المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بيان معنى التفويض عند السلف واهل السنة والجماعة


عبدالله الأحد
2015-05-24, 03:18 PM
الفصل الثاني
في إثبات علم السلف بمعاني صفات الله تعالى، وجهلهم بكيفيتها وحقيقة ما هي عليه
وبيان معنى قولهم في الصفات: (بلا كيف) وقولهم: (لا تُفسّر)

لقد أمر الله تعالى عباده بتدبر كتابه فقال: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ}ص 29، ولم يقل بعض آياته.
ورغّب في ذلك فقال: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} محمد 24.
وعاب على اليهود الذين لا يتدبرون التوراة، ولا يعرفون منها إلا التلاوة المجردة من غير فهم ولا فقه، فقال: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} البقرة 78.
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه القرآن لفظه ومعناه، فبلغهم معانيه كما بلغهم ألفاظه.
قال أبو عبد الرحمن السلمي: (حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب رسول الله ïپ²: أنهم كانوا يأخذون من رسول الله ïپ² عشر آيات فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قال: فتعلمنا العلم والعمل) .
ومن المعلوم أنه لا يحصل البيان والبلاغ المقصود من إرسال الله تعالى له إلا بذلك.
قال تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} النحل 44
وقال: {هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ} آل عمران 138
وقال تعالى: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} الدخان 58
وقال: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} فصلت 3، أي بُيّنت وأزيل عنها الإجمال، فلو كانت آياته مجملة مبهمة لم تكن فُصّلت.
وقال تعالى: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} النور 54، وهذا البلاغ يتضمن بلاغ المعنى، وأنه مبين أي: في أعلى درجات البيان والتوضيح.
وقال علي ïپ´: (ما من شيء إلا وعلمه في القرآن، ولكن رأي الرجل يعجز عنه) .
وقال مجاهد: (عرضت المصحف على ابن عباس ïپ´ من فاتحته إلى خاتمته أقف عند كل آية وأسأله عنها) .
فمن زعم أن النبي ïپ² لم يبلغ الأمة معاني كلام ربه بلاغاً مبيناً، لا سيما في أشرف ما في كتابه من ذكر صفاته تعالى ونعوته، بل يظن أنه بلغهم ألفاظه وأحالهم في فهم معانيه على ما يذكره أهل التحريف والتأويل، لم يكن شهد له بالبلاغ، وهذه حقيقة زعم الأشعريّيْن.
ولا ريب أن الصحابة ïپ¹ كانوا أحرص الناس على الخير وأحبهم له، وأعظمهم إيماناً وأكملهم صلاحاً، وأشدهم حباً لله تعالى بعد الأنبياء والرسل. ومن أعظم ما تطمح إليه نفوسهم، وتصبو إليه قلوبهم معرفة خالقهم وإلههم الذي ألهته قلوبهم، حباً له وتعظيماً وخوفاً ورجاءاً، وهذا يستلزم حتماً أن يكونوا أعرف الناس بالله تعالى وبصفاته وأسمائه. فإذا كانوا أحرص الناس على معرفة أحكامه وحلاله وحرامه، فهم لمعرفة صفاته وآلائه وعظمته أشد حرصاً وأعظم طلباً، ومن الممتنع أن تكون صفات الله تعالى التي نوّعها في كتابه وعلى لسان رسوله ïپ² خافية عليهم، لا يعرفون معانيها، وهم القمة في العلم والهدى.
وهل الهدى والصلاح والتقى إلا فرع وأثر لمعرفة الله تعالى بجميع نعوته وصفاته. وهم بذلك عاملون بما أمرهم ربهم تبارك وتعالى من تدبر كتابه، والتفكر فيه، متنكبين طريق الذين ذمهم الله تعالى بعدم فقههم لكلامه، وتَرْك تدبر كتابه.
قال تعالى:{فَمَا لِهَـؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} النساء 78 .
وقال تعالى: {قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} الأنعام 98
وقال: {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً} الأنعام 25
فمن ادعى أن الصحابة لا يعرفون معاني صفات الله ونعوته، ونسب إليهم الجهل بها وترك البحث عن معانيها، فقد أعظم عليهم الفرية. بل كان الصحابة ïپ¹ ومن بعدهم من أئمة الهدى يعرفون معاني صفات الله تعالى التي تعرّف بها إلى عباده في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ونصوصهم في هذا الباب كثيرة جداً، سبق أن ذُكر شيء منها في الفصل السابق، وأنا أسوق هنا بعض ما يدل على ذلك، ويؤكده.

الآثار الدالة على أن صفات الله معلومة المعنى مجهولة الكيفية

ïپ¾ عبد الله بن مسعود ïپ´
قال عبد الله بن أبي الهذيل العنزي: قلت لعبد الله بن مسعود ïپ´: (أبلغك أن الله عز وجل يعجب ممن يذكره؟ فقال: لا، بل يضحك.) اهـ.
وهذا ظاهر في أن معنى العجب غير معنى الضحك، وأن الله تعالى يضحك ممن يذكره.

ïپ¾ أبو العالية رفيع بن مهران الرياحى البصرى (90 هـ)
قال أبو العالية: {استوى إلى السماء} البقرة29: ارتفع.


ïپ¾ أبو الحجاج مجاهد بن جبر المكي (101 هـ)
قال: {استوى}: علا على العرش .
وهذا بيان منهما لمعنى ما وصف الله به نفسه في سبعة مواضع من كتابه من استواءه تعالى على عرشه، ففسراه بالعلو والارتفاع على العرش.

ïپ¾ الإمامان محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (125 هـ)
ïپ¾ مكحول الشامي أبو عبد الله إمام أهل الشام (112 هـ)
قال الأوزاعي: (كان الزهري ومكحول يقولان: أمروا الأحاديث كما جاءت) اهـ.
[ معنى إمرار الصفات بلا تكييف ]
والإمرار إنما هو إبقاء دلالتها على ما دل عليه لفظها، من غير تعرض لها بتغيير أو تأويل. ولا يكون إمرار إلا مع فهمٍ للمعنى، وإلا كان لغواً.
وهذه العبارة ترد كثيراً عن السلف، في كثير من المسائل، كالكبائر ونحوها.
فقد روى الزهري حديث "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" الحديث، فقال الأوزاعي: قلت للزهري: إن لم يكن مؤمناً فمه؟ قال: فنفر من ذلك، وقال: (أمروا الأحاديث كما أمَرّها من كان قبلكم ، فإن أصحاب رسول الله ïپ² أمرّوها) .
وقال الإمام أحمد في رسالة السنة التي رواها الاصطخري: (ولا نشهد على أحد من أهل القبلة أنه في النار لذنب عمله، ولا لكبيرة أتاها، إلا أن يكون في ذلك حديث كما جاء، على ما رُوي، فنصدقه ونعلم أنه كما جاء، ولا ننص الشهادة، ولا نشهد على أحد أنه في الجنة بصالح عمله، ولا بخير أتاه، إلا أن يكون في ذلك حديث، كما جاء على ما روي ولا ننص الشهادة. ....- إلى أن قال: والكف عن أهل القبلة، ولا تكفر أحداً منهم بذنب، ولا تخرجه من الإسلام بعمل، إلا أن يكون في ذلك حديث فيُروى الحديث كما جاء، وكما رُوي، وتصدقه وتقبله، وتعلم أنه كما روي، نحو ترك الصلاة، وشرب الخمر، وما أشبه ذلك، أو يبتدع بدعة ينسب صاحبها إلى الكفر والخروج من الإسلام، فاتبع الأثر في ذلك ولا تجاوزه.) اهـ.
فهذه أحاديث جاءت في بعض الكبائر كترك الصلاة، وشرب الخمر، ونحو ذلك، فيها التغليظ إما الحكم بالكفر، أو بعدم دخول الجنة، ونحو ذلك، فأمر الإمام أحمد بإمرارها كما جاءت، وترك التعرض لها، ومعلوم قطعاً أنها أحاديث مفهومة المعنى، معلومة الدلالة، مما يدل على أن المراد بإمرار النصوص كما جاءت: إنما هو التصديق بها، وإبقاء دلالتها على ما دلت عليه ظاهر ألفاظها.
وقال الإمام أحمد في مسألة الرؤية في رسالة "أصول السنة" برواية عبدوس: (والإيمان بالرؤية يوم القيامة كما روي عن النبي ïپ² من الأحاديث الصحاح، وأن النبي قد رأى ربه، فإنه مأثور عن رسول الله ïپ² صحيح، ... والحديث عندنا على ظاهره كما جاء عن النبي ïپ²، والكلام فيه بدعة، ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره، ولا نناظر فيه أحداً..) اهـ.
وهذه أحاديث مفهومة المعنى ، وكلامه هنا يفسر معنى إمرار الحديث كما جاء، وأنه إثباته وحمل معناه على ظاهره.
وقال أيضاً في الرسالة ذاتها : ("ثلاث من كن فيه فهو منافق" على التغليظ نرويها كما جاءت، ولا نقيسها ..) اهـ.
ومثله ما رواه الخلال في "السنة" بإسناده أن أبا طالب حدثهم، أنه سأل أبا عبد الله عن قول النبي ïپ² لعلي: «من كنت مولاه فعلي مولاه»، ما وجهه؟ قال: «لا تكلم في هذا، دع الحديث كما جاء ».
وقال الخلال أيضاً: أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: سألت أبا عبد الله عن قول النبي ïپ² لعلي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى»، أيش تفسيره؟ قال: «اسكت عن هذا، لا تسأل عن ذا الخبر، كما جاء» اهـ.
وقال البخاري في جزء "رفع اليدين": (ولقد قال وكيع: من طلب الحديث كما جاء فهو صاحب سنة، ومن طلب الحديث ليقوي هواه فهو صاحب بدعة.
قال البخاري: يعني أن الإنسان ينبغي أن يلقي رأيه لحديث النبي ïپ² حيث ثبت الحديث، ولا يعتل بعلل لا تصح ليقوي هواه) اهـ.

