المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اسباب زيادة الايمان ونقصانه


عبدالله الأحد
2015-05-18, 03:50 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



أسباب زيادة الإيمان ونقصانه


محمد بن إبراهيم الحمد



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:


فهذه رسالة قصيرة في بيان أسباب زيادة الإيمان ونقصانه، نسأل الله تعالى أن ينفع بها.


حرص السلف على زيادة إيمانهم:


1- كان عمر - رضي الله تعالى عنه - يقول لأصحابه: " تعالوا نزدد إيماناً ".


2- وابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - يقول: " اجلسوا بنا نزدد إيماناً " ,


ويقول في دعائه : " اللهم زدني إيماناً و يقيناً و فقهاً".


3- وكان معاذ - رضي الله تعالى عنه - يقول: " اجلسوا بنا نؤمن ساعة ".



أسباب زيادة الإيمان :


1 - تعلم العلم ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ .


2 - قراءة القرآن بالتدبر والتفهم ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ .


3 - معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، وعبادته عز وجل بمقتضى تلك المعرفة.


4 - تأمل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم .


5 - تأمل سيرة السلف الصالح.


6 - تأمل محاسن الدين الإسلامي.


7 - التأمل في آيات الله الكونية.


8 - الاجتهاد في العبادة، والإكثار من الأعمال الصالحة من صلاة، وزكاة، وصدقة، وصيام، وحج، وعمرة،


وذكر، واستغفار، ودعاء، وصلة رحم، وغير ذلك.


9 - الاهتمام بأعمال القلوب من خوف، وخشية، ومحبة، ورجاء، وإخبات، وتوكل، وغير ذلك.


10 - الإحسان إلى عباد الله.


11 - الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.


12 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسب القدرة والاستطاعة.


13 - مجالسة أهل الخير.


14 - الإعراض عن مجالس الخنا والزور.


15 - الإمساك عن فضول الطعام، والكلام، والمنام، ومخالطة الأنام.


16 - غض البصر.


17 - التعفف عما في أيدي الخلق.


18 - صدق اللهجة؛ فإن الصدق يهدي إلى البر.


19 - النظر إلى من أعلى في أمور الدين، وإلى من هو أسفل في أمور الدنيا.



أسباب نقص الإيمان :


1 - الجهل.


2 - الغفلة.


3 - الإعراض والنسيان.


4 - فعل المعاصي.


5 - الحسد


6 - قرناء السوء.


7 - الشيطان.


8 - النفس الأمارة بالسوء.


9 - الدنيا وفتنتها.


10 - إطلاق البصر في النظر إلى ما حرمه الله.


11 - إطلاق اللسان بالغيبة، والنميمة، والجدال بالباطل.


12 - سماع ما يغضب الله من الغناء وزور الكلام وغير ذلك.


13 - كثرة الأكل، والشرب، والنوم، والخلطة.



وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

عبدالله الأحد
2015-05-18, 03:54 PM
الايمان ماوقر فى القلب
وصدقه العمل
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وسلم تسليما كثيرا :-

أوصيكم ونفسي بتقوى الله، ولزوم طاعته، فتلك وصية الله للأولين والآخرين ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنياً حميداً. . لنساء:131.
أيها المسلمون: ويقلب العقلاء أفئدتهم وأبصارهم في ملكوت الله العظيم فيزيدهم ذلك إيمانا بعظمة الخالق، ودقة الصانع: . إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التى تجرى في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا بها الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون .البقرة:164.
ويتأمل المختصون بعلوم البحار في عالم البحار، وقاع المحيطات فيرون في اختلاف مياهها ملوحة أو عذوبة، حرارة أو برودة وأنواعا من الحيتان تختلف أشكالها، وطعومها، وأحجامها، وخلقا آخر، وجواهر، ودررا لا يحيط بها إلا من خلق وهو اللطيف الخبير.
فمن أقام بين البحرين حاجزا، وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا؟ ومن أزجى الفلك وسيرها على ظهره وأجرى الرياح وسخرها ليبتغي الناس من فضله؟ أوليس الله رب العالمين … فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ . ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام . إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور . أو يوبقهن بما كسبوا ويعفو عن كثير . الشورى:32-34.
ويقرأ العالمون بالفلك ويرى غيرهم في عالم السماء كيف رفع الله السبع الشداد بلا عمد، وجعل فيها أنواعا من المخلوقات لا يعلمها إلا الله، وأودع فيها من الغيوب والأرزاق ما اختص الله بعلمه، وينزل للناس في حينه بقدر، ويبصر الناس، كل الناس، كيف زين الله السماء الدنيا بمصابيح يهتدي بها المسافرون، ويرجم بها الشياطين، وجعل للنجوم مواقع، وللشمس والقمر منازل بها يستدل الحاسبون، ويعرف الناس الأزمان والشهور .. ترى من أجراها على الدوام وسخرها، وأغطش ليلها وأخرج ضحاها؟ إنه الله الولي الحميد.
. قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون . قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون . ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون . القصص:71-73 .
ويح أولئك الذين لا يشكرون، وما أكثر الذين هم بنعم ربهم غافلون . الذي خلق سبع سموات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر فهل ترى من فطور . ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير . الملك:3-5
أيها المسلمون: ويبحث علماء الجغرافيا أو الجيولوجيا في طبقات الأرض العلوية أو السفلية، فيرون مختلف الجبال وأنواع الصخور، فهذه جدد بيض وتلك حمر مختلف ألوانها، وثالثة غرابيب سود، ويلفت نظرهم قمم الجبال العالية وبطون الأودية السحيقة، وبين هذا وذاك تنبت أنواع من النباتات وتنتشر أنواع من الحيوانات، وإذا اعتدل الهواء في المناطق المتوسطة باتت قمم الجبال العالية السوداء بيضاء من الثلوج النازلة، وفى حين تنعدم الحياة في المناطق الاستوائية لشدة الحرارة .... ترى من قدر لهذه وتلك قدرها .. وهل في إمكان البشر أن ينقلوا جو هذه إلى تلك أو العكس ... أو يبعثوا الحياة في الأرض الميتة..؟!
كلا بل هو الله العلي القدير، ويدرك العالمون أكثر من غيرهم أن جوف الأرض يحتفظ بأنواع من المياه الجوفية تختلف في مخزونها، وفى مذاقها، وقربها أو بعدها، فمن يمسك البنيان إذ يبنى على ظهر الماء؟ ومن يمنع الأرض أن تتحول إلى طوفان بطغيان الماء في أعلاها وأسفلها إلا الله الذي أنزل من السماء ماء بقدر فأسكنه في الأرض، وهو القادر على أن يذهب به متى يشاء.
وعلى سطح البسيطة تنتشر أنواع من البشر، تختلف في ألوانها وألسنتها، وتختلف في عوائدها وطرائق حياتها، فمن بثها وبعث الحياة فيها وألهم كل نفس فجورها وتقواها؟ إنه الله يعرفه ويخشاه العالمون، ولا يكفر به إلا الظالمون المعاندون.
. ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود . ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور . فاطر:27-28.
إخوة الإيمان: ودلائل الإيمان تبدو للإنسان نفسه حتى وإن كان أميا، وهو يتأمل في نفسه، ويبصر عظمة الخلق فيها، كيف خلقها الله ابتداء من ماء مهين، ثم كانت بهذا الشكل القويم، وأدوع فيها من أسرار الخلق ما يعجز الطب عن كنهه، ويبقى الأطباء في حيرة منه . ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً.الإسراء:85
وهذا نموذج للإعجاز والتحدي.
ترى من يرعى دقات قلب المرء في حال اليقظة والنوم؟ وأقرب الناس إليه لا يملك من أمره شيئا، بل وهل يملك الإنسان نفسه التصرف في حركة التنفس؟ فيتنفس متى يشاء، ويوقف أنفاسه إذا لم يشاء، ألم يرى الإنسان كيف يدخل الطعام مدخلا ثم يخرجه الله مخرجا آخر؟ أله في ذلك قدرة وشأن؟ وما حيلته لو اختنق النفس أو احتبس البول؟ كم في جسم الإنسان من جهاز وطاقة؟ وكم فيه من أعضاء وخلية؟ أيملك التصرف بشيء منها؟ وصدق الله وهو أصدق القائلين . وفي أنفسكم أفلا تبصرون . وهو القائل . لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم . التين:4
إن القرآن يا عباد الله كتاب مفتوح للتأمل في ذات الإنسان وفي ملكوت الله، وخلقه الآخر، وكم تلفت آيات القرآن النظر للتأمل والعبرة، وتدعو للتفكر، وتشنع على العقول الخاملة، والقلوب الميتة، وكم في القرآن من مثل ودعوة ..... وكم من مثل قوله تعالى .أفلا تفكرون . أفلا تذكرون . أفلا تعقلون . أفلا تؤمنون .
. فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور الحج:46.
فهل يزداد المسلم إيمانا حين يتلو آيات القرآن؟ وهل يتعاظم الإيمان في قلبه حين يطلق لفكره وقلبه التأمل في مخلوقات الله العظام؟
إن العلم يدعو إلى الإيمان، وإن دلائل القرآن تؤكد نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، فمن أين لمحمد الأمي أن يخبر عن حركات الأمواج في الظلمات في البحار اللجية، ويقول للناس: . أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور . النور:40.
ترى أركب البحر محمد صلى الله عليه وسلم، أم توفر له في حينه ما توفر في عالم اليوم من الغواصات والآلات؟ كلا إن هو إ. لا وحي يوحى . النجم:4 .
بل ومن أين لمحمد صلى الله عليه وسلم الذي عاش في بيئة يقل فيها العلم، وينتشر فيها الجهل أن يخبر عن أطوار خلق الجنين في بطن أمه، كما قال تعالى :. يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فانى تصرفون . الزمر:6.
وإذا لم يعلم محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الظلمات قبل تعليم الله إياه، أفتراه يعلم أو يقول من ذات نفسه عن خلق الإنسان . ثم جعلناه نطفة في قرار مكين . ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين . المؤمنون:12-14.
ترى هل مارس محمد صلى الله عليه وسلم الطب أم كان على صلة بالأطباء، وهل كان الأطباء حينها يعلمون ذلك؟ كلا، بل هو كما قال تعالى . وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون . بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون العنكبوت:48- 49.
نفعني الله وإياكم بهدي الكتاب وسنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم كثرا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

