة في الدنيا والآخرة، ويدفع كل شر وبلاء ونِقمة.



عباد الله:

إن الواجب على أهل الإيمان أن يحمدوا الله - جل وعلا - حمدًا كثيرًا على مِنَّته عليهم به، وهدايتهم إليه، كما قال - جل وعلا -: ï´؟ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ï´¾ [الحجرات: 7].



عباد الله:

ليس الإيمان بالتمنِّي ولا بالتحلِّي، ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقته الأعمال.



الإيمان - عباد الله - عقائد صحيحة وإيمانيات راسخة، قَوامُها وبناؤها على الإيمان بالله وملائكته وكتبه، ورسله واليوم الآخر، والإيمان بالقدر؛ خيره وشره؛ ففي صحيح مسلم من حديث عمر - رضي الله عنه -: أن جبريل سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان، قال أخبرني عن الإيمان، قال: ((أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر؛ خيره وشره)).



الإيمان - عباد الله - طاعة زاكية وعبادات عظيمة وقُربات متنوعة، يتقرَّب بها المسلم إلى الله، ومباني هذه العبادات خمس جاء بيانها في حديث النبي - عليه الصلاة والسلام - حيث قال: ((بُني الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام)).



فهذه الأعمال الخمسة وسائر أعمال الدين وشعائره كلها داخلة في الإيمان؛ ففي الصحيحين عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في ذكر مجيء وفد عبدالقيس إلى النبي - عليه الصلاة والسلام - وفي الحديث قال لهم - صلى الله عليه وسلم -: ((آمركم بالإيمان بالله، أتدرون ما الإيمان بالله؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((الإيمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا الخمس من المغنم)).



فدلّ هذا الحديث العظيم على أن شعائر الإسلام وأعمال الدين، وأنواع الطاعات والقربات كل ذلك داخل في الإيمان.



الإيمان - عبادَ الله - شُعبٌ كثيرة، وأعمال متنوعة؛ منها ما يكون باللسان، ومنها ما يكون بالقلب، ومنها ما يكون بالجوارح؛ ففي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان))؛ خرجاه في الصحيحين.



الإيمان - عباد الله - بُعد عن الحرام، وتوقٍّ للآثام، وترك للذنوب؛ جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه بها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن)).



وقد دل هذا الحديث العظيم على أن ترك الحرام والبُعد عن الآثام كل ذلك داخل في مسمَّى الإيمان.



الإيمان - عباد الله - كفٌّ للأذى وبُعد عن الظلم، ووفاء بالعهود والمواثيق والأمانات؛ ففي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم))، وفي الحديث الآخر، قال - عليه الصلاة والسلام -: ((لا إيمان لمن لا أمانة له)).



الإيمان - عباد الله - تحابٌّ وتآخي، وتواد وتعاون، وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((لا يؤمن أحدكم؛ حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)).



وفي الحديث الآخر يقول - عليه الصلاة والسلام -: ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم، مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)).



الإيمان - عباد الله - تكافل وتراحم وتعاون بين أهل الإيمان، وبذل للدعاء، يقول الله - تعالى -: ï´؟ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ï´¾ [الحشر : 10].



الإيمان - عباد الله - استقامة على طاعة الله، ومداومة وملازمة لعبادة الله، وثبات على دين الله إلى الممات؛ يقول - صلى الله عليه وسلم - في حديث سفيان بن عبدالله الثقفي عندما قال للنبي - عليه الصلاة والسلام -: قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحدًا غيرك، قال: ((قل آمنت بالله، ثم استقِمْ)).



عباد الله:

الإيمان جمال للمرء وزينة وحلاوة، ولذة وله طعم لا نظير له؛ يقول - صلى الله عليه وسلم -: ((ذاق طعم الإيمان مَن رَضِيَ بالله ربًّا والإسلام دينًا، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - رسولاً)).



وفي الحديث الآخر يقول - عليه الصلاة والسلام -: ((ثلاث مَن كُنَّ فيه، وجد بهنَّ حلاوة الإيمان؛ أن يكون اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار))، وهو زينة وجمال؛ يقول - صلى الله عليه وسلم - في دعائه: ((اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هُداة مهتدين)).

وفي القرآن يقول الله - تعالى -: ï´؟ وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ï´¾ [الأعراف: 26].



عباد الله:

إنّ الواجب على أهل الإيمان أن يرعوا الإيمان حقَّ رعايته، وأن يعرفوا مقامه وقدره، وأن تكون عنايتهم به مُقدَّمة على عنايتهم بكل أمرٍ؛ فهو أساس الخير والسعادة والفلاح والرِّفعة في الدنيا والآخرة.



اللهم اهدنا لصلاح إيماننا ورشد أمرنا، وجنبنا مضلات الفتن؛ ما ظهر مها، وما بطن.

اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين، أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه يغفر لكم؛ إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله عظيم الإحسان واسع الفضل والجود والامتنان، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله - صلى الله وسلم عليه - وعلى آله وصحبه أجمعين.



أما بعد:

عباد الله، اتقوا الله - تعالى - عباد الله روى الحاكم في المستدرك من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إن الإيمان ليخْلَقُ في جوف أحدكم كما يَخْلَقُ الثوب؛ فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم))؛ حديث حسن.



عباد الله:

نعم، إن الإيمان ليخلق؛ أي: يضعُف وينقص، ويتقادم ويَبْلى كما يبلى الثوب، وكما يخلق الثوب، والسبب في ذلك - عباد الله - هو ما يبتلى به العبد في هذه الحياة؛ من فِعلٍ للذنوب، وغشيانٍ للمعاصي، فينقص بها الإيمان، وكذلك من جرّاء ما يلقاه العبد من فتنٍ وصوارف وصواد تصرفه عن الإيمان الذي خلقه الله لأجله وأوجده لتحقيقه، وها هنا أرشد النبي - عليه الصلاة والسلام - إلى ضرورة تجديد الإيمان في القلب بالتوجه الصادق إلى الله - جل وعلا - قال: ((فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم)).