ïپ¾ الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت (150 هـ)
وقال أيضاً: (وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: يده قدرته أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال) اهـ.
فتأمل قوله: (ولا يقال: يده قدرته أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال)، فإنه يدل على أن صفة اليد معلومة المعنى لديهم، وأن تأويلها بإخراجها إلى المعاني المجازية إبطال لحقيقة معناها، وهو قول المعطلة !!.
وقال أيضاً في إثبات النزول لله: (ينزل بلا كيف) اهـ.
وقوله هنا موافق للمشهور عن أئمة السلف من قولهم عن الصفات: (أمروها كما جاءت بلا كيف)، فإنه نفى الكيفية، ولم ينف حقيقة الصفة.

ïپ¾ عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون (164 هـ)
سُئل عبد العزيز بن الماجشون: عما جحدت به الجهمية؟
فقال بعد كلام طويل: (والدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته عجزها من تحقيق صفة أصغر خلقه لا يكاد يراه صغراً، يحول ويزول ولا يرى له بصر ولا سمع، فاعرف غناك عن تكليف صفة ما لم يصف الرب من نفسه، بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها، ... وذكر فصلاً طويلا في إقرار الصفات وإمرارها وترك التعرض لها.) اهـ.
وقيل: (إنه نظر مرة في شيء من سلب الصفات لبعضهم فقال هذا الكلام هدم بلا بناء، وصفة بلا معنى) اهـ.
فقوله في كلام المعطلة في صفات الله أنه صفة بلا معنى، يدل على أن صفة الله عن السلف صفة ذات معنى.
وأما قوله بعجز العقول عن تحقيق صفته تعالى، فالمراد به معرفة حقيقة ما عليه الصفة وكيفيتها، بدليل أنه بيّن عجز العقول في إدراك صفة أصغر خلق الله مع كون صفة هذا المخلوق الصغير معلومة المعنى، لكن لا تدرك كيفيتها وحقيقة ما هي عليه لصغره. فأما الرب تبارك وتعالى فلا تدرك كيفية وحقيقة ما عليه صفته لعظمته سبحانه.

عبدالله الأحد
2015-05-24, 03:21 PM
ïپ¾ إمام أهل الشام عبد الرحمن بن عمر أبو عمرو الأوزاعي (157 هـ)
ïپ¾ إمام أهل الكوفة سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري (161 هـ)
ïپ¾ إمام أهل مصر أبو الحارث الليث بن سعد (175 هـ)
ïپ¾ إمام دار الهجرة مالك بن أنس بن مالك الأصبحي (179 هـ)
قال الوليد بن مسلم: (سألت الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية، فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف) اهـ.
وقال يحيى بن يحيى: (كنا عند مالك بن أنس، فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله {الرحمن على العرش استوى} طه5، كيف استوى؟ فأطرق مالك رأسه، ثم علاه الرحضاء، ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعا، فأمر به أن يخرج) اهـ.
[ معنى قول الإمام مالك "الاستواء معلوم" ]
وهذا الأثر مشهور مستفيض عن الإمام مالك، لا يكاد يخلو منه كتاب من كتب أهل السنة في المعتقد. وهو صريح في أن معنى الاستواء معلوم، وأن الكيفية مجهولة. وأما من ظن أن معنى قول الإمام مالك "الاستواء معلوم": أي ثابت في القرآن، فلا شك أنه خطأ، إذ السائل لا يجهل ذلك، كيف وقد تلا الآية سائلاً عن الكيفية.
قال أبو عبد الله القرطبي مفسراً قول الإمام مالك: (قال مالك رحمه الله: الاستواء معلوم - يعني في اللغة – والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة. وكذا قالت أم سلمة رضي الله عنها.) اهـ.
وقال الذهبي: (أن الظاهر يعني به أمران:
أحدهما: أنه لا تأويل لها غير دلالة الخطاب، كما قال السلف: الاستواء معلوم، وكما قال سفيان وغيره قراءتها تفسيرها، يعني أنها بينة واضحة في اللغة لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف، وهذا هو مذهب السلف، مع اتفاقهم أيضا أنها لا تشبه صفات البشر بوجه، إذ الباري لا مثل له لا في ذاته ولا في صفاته) اهـ.
ونقل الملا علي القاري كلاماً لابن القيم في شرح منازل السائرين يقول فيه: (يشير بذلك –أي شيخ الإسلام الأنصاري صاحب منازل السائرين- إلى أن حفظ حرمة نصوص الأسماء والصفات بإجراء أخبارها على ظواهرها، وهو اعتقاد مفهومها المتبادر إلى إفهام العامة، ولا نعني بالعامة الجهال، بل عامة الأمة، كما قال مالك رحمه الله وقد سئل عن قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} طه5،، كيف استوى؟ فأطرق مالك رأسه حتى علاه الرحضاء، ثم قال: "الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".
فرّق بين المعنى المعلوم من هذه اللفظة، وبين الكيف الذي لا يعقله البشر، وهذا الجواب من مالك رحمه الله شاف عام في جميع مسائل الصفات، من السمع، والبصر، والعلم، والحياة، والقدرة، والإرادة، والنزول، والغضب، والرحمة، والضحك، فمعانيها كلها معلومة، وأما كيفيتها فغير معقولة، إذ تعقل الكيف فرع العلم بكيفية الذات وكنهها، فإذا كان ذلك غير معلوم، فكيف يعقل لهم كيفية الصفات اهـ.
قال الملا علي القاري معلقاً: انتهى كلامه –أي ابن القيم- وتبين مرامه، وظهر أن معتقده موافق لأهل الحق من السلف وجمهور الخلف، فالطعن والتشنيع والتقبيح الفظيع غير موجه عليه، ولا متوجه إليه، فإن كلامه بعينه مطابق لما قاله الإمام الأعظم، والمجتهد الأقدم في فقهه الأكبر ...) اهـ.
وقال العلامة الألوسي: (هو مراد مالك وغيره من قولهم "الاستواء معلوم، والكيف مجهول" أي: الاستواء معلوم المعنى، ووجه نسبته إلى الحق تعالى المجامع للتنزيه مجهول ...) اهـ.



ïپ¾ وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسى (169 هـ)
قال أحمد بن إبراهيم: سمعت وكيعاً يقول: «نسلم هذه الأحاديث، ولا نقول فيها: مثل كذا، ولا كيف كذا؟ » يعني حديث ابن مسعود: «ويجعل السماوات على إصبع، والجبال على إصبع»، و«قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن» ونحوها من الأحاديث) اهـ.
وأمْرُه رحمه الله بوجوب التسليم لأحاديث الصفات دال على إيمان السلف بحقيقة الصفات ومعرفتهم لمعانيها، إذ كان من المعلوم أن التسليم إنما يكون إلى ما دلت عليه الأحاديث، وهذا هو الإيمان بحقيقتها.
يوضحه: منعه من إيراد السؤال عن الكيفية، وعن تمثيلها بصفات المخلوقين، وإلا لو كان المعنى مجهولاً، لقال: ولا يقال ما كذا؟ أو ما معنى كذا؟.

ïپ¾ أبو عصمة نوح بن أبي مريم المروزي (173 هـ)
قال أبو تميلة: (سمعت أبا عصمة وسئل: كيف كلم الله عز وجل موسى تكليما؟ قال : «مشافهة» .

ïپ¾ وائل بن داود التيمي أبو بكر الكوفي (الطبقة السادسة من الذين عاصروا صغار التابعين)
قال في قول الله عز وجل: {وكلم الله موسى تكليما} النساء164، قال: «مشافهة مراراً» .
وهذا تفسير للكلام بالمشافهة، مما يقتضى كونه معلوماً.
وقد قال الجوهري: (المشافهة الكلام من فيك إلى فيه) .

ïپ¾ الفضيل بن عياض (187هـ)
قال الفضيل بن عياض: (ليس لنا أن نتوهم في الله كيف هو؟ لأن الله تعالى وصف نفسه فأبلغ، فقال {قل هو الله أحد.الله الصمد.لم يلد ولم يولد.ولم يكن له كفوا أحد} الإخلاص، فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه. وكل هذا: النزول، والضحك، وهذه المباهاة، وهذا الإطلاع، كما يشاء أن ينزل، وكما يشاء أن يباهي، وكما يشاء أن يضحك، وكما يشاء أن يطلع، فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف، فإذا قال الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه. فقل: بل أومن برب يفعل ما يشاء) اهـ.
وقوله وقول السلف: "كيف شاء" ، "كما شاء"، صريح في فهمهم لمعنى الصفة وجهلهم بكيفيتها، وإلا لم يكن لقولهم عما لا يعلمون معناه "كيف شاء" أو "كما شاء": معنى.

ïپ¾ عبد الرحمن بن القاسم العتقى أبو عبد الله المصرى المالكي (191 هـ)
قال ابن عبد البر: (وقد بلغني عن ابن القاسم أنه لم ير بأساً برواية الحديث "أن الله ضحك"، وذلك لأن الضحك من الله، والتنزل، والملالة، والتعجب منه، ليس على جهة ما يكون من عباده) اهـ.
ففي هذا الكلام إثبات كون صفات الله تعالى معلومة المعنى، مفهومة للسلف، مع نفي مماثلتها لصفة المخلوق، ولو لم يكن بين صفات الله تعالى وبين صفات خلقه قدر مشترك من حيث أصلها، مع الاختلاف في وصفها وحقيقتها، لم يؤكد هذا المعنى.