منقول

عبدالله الأحد
2015-05-18, 03:58 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .. أما بعد:

سأنقل لكم في هذه الحلقات شرح فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين لكتاب الثلاثة الأصول عند أركان الإيمان:

الإيمان (1) وهو بضع (2) وسبعون شعبة (3)، أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى (4) عن الطريق، والحياء (5) شعبة من الإيمان، وأركانه ستة: أن تؤمن بالله (6)،......

(1) الإيمان في اللغة: التصديق.
وفي الشرع (( إعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارج وهو بضع وسبعون شعبة )).

(2) البضع: بكسر الباء من الثلاثة إلى التسعة.

(3) الشعبة: الجزء من الشيء.

(4) أي إزالة الأذى وهو ما يؤذي المارة من أحجار وأشواك، ونفايات وقمامة وما له رائحة كريهة ونحو ذلك.

(5) الحياء صفة انفعالية تحدث عند الخجل، وتحجز المرء عن فعل ما يخالف المروءة.

والجمع بين ما تضمنه كلام المؤلف رحمه الله تعالى من أن الإيمان بضع وسبعون شعبة وأن الإيمان أركانه ستة أن نقول: الإيمان الذي هو العقيدة أصوله ستة وهي المذكورة في حديث جبريل عليه الصلاة والسلام حينما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال: " الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره ".

وأما الإيمان الذي يشمل الأعمال وأنواعها وأجناسها فهو بضع وسبعون شعبة ولهذا سمى الله تعالى الصلاة إيماناً في قوله تعالى: " وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ " [سورة البقرة:143] قال المفسرون يعني صلاتكم إلى بيت المقدس لأن الصحابة كانوا قبل أن يؤمروا بالتوجه إلى الكعبة يصلون إلى بيت المقدس.

(6) الإيمان بالله يتضمن اربعة أمور:

الأول: الإيمان بوجود الله تعالى:

وقد دل على وجوده تعالى: الفطرة، والعقل، والشرع، والحس.

1- أما دلالة الفطرة على وجوده: فإن كل مخلوق قد فطر على الإيمان بخالقه من غير سبق تفكير أو تعليم، ولا ينصرف عن مقتضى هذه الفطرة إلا من طرأ على قلبه ما يصرفه عنها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه " أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، ومسلم في كتاب القدر.

2- وأما دلالة العقل على وجود الله تعالى: فلأن هذه المخلوقات سابقها ولاحقها لابد لها من خالف أوجدها إذ لا يمكن أن توجد نفسها بنفسها، ولا يمكن أن توجد صدفة.

لا يمكن أن توجد نفسها بنفسها لأن الشيء لا يخلق نفسه، لأن قبل وجوده معدوم فكيف يكون خالقاً؟

ولا يمكن أن توجد صدفة، لأن كل حادث لابد له من محدث، ولأن وجودها على هذا النظام البديع، والتناسق المتآلف، والإربتاط الملتحم بين الأسباب ومسبباتها، وبين الكائنات بعضها مع بعض يمنع منعاً باتاً أن يكون وجودها صدفة، إذ الموجود صدفة ليس على نظام في أصل وجوده فكيف يكون منتظماً حال بقائه وتطوره؟!

وإذا لم يمكن أن توجد هذه المخلوقات نفسها بنفسها، ولا أن توجد صدفة تعين أن يكون لها موجد وهو الله رب العالمين.

وقد ذكر الله تعالى هذا الدليل العقلي والبرهان القطعي في سورة الطور، وحيث قال: " أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ " [سورة الطور:35] يعني أنهما لم يخلقوا من غير خالق، ولا هم الذين خلقوا أنفسهم، فتعين أن يكون خالقهم هو الله تبارك وتعالى، ولهذا لما سمع - جبير بن مطعم - رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة الطور فبلغ هذه الآيات: " أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ * أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ " [سورة الطور:الآيات:35-37] وكان - جبير - يومئذ مشركاً قال: (( كاد قلبي أن يطير، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي )) رواه البخاري مفرقاً.

ولنضرب مثلا يوضح ذلك، فإنه لو حدثك شخص عن قصر مشيد، أحاطت به الحدائق، وجرت بينها الأنهار، ومليء بالفرش والأسرة، وزين بأنواع الزينة من مقوماته ومكملاته، وقال لك: إن هذا القصر وما فيه من كمال قد أوجد نفسه، أو وجد هكذا صدفة بدون موجد، لبادرت إلى إنكار ذلك وتكذيبه، وعددت حديثه سفهاً من القول، أفيجوز بعد ذلك أن يكون هذا الكون الواسع بأرضه وسمائه، وأفلاكه وأحواله، ونظامه البديع الباهر، قد أوجد نفسه، أو وجد صدفة بدون موجد؟!

3- وأما دلالة الشرع على وجود الله تعالى: فلأن الكتب السماوية كلها تنطق بذلك، وما جاءت به من الأحكام المتضمنة لمصالح الخلق دليل على أنها من رب حكيم عليم بمصالح خلقه، وما جاءت به من الأخبار الكونية التي شهد الواقع بصدقها دليل على أنها من رب قادر على إيجاد ما أخبر به.

4- وأما أدلة الحس على وجود الله فمن وجهين:

أحدهما: أننا نسمع ونشاهد من إجابة الداعين، وغوث المكروبين، وما يدل دلالة قاطعة على وجوده تعالى، قال الله تعالى: " ونُوحاً إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ " [سورة الأنبياء:76] وقال تعالى: " إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ " [سورة الأنفال: 9] وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه: " أن أعرابياً دخل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال: ( يا رسول الله )، هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه ودعا فثار السحاب أمثال الجبال فلم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته، وفي الجمعة الثانية قام ذلك الأعرابي أو غيره فقال: ( يا رسول الله ) تهدم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا، فرفع يديه وقال: (( اللهم حوالينا ولا علينا ))، فما يشير إلى ناحية إلا انفرجت " أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، ومسلم في كتاب الاستسقاء.

وما زالت إجابة الداعين أمراً مشهوداً إلى يومنا هذا لمن صدق اللجوء إلى الله تعالى وأتى بشرائط الإجابة.