فالمقام - عباد الله - يتطلب توجُّهًا صادقًا إلى الله، وسؤالاً مُلِحًّا إليه - تبارك وتعالى - أن يزيد الإيمان ويقويه، وأن يجدّده في القلب، وأن يمكنه فيه والله - تعالى - يقول: ï´؟ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ï´¾ [إبراهيم : 27].



والأمر الآخر - عباد الله - أن يجدَّ العبد ويجتهد في تحقيق الإيمان، وتكميله وتعليته؛ فإن الإيمان يقوى ويضعف، ويزيد وينقص؛ فعن عمير بن حبيب الخطمي - رضي الله عنه - وهو صحابي جليل، قال: "الإيمان يزيد وينقص، قيل وما زيادته ونقصانه، قال: إذا ذكرنا الله وحَمِدناه وسبَّحناه زاد، وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا نقص".



ولهذا فإن العبد الموفَّق لا يزال يسعى في هذه الحياة في تقوية إيمانه والبُعد عن أسباب نقصه وضعفه.



اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر. اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين.

اللهم أصلح ذات بيننا، وألِّف بين قلوبنا واهدنا سُبل السلام وأخرجنا من الظلمات إلى النور، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا، وقواتنا وأزواجنا وذريتنا، واجعلنا مباركين أينما كنا.

اللهم آتِ نفوسنا تقواها، زكها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها. اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات؛ الأحياء منهم والأموات.

اللهم ارضَ عن الصحابة أجمعين، وخُصَّ بالرضا الخلفاء الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.

اللهم وأعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، وكن ناصرًا ومؤيدًا وحافظًا لإخواننا المسلمين المستضعفين في كل مكان يا ذا الجلال والإكرام. اللهم وعليك بأعداء الدين؛ فإنهم لا يعجزونك.

اللهم صلي على محمد النبي الأمي وآله وصحبه. اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد.



وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.

عبدالله الأحد
2015-05-16, 03:18 PM
2. نطق باللسان.
3. عمل بالجوارح.

وإذا كان كذلك فإنه سوف يزيد وينقص، وذلك لأن الإقرار بالقلب يتفاضل فليس الإقرار بالخبر كالإقرار بالمعاينة، وليس الإقرار بخبر الرجل كالإقرار بخبر الرجلين وهكذا، ولهذا قال إبراهيم، عليه الصلاة والسلام: {رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي}. فالإيمان يزيد من حيث إقرار القلب وطمأنينته وسكونه، والإنسان يجد ذلك من نفسه فعندما يحضر مجلسَ ذكرٍ فيه موعظة، وذكرٍ للجنة والنار يزداد الإيمان حتى كأنه يشاهد ذلك رأي العين، وعندما توجد الغفلة ويقوم من هذا المجلس يخف هذا اليقين في قلبه.
كذلك يزداد الإيمان من حيث القول فإن من ذَكَرَ الله عشر مرات ليس كمن ذَكَرَ الله مئة مرة، فالثاني أزيد بكثير.
وكذلك أيضاً من أتى بالعبادة على وجه كامل يكون إيمانه أزيد ممن أتى بها على وجه ناقص.
وكذلك العمل فإن الإنسان إذا عمل عملاً بجوارحه أكثر من الآخر صار الأكثر أزيد إيماناً من الناقص،وقد جاء ذلك في القرآن والسنة -أعني إثبات الزيادة والنقصان- قال تعالى: {وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيماناً}، وقال تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول: أيكم زادته هذه إيماناً فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون. وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهو كافرون}، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن". فالإيمان إذاً يزيد وينقص.

ولكن ما سبب زيادة الإيمان؟

للزيادة أسباب:
السبب الأول: معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته، فإن الإنسان كلما ازداد معرفة بالله وبأسمائه وصفاته ازداد إيماناً بلا شك، ولهذا تجد أهل العلم الذين يعلمون من أسماء الله وصفاته ما لا يعلمه غيرهم تجدهم أقوى إيماناً من الآخرين من هذا الوجه.
السبب الثاني: النظر في آيات الله الكونية والشرعية، فإن الإنسان كلما نظر في الآيات الكونية التي هي المخلوقات ازداد إيماناً قال تعالى: {وفي الأرض آيات للموقنين. وفي أنفسكم أفلا تبصرون}. والآيات الدالة على هذا كثيرة أعني الآيات الدالة على أن الإنسان بتدبره وتأمله في هذا الكون يزداد إيمانه.
السبب الثالث: كثرة الطاعات فإن الإنسان كلما كثرت طاعاته ازداد بذلك إيماناً سواء كانت هذه الطاعات قولية، أم فعليه: فالذكر يزيد الإيمان كمية وكيفية، والصلاة والصوم، والحج تزيد الإيمان أيضاً كمية وكيفية.

أما أسباب النقصان فهي على العكس من ذلك:

فالسبب الأول: الجهل بأسماء الله وصفاته يوجب نقص الإيمان لأن الإنسان إذا نقصت معرفته بأسماء الله وصفاته نقص إيمانه.
السبب الثاني: الإعراض عن التفكر في آيات الله الكونية والشرعية، فإن هذا يسبب نقص الإيمان، أو على الأقل ركوده وعدم نموه.
السبب الثالث: فعل المعصية فإن للمعصية آثاراً عظيمة على القلب وعلى الإيمان، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن". الحديث.
السبب الرابع: ترك الطاعة، فإن ترك الطاعة سبب لنقص الإيمان، لكن إن كانت الطاعة واجبة وتَرَكَها بلا عذرٍ فهو نقص يلام عليه ويعاقب، وإن كانت الطاعة غير واجبةٍ أو واجبةً لكن تركها بعذر فإنه نقص لا يلام عليه، ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم النساء ناقصات عقل ودين وعلَّلَ نقصان دينها بأنها إذا حاضت لم تصل ولم تصم، مع أنها لا تلام على ترك الصلاة والصيام في حال الحيض بل هي مأمورة بذلك لكن لما فاتها الفعل الذي يقوم به الرجل صارت ناقصة عنه من هذا الوجه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مجموع فتاوى و رسائل الشيخ محمد صالح العثيمين المجلدالاول - باب الإيمان والإسلام.
التصنيف: العقيدة الإسلامية
تاريخ النشر: 10 ذو القعدة 1427 (1‏/12‏/2006)

عبدالله الأحد
2015-05-16, 03:23 PM
( فصل ) : ست مسائل تتعلق بمباحث الدين .