ïپ¾ الإمام الحافظ الحجة سفيان بن عيينة المكي (198 هـ)
قال: «كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، لا كيف ولا مثل» اهـ.
قال الذهبي: (وكما قال سفيان وغيره: قراءتها تفسيرها: يعني أنها بينة واضحة في اللغة لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف) اهـ.
وهذا يبين مراد السلف بقولهم عن الصفات "لا تُفسّر" أي: بغير ظاهرها، وهو حملها على المجازات ونحو ذلك، أما تفسيرها بما يدل عليه ظاهرها، فهو الحق، وهو الإمرار الذي أطبق عليه السلف في الصفات.

ïپ¾ الإمام محمد بن إدريس الشافعي القرشى (204 هـ)
قال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول –وقد ذكر كثيراً من صفات الله كالوجه واليدين والضحك ونحو ذلك-: (فإن هذه المعاني التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله ïپ² مما لا يُدرك حقيقته بالفكر والروية، فلا يكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها، فإن كان الوارد بذلك خبراً يقوم في الفهم مقام المشاهدة في السماع وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته، والشهادة عليه كما عاين وسمع من رسول الله ïپ²، ولكن يثبت هذه الصفات وينفي التشبيه، كما نفى ذلك عن نفسه تعالى ذكره فقال: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11) اهـ.
ومراده بقوله "فإن هذه المعاني" أي معاني صفات الله تعالى، فدل على أنها ألفاظ ذات معنى، ليست كالحروف المعجمة. وقوله بوجوب الدينونة على سماعها بحقيقتها، تأكيد لعلمهم بمعانيها، وما دلت عليه، ولأجل ذلك حذر من أمرين: التشبيه في الإثبات، والتعطيل في التنزيه.

ïپ¾ يزيد بن هارون أبو خالد الواسطي (206 هـ)
وحدث يزيد بن هارون عن الجهمية فقال: (من زعم أن {الرحمن على العرش استوى} طه5،: على خلاف ما يَقِر في قلوب العامة فهو جهمي) اهـ.
قال الذهبي: ("يَقِر" مخفف، والعامة مراده بهم جمهور الأمة وأهل العلم، والذي وقر في قلوبهم من الآية هو ما دل عليه الخطاب، مع يقينهم بأن المستوي ليس كمثله شيء. وهذا الذي وقر في فطرهم السليمة وأذهانهم الصحيحة، ولو كان له معنى وراء ذلك لتفوهوا به ولما أهملوه، ولو تأول أحد منهم الاستواء لتوفرت الهمم لنقله، ولو نقل لاشتهر، فإن كان في بعض جهلة الأغبياء من يفهم من الاستواء ما يوجب نقصاً أو قياساً للشاهد على الغائب، وللمخلوق على الخالق، فهذا نادر، فمن نطق بذلك زُجر وعُلم، وما أظن أن أحداً من العامة يقر في نفسه ذلك، والله أعلم) اهـ.
وهذا دليل على كون العامي من المسلمين يفهم معاني الصفات، بما علمه من اللغة العربية التي تعرف إلينا بها.



ïپ¾ بشر بن عمر بن الحكم الزهراني أبو محمد البصري (207 هـ)
قال: (سمعت غير واحد من المفسرين يقولون: {الرحمن على العرش استوى} طه5، قال: على العرش استوى: ارتفع) اهـ.


ïپ¾ الإمام المشهور أبو عبيد القاسم بن سلام البغدادى الهروى (224 هـ)
قال العباس بن محمد الدوري: (سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام، وذكر الباب الذي يروي فيه الرؤية، والكرسي، وموضع القدمين، وضحك ربنا من قنوط عباده، وقرب غيره، وأين كان ربنا قبل أن يخلق السماء، وأن جهنم لا تمتلئ حتى يضع ربك عز وجل قدمه فيها فتقول: قط قط، وأشباه هذه الأحاديث، فقال: هذه الأحاديث صحاح، حملها أصحاب الحديث والفقهاء بعضهم عن بعض، وهي عندنا حق لا نشك فيها، ولكن إذا قيل كيف وضع قدمه؟ وكيف ضحك ؟ قلنا لا يفسر هذا ولا سمعنا أحداً يفسره) اهـ.

عبدالله الأحد
2015-05-24, 03:24 PM
وهذا ظاهر في أن الذي جهله السلف من صفات الله تعالى هو الكيفية لا المعنى، إذ كان مفهوماً لديهم بما يعرفون من لغة العرب التي خوطبوا بها.
وقول أبي عبيد: "ولكن إذا قيل: كيف يضحك؟ وكيف وضع قدمه؟ قلنا: لا نفسر هذا ولا سمعنا أحداً يفسره" يوضح معنى قول السلف رحمهم الله عن آيات الصفات "لا تُفسّر"، وأن المراد بالتفسير المنهي عنه هو السؤال والبحث عن الكيفية، لا السؤال عن المعنى، إذ المعنى معلوم بمقتضى اللغة العربية التي أنزل الله بها كتابه تبياناً لكل شيء، وجعله هدىً ورحمة، وهذا أحد نوعي التفسير المنهي عنه في صفات الله.
وأما الثاني فهو تفسير المعطلة والمؤولة الذين يصرفون الكلام عن ظاهره إلى مجازات الكلام.
قال الذهبي معلقاً على كلام إبي عبيد: (قد فسر علماء السلف المهم من الألفاظ وغير المهم وما أبقوا ممكناً، وآيات الصفات وأحاديثها لم يتعرضوا لتأويلها أصلا –أي صرفها عن ظاهرها-، وهي أهم الدين، فلو كان تأويلها سائغاً أو حتماً لبادروا إليه، فعلم قطعاً أن قراءتها وإمرارها على ما جاءت هو الحق، لا تفسير لها غير ذلك، فنؤمن بذلك ونسكت اقتداءاً بالسلف، معتقدين أنها صفات لله تعالى استأثر الله بعلم حقائقها –أي حقيقة ما هي عليه-، وأنها لا تشبه صفات المخلوقين، كما أن ذاته المقدسة لا تماثل ذوات المخلوقين، فالكتاب والسنة نطق بها والرسول ïپ² بلّغ وما تعرض لتأويل مع كون الباري قال {لتبين للناس ما نزل إليهم} النحل44، فعلينا الإيمان والتسليم للنصوص والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) اهـ.

ïپ¾ عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز الكناني (230 هـ)
قال في مناظرته الشهير المعروفة بـ"الحيدة": (فقال الجهمي: أخبرني كيف استوى على العرش؟ أهو كما تقول العرب "استوى فلان على السرير" فيكون السرير حوى فلاناً وحده إذا كان عليه، فيلزمك أن تقول إن العرش قد حوى الله وحده إذا كان عليه، لأنا لا نعقل الشيء على الشيء إلا هكذا.
باب من البيان لذلك: يقال له: أما قولك كيف استوى؟ فإن الله لا يجري عليه كيف، وقد أخبرنا أنه استوى على العرش ولم يخبرنا كيف استوى، فوجب على المؤمنين أن يصدقوا ربهم باستوائه على العرش، وحرم عليهم أن يصفوا كيف استوى، لأنه لم يخبرهم كيف كذلك، ولم تره العيون في الدنيا فتصفه بما رأت، وحرم عليهم أن يقولوا عليه من حيث لا يعلمون، فآمنوا بخبره عن الاستواء، ثم ردوا علم كيف استوى إلى الله) اهـ.
فانظر يا رعاك الله كيف بيّن الكناني رحمه الله أن الاستواء معلوم من كتاب الله، يجب الإيمان باتصاف الله به، وأن المجهول هو الكيف، إذ لا يُعلم كيفية الشي حتى يُرى أو يُرى مثيله. فلم ينكر الكناني دعوى الجهمي في إثبات الاستواء المعلوم معناه لله تعالى، والذي هو في حق المخلوق كما وصف الجهمي، وإنما أنكر ما ظن الجهمي أنه لازم لذلك وهو أن يكون استواؤه كاستواء المخلوق.




ïپ¾ الإمام الحافظ يحيى بن معين (233 هـ)
روى ابن عبد البر بسنده عن ابن وضاح قال: سألت يحيى بن معين عن التنزل. فقال: أقر به ولا تحد فيه بقول. كل من لقيت من أهل السنة يصدق بحديث التنزل. قال: وقال لي ابن معين: صدق به ولا تصفه) اهـ.
وقال: (إذا سمعت الجهمي يقول: أنا كفرت برب ينزل. فقل: أن أؤمن برب يفعل ما يريد) اهـ.

ïپ¾ مصعب بن عبد الله بن مصعب أبو عبد الله الزبيرى المدنى (236 هـ)
قال: (إن الله يتكلم بغير مخلوق، وإنه يسمع بغير ما يبصر، ويبصر بغير ما يسمع، ويتكلم بغير ما يسمع، وإن كل اسم من هذه يقع في موضع لا يقع غيره، ولست أقول إن كلام الله وحده غير مخلوق. أنا أقول أفعال الله كلها غير مخلوقة، وإن وجه الله غير يديه، وإن يديه غير وجهه. فإن قالوا: كيف؟ قلنا: لا ندري كيف هو؟ غير أن الله عز وجل أخبرنا أن له وجهاً، ويدين، ونفساً، وأنه سميع بصير. وكل اسم من هذه يقع في موضع لا يقع عليه الاسم الآخر) اهـ.


أي: أن كل اسم دل على معنى لا يدل عليه الاسم الآخر، وفي هذا إثبات لمعاني الصفات.