الوجه الثاني: أن آيات الأنبياء التي تسمى ( المعجزات ) ويشاهدها الناس، أو يسمعون بها، برهان قاطع على وجود مرسلهم، وهو الله تعالى، لأنها أمور خارجة عن نطاق البشر، يجريها الله تعالى تأييداً لرسله ونصراً لهم.

مثال ذلك: آية موسى صلى الله عليه وسلم حين أمره الله تعالى أن يضرب بعصاه البحر، فضربه فانفلق اثنى عشر طريقاً يابساً، والماء بينها كالجبال، قال الله تعالى: " فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ " [سورة الشعراء:63].

ومثال ثان: آية عيسى صلى الله عليه وسلم حيث كان يحيي الموتى، ويخرجهم من قبورهم بإذن الله، قال الله تعالى: " أُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ " [سورة آل عمران:49] وقال: " وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي " [سورة المائدة:110].

ومثال ثالث: لمحمد صلى الله عليه وسلم حين طلبت منه قريش آية، فأشار إلى القمر فانفلق فرقتين فرآه الناس، وفي ذلك قوله تعالى: " اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ " [سورة القمر:1-2].

فهذه الآيات المحسوسة التي يجريها الله تعالى تأييداً لرسله، ونصراً لهم، تدل دلالة قطعية على وجوده تعالى.

الثاني: الإيمان بربوبيته:

أي بانه وحده الرب لا شريك له ولا معين.

والرب من له الخلق، والملك، والأمر، فلا خالق إلا الله، ولا مالك إلا هو، ولا أمر إلا له، قال تعالى: " أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ " [سورة الأعراف:54] وقال تعالى: " ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ " [سورة فاطر:13].

ولم يعلم أن أحداً من الخلق أنكر ربوبية الله سبحانه، إلا أن يكون مكابراً غير معتقد بما يقول، كما حصل من - فرعون - حين قال لقومه: " فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى " [سورة النازعات:24] وقال تعالى: " أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي " [سورة القصص: 38]. لكن ذلك ليس عن عقيدة، قال الله تعالى: " وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً " [سورة النمل: 14] وقال موسى لفرعون فيما حكى الله عنه: " قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورا " [سورة الإسراء:102].

ولهذا كان المشركون يقرون بربوبية الله تعالى، مع إشراكهم به في الألوهية، قال الله تعالى: " قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ " [سورة المؤمنون:84-89].

وقال الله تعالى: " وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ " [سورة الزخرف:9] وقال: " وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ " [سورة الزخرف:87].

وأمر الرب سبحانه شامل للأمر الكوني والشرعي فكما أنه مدبر الكون القاضي فيه بما يريد حسب ما تقتضيه حكمته، فهو كذلك الحاكم فيه بشرع العبادات وأحكام المعاملات حسبما تقتضيه حكمته، فمن اتخذ مع الله تعالى مشرعاً في العبادات، أو حاكماً في المعاملات فقد أشرك به ولم يحقق الإيمان.

الثالث: الإيمان بألوهيته:

أي ( بأنه وحده الإله الحق لا شريك له ) و (( الإله )) بمعنى (( المألوه )) أي (( المعبود )) حباً وتعظيماً، وقال الله تعالى: " وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ " [سورة البقرة:163] وقال تعالى: " شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " [سورة آل عمران: 18]. وكل ما اتخذ إلهاً مع الله يعبد من دونه فألوهيته باطلة، قال الله تعالى: " ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ " [سورة الحج:62] وتسميتها آلهة لا يعطيها حق الألوهية قال الله تعالى في ( اللات والعزى ومناة ): " إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ " [سورة النجم:23] وقال عن هود أنه قال لقومه: " أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ " [سورة الأعراف:71] وقال عن يوسف أنه قال لصاحبي السجن: " يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ " [سورة يوسف:39-40] ولهذا كانت الرسول عليهم الصلاة والسلام يقولون لأقوامهم: " اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره " ولكن أبى ذلك المشركون، واتخذوا من دون الله آلهة، يعبدونهم مع الله سبحانه وتعالى، ويستنصرون بهم، ويستغيثون.

وقد أبطل الله تعالى اتخاذ المشركين هذه الآلهة ببرهانين عقليين:

الأول: أنه ليس في هذه الآلهة التي اتخذوها شيء من خصائص الألوهية، فهي مخلوقة لا تخلقُ، ولا تجلب نفعاً لعابديها، ولا تدفع عنهم ضرراً، ولا تملك لهم حياة، ولا موتاً، ولا يملكون شيئاً من السموات ولا يشاركون فيه.

قال الله تعالى: " وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً " [سورة الفرقان:3].

وقال تعالى: " قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ " [سورة سبأ:22-23].

وقال: " أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ " [سورة الأعراف:191-192].

وإذا كانت هذه حال تلك الآلهة، فإن اتخاذها آلهة من أسفه السفه، وأبطل الباطل.

الثاني: أن هؤلاء المشركين كانوا يقرون بأن الله تعالى: وحده الرب الخالق الذي بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه، وهذا يستلزم أن يوحدوه بالألوهية كما وحدوه بالربوبية كما قال تعالى: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ " [سورة البقرة:21-22] وقال: " وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ " [سورة الزخرف:87] وقال: " قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ " [سورة يونس:31-32].

الرابع: الإيمان بأسمائه وصفاته:

أي ( إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه، أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات على الوجه اللائق به من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل: قال الله تعالى: " وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ " [سورة الأعراف:180] وقال: " وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " [سورة الروم:27] وقال: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ " [سورة الشورى:11].

وقد ضل في هذا الأمر طائفتان:

إحداهما: (المعطلة) الذين أنكروا الأسماء، والصفات، أو بعضها، زاعمين أن إثباتها يستلزم التشبيه، أي تشبيه الله تعالى بخلقه، وهذا الزعم باطل لوجوه منها:

الأول: أنه يستلزم لوازم باطلة كالتناقض في كلام الله سبحانه، وذلك أن الله تعالى أثبت لنفسه الأسماء والصفات، ونفى أن يكون كمثله شيء، ولو كان إثباتها يستلزم التشبيه لزم التناقض في كلام الله، وتكذيب بعضه بعضاً.

الثاني: أنه لا يلزم من اتفاق الشيئين في اسم أو صفة أن يكونا متماثلين، فأنت ترى الشخصين يتفقان في أن كلاً منهما إنسان سميع، بصير، متكلم، ولا يلزم من ذلك أن يتماثلا في المعاني الإنسانية، والسمع، والبصر، والكلام، وترى الحيوانات لها أيد وأرجل، وأعين، ولا يلزم من اتفاقها هذا أن تكون أيديها وأرجلها، وأعينها متماثلة.

فإذا ظهر التباين بين المخلوقات فيما تتفق فيه من أسماء، أو صفات، فالتباين بين الخالق والمخلوق أبين وأعظم.

عبدالله الأحد
2015-05-18, 04:02 PM
الطائفة الثانية: (المشبهة) الذين أثبتوا الأسماء والصفات مع تشبيه الله تعالى بخلقه زاعمين أن هذا مقتضى دلالة النصوص، لأن الله تعالى يخاطب العباد بما يفهمون وهذا الزعم باطل لوجوه منها:

الأول: أن مشابهة الله تعالى لخلقه أمر باطل يبطله العقل، والشرع، ولا يمكن أن يكون مقتضى نصوص الكتاب والسنة أمراً باطلاً.

الثاني: أن الله تعالى خاطب العباد بما يفهمون من حيث أصل المعنى، أما الحقيقة والكنه الذي عليه ذلك المعنى فهو مما استأثر الله تعالى بعلمه فيما يتعلق بذاته، وصفاته.

فإذا أثبت الله لنفسه أنه سميع، فإن السمع معلوم من حيث أصل المعنى ( وهو إدراك الأصوات ) لكن حقيقة ذلك بالنسبه إلى سمع الله تعالى غير معلومة، لأن حقيقة السمع تتباين حتى في المخلوقات، فالتباين فيها بين الخالق والمخلوق أبين وأعظم.