في مسائل تتعلق بما تقدم من مباحث الدين :

( الأولى ) : كون الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية .

( والثانية ) : تفاضل أهله فيه . العلاقة بين الإسلام و الإيمان


يعرف الإسلام بأنه: الاستسلام لله تعالى , والانقياد له بالطاعة , والخلوص من الشرك , والبراءة من أهله [1]

أما الإيمان فقد سبق بيان معناه عند السلف من كونه مركبا في حقيقته من قول و عمل و اعتقاد[2] .



وفي تحرير العلاقة بينهما هناك ثلاثة مذاهب تتلخص فيما يلي :



المذهب الأول : العلاقة بينها علاقة ترادف :



يرى الإمام ابن عبد البر ـ رحمه الله ـ أن هذا هو مذهب الكثير من أهل العلم , يقول:" وعلى القول بأن الإيمان هو الإسلام جمهور أصحابنا وغيرهم من الشافعيين والمالكيين , وهو قول داود و أصحابه وأكثر أهل السنة والنظر المتبعين للسلف والأثر". [3]

وأدلتهم في ذلك:



1ـ دلالة كل منهما على الدين الذي ارتضاه تعالى لعباده , والذي امتدح من اتصف به

2 ـ أنه يصح أن يعبر عن أحدهما بالآخر , كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة , منها حديث المصطفى صلى الله عليه و سلم لوفد عبد قيس , حيث فسر الإيمان بأعمال الظاهر , فقال في معناه: {شهادة أن لا إله إلا الله , و إقام الصلاة وإيتاء الزكاة و صوم رمضان, و تعطوا الخمس من المغنم }. [4]

3ـ دلالة كل منهما على مسمى الدين , وذلك من حديث جبريل عليه السلام , حيث نبه المصطفى صلى الله عليه و سلم أصحابه الكرام ـ رضوان الله عليهم ـ بعد ذهاب جبريل إلى أن اختلاف تفسير الإيمان عن الإسلام لا يقضي بالتغاير , بل كل هذا من الدين الذي أتى جبريل عليه السلام من أجل بيانه و تعليمه إياه لكم . و كان هذا هو استنباط الإمام البخاري رحمه الله , حيث قال : [ فجعل ذلك كله ديناً ]. [5]

ـ اجتماع كل منهما في الدلالة على الدين الذي ارتضاه الله تعالى لعباده وامتدح من اتصف به , ورتب السعادة في الداريين على الالتزام به.[6]

مما يدل على ذلك قوله تعالى : { وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً} (المائدة:3) .

و قال : {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ} (الأنعام:125) .

وفي بيان وجه الاستدلال يقول شيخ الإسلام :" فمدح الله الإسلام بمثل ما مدح به الإيمان , وجعله اسم ثناء و تزكية ".[7]



المذهب الثاني: العلاقة بينهما علاقة تباين



وقد قال بهذا بعض كبار السلف كابن عباس رضي الله عنه , والحسن البصري, وابن سيرين [8] رحمهما الله [9].



أدلتهم في ذلك:



ـ إشارة كل منهما على معنى يظهر منه خصوصيته في الدلالة عليه , دون غيره من الأسماء , فيكون معنى الإسلام : الانقياد الناشئ عن الإذعان والاستسلام , كما هو ظاهر من التعريف , والإيمان : التصديق القلبي الذي يلزم الإتيان بفعل الطاعات وترك المحظورات .

ـ عموم الأدلة التالية التي تفيد أن الإسلام غير الإيمان :



قوله تعالى : {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}(الأحزاب:35) .

وقوله تعالى : {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ } (الأحزاب:14)

وقوله عز من قائل : { فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ}(الذاريات:35)

وكذلك ما ورد في حديث سعد بن أبي وقاص ـ رضي الله عنه ـ أنه قال : أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رهطاً وأنا جالس فيهم , فترك رسول الله صلى الله عليه و سلم منهم رجلاً لم يعطه ـ وهو أعجبهم إلي ـ فقمت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ـ فساررته فقلت : مالك عن فلان ؟ والله إني لأراه مؤمناً , قال : (أو مسلما)ً .

قال : فسكت قليلاً , ثم غلبني ما أعلم فيه فقلت : يا رسول الله مالك عن فلان ؟ والله إني لأراه مؤمناً . قال: (أو مسلما.ً..).إلى آخر الرواية .[10]

وقد روي عن عبد الله بن الإمام أحمد أنه قال : [ سئل أبي عن الإسلام والإيمان , فقال: الإسلام غير الإيمان][11]



كما دل على ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن , ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن , ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ).[12]

قال: [ يخرج من الإيمان إلى الإسلام , فالإيمان مقصور في الإسلام , فإذا زنى خرج من الإيمان إلى الإسلام][13].