ïپ¾ إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (241 هـ)
قال القاضي أبو يعلى في "إبطال التأويلات" :
(قال أحمد في رواية أبي طالب: من قال إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه) اهـ.
وقال أيضاً: (وقال يوسف بن موسى: قيل لأبي عبد الله: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء من غير وصف؟ قال: نعم.
وقال حنبل: قلت لأبي عبد الله: ينزل الله عز وجل إلى السماء الدنيا؟ قال: نعم، قلت: نزوله بعلمه أم ماذا؟ فقال: اسكت عن هذا وغضب وقال: مالك ولهذا! امض الحديث على ما روي) اهـ.
وقوله عن النزول: "كيف شاء من غير وصف"، دليل على أنهم علموا المعنى بمقتضى اللغة، وجهلوا الكيفية ومنعوا من الخوض فيها.
وإنكاره على تأويل النزول بالعلم وغضبه من ذلك دليل على بطلان التأويل، وأن المعنى ظاهر بوضع اللغة، وهو يفسر معنى إمرار الصفات على ما جاءت، وأنه حملها على ما دل عليه ظاهر لفظها، فإن ظاهر قوله "ينزل ربنا" نزوله بنفسه، لا بعلمه أو نزول أمره، ولذلك غضب منه، وأمر أن يُمر الحديث كما جاء.
وقال الإمام أحمد: (يضحك الله تعالى، ولا يُعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول، وتثبيت القرآن.
وقال المروزي : سألت أبا عبد الله عن عبد الله التيمي، قال: هو صدوق، وقد كتبت عنه شيئا من الرقائق، ولكن حُكي عنه أنه ذكر حديث الضحك، فقال: مثل الزرع إذا ضحك، وهذا كلام الجهمية) اهـ.
وإثبات الإمام أحمد صفة الضحك لله، مع نفي الكيفية يدل على أن الضحك معلوم لديه، وأن الكيفية مجهولة، ولذلك أنكر على من فسر الضحك بخلاف ظاهره وقال: كضحك الزرع، وجعل هذا كلام الجهمية، وهذا هو التفسير الذي كان ينهى عنه السلف، وهو تفسير اللفظ بخلاف ظاهره، وإخراجه عن حقيقته، فوازن بين تفسير الجهمية هذا، وبين تفسير الأشاعرة لضحك الله ستجدهما سواء.
وقال الأثرم: (قلت لأبي عبد الله: حرب محدِّث، وأنا عنده بحديث: «يضع الرحمن فيها قدمه»، وعنده غلام، فأقبل عليَّ الغلام فقال: إن لهذا تفسيراً؟ فقال أبو عبد الله: انظر كما تقول الجهمية سواء) اهـ.
وقال المروذي: (سألت أبا عبد الله: يضع قدمه؟ فقال: نمرها كما جاءت) اهـ.
وهذا يؤكد ما سبق ذكره من أن المراد بقول السلف في الصفات "لا تُفسر"، التفسير المخالف لظاهر اللفظ وهو تفسير الجهمية والمعطلة. وأن قولهم "تمر كما جاءت" أي على ظاهرها المعروف في اللغة من غير تحريف لمعنى آخر.
لأن الإمام أحمد بين أن قول الغلام: إن لصفة القدم لله تفسيراً، أنه قول الجهمية، ومعلوم أن الجهمية إنما كانت تتأول هذه الصفة وتصرفها عن ظاهرها، ولا يثبتونها صفة لله تعالى في ذاته، مما يدل على أن التفسير المنهي عنه هو تفسير الجهمية، وهو إخراج اللفظ عن ظاهره إلى التأويلات المتكلفة.

عبدالله الأحد
2015-05-24, 03:28 PM
ïپ¾ أبو أحمد محمد بن علي بن محمد الكرجي المعروف بالقصاب (360هـ)
قال في عقيدته التي ألفها فكتبها الخليفة القادر بالله وجمع الناس عليها وأمر وذلك في صدر المائة الخامسة وفي آخر أيام الإمام أبي حامد الاسفرائيني شيخ الشافعية ببغداد وأمر باستتابة من خرج عنها من معتزلي ورافضي وخارجي فمما قال فيها: (وهو السميع بسمع، والبصير ببصر، يعرف صفتهما من نفسه، ولا يبلغ كنههما أحد من خلقه، متكلم بكلام يخرج منه لا بآلة مخلوقة كآلة المخلوقين، لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه، وكل صفة وصف بها نفسه أو وصفه بها نبيه فهي صفة حقيقية لا صفة مجاز) اهـ.

ïپ¾ إبراهيم بن أحمد بن عمر أبو إسحاق بن شاقلا الحنبلي (369 هـ)
قال في مناظرته في مسائل الصفات مع أبي سليمان الدمشقي الذي كان على مذهب ابن كلاب: (ثم قلت له: هذه الأحاديث تلقاها العلماء بالقبول –أي أحاديث الصفات كالوجه والأصابع ونحوها- فليس لأحد أن يمنعها ولا يتأولها ولا يسقطها، لأن الرسول ïپ² لو كان لها معنى عنده غير ظاهرها لبينه، ولكان الصحابة حين سمعوا ذلك من رسول الله ïپ² سألوه عن معنى غير ظاهرها، فلما سكتوا وجب علينا أن نسكت حيث سكتوا ونقبل طوعاً ما قبلوا.) اهـ.
وهذا صريح أيضاً في كون الصحابة فهموا معنى الصفات، وهو ما دل عليه ظاهرها، وأن سكوت العلماء عن السؤال عن معانيها دال على فهمهم لمعانيها.

ïپ¾ الامام الحافظ شيخ الاسلام أبو بكر احمد بن إبراهيم الاسماعيلي الشافعي (371 هـ)
قال في "اعتقاد السنة" : (اعلموا رحمكم الله أن مذاهب أهل الحديث أهل السنة والجماعة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقبول ما نطق به كتاب الله، وما صحت به الرواية عن رسول الله، لا معدل عما وردا به، ويعتقدون أن الله تعالى مدعو بأسمائه الحسنى، موصوف بصفاته التي وصف بها نفسه ووصفه بها نبيه، خلق آدم بيده، ويداه مبسوطتان بلا اعتقاد كيف، استوى على العرش بلا كيف، فإنه انتهى إلى أنه استوى على العرش، ولم يذكر كيف كان استواؤه) اهـ.

ïپ¾ أبو عبد الله عبيد الله بن محمد العكبري الحنبلي ابن بطة (384 هـ)
قال: (فمن علامات المؤمنين أن يصفوا الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ïپ² مما نقلته العلماء، ورواه الثقات من أهل النقل، الذين هم الحجة فيما رووه من الحلال والحرام والسنن والآثار، ولا يقال فيما صح عن رسول الله ïپ²: كيف؟ ولا لم؟ بل يتبعون ولا يبتدعون، ويسلمون ولا يعارضون، ويتيقنون ولا يشكون ولا يرتابون، فكان مما صح عن النبي ïپ² رواه أهل العدالة ومن يلزم المؤمنين قبول روايته وترك مخالفته: أن الله تعالى يضحك، فلا ينكر ذلك ولا يجحده إلا مبتدع مذموم الحال عند العلماء، داخل في الفرق المذمومة وأهل المذاهب المهجورة، عصمنا الله وإياكم من كل بدعة وضلالة برحمته) اهـ.

ïپ¾ أبو الحسن علي بن عمر الحربي السكري (386 هـ)
قال في كتاب "السنة" : (أن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كما قال النبي ïپ²، من غير أن يقال : كيف؟. فإن قيل: يَنزِل أو يُنزِل؟ قيل: يَنزل بفتح الياء وكسر الزاي. ومن قال: يُنزل بضم الياء فقد ابتدع. ومن قال: يُنزل ضياءاً ونوراً فهذا أيضاً بدعة، وردّ على النبي ïپ².
قال: ومما نعتقد أن لله عز وجل عرشاً، وهو على العرش، والعرش مخلوق من ياقوتة حمراء، وعلمه تعالى محيط بكل مكان، ما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين، ومن قال: العرش ملك، أو الكرسي ليس بالكرسي الذي يعرف الناس فهو مبتدع، قال الله تعالى: {وسع كرسيه السماوات والأرض} البقرة255، والعرش فوق السماء السابعة، والله تعالى على العرش، قال الله تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب} فاطر10، وقال: {إني متوفيك ورافعك إلي} آل عمران55، وقال: {تعرج الملائكة والروح إليه} المعارج4، وقال: {أأمنتم من في السماء} الملك16، وللعرش حملة يحملونه على ما شاء الله من غير تكييف والاستواء معلوم والكيف مجهول) اهـ.

ïپ¾ الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده (395 هـ)
قال في "التوحيد": (أن الله تعالى امتدح نفسه بصفاته تعالى، ودعا عباده إلى مدحه بذلك وصدق به المصطفى ïپ²، وبين مراد الله عز وجل فيما أظهر لعباده من ذكر نفسه وأسمائه وصفاته، وكان ذلك مفهوماً عند العرب غير محتاج إلى تأويلها ....
فمن الصفات التي وصف بها نفسه ومنح خلقه (الكلام) فالله عز وجل تكلم كلاماً أزلياً غير معلم ولا منقطع، فيه يخلق الأشياء، وبكلامه دل على صفاته التي لا يُستدرك كيفيتها مخلوق ولا يبلغ وصفها واصف. والعبد يتكلم بكلام محدث معلم مختلف فان بفنائه ... – ثم ذكر صفة الوجه، والسمع، والبصر، والعلم، والقدرة، والرحمة، ثم قال: فوافقت الأسماء وباينت المعاني من كل الجهات، ...
ففيما ذكرناه دليل على جميع الأسماء والصفات التي لم نذكرها، وإنما يَنفي التمثيل والتشبيه النية والعلم بمباينة الصفات والمعاني، والفرق بين الخالق والمخلوق، وفي جميع الأشياء فيما يؤدي إلى التمثيل والتشبيه عند أهل الجهل والزيغ، ووجوب الإيمان بالله عز وجل بأسمائه وصفاته التي وصف بها نفسه وأخبر عنه رسوله ïپ²، وأن أسامي الخلق وصفاتهم وافقتها في الاسم وباينتها في جميع المعاني، بحدوث خلقه وفنائهم، وأزلية الخالق وبقائه، وبما أظهر من صفاته، ومنع استدراك كيفيتها، فقال الله عز وجل: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11.) اهـ.
ولا أظن كلامه يحتاج إلى توضيح، فهو أوضح من أن يُوضح.