وإذا أخبر الله تعالى عن نفسه أنه استوى على عرشه فإن الإستواء من حيث أصل المعنى معلوم، لكن حقيقة الإستواء التي هو عليه غير معلومة بالنسبه إلى استواء الله على عرشه، لأن حقيقة الإستواء تتباين في حق المخلوق، فليس الاستواء على كرسي مستقر كالإستواء على رحل بعير صعب نفور، فإذا تباينت في حق المخلوق، فالتباين فيها بين الخالق والمخلوق أبين وأعظم.

والإيمان بالله تعالى على ما وصفنا يثمر للمؤمنين ثمرات جليلة منها:

الأولى: تحقيق توحيد الله تعالى بحيث لا يتعلق بغيره رجاء، ولا خوفاً ولا يعبد غيره.

الثانية: كمال محبة الله تعالى، وتعظيمه بمقتضى أسمائه الحسنى وصفاته العليا.

الثالثة: تحقيق عبادته بفعل ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه.

يتبع في الدرس القادم شرح أركان الإيمان وهو الركن الثاني أي ركن الايمان بالملائكة

سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك


بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .. أما بعد:

سأنقل لكم في هذه الحلقات شرح فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين لكتاب الثلاثة الأصول عند أركان الإيمان، ونواصل في هذه الحلقه الثانية شرح ركن الايمان بملائكته:

الملائكة: عالم غيبي مخلوقون، عابدون لله تعالى، وليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء، خلقهم الله تعالى من نور، ومنحهم الإنقياد التام لأمره، والقوة على تنفيذه.

قال الله تعالى: " وَمَنْ عِندَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ " [سورة الإنبياء: 19-20].

وهم عدد كثير لا يحصيهم إلا الله تعالى، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه في قصة المعراج أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع له البيت المعمور في السماء يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم [ اخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة. ومسلم، كتاب الإيمان، باب: الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم وفرض الصلوات ]

والإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور:

أولا: الإيمان بوجودهم.

الثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه ( كجبريل ) ومن لم نعلم اسمه نؤمن بهم إجمالاً.

الثالث: الإيمان بما علمنا من صفاتهم، كصفة ( جبريل ) فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه رآه على صفته التي خُلق عليها وله ستمائة جناح قد صد الأفق [البخاري، كتاب بدء الخلق: 3232 -3233].

وقد يتحول الملك بأمر الله تعالى إلى هيئة رجل، كما حصل ( لجبريل ) حين أرسله تعالى إلى - مريم - فتمثل لها بشراً سوياً، وحين جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في أصحابه جاءه بصفة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفهُ أحد من الصحابه، فجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، والإيمان والإحسان، والساعة، وأماراتها، فاجابه النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: " هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم " [رواه مسلم].

وكذلك الملائكة الذين أرسلهم الله تعالى إلى ابراهيم، ولوط كانوا في صورة رجال.

الرابع: الإيمان بما علمنا من أعمالهم التي يقومون بها بأمر الله تعالى، كتسبيحه، والتعبد له ليلاً ونهاراً بدون ملل ولا فتور.

وقد يكون لبعضهم أعمال خاصة.
مثل: جبريل الأمين على وحي الله تعالى يرسله الله به إلى الأنبياء والرسل.
ومثل: ميكائيل الموكل بالقطر أي بالمطر والنبات.
ومثل: إسرافيل الموكل بالنفخ في الصور عند قيام الساعة وبعث الخلق.
ومثل: ملك الموت الموكل بقبض الأرواح عند الموت.
ومثل: مالك الموكل بالنار وهو خازن النار.
ومثل: الملائكة الموكلين بالأجنة في الأرحام إذا تم للإنسان أربعة أشهر في بطن أمه، بعث الله إليه ملكاً وأمره بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد.
ومثل: الملائكة الموكلين بحفظ أعمال بني آدم وكتابتها لكل شخص، ملكان: أحدهما عن اليمين، والثاني عن الشمال.
ومثل: الملائكة الموكلين بسؤال الميت إذا وضع في قبره يأتيه ملكان يسألانه عن ربه، ودينه، ونبيه.

والإيمان بالملائكة يثمر ثمرات جليلة منها:

الأولى: العلم بعظمة الله تعالى، وقوته، وسلطانه، فإن عظمة المخلوق من عظمة الخالق.

الثانية: شكر الله تعالى على عنايتة ببني آدم، حيث وكل هؤلاء الملائكة من يقوم بحفظهم، وكتابة أعمالهم، وغير ذلك من مصالحهم.

الثالثة: محبة الملائكة على ما قاموا به من عبادة الله تعالى.

وقد أنكر قوم من الزائغين كون الملائكة أجساماً، وقالوا إنهم عبارة عن قوى الخير الكامنة في المخلوقات، وهذا تكذيب لكتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين.

قال الله تعالى: " الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ " [سورة فاطر:1].

وقال: " وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ " [سورة الأنفال: 50].

وقال: " وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ " [سورة الأنعام: 93].

وقال: " حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ " [سورة سبأ: 23].

وقال في أهل الجنة: " وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ " [سورة الرعد: 23 - 24].

وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحبُ فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء، إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الإرض " [أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق باب ذكر الملائكة، ومسلم في كتاب البر والصلة باب إذا أحب الله عبدا حببه إلى عباده].

وفيه أيضاً عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد الملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف، وجاءوا يستمعون الذكر " [أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب: الإستماع إلى الخطبة. ومسلم، كتاب الجمعة، باب: فضل التهجير يوم الجمعة].

وهذه النصوص صريحة في أن الملائكة أجسام لا قوى معنوية، كما قال الزائغون وعلى مقتضى هذه النصوص أجمع المسلمون.

عبدالله الأحد
2015-05-18, 04:06 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .. أما بعد:

سأنقل لكم في هذه الحلقات شرح فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين لكتاب الثلاثة الأصول عند أركان الإيمان، ونواصل في هذه الحلقه الثالثة شرح ركن الإيمان بالكتب والرسل عليهم أفضل الصلاة والسلام:

الإيمــــان بالكتـــــــب:

الكتب: جمع ( كتاب) وبمعنى (مكتوب).
والمراد بها هنا: الكتب التي أنزلها تعالى على رسله رحمة للخلق، وهداية لهم، ليصلوا بها إلى سعادتهم في الدنيا والآخرة.

الإيمان بالكتب يتضمن أربعة أمور:

الأول: الإيمان بأن نزولها من عند الله حقاً.

الثاني: الإيمان بما علمنا اسمه منها باسمه كالقرآن الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، والتوراة التي أنزلت على موسى صلى الله عليه وسلم، والإنجيل الذي أنزل على عيسى صلى الله عليه وسلم، والزبور الذي أوتيه داود صلى الله عليه وسلم وأما ما لم نعلم اسمه فنؤمن به إجمالاً.

الثالث: تصديق ما صح من أخبارها، كأخبار القرآن، وأخبار ما لم يبدل أو يحرف من الكتب السابقة.

الرابع: العمل بأحكام ما لم ينسخ منها، والرضا والتسليم به سواء فهمنا حكمته أم لم نفهمها، وجميع الكتب السابقة منسوخة بالقرآن العظيم قال الله تعالى: " ) وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ " [سورة المائدة:48] أي (حاكماً عليه) وعلى هذا فلا يجوز العمل بأي حكم من أحكام الكتب السابقة إلا ما صح منها وأقره القرآن.

الإيمان بالكتب يثمر ثمرات جليلة منها:

الأولى: العلم بعناية الله تعالى بعبادة حيث أنزل لكل قوم كتاباً يهديهم به.

الثانية: العلم بحكمة الله تعالى في شرعه حيث شرع لكل قوم ما يناسب أحوالهم. كما قال الله تعالى: " لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً " [سورة المائدة:48].

الإيمـــــان بالرســــــــــــل:

الرسل: جمع (رسول) بمعنى (مرسل) أي (مبعوث) بإبلاغ شيء.
والمراد هنا: من أوحي إليه من البشر بشرع وأمر بتبليغه.
وأول الرسل نوح وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم.

قال الله تعالى: " إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ " [سورة النساء:163].

وفي صحيح البخاري عن - أنس بن مالك - رضي الله عنه في حديث الشفاعة أن النبي صلى الله عليه وسلم: " ذكر أن الناس يأتون إلى آدم ليشفع لهم فيعتذر إليهم ويقول: ائتوا نوحاً أول رسول بعثه الله .... " [أخرجه البخاري ومسلم].