المذهب الثالث : العلاقة بينهما علاقة تلازم



هذا وقد توسطت طائفة من العلماء في تحديد العلاقة بينهما ؛ نظراً لوجود التلازم الواضح , كما يظهر ذلك من خلال تعريفهما , فذهبت إلى أن العلاقة بينهما تتمحور في إمكان ترادفهما حين الافتراق , وتغايرهما عند الاجتماع ؛ لدلالة كل منهما على خصوصية معنى ليست في الآخر مع وجود ارتباط بينهما لا ينفك حتى في حالة الافتراق

أدلتهم في ذلك



وهذا التفصيل في بيان حقيقة التلازم بين الإسلام بالإيمان يستند إلى الأمور التالية:

ـ أولاً: التسليم بوجود مطلق التغاير بين الإيمان والإسلام ؛ لعموم الأدلة التالية:

قوله تعالى : {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}(الأحزاب:35) .

وقوله تعالى : {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ } (الأحزاب:14)

وقوله عز من قائل : { فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ}(الذاريات:35)

وكذلك ما ورد في حديث سعد بن أبي وقاص ـ رضي الله عنه ـ أنه قال : أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رهطاً وأنا جالس فيهم , فترك رسول الله صلى الله عليه و سلم منهم رجلاً لم يعطه ـ وهو أعجبهم إلي ـ فقمت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ـ فساررته فقلت : مالك عن فلان ؟ والله إني لأراه مؤمناً , قال : (أو مسلما)ً .

قال : فسكت قليلاً , ثم غلبني ما أعلم فيه فقلت : يا رسول الله مالك عن فلان ؟ والله إني لأراه مؤمناً . قال: (أو مسلما.ً..).إلى آخر الرواية [14].

وقد روي عن عبد الله بن الإمام أحمد أنه قال : [ سئل أبي عن الإسلام والإيمان , فقال: الإسلام غير الإيمان][15]



كما دل على ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن , ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن , ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ). [16]

قال: [ يخرج من الإيمان إلى الإسلام , فالإيمان مقصور في الإسلام , فإذا زنى خرج من الإيمان إلى الإسلام][17].



ـ ثانياً: أن هذا التغاير لا يكون إلا في حالة ما إذا ذكر الإسلام والإيمان في موضع واحد .

مع كونه لا يمنع من وجود تلازم بينهما , بحيث:

ـ ثالثاً : أنه في حالة انفراد أحدهما عن الآخر يكون مرادفاً له للأدلة التي استدل بها أصحاب القول الأول ؛ من دلالة كل منهما على الدين الذي ارتضاه الله تعالى لعباده .

ولأنه مما تقرر عند السلف أنه لا إيمان إلا بالعمل و كذلك لا إسلام إلا بالتصديق ؛ فقد دلت نصوص الشرع على أن المؤمن , أو المسلم هو من استكمل فعل ما افترضه الله تعالى عليه . [18]



وفيما يلي كلام للإمام ابن رجب يوضح فيه بجلاء تام معنى قولهم : إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا , يقول :"من الأسماء ما يكون شاملاً لمسميات متعددة عند إفراده وإطلاقه , فإذا قرن ذلك الاسم بغيره صار دالاً على بعض تلك المسميات , والاسم المقرون به دالاً على باقيها , وهذا كاسم الفقير والمسكين , فإذا أفرد أحدهما دخل فيه كل من هو محتاج , فإذا قرن أحدهما بالآخر دل أحد الاسمين على بعض أنواع ذوي الحاجات والآخر على باقيها "[19].





موقف المتكلمين



رأي الأشاعرة



لقد اختلفت عبارات المتكلمين في بيان الفرق بين الإسلام والإيمان , فيرى الباقلاني أن الإيمان هو التصديق , والإسلام الانقياد , وعليه فكل مؤمن مسلم وليس العكس , ويبرهن على ذلك بأنه من المستحيل على المؤمن تركه للانقياد , أما المسلم فقد يكون منه انقياد بلا إيمان .[20]



ولا يخفى ما في هذا من مناقضة لأصلهم في جعلهم العمل ثمرة للإيمان , وليس بلازم له .



هذا وتذهب غالبيتهم إلى عدم التفريق بينهما ؛ حتى لا يعارض الأصل المجمع عليه عندهم من أن تارك العمل لا يكفر ؛ مع وجود التصديق بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه و سلم , فحقيقة مذهبهم أن :" الإيمان والإسلام واحد ؛ لأن الإسلام هو الخضوع والانقياد , بمعنى قبول الأحكام والإذعان , وذلك حقيقة التصديق ". [21]



فـ:" الإيمان هو تصديق الله تعالى فيما أخبر من أوامره ونواهيه , والإسلام هو الانقياد والخضوع لألوهيته , وهذا لا يتحقق إلا بقبول الأمر والنهي , فالإيمان لا ينفك عن الإسلام حكما , فلا يتغايران ". [22]



****


( والثالثة ) : أن فاسق أهل الملة الإسلامية ، لا يكفر بذنب دون الشرك ولوازمه إلا إذا استحله .

( والرابعة ) : أنه لا يخلد في النار .

( والخامسة ) : أنه في العقاب وعدمه تحت المشيئة .

( والسادسة ) : أن التوبة في حق كل فرد مقبولة ، ما لم يغرغر سواء من كفر أو دونه من أي ذنب كان .

1 - الإيمان يزيد وينقص .



إيماننا يزيد بالطاعات ونقصه يكون بالزلات

.

هذه هي المسألة الأولى من مسائل الفصل ، وهي أن الإيمان يزيد وينقص ، وعلى ذلك ترجم البخاري - رحمه الله تعالى - في كتابه ، فقال في جامعه كتاب [ ص: 1005 ] الإيمان ، باب : قول النبي - صلى الله عليه وسلم : بني الإسلام على خمس ، وهو قول وفعل ، ويزيد وينقص ، قال الله تعالى : ( ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ) ، ( الفتح 4 ) ، ( وزدناهم هدى ) ، ( الكهف 13 ) ، ( ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ) ، ( مريم 76 ) ، وقال تعالى : ( والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم ) ، ( محمد 17 ) ، ( ويزداد الذين آمنوا إيمانا ) ، ( المدثر 31 ) ، وقوله تعالى : ( وما زادهم إلا إيمانا وتسليما ) ، ( الأحزاب 22 ) .