ïپ¾ الشيخ الإمام الحافظ أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجزي (444 هـ)
قال في رسالته إلى أهل زبيد: (الفصل الثامن: في بيان أن الذي يزعمون بشاعته من قولنا في الصفات ليس على ما زعموه، ومع ذلك فلازم لهم في إثبات الذات مثل ما يلزمون أصحابنا في الصفات.
وقد زعموا أن أصحاب الحديث يعتقدون ما في الأحاديث من ذكر الصفات على ظاهرها ويثبتون لله سبحانه الكف والأصابع والضحك والنزول وأنه في السماء فوق العرش وهذه من صفات الأجسام حتى قال بعض سقاطهم "ما بين شيوخ الحنابلة ، وبين اليهود إلا خصلة واحدة".
ولعمري إن بين الطائفتين خصلة واحدة لكنها بخلاف ما تصوره الساقط وتلك الخصلة أن الحنابلة على الإسلام والسنة واليهود على الكفر والضلالة) اهـ.
وفيه أن السلف يثبتون الصفات لله تعالى على الحقيقة ويعلمون معانيها، مع نفي التشبيه والتكييف، وأن هذا هو الذي نقمه عليهم المعطلة، فألزمهم في إثباتهم لذات الله مثل ما يلزمون أهل السنة في إثبات الصفات. فإذا كان إثبات الذات لله تعالى لا يستلزم تشبيهاً بذات المخلوق، فكذلك إثبات الصفات لله تعالى لا يستلزم تشبيهاً بصفات المخلوق.

نعت الجهمية لأهل السنة بالمشبهة: دليل على إثبات معاني الصفات]
ومن الوجوه المهمة الدالة على علم السلف لمعاني الصفات، وإثباتهم حقيقة ذلك لله تعالى: هو تسمية الجهمية لهم بالمشبهة، فلو لم يُثبت السلف معاني الصفات لله تعالى لم يكن لتسمية الجهمية لهم بذلك معنى. إذ كان السلف لا يثبتون حقائق الصفات ومعانيها لله تعالى، لم يكن بينهم وبين الجهمية فرق، فالجهمية تزعم أن نزول الله: نزول أمره، وأن وجهه: ذاته، وأن يده: نعمته، ونحو ذلك.
قال الإمام أحمد في رسالة السنة التي رواها الاصطخري: (وقد رأيت لأهل الأهواء والبدع والخلاف أسماء شنيعة قبيحة يسمون بها أهل السنة يريدون بذلك عيبهم والطعن عليهم والوقيعة فيهم والإزراء بهم عند السفهاء والجهال: ... – إلى أن قال: وأما الجهمية فإنهم يسمون أهل السنة المشبهة) اهـ.
وقال إسحاق بن راهويه: (علامة جهم وأصحابه دعواهم على أهل الجماعة وما أولعوا به من الكذب أنهم مشبهة) اهـ.
وقال أبو حاتم الرازي: (وعلامة الجهمية أن يسموا أهل السنة مشبهة ونابتة) اهـ.
وقال أبو زرعة: (المعطلة النافية الذين ينكرون صفات الله عز وجل التي وصف بها نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه ïپ²، ويكذبون بالأخبار الصحاح التي جاءت عن رسول الله ïپ² في الصفات، ويتأولونها بآرائهم المنكوسة على موافقة ما اعتقدوا من الضلالة، وينسبون رواتها إلى التشبيه، فمن نسب الواصفين ربهم تبارك وتعالى بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه ïپ² من غير تمثيل ولا تشبيه إلى التشبيه فهو معطل نافٍ، ويستدل عليهم بنسبتهم إياهم إلى التشبيه أنهم معطلة نافية، كذلك كان أهل العلم يقولون منهم: عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح) اهـ.
وقال البربهاري: (وإن سمعت الرجل يقول: فلان مشبه، وفلان يتكلم في التشبيه، فاتهمه واعلم أنه جهمي ..) اهـ.



ïپ¾ شيخ الإسلام الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (449 هـ)
قال في "عقيدة السلف وأصحاب الحديث": (قلت وبالله التوفيق: أصحاب الحديث، حفظ الله أحياءهم ورحم أمواتهم، يشهدون لله تعالى بالوحدانية، وللرسول ïپ² بالرسالة والنبوة، ويعرفون ربهم عز وجل بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله، أو شهد له بها رسوله ïپ² على ما وردت الأخبار الصحاح به، ونقلته العدول الثقات عنه، ويثبتون له جل جلاله ما أثبت لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله ïپ²، ولا يعتقدون تشبيهاً لصفاته بصفات خلقه، فيقولون: إنه خلق آدم بيده، كما نص سبحانه عليه في قوله- عز من قائل: {يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} ص75، ولا يحرفون الكلام عن مواضعه بحمل اليدين على النعمتين، أو القوتين، تحريف المعتزلة الجهمية، أهلكهم الله، ولا يكيفونهما بكيف أو تشبيههما بأيدي المخلوقين تشبيه المشبهة، خذلهم الله، وقد أعاذ الله تعالى أهل السنة من التحريف والتكييف، ومن عليهم بالتعريف والتفهيم، حتى سلكوا سبل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه، واتبعوا قول الله عز وجل: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11.
وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقوة والقدرة، والعزة والعظمة والإرادة، والمشيئة والقول والكلام، والرضا والسخط والحياة، واليقظة والفرح والضحك وغرها من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله ïپ² من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه، ولا تكييف له ولا تشبيه، ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب وتضعه عليه بتأويل منكر، ويجرونه على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله، كما أخبر الله عن الراسخين في العلم أنهم يقولونه في قوله تعالى: {والراسخون في العلم يقولون: آمنا به، كل من عند ربنا. وما يذكر إلا أولو الألباب} آل عمران7) اهـ.
وقوله (ويكلون علمه إلى الله) المراد به كنه الصفات وحقيقة ما هي عليه، بدليل إنكاره تأويل اليدين، وقوله (ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب وتضعه عليه بتأويل منكر). فدل على أن اللفظ يحمل على ظاهره المعروف في اللغة، وعلى حقيقته اللائقة بالله تعالى.
وقوله (ولا يحرفون الكلام عن مواضعه بحمل اليدين على النعمتين، أو القوتين، تحريف المعتزلة الجهمية) يفسر معنى نهي السلف عن تفسير الصفات، ألا وهو تفسير أهل البدع والمعطلة الذي يخرج اللفظ عن ظاهره.
وقال في تأكيده لحقيقة معنى النزول لله تعالى، وأنه النزول المعروف في اللغة من غير تشبيه له بنزول خلقه، فقال بعد أن روى أحاديث النزول الإلهي: (سمعت الأستاذ أبا منصور على إثر هذا الحديث الذي أملاه علينا يقول سئل أبو حنيفة عنه فقال: "ينزل بلا كيف " وقال بعضهم: "ينزل نزولا يليق بالربوبية بلا كيف، من غير أن يكون نزوله مثل نزول الخلق، بل بالتخلي والتملي، لأنه جل جلاله منزه أن تكون صفاته مثل صفات الخلق، كما كان منزهاً أن تكون ذاته مثل ذوات الخلق، فمجيئه وإتيانه ونزوله على حساب ما يليق بصفاته، من غير تشبيه وكيف ...) إلى أن قال: (قلت: فلما صح خبر النزول عن الرسول ïپ² أقر به أهل السنة، وقبلوا الخبر، وأثبتوا النزول على ما قاله رسول الله ïپ²، ولم يعتقدوا تشبيهاً له بنزول خلقه، وعلموا وتحققوا واعتقدوا أن صفات الله سبحانه لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق تعالى الله عما يقول المشبهة والمعطلة علواً كبيراً، ولعنهم لعناً كثيراً ...) ثم أكد هذا المعنى للنزول بما نقله عن حماد بن أبي حنيفة فقال: (وقرأت لأبى عبد الله ابن أبي جعفر البخاري، وكان شيخ بخارى في عصره بلا مدافعة، وأبو حفص كان من كبار أصحاب محمد بن الحسن الشيباني، قال أبو عبد الله:- أعني ابن أبى حفص هذا- سمعت عبد الله بن عثمان وهو عبدان شيخ مرو يقول: سمعت محمد بن الحسن الشيباني يقول: قال حماد بن أبي حنيفة: قلنا لهؤلاء: أرأيتم قول الله عز وجل {وجاء ربك والملك صفا صفا} الفجر22؟ قالوا: أما الملائكة فيجيئون صفاً صفاً، وأما الرب تعالى فإنا لا ندري ما عنى لذاك، ولا ندري كيفية مجيئه، فقلت لهم: إنا لم نكلفكم أن تعلموا كيف مجيئه، ولكنا نكلفكم أن تؤمنوا بمجيئه، أرأيت من أنكر أن الملك يجيء صفاً صفاً ما هو عندكم؟ قالوا: كافر مكذب. قلت: فكذلك إن أنكر أن الله سبحانه لا يجيء فهو كافر مكذب.) اهـ.
فما أروعه من كلام، وأعظمه من تقعيد وتأصيل. وهذا صريح في فهم السلف لمعنى النزول وأنه نزول حقيقي لائق بالله تعالى لا يشبه نزول المخلوقين، وإنما جهلوا كيفيته.
ومما يطول التعجب منه: عد الأشعريّيْن الصابوني رحمه الله من جملة الأشاعرة!!!