وقال الله تعالى في محمد صلى الله عليه وسلم: " مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ " [سورة الأحزاب:40].

ولم تخل أمة من رسول يبعثه الله تعالى بشريعة مستقلة إلى قومه، أو نبي يوحي إليه بشريعة من قبله ليجددها، قال الله تعالى: " وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ " [سورة النحل:36]. وقال تعالى: " وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلا خلا فِيهَا نَذِيرٌ " [سورة فاطر:24]. وقال تعالى: " ) إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ " [سورة المائدة:44].

والرسل بشر مخلوقون ليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء، قال الله تعالى عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وهو سيد المرسلين وأعظمهم جاهاً عند الله: " قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ " [سورة الأعراف:188].

وقال تعالى: " ) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً * قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً " [سورة الجن:21-22].

وتلحقهم خصائص البشرية من المرض، والموت، والحاجة إلى الطعام والشراب، غير ذلك، قال الله تعالى عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام في وصفه لربه تعالى: " وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ " [سورة الشعراء:79-81].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنما أنا بشرٌ مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني " [أخرجه البخاري ومسلم].

وقد وصفهم الله تعالى بالعبودية له في أعلى مقاماتهم، وفي سيق الثناء عليهم فقال تعالى في نوح صلى الله عليه وسلم: " إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً " [سورة الإسراء:3] وقال في محمد صلى الله عليه وسلم: " تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً " [سورة الفرقان:1].

وقال في إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب صلى الله عليهم وسلم: " وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ " [سورة ص:45-47].

وقال في عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم: " إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ " [سورة الزخرف:59].

الإيمان بالرسل يتضمن أربعة أمور:

الأول: الإيمان بأن رسالتهم حق من الله تعالى، فمن كفر برسالة واحد منهم فقد كفر بالجميع. كما قال الله تعالى: " قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ " [سورة الشعراء:105]. فجعلهم الله مكذبين لجميع الرسل مع أنه لم يكن رسول غيره حين كذبوه، وعلى هذا فالنصارى الذين كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم ولم يتبعوه هم مكذوبن للمسيح بن مريم وغير متبعين له أيضاً، لا سيما وأنه قد بشرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ولا معنى لبشارتهم به إلا أنه رسول إليهم ينقذهم الله به من الضلالة، ويهديهم إلى صراط مستقيم.

الثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه مثل: محمد وإبراهيم، وموسى وعيسى، ونوح عليهم الصلاة والسلام، وهؤلاء الخمسة هم أولوا العزم من الرسل، وقد ذكرهم الله تعالى في موضعين من القران في سورة الأحزاب في قوله: " وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ " [سورة الأحزاب:7] وفي سورة الشورى في قوله: " شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ " [سورة الشورى:13].

وأما من لم نعلم اسمه منهم فنؤمن به إجمالاً قال الله تعالى: " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ " [سورة غافر:78].

الثالث: تصديق ما صح عنهم من أخبارهم.

الرابع: العمل بشريعة من أرسل إلينا منهم، وهو خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم المرسل إلى جميع الناس قال الله تعالى: " فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً " [سورة النساء:65].

للإيمان بالرسل ثمرات جليلة منها:

الأولى: العلم برحمة الله تعالى وعنايته بعباده حيث أرسل إليهم الرسل ليهدوهم إلى صراط الله تعالى، ويبينوا لهم كيف يعبدون الله، لأن العقل البشري لا يستقل بمعرفة ذلك.

الثانية: شكره تعالى على هذه النعمة الكبرى.

الثالثة: محبة الرسل عليهم الصلاة والسلام وتعظيمهم، والثناء عليهم بما يليق بهم، لأنهم رسل الله تعالى، ولأنهم قاموا بعبادته، وتبليغ رسالته، والنصح لعباده.

وقد كذب المعاندون رسلهم زاعمين أن رسل الله تعالى لا يكونون من البشر وقد ذكر الله تعالى هذا الزعم وأبطله بقوله: " وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللّهُ بَشَراً رَّسُولاً * قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَّسُولاً " [سورة الإسراء:94-95]. فأبطل الله تعالى هذا الزعم بأنه لا بد أن يكون الرسول بشراً لأنه مرسل إلى أهل الأرض، وهم بشر، ولو كان أهل الأرض ملائكة لنزل الله عليهم من السماء ملكاً رسولاً، ليكون مثلهم، وهكذا حكى الله تعالى عن المكذبين للرسل أنهم قالوا: " إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ " [سورة إبراهيم:10-11].


سبحانك اللهم، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، استغفرك واتوب إليك.

منقول

عبدالله الأحد
2015-05-18, 04:10 PM
الحالة :

سؤال هام : ما معنى الإيمان بالله ؟؟!!

--------------------------------------------------------------------------------


سؤال:


قرأت وسمعت كثيراً عن فضائل تحقيق الإيمان بالله تعالى ، وأريد منكم أن تفصلوا لي من معنى الإيمان بالله بما يساعدني على تحقيقه ، وعلى البعد عما يخالف منهج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ومنهج أصحابه ؟.

الجواب:

الحمد لله

الإيمان بالله هو الاعتقاد الجازم بوجوده سبحانه وتعالى ، وربوبيته ، وألوهيته ، وأسمائه وصفاته .

الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور ، فمن آمن بها فهو المؤمن حقاًّ .

الأول: الإيمان بوجود الله تعالى

ووجود الله تعالى قد دل عليه العقل والفطرة ، فضلاً عن الأدلة الشرعية الكثيرة التي تدل على ذلك.

1 ـ أما دلالة الفطرة على وجوده: فإن كل مخلوق قد فطر على الإيمان بخالقه من غير سبق تفكير أو تعليم، ولا ينصرف عن مقتضى هذه الفطرة إلا من طرأ على قلبه ما يصرفه عنها، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ ) رواه البخاري (1358) ومسلم (2658) .

2 ـ وأما دلالة العقل على وجود الله تعالى؛ فلأن هذه المخلوقات سابقها ولاحقها لا بد لها من خالق أوجدها، إذ لا يمكن أن توجِدَ نفسها بنفسها ، ولا يمكن أن توجد صدفة .

فهي لا يمكن أن توجد نفسها بنفسها لأن الشيء لا يَخلق نفسَه ، لأنه قبل وجوده معدوم، فكيف يكون خالقاً ؟!

ولا يمكن أن توجد صدفة ، لأن كل حادث لا بد له من محدث ، ولأن وجودها على هذا النظام البديع المحكم ، والتناسق المتآلف ، والارتباط الملتحم بين الأسباب ومسبباتها ، وبين الكائنات بعضها مع بعض يمنع منعاً باتاًّ أن يكون وجودها صدفة ، إذ الموجود صدفة ليس على نظام في أصل وجوده ، فكيف يكون منتظماً حال بقائه ؟!

وإذا لم يمكن أن تُوجِد هذه المخلوقات نفسَها بنفسها، ولا أن توجَد صدفة، تعين أن يكون لها موجِدٌ وهو الله رب العالمين .

وقـد ذكر الله تعالى هذا الدليل العقلي والبرهان القطعي في سورة الطور، حيث قال : ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ) الطور /35 .

يعني أنهم لم يخلقوا من غير خالق ، ولا هم الذين خلقوا أنفسهم، فتعين أن يكون خالقهم هو الله تبارك وتعالى ، ولهذا لما سمع جبير بن مطعم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة الطور فبلغ هذه الآيات : ( أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون . أم خلقوا السمـوات والأرض بل لا يوقنـون . أم عندهـم خزائن ربك أم هم المسيطرون ) الطور /35-37 . وكان جبير يومئذ مشركاً قال : ( كاد قلبي أن يطير ، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي ) رواه البخاري في عدة مواضع .

ولنضرب مثلاً يوضح ذلك :

فإنه لو حدثك شخص عن قصر مشيد، أحاطت به الحدائق، وجرت بينها الأنهار، وملئ بالفُرُش والأَسِرّة، وزُيِّن بأنواع الزينة من مقوماته ومكملاته ، وقال لك : إن هذا القصر وما فيه من كمال قد أوجد نفسه ، أو وجد هكذا صدفة بدون موجد، لبادرت إلى إنكار ذلك وتكذيبه ، وعددت حديثه سفهاً من القول ، أفيجوز بعد ذلك أن يكون هذا الكون الواسع بأرضه ، وسمائه ، وأفلاكه ، البديعُ الباهرُ ، المحكَم المتقَنُ قد أوجد نفسه ، أو وجد صدفة بدون موجد ؟!

