المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأستخلاف في الأمة منهج لا يتغير ولا يتبدل


الفهداوي
2015-05-25, 06:13 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه . أما بعد :
فمن رحمة الله – تعالى - بالأمة الإسلامية أن جعل لها أولويات تضمن بقاءها وعلوها وزيادة عزها ، وهي ضرورات شرعية لا يجوز لأبناء الأمة جهلها أو تجاهلها ؛ لأنها مقومات تَمَيُّز الأمة الإسلامية وشموخها . وبتحقيقها تستوجب الأمة الاستخلاف في الأرض ، وقد دل على هذه الأولويات الشرعية للتمكين قوله – تعالى - : { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [النور : 55] .
في هذه الآية يبين الله – سبحانه – أنه وعد الأمة بالاستخلاف والتمكين - والله لا يخلف الميعاد - إذا اتصفت بالأوصاف التي أمرها الله – تعالى – بها ، وهي : ( الإيمان ) و ( العمل الصالح ) ، كما قال – تعالى - : { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأرْضِ }.
فالأساس الذي يقوم عليه ( الإيمان ) هو تحقيق الشهادتين : بتحقيق التوحيد ، والمتابعة .
أما تحقيق التوحيد ؛ فيكون بإفراد الله – تعالى – وحده بالعبادة وترك الشرك كله كبيره وصغيره ؛ فلا يُشرَك معه أحدٌ أبداً ، ودل عليه قوله :{ يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا } .
وأما تحقيق المتابعة ؛ فيكون بإيقاع العبادات على وفق سنة الرسول – صلى الله عليه وسلم - ، وهو الإسلام الصحيح الخالي من البدع والخرافات ، ودل عليه قوله : { وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ } . والدين الذي رضيه الإسلام الصافي { وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً} [المائدة: 3] .
وأصول العمل الصالح أربعة أعمال ، وهي : ( إقام الصلاة ) ، ( وإيتاء الزكاة ) ، ( والأمر بالمعروف ) ، ( والنهي عن المنكر ) ، كما قال – تعالى - : { الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } [الحج: 41] .
فهذه الأوصاف الشرعية هي أولويات الأمة المسلمة التي تضمن لها البقاء والتمكين والظهور والعز والعاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة . وهذه الأعمال هي الطريق التي توصل الأمة إلى تحقيق مصالحها الدينية والدنيوية . لكن مما يؤسف له أن أهل الأسلام اليوم لم يسلكوا هذه الطريق المضمونة والمكفولة والموعود أصحابها بالفلاح والنجاح . بل تنكبوا الطريق وسلكوا طرائق حزبية أو عصبيات قبلية أو منافع شخصية .
والمتابع للمشهد الواقعي يجد أن هذه الأولويات الشرعية قد ضيعت وغيبت في صراع الأفكار المنحرفة البدعية والعلمانية من جهة وفي التقاتل على الشهوات وحب الدنيا من جهة أخرى .
فهل هؤلاء المتكالبون لا يعرفون ذلك أو لا يؤمون به ؟ بلى إن كثيراً منهم يعرفون ذلك ولا يجهلونه ، ويؤمنون به ولا ينكرونه ؛ لكنها معرفة تقام عليهم بها الحجة ، وتنقطع بها معذرتهم عند الله . لا معرفة توفيق وهداية إلى العمل كما قال الله - عز وجل -: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ } [التوبة:115].
وهي من جنس معارف الكفار والمنافقين والفجار والفاسقين ، كما قال – تعالى - : { يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ}[النحل : 83] .
وقال – تعالى - : { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}[البقرة : 146] .
والسبب الذي حال بينهم وبين العمل بما يعلمون والانقياد لما به يؤمنون هو ضعف أو انعدام ( الولاء والبراء ) – الذي هو صمام أمان حفظ الأولويات والضرورات الشرعية - .
وحقيقة الولاء والبراء أن تحب ما يحبه الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم - وتفعله . وتبغض ما يبغضه الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم - وتتركه .
ولضعف الولاء والبراء أو انعدامه نشأت عقدة سلوكية عند الأفراد ولدت التنافر بين الأقوال والأعمال وبين العقائد والأفعال وأثرت في المجتمعات حتى ضيع كثير من أبنائها مقومات بناء الدولة المؤمنة العادلة النزيهة ، فجعلوا هذه الأولويات خلف ظهورهم وصاروا ينطلقون من أوامر حزبية ، أو عصبيات قبلية أو منافع شخصية فخابوا وخسروا .
والولاء والبراء يقوم على أسس إذا لم ترسخ في قلب العبد فلن يعمل بعلمه ولن يطبق ما يعتقده ويؤمن به ، وهذه الأسس واجبة على العبد ، ومن أهمها :
الأساس الأول / اليقين بالحق . قال – تعالى - : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا } [الحجرات : 15] . فكثير من الناس يعرفون الأولويات الشرعية والضرورات الإسلامية لكنهم لا يتيقنون ذلك ويستبطئون النصر من قبلها فيلجئون إلى عقولهم وأفكارهم فيهلكون كما هو مشاهد اليوم .
الأساس الثاني / الصدق . قال – تعالى - : {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً}[الأحزاب : 23] .
وحقيقة الصدق بذل كل ما يستطيعه العبد من جهد وطاقة في سبيل القيام بما آمن به ، ولا يكون متناقضاً ولا ذا وجهين ولا يكون منتحلاً شخصيتين مذبذب بين الحق والباطل .
الأساس الثالث / الصبر . قال – تعالى - : {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ } [الطور : 48] . فالواجب أن يصبر العبد على أحكام الله – تعالى – القدرية والشرعية ويثبت عليها ولا يتنازل عنها أو يهادن عليها أو يتهاون بها .
واعلم – عبد الله – أن من الأسباب التي تصرف العبد عن الالتزام بمقتضيات الولاء والبراء تعلق القلب بملذات الحياة الدنيا والشغف بشهواتها ، كما قال – تعالى - : {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}[آل عمران : 14] .
وعن عمرو بن عوف الأنصاري - رضي الله عنه - : أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ أَبَا عبيدة بنَ الجَرَّاح - رضي الله عنه - إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأتِي بِجِزْيَتِهَا ، فَقَدِمَ بمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ ، فَسَمِعَتِ الأَنْصَارُ بقُدُومِ أَبي عُبيْدَةَ ، فَوَافَوْا صَلاَةَ الفَجْرِ مَعَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فَلَمَّا صَلَّى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ، انْصَرفَ ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ ، فَتَبَسَّمَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حِيْنَ رَآهُمْ ، ثُمَّ قَالَ: " أظُنُّكُمْ سَمعتُمْ أنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيْءٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ ؟" فقالوا : أجل ، يَا رسول الله، فقال : " أبْشِرُوا وَأَمِّلْوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوالله مَا الفَقْرَ أخْشَى عَلَيْكُمْ ، وَلكِنِّي أخْشَى أنْ تُبْسَط الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا ، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أهْلَكَتْهُمْ " ( متفقٌ عَلَيْهِ ) .
فكل من فرط بأولويات نجاته واتبع شهواته فستكون عاقبته النار ، كما قال – تعالى - : {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً} [مريم:59].
منقول بتصرف ...

ياس
2015-05-30, 01:54 AM
بارك الله في عظيم جهودكم
وجزاكم الخير والاحسان

الفهداوي
2015-05-30, 08:56 PM
وفيكم بارك الرحمن جزاكم الله خيرا

الحياة أمل
2015-06-01, 12:50 AM
نقل موفق وموضوع مهم !
نسأل الله أن يرد المسلمين له ردآ جميلآ
بوركتم ...~