ïپ¾ الإمام العلامة حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر الأندلسي القرطبي المالكي (463 هـ)
قال: (وقول رسول الله ïپ² "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا" عندهم مثل قول الله عز وجل: {فلما تجلى ربه للجبل} الأعراف143، ومثل قوله: {وجاء ربك والملك صفا صفا} الفجر 22، كلهم يقول: ينزل، ويتجلى، ويجيء بلا كيف، لا يقولون كيف يجيء؟ وكيف يتجلى؟ وكيف ينزل؟ ولا من أين جاء؟ ولا من أين تجلى؟ ولا من أين ينزل؟ لأنه ليس كشيء من خلقه وتعالى عن الأشياء ولا شريك له) اهـ.
وقال في إثبات حقيقة الاستواء وأنه معلوم المعنى مجهول الكيف: (فإن قال إنه لا يكون مستوياً على مكان إلا مقروناً بالتكييف، قيل قد يكون الاستواء واجباً والتكييف مرتفع، وليس رفع التكييف يوجب رفع الاستواء، ولو لزم هذا لزم التكييف في الأزل، لأنه لا يكون كائن في لا مكان إلا مقروناً بالتكييف، وقد عقلنا وأدركنا بحواسنا أن لنا أرواحاً في أبداننا ولا نعلم كيفية ذلك، وليس جهلنا بكيفية الأرواح يوجب أن ليس لنا أرواح، وكذلك ليس جهلنا بكيفية على عرشه يوجب أنه ليس على عرشه) اهـ.
وهذا يؤكد أن السلف علموا معنى الصفات، وإنما جهلوا الكيفية، وأن إثبات حقيقة الصفة لله تعالى كاليد، والوجه، والاستواء، والضحك، لا يستلزم العلم بالكيفية. إذ الكيفية أخص من العلم بالمعنى والحقيقة، ومثّل رحمه الله بالروح التي بين جنبي الإنسان، فإننا نقر جميعاً بحقيقتها، ونعلم بعض صفاتها، مع كوننا لا ندرك حقيقة ما هي عليه ولا كيفيتها، وهي مخلوقة، فكيف بالخالق سبحانه !

¾ شيخ الحنفية أبو اليسر محمد بن محمد بن الحسين البزدوي (493 هـ)
قال: (إثبات اليد والوجه حق عندنا معلوم بأصله، متشابه بوصفه، ولا يجوز إبطال الأصل بالعجز عن إدراك الوصف بالكيف، وإنما ضلت المعتزلة من هذا الوجه فإنهم ردوا الأصول لجهلهم بالصفات فصاروا معطلة) اهـ.

ïپ¾ شمس الأئمة أبو العباس الفضل بن عبد الواحد السرخسي الحنفي (494 هـ)
قال: (وأهل السنة والجماعة أثبتوا ما هو الأصل معلوم المعنى بالنص –أي بالآيات القطعية والدلالات اليقينية- وتوقفوا فيما هو المتشابه وهو الكيفية، ولم يجوزا الاشتغال في طلب ذلك) اهـ.
وهذا لا يحتاج إلى توضيح.

ïپ¾ الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الطلحي الأصبهاني (535 هـ)
قال وقد سئل عن صفات الرب فقال: (مذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وحماد ابن سلمة، وحماد بن زيد، وأحمد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق بن راهويه: أن صفات الله التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله من السمع، والبصر، والوجه، واليدين، وسائر أوصافه إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور، من غير كيف يتوهم فيها، ولا تشبيه ولا تأويل، قال ابن عيينة: كل شيء وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره. ثم قال: أي هو هو على ظاهره لا يجوز صرفه إلى المجاز بنوع من التأويل) اهـ.
وقال: (قال علماء السلف: ... وذلك أن الله تعالى امتدح نفسه بصفاته، ودعا عباده إلى مدحه بذلك وصدق به المصطفى ïپ²، وبين مراد الله فيما أظهر لعباده من ذكر نفسه وأسمائه وصفاته وكان ذلك مفهوماً عند العرب غير محتاج إلى تأويله) اهـ.
وقال في كلام له نفيس وهو يقرر أن الصفات على حقيقتها من غير تأويل: (قال أهل السنة: الإيمان بقوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} طه5، واجب، والخوض فيه بالتأويل بدعة.... ) إلى أن قال: (والاستواء في كلام العرب تأتي لمعان...) ثم ذكر معاني الاستواء في اللغة وهي التقويم والمماثلة والقصد والعلو، ثم قال: (قال أهل السنة: الاستواء هو العلو. قال الله تعالى {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك} المؤمنون28، وليس للاستواء في كلام العرب معنى إلا ما ذكرنا، وإذا لم يجز الأوجه الثلاثة –أي التقويم والمماثلة والقصد- لم يبق إلا الاستواء الذي هو معلوم كونه –أي العلو- مجهول كيفيته، واستواء نوح على السفينة معلوم كونه، معلوم كيفيته لأنه صفة له، وصفات المخلوقين معلومة كيفيتها. واستواء الله على العرش غير معلوم كيفيته لأن المخلوق لا يعلم كيفية صفات الخالق لأنه غيب ولا يعلم الغيب إلا الله، ولأن الخالق لم يشبه ذاته ذات المخلوق لم يشبه صفاته صفات المخلوق، فثبت أن الاستواء معلوم، والعلم بكيفيته معدوم، فعلمه موكول إلى الله تعالى كما قال: {وما يعلم تأويله إلا الله} آل عمران7.
وكذلك القول فيما يضارع هذه الصفات كقوله تعالى {لما خلقت بيدي} ص75، وقوله {بل يداه مبسوطتان} المائدة64، وقوله {ويبقى وجه ربك} الرحمن27. وقول النبي ïپ² : (حتى يضع الجبار فيها قدمه). (إن أحدكم يأتي بصدقته فيضعها في كف الرحمن). وقوله: (يضع السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع). فإذا تدبره متدبر، ولم يتعصب بان له صحة ذلك وأن الإيمان به واجب، وأن البحث عن كيفية ذلك باطل. وهذا لأن اليد في كلام العرب تأتي بمعنى القوة .....) ثم ذكر معانيها في اللغة فذكر النعمة والنصرة والملك والتصرف، وبين امتناع إرادة هذه المعاني في حق ما ورد من آيات ذكر اليد لله تعالى ثم قال: (ومنها اليد التي هي معروفة، فإذا لم تحتمل الأوجه التي ذكرنا لم يبق إلا اليد المعلوم كونها، المجهولة كيفيتها، ونحن نعلم يد المخلوق وكيفيتها لأنا نشاهدها ونعاينها فنعرفها، ونعلم أحوالها، ولا نعلم كيفية يد الله تعالى، لأنها لا تشبه يد المخلوق، وعلم كيفيتها علم الغيب ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى، بل نعلم كونها معلومة لقوله تعالى، وذكره لها فقط، ولا نعلم كيفية ذلك وتأويلها. وهكذا قوله {ويبقى وجه ربك} الرحمن27، للوجه في كلام العرب معان..) ثم ذكر منها الجاه والقدر وأول الشيء والجهة وبين امتناع إرادتها فيما ورد من ذكر الوجه لله تعالى في القرآن، ثم قال: (ومنه الوجه المعروف، فإذا لم يجز حمل الوجه على الأوجه التي ذكرناها بقي أن يقال: هو الوجه الذي تعرفه العرب، كونه معلوماً بقوله تعالى، وكيفيته مجهولة.
وكذلك قوله: (حتى يضع الجبار فيها قدمه) وقوله: (حتى يضعه في كف الرحمن). وللقدم معان، وللكف معان، وليس يحتمل الحديث شيئاً من ذلك إلا ما هو المعروف في كلام العرب فهو معلوم بالحديث مجهول بالكيفية.
وكذلك القول في الإصبع، الإصبع في كلام العرب تقع على النعمة والأثر الحسن وهذا المعنى لا يجوز في هذا الحديث، فكون الإصبع معلوماً بقوله ïپ²، وكيفيته مجهولة، وكذلك القول في جميع الصفات يجب الإيمان به، ويترك الخوض في تأويله، وإدراك كيفيته) اهـ.
وقال أيضاً: (قال بعض العلماء: من أنكر الضحك فقد جهل جهلاً شديداً، ومن نسب الحديث إلى الضعف وقال: لو كان قوياً لوجب رده. وهذا عظيم من القول أن يرد قول رسول الله ïپ²، والحق أن الحديث إذا صح عن النبي ïپ² وجب الإيمان به، ولا توصف صفته بكيفية، ولكن نسلم إثباتاً له، وتصديقاً به) اهـ.
ïپ¾ الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (748 هـ)
قال في "العلو" : (المتأخرون من أهل النظر قالوا مقالة مولدة ما علمت أحدا سبقهم بها، قالوا: هذه الصفات تمر كما جاءت، ولا تأول مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد، فتفرع من هذا أن الظاهر يعني به أمران:
أحدهما: أنه لا تأويل لها غير دلالة الخطاب، كما قال السلف: الاستواء معلوم، وكما قال سفيان وغيره قراءتها تفسيرها، يعني أنها بينة واضحة في اللغة لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف، وهذا هو مذهب السلف، مع اتفاقهم أيضا أنها لا تشبه صفات البشر بوجه، إذ الباري لا مثل له لا في ذاته ولا في صفاته.
الثاني: أن ظاهرها هو الذي يتشكل في الخيال من الصفة كما يتشكل في الذهن من وصف البشر فهذا غير مراد) اهـ.
وقال بعد نقل كلاماً للخطيب البغدادي: (وقال نحو هذا القول قبل الخطيب الخطابي أحد الأعلام، وهذا الذي علمت من مذهب السلف، والمراد بظاهرها أي: لا باطن لألفاظ الكتاب والسنة غير ما وضعت له، كما قال مالك وغيره الاستواء معلوم، وكذلك القول في السمع والبصر والعلم والكلام والإرادة والوجه ونحو ذلك، هذه الأشياء معلومة فلا نحتاج إلى بيان وتفسير، لكن الكيف في جميعها مجهول عندنا والله أعلم) اهـ.