وقال الترمذي - رحمه الله تعالى : باب في استكمال الإيمان والزيادة والنقصان ، وساق فيه حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : إن أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله ، وحديث : يا معشر النساء تصدقن . . . الخ ، وهو في الصحيحين ، والشاهد منه قوله - صلى الله عليه وسلم : ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذوي الألباب وذوي الرأي منكن .

وذكر حديث أبي هريرة ، وهو في الصحيحين أيضا قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : الإيمان بضع وسبعون بابا ، فأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، وأرفعها قول لا إله إلا الله . هذا لفظ الترمذي ، وقال : حسن صحيح ، ولفظه " بضع وستون " . ولمسلم رواية " بضع وسبعون " لكن قالا : " شعبة " بدل " بابا " .

وقال النسائي : باب زيادة الإيمان ، وذكر فيه حديث الشفاعة ، ودلالته منطوقا [ ص: 1006 ] على تفاضل أهل الإيمان فيه ، وأما الزيادة والنقص ، فدلالته عليها مفهوما لا منطوقا .

ومثله حديث أبي سعيد الخدري : رأيت الناس وعليهم قمص ، منها ما يبلغ الثدي . الحديث ، وفيه : وعرض علي عمر بن الخطاب ، وعليه قميص يجره ، قالوا : فما أولت ذلك يا رسول الله ؟ قال : الدين . ثم ذكر حديث عمر في نزول قوله تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم ) ، ( المائدة 3 ) ، ودلالتها على ذلك منطوقا ، وعلى ذلك ترجم البخاري - رحمه الله تعالى - وقال : حدثنا الحسن بن الصباح ، سمع جعفر بن عون ، حدثنا أبو العميس قال : أخبرنا قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب ، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن رجلا من اليهود قال له : يا أمير المؤمنين ، آية في كتابكم تقرءونها ، لو علينا معشر اليهود نزلت ، لاتخذنا ذلك اليوم عيدا . قال : أي آية ؟ قال : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) ، ( المائدة 3 ) ، قال عمر : قد عرفنا ذلك اليوم ، والمكان الذي نزلت فيه على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو قائم بعرفة يوم جمعة . وعلى ذلك ترجم أبو داود وغيره من أئمة السنة ، وساقوا في ذلك أحاديث تتضمنه منطوقا ومفهوما .

قال مسلم بن الحجاج - رحمه الله تعالى : حدثنا يحيى بن يحيى التيمي وقطن بن نسير ، واللفظ ليحيى ، أخبرنا جعفر بن سليمان ، عن سعيد بن إياس الجريري ، عن أبي عثمان النهدي ، عن حنظلة الأسيدي قال ، وكان من كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لقيني أبو بكر - رضي الله عنه - فقال : كيف أنت يا حنظلة ؟ قال قلت : نافق حنظلة . قال : سبحان الله ، ما تقول ؟ قال قلت : نكون عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين ، فإذا خرجنا من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم ، عافسنا الأزواج [ ص: 1007 ] والأولاد الصغار ، فنسينا كثيرا . قال أبو بكر - رضي الله عنه : فوالله ، إنا لنلقى مثل هذا . فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلت : نافق حنظلة يا رسول الله . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : وما ذاك ؟ قلت : يا رسول الله ، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة ، حتى كأنا رأي عين ، فإذا خرجنا من عندك ، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات ، نسينا كثيرا . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده ، أن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر ، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ، ولكن يا حنظلة ، ساعة وساعة . ثلاث مرات .

حدثني إسحاق بن منصور ، أخبرنا عبد الصمد ، سمعت أبي يحدث ، حدثنا سعيد الجريري ، عن أبي عثمان النهدي ، عن حنظلة قال : كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوعظنا ، فذكر النار . قال : ثم جئت إلى البيت ، فضاحكت الصبيان ولاعبت المرأة ، قال : فخرجت فلقيت أبا بكر ، فذكرت ذلك له . قال : وأنا قد فعلت مثل ما تذكر . فلقينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : يا رسول الله ، نافق حنظلة . فقال : مه ! فحدثته بالحديث ، فقال أبو بكر : وأنا قد فعلت مثل ما فعل . فقال : يا حنظلة ، ساعة ساعة ، ولو كانت تكون قلوبكم كما تكون عند الذكر ، لصافحتكم الملائكة حتى تسلم عليكم في الطرق . ومن طريق ثالث : فذكرنا الجنة والنار . . . الحديث .

وعلى هذا إجماع الأئمة المعتد بإجماعهم ، وأن الإيمان قول وعمل ، ويزيد وينقص ، وإذا كان ينقص بالفترة عن الذكر ، فلأن ينقص بفعل المعاصي من باب أولى ، كما سيأتي إن شاء الله - تبارك وتعالى - بيانه قريبا .

عبدالله الأحد
2015-05-16, 03:27 PM
العلاقة بين المؤمن والمسلم



اتفق العلماء على أن كل مؤمن مسلم , أما الثانية وهي : أن كل مسلم مؤمن , فمحل اختلاف , فإن كل مسلم مؤمن من حيث وجود مطلق الإيمان معه , لا الإيمان المطلق , الذي يستوجب المدح ؛ كما دل على ذلك قوله تعالى : { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا } , فإن الإيمان قد يطلق ويراد به المدح , وقد يطلق ويراد به فعل لازمه , فهؤلاء الذين منعوا من إطلاق الإيمان عليهم ؛ كان ذلك لوجود المانع من إطلاق مسمى المدح , والذي لا يتأتى إلا عند فعل الواجبات وترك المحرمات .

أما مطلق الإيمان فإنه لا يزول عنهم لارتكابهم بعض المخالفات التي تعد من المعاصي ؛ فإن " نفي الإيمان المطلق لا يستلزم أن يكونوا منافقين", كما في قوله تعالى : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} ( الأنفال:2)

فكل من قصر في شيء مما ذكر ؛ بحيث لا يخرجه فعله عن أصل الإيمان , لا يعد " منافقاً من أهل الدرك الأسفل من النار , بل لا يكون قد أتى بالإيمان الواجب "[29].