وقد فهم هذا الدليل العقلي أعرابي يعيش في البادية ، وعَبَّر عنها بأسلوبه ، فلما سُئِل : بم عرفت ربك ؟ فقال : البعرة تدل على البعير ، والأثر يدل على المسير ، فسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج ، وبحار ذات أمواج ، ألا تدل على السميع البصير ؟!!

ثانياً: الإيمان بربوبيته تعالى

أي: بأنه وحده الرب لا شريك له ولا معين.

والرب : هو من له الخلق ، والملك ، والتدبير ، فلا خالق إلا الله ، ولا مالك إلا الله، ولا مدبر للأمور إلا الله ، قال الله تعالى : ( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ) الأعراف /45 . وقال تعالى : ( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ ) يونس/31 . وقال تعالى : ( يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ ) السجدة /5 . وقال : ( ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ) فاطر/13 .

وتأمل قول الله تعالى في سورة الفاتحة : ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) الفاتحة /4 . وفي قراءة متواترة ( مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) وإذا جمعت بين القراءتين ظهر معنى بديع ، فالملك أبلغ من المالك في السلطة والسيطرة ، لكن الملك أحياناً يكون ملكاً بالاسم فقط لا بالتصرف ، أي أنه لا يملك شيئاً من الأمر ، وحينئذٍ يكون ملكاً ولكنه غير مالك ، فإذا اجتمع أن الله تعالى ملكٌ ومالكٌ تم بذلك الأمر ، بالملك والتدبير .

الثالث : الإيمان بألوهيته

أي : بأنه الإله الحق لا شريك له .

و(الإله) بمعنى (المألوه) أي : (المعبود) حباًّ وتعظيماً ، وهذا هو معنى (لا إله إلا الله) أي : لا معبودَ حقٌّ إلا الله . قال تعالى : ( وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ) البقرة /163 . وقال تعالى : ( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) آل عمران /18 .

وكل ما اتخذ إلهاً مع الله يعبد من دونه فألوهيته باطلة ، قـال الله تعـالى : ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ) الحج /62 .

وتسميتها آلهة لا يعطيها حق الألوهية . قال الله تعالى في ( اللات والعزى ومناة ) : ( إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ) النجم/23 .

وقال تعالى عن يوسف عليه السلام أنه قال لصاحبي السجن : ( أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ - مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ) يوسف /40 .

فلا يستحق أحد أن يعبد ، ويفرد بالعبادة إلا الله عز وجل ، لا يشاركه في هذا الحق أحدٌ ، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ، ولهذا كانت دعوة الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم هي الدعوة إلى قول ( لا إله إلا الله ) قال الله تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ ) الأنبياء /35 . وقال : ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) النحل/36 .

ولكن أبى ذلك المشركون ، واتخذوا من دون الله آلهة ، يعبدونهم مع الله سبحانه وتعالى ، ويستنصرون بهم ويستغيثون .

الرابع : الإيمان بأسمائه وصفاته

أي : إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه ، أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات على الوجه اللائق به سبحانه من غير تحريف ، ولا تعطيل ، ومن غير تكييف ، ولا تمثيل . قال الله تعالى : ( وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) الأعراف /180 .

فهذه الآية دليل على إثبات الأسماء الحسنى لله تعالى . وقال تعالى : ( وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) الروم /27 . وهذه الآية دليل على إثبات صفات الكمال لله تعالى ، لأن ( المثل الأعلى ) أي : الوصف الأكمل . فالآيتان تثبتان الأسماء الحسنى والصفات العلى لله تعالى على سبيل العموم . وأما تفصيل ذلك في الكتاب والسنة فكثير .

وهذا الباب من أبواب العلم ، أعني : أسماء الله تعالى وصفاته من أكثر الأبواب التي حصل فيها النـزاع والشقاق بين أفراد الأمة ، فقد اختلفت الأمة في أسماء الله تعالى وصفاته فرقاً شتى .

وموقفنا من هذا الاختلاف هو ما أمر الله به في قوله : ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) النساء /59 .

فنحن نرد هذا التنازع إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مسترشدين في ذلك بفهم السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهذه الآيات والأحاديث ، فإنهم أعلم الأمة بمراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم . ولقد صدق عبد الله بن مسعود وهو يصف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( من كان منكم مستنا ، فليستن بمن قد مات ، فإن الحي لا يؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، أبر هذه الأمة قلوبا ، وأعمقها علما ، وأقلها تكلفا ، قوم اختارهم الله لإقامة دينه ، وصحبة نبيه ، فاعرفوا لهم حقهم ، وتمسكوا بهديهم ، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم ) .

وكل من حاد عن طريق السلف في هذا الباب فقد أخطأ وضل واتبع غير سبيل المؤمنين واستحق الوعيد المذكور في قوله تعالى : ( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً ) النساء /115 .

والله تعالى قد اشترط للهداية أن يكون الإيمان بمثل ما آمن به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وذلك في قوله تعالى : ( فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ) البقرة /137 .

فكل من بَعُدَ وحاد عن طريق السلف فقد نقص من هدايته بمقدار بعده عن طريق السلف .

وعلى هذا فالواجب في هذا الباب إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات ، وإجراء نصوص الكتاب والسنة على ظاهرها ، والإيمان بها كما آمن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم ، الذين هم أفضل هذه الأمة وأعلمها .

ولكن يجب أن يعلم أن هناك أربعة محاذير من وقع في واحد منها لم يحقق الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته كما يجب ، ولا يصح الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته إلا بانتفاء هذه المحاذير الأربعة وهي : التحريف ، والتعطيل ، والتمثيل ، والتكييف .

ولذلك قلنا في معنى الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته هو ( إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه ، أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات على الوجه اللائق به من غير تحريف ، ولا تعطيل ، ولا تكييف ، ولا تمثيل ) .

وهذا هو بيان هذه المحاذير الأربعة باختصار : 1

- التحريف :

والمراد به تغيير معنى نصوص الكتاب والسنة من المعنى الحق الذي دلت عليه ، والذي هو إثبات الأسماء الحسنى والصفات العلى لله تعالى إلى معنى آخر لم يرده الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم .

مثال ذلك :

تحريفهم معنى صفة اليد الثابتة لله تعالى والواردة في كثير من النصوص بأن معناها النعمة أو القدرة .

2- التعطيل :

والمراد بالتعطيل نفي الأسماء الحسنى والصفات العلى أو بعضها عن الله تعالى .

فكل من نفى عن الله تعالى اسماً من أسمائه أو صفة من صفاته مما ثبت في الكتاب أو السنة فإنه لم يؤمن بأسماء الله تعالى وصفاته إيماناً صحيحاً .

3- التمثيل :

وهو تمثيل صفة الله تعالى بصفة المخلوق ، فيقال مثلاً : إن يد الله مثل يد المخلوق . أو إن الله تعالى يسمع مثل سمع المخلوق . أو إن الله تعالى استوى على العرش مثل استواء الإنسان على الكرسي . . . وهكذا .

ولا شك أن تمثيل صفات الله تعالى بصفات خلقه منكر وباطل ، قال الله تعالى : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) الشورى /11 .

4- التكييف :

وهو تحديد الكيفية والحقيقة التي عليها صفات الله تعالى ، فيحاول الإنسان تقديراً بقلبه ، أو قولاً بلسانه أن يحدد كيفية صفة الله تعالى .

وهذا باطل قطعاً ، ولا يمكن للبشر العلم به ، قال الله تعالى : ( وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) طـه /110 .

فمن استكمل هذه الأمور الأربعة فقد آمن بالله تعالى إيماناً صحيحاً .

نسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان يتوفانا عليه .

والله تعالى أعلم .

انظر : رسالة شرح أصول الإيمان للشيخ ابن عثيمين .