منقول

عبدالله الأحد
2015-05-24, 03:31 PM
الحافظ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (795 هـ)
قال: (وأما وصف النبي ïپ² لربه عز وجل بما وصفه به فكل ما وصف النبي ïپ² به ربه عز وجل فهو حق وصدق يجب الإيمان والتصديق به كما وصف الله عز وجل به نفسه مع نهي التمثيل عنه، ومن أشكل عليه فهم شيء من ذلك واشتبه عليه فليقل كما مدح الله تعالى به الراسخين في العلم وأخبر عنهم أنه يقولون عند المتشابه: {آمنّا به كُلٌّ من عند ربِّنا}آل عمران7، وكما قال النبي ïپ² في القرآن: (وما جهلتهم منه فكلوه إلى عالمه). خرجه الإمام أحمد والنسائي وغيرهما، ولا يتكلف ما لا علم له فإنه يُخشى عليه من ذلك الهلكة) اهـ.
وقال: (وقد اعترض بعض من كان يعرف هذا على حديث النزول ثلث الليل الآخر، وقال: ثلث الليل يختلف باختلاف البلدان، فلا يمكن أن يكون النزول في وقت معين. ومعلوم بالضرورة من دين الإسلام قبح هذا الاعتراض، وأن الرسول ïپ² أو خلفاءه الراشدين لو سمعوا من يعترض به لما ناظروه بل بادروا إلى عقوبته وإلحاقه بزمرة المخالفين المنافقين المكذبين.) اهـ.
قلت: واعتراض من ذكرهم، إنما هو اعتراض على إثبات حقيقة النزول، فلذلك أوردوا عليه ما ذكره، وهذا من جهلهم، لأنهم قاسوا الخالق بالمخلوق عياذاً بالله.

ïپ¾ تقي الدين أبو العباس أحمد بن علي العبيدي المقريزي (845 هـ)
قال: (اعلم أن الله تعالى لما بعث من العرب نبيه ïپ² رسولاً إلى الناس جميعاً، وصف لهم ربهم سبحانه وتعالى بما وصف به نفسه الكريمة في كتابه العزيز، الذي نزل به على قلبه ïپ² الروح الأمين، وبما أوحى إليه ربه تعالى.
فلم يسأله ïپ² أحد من العرب بأسرهم قرويهم وبدويهم عن معنى شيء من ذلك، كما كانوا يسألونه ïپ² عن أمر الصلاة والزكاة والصيام والحج، وغير ذلك مما لله فيه سبحانه أمر وتهي، وكما سألوه ïپ² عن أحوال القيامة والجنة والنار، إذ لو سأله إنسان منهم عن شيء من الصفات الإلهية لنُقل، كما نُقلت الأحاديث الواردة عنه ïپ² في أحكام الحلال والحرام، وفي الترغيب والترهيب، وأحوال القيامة، والملاحم والفتن، ونحو ذلك،مما تضمنته كتب الحديث، معاجمها ومسانيدها وجوامعها.
ومن أمعن النظر في دواوين الحديث النبوي ووقف على الآثار السلفية علم أنه يرد قط من طريق صحيح ولا سقيم عن أحد من الصحابة ïپ¹ على اختلاف طبقاتهم، كثرة عددهم أنه سأل رسول الله ïپ² عن معنى شيء مما وصف الرب سبحانه نفسه الكريمة في القرآن الكريم وعلى لسان نبيه ïپ²، بل كلهم فهموا معنى ذلك وسكتوا عن الكلام في الصفات.
نعم، ولا فرّق أحد منهم بين كونها صفة ذات أو صفة فعل، وإنما أثبتوا له تعالى صفات أزلية، من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعز والعظمة، وساقوا الكلام سوقاً واحداً، وهكذا أثبتوا ïپ¹ ما أطلقه سبحانه على نفسه الكريمة من الوجه واليد ونحو ذلك، مع نفي مماثلة المخلوقين.
فأثبتوا ïپ¹ بلا تشبيه، ونزهوا من غير تعطيل، ولم يتعرض مع ذلك أحد منهم إلى تأويل شيء من هذا، ورأوا بأجمعهم إجراء الصفات كما وردت، ولم يكن عند أحد منهم ما يستدل على وحدانية الله تعالى ، وعلى إثبات نبوة محمد ïپ² سوى كتاب الله، ولا عرف أحد منهم شيئاً من الطرق الكلامية ولا مسائل الفلسفة، فمضى عصر الصحابة ïپ¹ على هذا ) اهـ.
وقال أيضاً: (فلذلك وصف الله تعالى نفسه الكريمة بها في كتابه، ووصفه رسول الله أيضاً بما صح عنه وثبت، فدل على أن المؤمن إذا اعتقد أن اللّه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأنه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، كان ذكره لهذه الأحاديث تمكين الإثبات، وشجاً في حلوق المعطلة، وقد قال الشافعيّ رحمه الله "الإثبات أمكن" نقله الخطابيّ، ولم يبلغنا عن أحد من الصحابة والتابعين وتابعيهم أنهم أوّلوا هذه الأحاديث، والذي يمنع من تأويلها إجلال اللّه تعالى عن أن تضرب له الأمثال، وأنه إذا نزل القرآن بصفة من صفات اللّه تعالى، كقوله سبحانه:"الله فوق أيديهم " فإن نفس تلاوة هذا يفهم منها السامع المعنى المراد به، وكذا قوله تعالى:"بل يداه مبسوطتان"، عند حكايته تعالى عن اليهود نسبتهم إياه إلى البخل فقال تعالى:"بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء"، فإن نفس تلاوة هذا مبينة للمعنى المقصود) اهـ.


ïپ¾ الملا علي بن سلطان محمد القاري الحنفي (1014 هـ)
قال في شرح الفقه الأكبر: (إن الغضب والرضى الذي يوصف الله به مخالف لما يوصف به العبد، وإن كان كل منهما حقيقة ... فإن صرف القرآن عن ظاهره وحقيقته بغير موجب حرام ... فما سمّى به الرب نفسه، وسمّى به مخلوقاته مثل: الحي، والقيوم، والعليم، والقدير، أو سمّى به بعض صفات عباده فنحن نعقل بقلوبنا معاني هذه الأسماء في حق الله وأنه حق ثابت موجود، ونعقل أيضاً معاني هذه الأسماء في حق المخلوق، ونعقل بين المعنيين قدراً مشتركاً، إذ المعنى المشترك الكلي لا يوجد مشتركاً إلا في الأذهان، ولا يوجد في الخارج إلا معيناً مختصاً، فيثبت في كلم منهما ما يليق به) اهـ.


فرع في تقرير هذا الأصل من كلام أبي الحسن الأشعري
قال: (مسألة : ويقال لأهل البدع: ولم زعمتم أن معنى قوله: {بيدي} ص75، نعمتي أزعمتم ذلك إجماعاً أو لغة؟
فلا يجدون ذلك إجماعاً ولا في اللغة.
وإن قالوا : قلنا ذلك من القياس.
قيل لهم : ومن أين وجدتم في القياس أن قوله تعالى: {بيدي} ص75، لا يكون معناه إلا نعمتي؟ ومن أين يمكن أن يعلم بالعقل أن تفسير كذا وكذا، مع أنا رأينا الله عز وجل قد قال في كتابه العزيز الناطق على لسان نبيه الصادق: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} إبراهيم4، وقال تعالى: {لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين} النحل 103، وقال تعالى: {إنا جعلناه قرآنا عربيا} الزخرف 3، وقال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله} النساء 82،ولو كان القرآن بلسان غير العرب لما أمكن أن نتدبره ولا أن نعرف معانيه إذا سمعناه، فلما كان من لا يحسن لسان العرب لا يحسنه وإنما يعرفه العرب إذا سمعوه على أنهم إنما علموه لأنه بلسانهم نزل وليس في لسانهم ما ادعوه) اهـ.
وقال: (مسألة : قد سئلنا أتقولون إن لله يدين ؟
قيل : نقول ذلك بلا كيف وقد دل عليه قوله تعالى: {يد الله فوق أيديهم} الفتح10، وقوله تعالى: {لما خلقت بيدي} ص75، وروي عن النبي ïپ² أنه قال: (إن الله مسح ظهر آدم بيده فاستخرج منه ذريته) فثبتت اليد بلا كيف ..) إلى قوله : (وليس يجوز في لسان العرب ولا في عادة أهل الخطاب أن يقول القائل: عملت كذا بيدي، ويعني به النعمة، وإذا كان الله عز وجل إنما خاطب العرب بلغتها وما يجري مفهوماً في كلامها ومعقولاً في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل: فعلت بيدي، ويعني النعمة، بطل أن يكون معنى قوله تعالى: {بيدي} ص75، النعمة، وذلك أنه لا يجوز أن يقول القائل: لي عليه يدي، بمعنى لي عليه نعمتي، ومن دافَعَنا عن استعمال اللغة ولم يرجع إلى أهل اللسان فيها دوفع عن أن تكون اليد بمعنى النعمة، إذ كان لا يمكنه أن يتعلق في أن اليد النعمة إلا من جهة اللغة، فإذا دفع اللغة لزمه أن لا يفسر القرآن من جهتها، وأن لا يثبت اليد نعمة من قِبَلها، لأنه إن روجع في تفسير قوله تعالى: {بيدي} ص75، نعمتي فليس المسلمون على ما ادعى متفقين، وإن روجع إلى اللغة فليس في اللغة أن يقول القائل: بيدي، يعني نعمتي، وإن لجأ إلى وجه ثالث سألناه عنه ولن يجد له سبيلا) اهـ.
وقال: (الإجماع العاشر: وأجمعوا على وصف الله تعالى بجميع ما وصف به نفسه ووصفه به نبيه من غير اعتراض فيه ولا تكيف له، وأن الإيمان به واجب وترك التكييف له لازم) اهـ.