أما مطلق الإيمان فثابت له , و لكنه غير مستحق للاسم لوقوعه في مخالفة ما يقتضيه الإيمان الكامل الموجب للمدح .

ويستدل شيخ الإسلام رحمه الله لثبوت مطلق الإيمان لكل مسلم ؛ بدخول كل من [المطيع والعاصي] من آحاد المسلمين في قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ } (المائدة:6)

كما يستدل على نفي المسمى الإيمان الموجب للمدح بقوله صلى الله عليه و سلم : (أو مسلما.ً..) , كما ذكرت ذلك سابقا .[30]



******



رأي المتكلمين في علاقة المؤمن بالمسلم



رأي الأشاعرة:



بإقرار الأشاعرة إلى عدم التفريق بين الإيمان والإسلام ودلالة كل منهما على معنى التصديق والإذعان القلبي؛ جعلوا كل مسلم مؤمن , وهذا أمر قد أجمع السلف على بطلانه , وهو إثبات الإيمان للمعين مع انتفاء الإسلام عنه , فيكون بذلك مؤمنا غير مسلم .

مع أن القاعدة المجمع عليها , تقول : كل مؤمن مسلم , وإنما وقع الخلاف في العكس .

يقول شيخ الإسلام في بيان هذه الحقيقة : "وهذا الذي ذكروه مع بطلانه ومخالفته للكتاب والسنة هو تناقض ....أما الجهمية فيجعلونه تصديق القلب , فلا تكون الشهادتان ولا الصلاة ولا الزكاة ولا غيرهن من الإيمان , وقد تقدم ما بينه الله ورسوله من أن الإسلام داخل في الإيمان , فلا يكون الرجل مؤمناً حتى يكون مسلماً , كما أن الإيمان داخل في الإحسان , فلا يكون محسناً حتى يكون مؤمناً". [31]



وقال رحمه الله أيضا في معرض تفنيده لمثل هذه الأقوال التي تعارض ما هو معلوم من الدين بالضرورة :" ثم قولكم كل مؤمن مسلم, إن كنتم تريدون بالإيمان تصديق القلب فقط ؛ فيلزم أن يكون الرجل مسلما ولو لم يتكلم بالشهادتين وما أتى بشيء من الأعمال المأمور بها , وهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة من دين الإسلام".



ثم بين رحمه الله تعالى بعد تمحيصه لحقيقة الفرق بين كلام السلف والمرجئة في العلاقة بين الإسلام والإيمان , مدى بعد ما أرادوا بقولهم كل مؤمن مسلم عن مراد السلف رحمهم الله تعالى , حتى قال:" فقولهم في غاية المباينة لقول السلف , ليس في الأقوال أبعد عن السلف منه"[32].



وحقيقة كلام المرجئة الجهمية مردود بكل حال ؛ إذ التلازم بين الإيمان والإسلام يحتم أن يتبع التصديق العمل , وأن لا يحكم بإيمان من امتنع عن الإتيان به ما دام قادراً على ذلك ؛ لأن القاعدة تقول : الإرادة الجازمة مع القدرة التامة تنتج العمل[33] , فمادام أنه قد صدق ؛ فالواجب أن يظهر عليه لازم ذلك التصديق من العمل الواجب ؛ وإلا امتنع الحكم عليه بالإيمان .

عبدالله الأحد
2015-05-16, 03:31 PM
الفرق بين الإيمان والإسلام في الشرع
والعبادة في الإسلام



س. ما هو الفرق بين الإيمان والإسلام في الشرع؟

ج. الإيمان والإسلام من الألفاظ التي إذا اجتمعت ألفاظها افترقت معانيها، وإذا افترقت يكون لها معنى واحدا. فالإيمان هو الإسلام والإسلام هو الإيمان. قال الله تعالى: ï´؟ فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ï´¾[1].



وأما إذا جمَعتُهما في لفظ واحد كأن أقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - هو مؤمن مسلم، فيكون معنى الإيمان العبادات القلبية كالإيمان بالله واليوم الآخر، والإخلاص لله ومحبته سبحانه وتعالى والتوبة من الذنوب والخشوع في الصلاة. وأما الإسلام فيكون بمعنى العبادات الظاهرة كقراءة القرآن وأداء الصلاة وحج بيت الله وغير ذلك. ففي الحديث: "الإيمان في القلب والإسلام علانية"[2].



س. ما هي العبادة في الإسلام؟

ج. العبادة في اللغة مأخوذة من قول العرب الطريق مُعبّد أي مُمهّد للسير. وفي الشرع، قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى في رسالة العبودية: "العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة".



وتنقسم إلى أربعة أقسام:

القسم الأول: العبادات القولية كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتلاوة القرآن.



القسم الثاني: العبادات العملية كالحج والجهاد في سبيل الله.



القسم الثالث: العبادات الظاهرة وهي عبادات الجوارح كالوضوء والصلاة ولُبس الحجاب.



القسم الرابع: العبادات الباطنة وهي التي تخص القلب كالخشوع ورجاء الله تعالى والخوف منه وحبه سبحانه.



وللعبادة ركنان، هما تمام حبه - سبحانه - وتمام الذل له؛ قال ابن القيم - رحمه الله تعالى - في نونيته:

وعبادة الرحمن غاية حبه
مع ذِلة عابده هما قطبان



فحبه سبحانه وتعالى لازمه تعظيمه ورجاء جوده وكرمه، والتذلل له سبحانه وتعالى لازمه كُرْه معصيته وخوف عذابه. ولا تُقبل العبادة إلا بشرطين هما الإخلاص واتباع سنته - صلى الله عليه وسلم -، قال سبحانه: ï´؟ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ï´¾[3]. فالعمل لا يصلح حتى يكون على هديه (صلى الله عليه وسلم)، ولا يسلَم من الشرك حتى يكون خالصا لوجهه سبحانه وتعالى.