الإسلام سؤال وجواب

بسم الله الرحمن الرحيم


ما عقيدة أهل السنة والجماعة في باب الإيمان؟؟


حياكم الله إخواني جميعا ، لاشك حفظكم الله أن من أعظم أبواب الدين هو هذا الباب ، وذلك لأنه ما من ركن من أركان الإيمان ، أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وتؤمن بالقدر خيره وشره ، لو تلاحظ أخي أن أركان الإيمان الستة المأخوذة من حديث جبريل ، نجدها أنها صدرت بكلمة إيمان ، ما المراد بهذه الكلمة؟؟ وما هو معتقد أهل السنة والجماعة فيها.



تريد الجواب؟؟


تفضل معي قليلا ، نتذاكر في أهم مبحث ، مبحث صدر به أركان الإيمان الستة ، التي لا يصح إيمان عبد إلا بها .. سبحان الله ما زلنا نقول ..إيمان ..إيمان..إيمان...!!


قال ابن القيم رحمه الله في الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي صـ198 ، وكذلك في الداء والدواء ، كلاما نفيسا عن مبحث الإيمان ، قال رحمه الله : رتب الله في كتابه على الإيمان نحو مائة خصلة ، كل منها خير من الدنيا وما فيها .!!


الإيمان لغة: الإقرار ، قال ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى ( 289/7-298 ، 529-541 ) ، وكذلك في الصارم المسلول ( صـ457 - 458 ) : " أن الإيمان، وإن كان يتضمن التصديق، فليس هو مجرد التصديق، وإنما هو الإقرار، والطمأنينة. وذلك لأن التصديق إنما يعرض للخبر فقط، فأما الأمر فليس فيه تصديق من حيث هو أمر، وكلام الله: خبر وأمر، فالخبر يستوجب تصديق المخبر، والأمر يستوجب الانقياد له، والاستسلام، وهو عمل في القلب جماعه الخضوع، والانقياد للأمر، وإن لم يفعل المأمور به فإذا قوبل الخبر بالتصديق، والأمر بالانقياد، فقد حصل أصل الإيمان في القلب، وهو الطمأنينة، والإقرار. فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو القرار، والطمأنينة، وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق، والانقياد".

وقال كذلك رحمه الله كما في كتاب إقامة الدليل على إبطال التحليل " وَالْإِيمَانُ ، وَإِنْ تَضَمَّنَ التَّصْدِيقَ فَلَيْسَ هُوَ مُرَادِفًا لَهُ ; فَلَا يُقَالُ لِكُلِّ مُصَدِّقٍ بِشَيْءٍ : إنَّهُ مُؤْمِنٌ بِهِ . فَلَوْ قَالَ : أَنَا أُصَدِّقُ بِأَنَّ الْوَاحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ , وَأَنَّ السَّمَاءَ فَوْقَنَا وَالْأَرْضَ تَحْتَنَا , وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُشَاهِدُهُ النَّاسُ وَيَعْلَمُونَهُ لَمْ يُقَلْ لِهَذَا : إنَّهُ مُؤْمِنٌ بِذَلِكَ ; بَلْ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِيمَنْ أُخْبِرَ بِشَيْءٍ مِنْ الْأُمُورِ الْغَائِبَةِ كَقَوْلِ إخْوَةِ يُوسُفَ : { وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا } فَإِنَّهُمْ أَخْبَرُوهُ بِمَا غَابَ عَنْهُ وَهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَنْ آمَنَ لَهُ وَآمَنَ بِهِ فَالْأَوَّلُ يُقَالُ لِلْمُخْبِرِ , وَالثَّانِي يُقَالُ لِلْمُخْبَرِ بِهِ كَمَا قَالَ إخْوَةُ يُوسُفَ : { وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا } وَقَالَ تَعَالَى : { فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ } . وَقَالَ تَعَالَى : { وَمِنْهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ } فَفَرَّقَ بَيْنَ إيمَانِهِ بِاَللَّهِ وَإِيمَانِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ يُصَدِّقُ الْمُؤْمِنِينَ إذَا أَخْبَرُوهُ وَأَمَّا إيمَانُهُ بِاَللَّهِ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْإِقْرَارِ بِهِ" .

إذا يقال يا إخواني :
- أن الإيمان ليس مرادفا للتصديق من كل وجه ، ومن أوجه الافتراق - بين التصديق والإقرار - بينهما :
أ- أن التصديق إنما يعرض للخبر فقط ، أما الإيمان فإنه يكون في الأخبار والأوامر.
ب- لا يقال لكل مصدق بشيء أنه مؤمن به ، فلا يقول شخص في شيء هو من قبيل ما يراه الناس ويعلمونه كالسماء والأرض ونحوهما ، من أن السماء فوقنا والأرض تحت منا ، أنه مؤمن بذلك ، وإنما يقال أنه مصدق.
ج- ويفرق في باب الغيبيات كذلك .
...وغير ذلك.

ونقول كذلك يا إخواني أن الإيمان حتى لو قلنا أنه التصديق لغة ، فإن الألفاظ الشرعية هي ليس على معانيها اللغوية المطلقة ، فالشارع يضيف عليها قيود معينة - وإن كان لا يخرجها عن أصل معناها في اللغة - فالحقيقة الشرعية مقدمة على الحقيقة اللغوية ، مثلا الصلاة : لغة الدعاء ، وشرعا هي: أقوال وأفعال مخصوصة في أوقات مخصوصة بشروط مخصوصة ، فالصلاة يا إخواني ما تخرج عن كونها دعاء إما دعاء عبادة أو دعاء طلب ، لكن قيدت بقيود ، ما هذه القيود؟؟ الكيفية والماهية التي نراها عليها هذه من تكبير وتسبيح وركوع وسجود وقيام ..الخ.

طيب أخي قاهر البدعة ، ماذا عن أقوال بعض أهل العلم من أهل السنة والجماعة ، في قولهم أن الإيمان ، هو التصديق ؟؟

الجـــواب:

قال الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي رحمه الله في معارج القبول (2/ 594 ) :" ومن هنا يتبين أن من قال من أهل السنة في الإيمان هو التصديق على ظاهر اللغة ، أنهم إنما عنوا التصديق الإذعاني المستلزم للانقياد ظاهرا وباطنا ، بلا شك ولم يعنوا مجرد التصديق "انتهى.

الإيمان شرعا: أجمع السلف على أن الإيمان قول وعمل ، فبذلك يكون الإيمان : قول القلب واللسان ، وعمل القلب والجوارح زاد شيخ الإسلام رحمه الله قسمة خامسة ،وهي عمل اللسان ، ومعلوم أنه داخل في عمل الجوارح ، وبعضهم جل القسمة ثلاثية في ذلك ، فقال: اعتقاد بالجنان وقول باللسان وعمل بالجوارح والأركان ، وقد جاء بهذا التعريف عن جمع من السلف من أبي ثور رحمه الله - كما في مجموع الفتاوى (7/387-388) - واشتهر عند المتأخرين.

إذا الإيمان كما مر معنا : قول القلب واللسان ، وعمل القلب والجوارح .

- قول القلب: هو إيقانه وتصديقه بالله وبرسله وبكل ما أخبر به الله وأخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم - فلو كذب شخص بشيء مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لم يسم مؤمنان - قال تعالى " إنما المؤمنون الذي آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ".

- قول اللسان: هو التلفظ بالشهادتين ، كما قال تعالى " قولوا آمنا بالله " ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " متفق عليه ، وفي رواية لمسلم " حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به ".

- عمل القلب: وهي أعمال القلوب ، كالتوكل والمحبة والخشية وغير ذلك ، قال تعالى " إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون "

- عمل الجوارح: الأعمال الظاهرة بالبدن.

@ تعريف الإيمان بأنه قول وعمل ، أصبح من شعائر السنة ، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحم الله في مجموع الفتاوى ( 7/ 308 ) : " ولهذا كان القول إن الإيمان قول وعمل عند أهل السنة من شعائر السنة ".

الإيمان عند أهل السنة يا إخواني يعتمد على أسس ثلاثة ، ما هي هذه الأسس؟؟

الأول: أن الإيمان قول وعمل .

قال ابن القيم رحمه الله في ذلك " وعلى ذلك ما يقارب مائة دليل من الكتاب والسنة " زاد المعاد 3/607.

سنذكر: الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة والإجماع ، على بركة الله.