خلاصة الفصل
أولاً: بعد تقرير هذا الأصل المهم من كتاب الله وسنة نبيه ïپ² وكلام سلف الأمة وأئمتها، تبين لنا أن السلف رحمهم الله لم يجهلوا معاني صفات الله تعالى، بل كانوا يعلمون معانيها ويثبتونها لله تعالى على الوجه اللائق به، من غير أن يمثلوها بصفات المخلوقين، ولا يحرفوها تحريف المعطلين.
ثانياً: موافقة أبي الحسن الأشعري للسلف في هذا الأصل العظيم، مما يستلزم أن يوافقه كل من انتسب إليه، وإلا كان انتسابهم إليه دعوى مجردة.

[ بطلان دعوى التفويض عن السلف وأنه يعود إلى التأويل ]
ثالثاً: وتبين لنا كذلك بطلان دعوى الأشعريّيْن في أن التفويض هو مذهب السلف في الصفات، ويعنيان به تفويض المعنى لا الكيفية.
قال الأشعريان بعد تعريفهما للتفويض والتأويل (ص144-145): (وهذان المذهبان كما أسلفنا هما المذهبان المعتبران المأثوران عن أهل السنة والجماعة في أبواب المتشابه، ولا اعتبار لمن جنح إلى التعطيل أو التشبيه من المذاهب الأخرى التي رفضتها الأمة ولفظتها... ) إلى أن قالا: (حمل الكلام على الظاهر والحقيقة يفضي قطعاً إلى التشبيه، لأن حقائق وظواهر هذه الألفاظ أجسام وكيفيات مخلوقة ...) إلى أن قالا: (بقي القسم الأخير وهو صرف الكلام عن الحقيقة والظاهر، ثم بعد صرفه عن الظاهر إما أن يُتوقف عن التماس معنى له ويوكل العلم به إلى الله، وهذا هو التفويض الذي عليه جماهير السلف الصالح، أو يلتمس له معنى لائق بالله تعالى حسب مناحي الكلام عند العرب وما تسيغه لغتهم، وهذا هو التأويل الذي عليه خلف الأمة وجماعات من سلفها الصالح) اهـ.
وبناءاً عليه فإن مذهب التفويض الذي ينسبه الأشعريان إلى السلف يعود إلى التأويل، بمعنى أن الفريقين –أهل التفويض وأهل التأويل- قد اتفقا على أن هذا الآيات والأحاديث لم تدل على صفات الله تعالى، وأنه ليست على ظاهرها، ولا يراد به الحقيقة، ولكن السلف أمسكوا عن تأويلها ولم يحددوا المعنى المجازي المراد منها، والخلف رأوا المصلحة في تأويلها والتصريح بالمعنى المجازي لمسيس الحاجة إلى ذلك، وأن الفرق بين الطريقين أن أهل التأويل قد يعينون المراد بالتأويل، وأهل التفويض لا يعينون لجواز أن يُراد به غيره.
ولا ريب أن هذا الكلام افتراء عظيم على السلف، وجهل كبير بمذهبهم:
أمّا في كثير من الصفات فقطعاً: مثل أن الله تعالى فوق العرش، فإن من تأمل كلام السلف المنقول عنهم، والذي سنأتي على بعضه في الفصل الأول من الباب الثاني، علم بالاضطرار أن السلف كانوا مصرحين بأن الله فوق العرش حقيقة، وأنهم ما اعتقدوا خلاف ذلك قط، وكثير منهم صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك كما نقلنا شيئاً منه فيما سبق. ولا يُعرف لأحد من السلف كلام يدل على نفي الصفات الخبرية لله تعالى أو غيرها، لا نصاً، ولا ظاهرا،ً ولا بالقرائن، بل كثير من كلامهم يدل إما نصاً، أو ظاهراً، على تقرير جنس الصفات لله تعالى، وأنها على الحقيقة، وأنها معلومة المعنى بما تعرفه العرب من ظاهر لغتها.
[ بيان معنى قول بعض السلف عن الصفات: "بلا معنى" ]
وإنما ينكر السلف التشبيه، وينكرون على المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه، ولذلك تراهم يعقبون إثباتهم للصفات بقولهم "بلا كيف"، مع إنكارهم أيضاً على من ينفي الصفات، أو يحرفها عن ظاهرها إلى مجازات الكلام فيخرجها عن حقيقتها، فربما قالوا "ويكلون علمها إلى قائلها" أو "بلا معنى" أي: المعاني الباطلة التي يصرف بها المعطلة صفات الله عن ظواهرها، فيعطلون المعنى الصحيح ويستبدلونه بالمعاني المجازية.
والسلف أثبتوا الصفات لله تعالى على الوجه اللائق به سبحانه فكانوا فيها وسط بين فريقين: المشبهة من جهة، فلذلك قالوا "بلا كيف"، والمعطلة من جهة فلذلك قال بعضهم "بلا معنى" أو "من غير تفسير".
قال أبو بكر الخلال: أخبرني علي بن عيسى أن حنبلاً حدثهم قال: (سألت أبا عبد الله –أي الإمام أحمد- عن الأحاديث التي تُروى "إن الله تبارك وتعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا" و "أن الله يرى" و"إن الله يضع قدمه" وما أشبهه؟ فقال أبو عبد الله: نؤمن بها ونصدق بها، ولا كيف، ولا معنى، ولا نرد منها شيئاً، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق إذا كانت بأسانيد صحاح، ولا نرد على رسول الله ïپ² قوله، ولا يوصف الله تعالى بأكثر مما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله بلا حد ولا غاية {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11، ولا يبلغ الواصفون صفته، وصفاته منه، ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه كما وصف نفسه، ولا نتعدى ذلك، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعث) اهـ.
فقول الإمام أحمد: "ولا كيف"، رد على المشبهة الذين يشبهون صفات الله بصفات خلقه، أو يكيفونها في أذهانهم.
وقوله: "ولا معنى"، رد على المعطلة الذين ينفون عن الله تعالى حقائق الصفات، ويحرفونها عن معانيها إلى معان مجازية باطلة.
فصار كلامه موافقاً للسلف جامعاً بين الإثبات بلا تشبيه، والتنزيه بلا تعطيل.
ويؤكد ذلك تتمة كلامه الذي قرر فيه إثبات الصفات لله تعالى ونفي التشبيه والتعطيل.
وقوله: "ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعث" ظاهر في إثبات معنى الصفات لله تعالى، وأنها ثابتة لله لا تُزال عنه لأجل شناعة المعطلة الذين يلزمونها لوازم صفات المخلوق، ويزعمون أن إثباتها يستلزم التشبيه.
بل كل كلام الإمام أحمد المنقول عنه في هذا الباب مما نقلنا بعضه صريح في إثبات معاني الصفات، وإبطال التفويض المزعوم، وقد كان يرد وينكر تأويلات المعطلة الذين يتأولون صفات الله تعالى ويصرفونها عن ظاهرها إلى معان باطلة، وصنف كتابه "الرد على الجهمية والزنادقة فيما أنكرته من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله" فأنكر عليهم تأويل القرآن على غير مراد الله ورسوله، وهم إذا تأولوه يقولون: معنى هذه الآية كذا.
وأهل التكييف يثبتون لصفاته تعالى كيفية معينة. فنفى الإمام أحمد قول هؤلاء، وقول هؤلاء. قول المكيفة الذين يدعون أنهم علموا الكيفية، وقول المحرفة الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، ويقولون: معناه كذا وكذا.
وقول الإمام مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول" وفي لفظ "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول" موافق لقول الباقين من الأئمة والمعروف عن السلف من قولهم عن آيات الصفات (أمروها كما جاءت بلا كيف). فإنهم إنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كانوا قد آمنوا باللفظ المجرد فقط من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قال الإمام مالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ولما قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف، فان الاستواء حينئذ لا يكون معلوماً بل مجهولاً بمنزلة حروف المعجم.
ومن المعلوم أيضاً أنه لا يُحتاج إلى نفى علم الكيفية إذا لم يُفهم عن اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفى علم الكيفية إذا أثبتت الصفات، فإن نفي الأخص يستلزم إثبات الأعم، فلو قال قائل: ما فهمت كلام زيد، لفُهم منه أن القائل قد سمع كلاماً لزيد، لكنه لم يفهمه، فإن الفهم أخص من السمع، فلما نُفي الأخص، دل على ثبوت الأعم. والكيفية أخص من المعنى، فلما نفى السلف الكيفية، دل ذلك على علمهم بالمعنى. وإلا فإن من ينفى الصفات الخبرية أو الصفات مطلقاً لا يحتاج إلى أن يقول "بلا كيف"، فمن يقول: إن الله لا ينزل، أو أن الله ليس على العرش، لا يحتاج أن يقول بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفى الصفات في نفس الأمر لما قالوا بلا كيف.
[ معنى قول السلف عن أخبار الصفات "أمروها كما جاءت بلا كيف" ]
وقولهم "أمروها كما جاءت" يقتضى إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظ دالة على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال "أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد" أو "أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة" وحينئذ فلا تكون قد أُمِرَّت كما جاءت، ولا يقال حينئذ "بلا كيف" إذ نفى الكيف عما ليس بثابت لغوٌ من القول.
وقد سبق أن بينا أن الأمر بإمرار الأحاديث كما جاءت، قد قاله السلف في كثير من الأحاديث المعلومة المعنى في غير الصفات.


منقول