--------------------------------------------------------------------------------

[1] سورة الذاريات- آية 35-36

[2] أخرجه الإمام أحمد في المسند وأبو يعلى وابن أبي شيبة في المصنف.

[3] سورة الكهف- آية 10

لا شك أن هناك فرق كبير بين المسلم والمؤمن أو فلنقل بين الإيمان والإسلام، فالإيمان قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح. أما الإسلام فيقصد به الاستسلام لله والخضوع له والانقياد لحكمه، فقد قال المولى عز وجل: " قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ " (سورة الحجرات : 14).



ولذلك يفسر العلماء الإيمان بأنه الأعمال الباطنة، والإسلام بأنه الأعمال الظاهرة لأن أصل الإيمان التصديق بالقلب الذي هو يقينه وتصديقه، وأصل الإسلام هو الإذعان والانقياد، وهو يتطلب تجاوب بالجوارح .



وعلى ذلك فالمسلم هو الذي استسلم لأمر الله وانقاد له وأذعن وخضع له وتواضع وأطاعه طوعا وكرها دون تردد في أمر من أمور الدين، إذا أُمر بأمر بادر إليه، وإذا نُهي عن شيء في الإسلام تركه وابتعد عنه، يعتقد أن ما أمر الله به فإنه عين المصلحة، وما نهى عنه فإنه عين المفسدة، متى سمع بأن لله طاعة في كذا سارع إليها وأتى إليها محبا لها ومندفعا إليها اندفاعا كأنه يقاد باختياره دون أن يكون مكرها، فمثل هذا يسمى مسلما.



ولا يفوتني هنا عزيزي القارئ أن أذكرك بأن الشرع في أوقات كثيرة يستعمل الإسلام فيما يستعمل فيه الإيمان، ففي حديث جبريل المشهور فرَّق بينهما حيث قال: يا رسول الله، أخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره . وقال : أخبرني عن الإسلام، قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا .
وهو هنا فسر الإيمان بالأعمال الباطنة؛ وذلك دليل على أنه هو في الأصل اليقين أو عمل القلب ، وفسَّر الإسلام بالأعمال الظاهرة؛ لأن الشهادتين ولو كانت قولية لكنها ظاهرة، ويظهر أثرها بأن يعبد الله وحده ويطيعه، والصلاة أمر ظاهر مشاهد والصوم كذلك أمر مشاهد، والزكاة إيتاؤها أيضا أمر ظاهر، والحج أمر ظاهر.
ورغم ذلك جاء الإيمان أيضاً في حديث النبي عليه الصلاة والسلام بمعنى الاسلام ففي حديث ابن عباس في وفد عبد القيس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: آمركم بأربع: آمركم بالإيمان بالله، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة، وتؤدوا الخُمس من المَغنم فجعل هذا هو الإيمان ذكر فيه الشهادتين والصلاة والزكاة.



فهو هنا فسر الإيمان بما يفسر به الإسلام .
والخلاصة حتى لا أطيل عليك عزيزي القارئ أن الإسلام يُفسر عند الإطلاق بالأعمال الظاهرة: الشهادتان والصلاة والزكاة والصوم والحج، وتدخل فيه بقية الأعمال الظاهرة، وتكون الأركان الخمسة بمنزلة الدعائم التي يقوم عليها ولا يتم إلا بها.



وأن الإيمان فهو قول وعمل واعتقاد: قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح ، فالقول باللسان يدخل فيه الأذكار والقراءة، الدعاء والأمر بالخير والدعوة إليه، والنهي عن الشر والتحذير منه، والتعليم والتفهيم وإرشاد الضال، والسلام أو رده. .. وما أشبه ذلك. والعمل يدخل فيه عمل القلب وعمل الجوارح فعمل القلب في الحب في الله والبغض في الله والرضا بقضائه، والصبر على بلوائه والخوف منه ورجاؤه والتوكل عليه والتوبة إليه. .. وما أشبه ذلك فهذا عمل القلب . وعمل الجوارح مثل: الركوع والسجود والقيام والقعود والطواف والجهاد والحج وما أشبه ذلك.


ما الفرق بين الإيمان والإسلام؟


الإيمان هو الإسلام، والإسلام هو الإيمان عند الإطلاق؛ لأن الإيمان تصديق القلوب وكل ما يتعلق بالإسلام من قول وعمل، والإسلام كذلك هو الانقياد لله والخضوع له بتوحيده والإخلاص له وطاعة أوامره وترك نواهيه، فإذا أطلق أحدهما شمل الآخر، كما قال عز وجل: إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ.. (19) سورة آل عمران، يعني والإيمان داخل في ذلك، أما إذا جمعا فإن الإسلام هو الأعمال الظاهرة، والإيمان هو الأعمال الباطنة، إذا جمع بينهما كما في حديث جبريل لما سأل النبي عن الإسلام والإيمان، فسر له النبي الإسلام بالأمور الظاهرة كالشهادتين والصلاة والزكاة والصيام والحج، وفسر له الإيمان بأمور باطنة قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره)، هذا هو الفرق بينهما: عند الاجتماع يكون الإسلام المراد به الأعمال الظاهرة، والإيمان الأعمال الباطنة، وعند انفراد أحدهما يدخل فيه الآخر، وهكذا قوله -صلى الله عليه وسلم-: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)، فالإيمان بضع وسبعون شعبة يدخل فيه الإسلام؛ ولهذا ذكر أفضل ذلك: لا إله إلا الله، وهي أصل الإسلام، فدل ذلك على أن الإيمان إذا أطلق دخل في الإسلام، وهكذا إذا أطلق الإسلام دخل فيه الإيمان عند أهل السنة.