من الكتاب:

1- قوله تعالى " قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين عم عن اللغو معرضون " هذه الآية فيها دلالة صريحة على أن الأعمال من الإيمان.
2- وقال تعالى " وما كان الله ليضيع إيمانكم " فسمى الصلاة في بيت المقدس إيمانا ، وهذا من باب إطلاق الكل على البض.
3- وقال تعالى " إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون " الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله هو عمل الجوارح.
...وغير ذلك من نصوص الكتاب

أما بعض ما جاء في السنة:
1- حديث وفد عبد القيس ، وفيه أن النبيي صلى الله عليه وسلم قال لهم " وأمرهم بالإيمان بالله عز وجل وحده ، قال : هل تدرون ما الإيمان بالله وحده ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم ، قال شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وتعطوا الخمس من المغنم " متفق عليه ، فالنبي صلى الله عليه وسلم فسر الإيمان بالأعمال الظاهرة.
2- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال " الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة ، فأفضلها قول: لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان " متفق عليه واللفظ لمسلم ، إماطة الأذى من أعمال الجوارح.
3- جاء في الأثر عن عمار بن ياسر ، قال " ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان : الإنصاف من نفسك ، وبذل السلام للعالم ، والإنفاق من الإقتار " رواه البخاري معلقا على عمار ووصله الحافظ ابن حجر رحمه الله في تغليق التعليق.

-الإنصاف من نفسك: التجرد للحق ، وهي من أعظم أنواع الجهاد ، وهو جهاد النفس ، قال المعلمي رحمه الله في كتاب القائد إلى تصحيح العقائد : " إني لأنظر في المسألة ، فأقدرها تقديرا يعجبني ، ثم يلوح لي ما يخدش هذا التقدير ، فأجدني أمتعظ لذلك ، هذا والأمر لم يخرج ، فكيف لو خرج؟!! هذا وأنا الذي رددت على نفسي ، فكيف لو كان الذي رد على خطئي غيري؟!! فكيف لو كان عدوي؟!! " ، الله المستعان يا إخواني ، هذي والله الطامة الكبرى ، أعاننا الله وإياكم على التجرد.

- بذل السلام للعالم : وذلك يكون بأن تسلم على من عرفت وعلى من لم تعرف ، ما هو نفس الآن يا إخواني تلقي السلام ، فينظر الرجل إليك - وهو لا يعرفك - نظرت المستغرب المستعجب ، ثم لا يرد عليك سلامك .!!

- الإنفاق من الاقتار: المراد به الإنفاق حال الفقر.

أما الإجماع:
فقد نقله جمع من أهل العلم أذكر منهم:

- البخاري ، " لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء في الأمصار ، فما وجدت أن أحدا اختلف في أن الإيمان قول وعمل " أخرجه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد بسند صحيح (2/172).

- الأوزاعي ، " وكان من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل ، والعمل من الإيمان ، والإيمان من العمل " أخرجه ابن بطة في الإبانة (2/307).

- ابن عبدالبر ، قال رحمه الله " أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل ولا عمل إلا بنية " التمهيد (9/238).

....وغيرهم كثير

الثاني:أن الإيمان يزيد وينقص.

الأدلة: على ذلك من الكتاب والسنة والإجماع.

أما الكتاب:
1- جاء في ست مواضع من كتاب الله في التصريح بزيادة الإيمان ، التوبة(124) ، الأنفال (2) ، الأحزاب (22) ، الفتح (4) ، المدثر (31).
2- وجاءت آيات أخرى بمعنى الزيادة ، منها قوله تعالى " والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم " .
تنبيه: كل دليل دل على زيادة الإيمان فهو دليل كذلك على نقصانه ، لأن كل ما يقبل الزيادة فهو قابل للنقص ، وكل شيء يزيد دل على أنه كان ناقصا ، قال الإمام المبجل أحمد بن حنبل " إذا كان قبل زيادته تاما ، فكما ينقص " السنة للخلال (2/688) ، قال ابن عيينة رحمه الله " ليس شبء يزيد إلا وهو ناقص " الشريعة للآجري (2/605).

وأما ما جاء في السنة:

1- قوله النبي صلى الله عليه وسلم " ما رأيت من ناقصات عقل ودين ، أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن " متفق عليه واللفظ للبخاري ، والدين هو الإيمان.
2- وحديث " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان " أخرجه مسلم.

وأما الآثار الدالة على الزيادة والنقص في الإيمان ، فقد أحصى شيخنا عبدالرزاق العباد حفظه الله ، عشرة أقوال من أقوال الصحابة في ذلك ، في كتابه زيادة الإيمان ونقصانه ، وهنا فائدة جميلة كذلك أنقلها وإن كان إلحاقها في أدلة الإجماع أولى لكن قدمتها للفائدة ، قال ابن تيمية رحمه الله " وقد ثبت لفظ الزيادة والنقصان فيه عن الصحابة ، ولم يعرف فيه مخالف من الصحابة " مجموع الفتاوى (7/224).

وأما الإجماع:
- ابن عبدالبر في التمهيد (9/252).
- ابن تيمية في الفتاوى (6/479).
- ابن القيم في المدارج (1/421).

وغيرهم الكثير الكثير.

@وأنبه على مسألة باختصار شديد حتى لا يطول بنا الكلام فالحديث في هذا الباب ذو شجون :

أسباب زيادة الإيمان ، ونقصانه:

باختصار: زيادة الإيمان ، في الحقيقة ترجع إلى أمر واحد ألا وهو الطاعات ، ولهذا تجد أهل العلم يقولون عن الإيمان " يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية " ، وهنا تنبيه آخر : أنه لا يتوهم أحدنا أن المراد بالطاعة التي تزيد الإيمان هي فقط فعل الحسنات فحسب ، وإنما يدخل فيها كذلك ترك السيئات احتسابا وامتثالا ، ومما يشهد لذلك قصة أصحاب الغار ، فقد ترك أحدهم الزنا من ابنة عمه خوفا من الله .
أما نقصاص الإيمان يكون على التقسيم التالي:
1- بفعل المعصية
2- بترك الطاعة: وينقسم إلى قسمين كذلك:
أ- ويكون صاحبه ملوما بالترك ( وهو ترك الواجب بلا عذر ).
ب- ويكون صاحبه غير ملوم ، وهو ينقسم إلى قسمين كذلك:
- وهو بترك الواجب بعذر.
- وهو بترك المستحب.


الثالث: أن إيمان المؤمنين يتفاوت.

فمنهم من معه أصل الإيمان ، ومنهم من معه كمال الإيمان الواجب ، ومنهم من معه كمال الإيمان المستحب ، ويدل على أن الناس مراتب في الإيمان ، قوله تعالى " ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير " .

إذا: اشتملت هذه الآية على مراتب المؤمنين ، وهي تقابل مراتب الدين : الإسلام والإيمان والإحسان.

المرتبة الأولى: مرتبة الظالم لنفسه ، وهي مرتبة أصل الإيمان ، ويسميه أهل العلم مطلق الإيمان ، ويدخل تحت هذه المرتبة الفساق ممن يفعلون الكبائر ويتركون الواجبات ، وكذلك من أسلم حديث ولم تدخل حقائق الإيمان إلى قلبه ، قال تعالى " قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم "
المرتبة الثانية: مرتبة المقتصد ، وهي مرتبة كمال الإيمان الواجب ، فيدخل فيها كل من أتى بالواجبات ، وترك المحرمات ، وإن حصلت منه المعصية بادر بالتوبة ، وهذه المرتبة تقابل مرتبة الإيمان.
المرتبة الثالثة: وهي مرتبة السابق بالخيرات ، وهي مرتبة كمال الإيمان المستحب ، ويدخل فيها كل من أتى بالواجبات ، وترك المحرمات ، وزادوا على ذلك بفعل المستحباة ، وكفوا عن المكروهات والمشتبهات ، وهذه المرتبة تقابل الإحسان.

فائدة: يطلق على المرتبة الثانية و الثالثة ، مرتبة الإيمان المطلق - أما الأولى فهي مطلق الإيمان - وأهل هاتين المرتبتين هم أولياء الله ، كما جاء في الحديث " إن الله قال : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه ،وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته : كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ،ورجله التي يمشي بها ، وإن سألني لأعطينه ،ولئن استعاذني لأعيذنه " الحديث.





هذا ما تيسر لي ، أتمنى أكون أضفت شيئا في هذا المنتدى الطيب ، طيب الله أوقاتنا وإياكم على طاعته.


منقول