منقول

عبدالله الأحد
2015-05-16, 03:35 PM
الفرق بين الإسلام والإيمان

--------------------------------------------------------------------------------
السؤال : يقول الله تعالى في سورة الذاريات/35-36: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) ما هو الفرق بين المؤمنين والمسلمين ، ومن أرفع درجات ؟



الجواب :
الحمد لله

الفرق بين الإسلام والإيمان من المسائل التي أطال العلماء في بيانها في كتب العقائد ، وحاصل ما يقررونه في هذا : أنه إذا ورد أحد هذين اللفظين مفردا عن الآخر فالمقصود به دين الإسلام كله ، ولا فرق حينئذ بين الإسلام والإيمان .

وأما إذا ورد هذان اللفظان معًا في سياق واحد ، فالإيمان يراد به : الأعمال الباطنة ، وهي أعمال القلوب كالإيمان بالله تعالى ، وحبه وخوفه ورجائه سبحانه وتعالى والإخلاص له .

وأما الإسلام : فيراد به الأعمال الظاهرة التي قد يصحبها الإيمان القلبي ، وقد لا يصحبها فيكون صاحبها منافقا أو مسلما ضعيف الإيمان .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" اسم " الإيمان " تارة يذكر مفردا غير مقرون باسم الإسلام ، ولا باسم العمل الصالح ، ولا غيرهما ، وتارة يذكر مقرونا بالإسلام كقوله في حديث جبرائيل : (ما الإسلام ... وما الإيمان) ، وكقوله تعالى : (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) الأحزاب/35 ، وقوله عز وجل : (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) الحجرات/14، وقوله تعالى : (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) .

فلما ذكر الإيمان مع الإسلام :

جعل الإسلام هو الأعمال الظاهرة : الشهادتان والصلاة والزكاة والصيام والحج .

وجعل الإيمان ما في القلب من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر .

وإذا ذكر اسم الإيمان مجردا دخل فيه الإسلام والأعمال الصالحة ، كقوله في حديث الشعب : (الإيمان بضع وسبعون شعبة ، أعلاها : قول لا إله إلا الله ، وأدناها : إماطة الأذى عن الطريق) .

وكذلك سائر الأحاديث التي يجعل فيها أعمال البر من الإيمان " انتهى باختصار.

"مجموع الفتاوى" (7/13-15) .

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

"إذا اقترن أحدهما بالآخر فإن الإسلام يفسر بالاستسلام الظاهر الذي هو قول اللسان ، وعمل الجوارح ، ويصدر من المؤمن كامل الإيمان ، وضعيف الإيمان ، قال الله تعالى : (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) ، ومن المنافق ، لكن يسمى مسلما ظاهرا ، ولكنه كافر باطنا .

ويفسر الإيمان بالاستسلام الباطن الذي هو إقرار القلب وعمله ، ولا يصدر إلا من المؤمن حقا كما قال تعالى : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا)

وبهذا المعنى يكون الإيمان أعلى ، فكل مؤمن مسلم ولا عكس" انتهى.

"مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين" (4/92) .

والآية الواردة في السؤال موافقة لهذا المعنى في وصف أهل بيت لوط عليه السلام مرة بالإيمان ومرة أخرى بالإسلام.

فالمراد بالإسلام هنا الإسلام الظاهر ، والإيمان هو الإيمان القلبي الحقيقي ، فلما وصف الله تعالى أهل البيت جميعاً وصفهم بالإسلام ، وذلك لأن امرأة لوط عليه السلام من أهل بيته ، وكانت مسلمة في الظاهر ، كافرة في حقيقة الأمر ، ولما وصف الله تعالى المخرجين الناجين وصفهم بالإيمان . (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) الذاريات/35 – 36 .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

"امرأة لوط كانت منافقةَ كافرةً في الباطن ، وكانت مسلمة في الظاهر مع زوجها ، ولهذا عُذِّبت بعذاب قومِها . فهذه حال المنافقين الذين كانوا مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مستسلمين له فيَ الظاهر ، وهم في الباطن غير مؤمنين" انتهى .

"جامع المسائل" (6/221) .

وقال أيضا رحمه الله :

"وقد ظن طائفة من الناس أن هذه الآية تقتضي أن مسمى الإيمان والإسلام واحد ، وعارضوا بين الآيتين .

وليس كذلك ؛ بل هذه الآية توافق الآية الأولى ؛ لأن الله أخبر أنه أخرج من كان فيها مؤمنا ، وأنه لم يجد إلا أهل بيت من المسلمين ؛ وذلك لأن امرأة لوط كانت في أهل البيت الموجودين ، ولم تكن من المخرجين الذين نجوا ؛ بل كانت من الغابرين الباقين في العذاب ، وكانت في الظاهر مع زوجها على دينه ، وفي الباطن مع قومها على دينهم ، خائنة لزوجها ، تدل قومها على أضيافه ، كما قال الله تعالى فيها : ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا ) التحريم/10 وكانت خيانتهما لهما في الدين لا في الفراش ، والمقصود أن امرأة لوط لم تكن مؤمنة ، ولم تكن من الناجين المخرجين ، فلم تدخل في قوله : (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) وكانت من أهل البيت المسلمين ، وممن وجد فيه ، ولهذا قال تعالى : ( فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ )

وبهذا تظهر حكمة القرآن ، حيث ذكر الإيمان لما أخبر بالإخراج ، وذكر الإسلام لما أخبر بالوجود" انتهى .

"مجموع الفتاوى " (7/472-474)

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

"قال تعالى في قصة لوط : (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) .

فإنه فرق هنا بين المؤمنين والمسلمين ؛ لأن البيت الذي كان في القرية بيت إسلامي في ظاهره ، إذ إنه يشمل امرأة لوط التي خانته بالكفر وهي كافرة ، أما من أخرج منها ونجا فإنهم المؤمنون حقا الذين دخل الإيمان في قلوبهم" انتهى .

"مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين" (1/47-49)

والله أعلم .

منقول