المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بيان ان عقيدة السلف اجراء نصوص الصفات على ظاهرها ونفي التجسيم والكيفية عن الله


عبدالله الأحد
2015-05-26, 03:11 PM
الفصل الثالث
في تقرير أن السلف كانوا يجرون نصوص صفات الله على ظاهرها

كل ما سبق تقريره ونقله عن السلف من أن الصفات الواردة لله تعالى في الكتاب والسنة إنما هي على الحقيقة، من غير تكييف ولا تشبيه له بصفة خلقه، لدليل بيّنٌ على كون السلف أجروا آيات الصفات على ظاهرها، ولم يتعرضوا لها بتأويل ولا غيره.
وهم يعلمون شرعاً وعقلاً أن إثباتها لله تعالى لا يستلزم التشبيه ولا التكييف، لما هو معلوم من الفرق بين الخالق والمخلوق، ولما هو معلوم من مقتضى اللغة التي خوطبوا بها: أن الإضافة تقطع التشبيه.
ومع وضوح هذا الأمر فإني أذكر هنا ما يزيده وضوحاً وتأكيداً في أن السلف كانوا يجرون الصفات على ظاهرها اللائق بالله تعالى.
ومن أشهر النصوص الواردة عن السلف ما سبق نقله من قولهم عن نصوص الصفات: (أمروها كما جاءت)، وقولهم (قراءتها تفسيرها) ونحو ذلك.
وقولهم (أمروها كما جاءت) يقتضى إبقاء دلالتها على ما دل عليه ظاهرها، فإنها جاءت ألفاظاً دالةً على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال (أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد) أو (أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة) وحينئذ فلا تكون قد أُمِرَّت كما جاءت.
قال القاضي أبو يعلى: (لكن على ما روي عن شيخنا وإمامنا أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل وغيره من أئمة أصحاب الحديث أنهم قالوا في هذه الأخبار: أمروها كما جاءت، فحملوها على ظاهرها في أنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين)[1] اهـ.


وإليك آثار السلف الدالة على ذلك:
~ الإمام الحافظ الحجة سفيان بن عيينة المكي (198 هـ)
قال: «كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، لا كيف ولا مثل»[2]
قال الذهبي: (وكما قال سفيان وغيره قراءتها تفسيرها: يعني أنها بينة واضحة في اللغة لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف)[3] اهـ.

~ إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (241 هـ)
قال في رسالة "السنة" التي رواها عبدوس بن مالك العطار: (وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول ولا الأهواء، إنما هي الاتباع وترك الهوى ... –إلى أن قال: ومثل أحاديث الرؤية كلها، وإن نبت عن الأسماع واستوحش منها المستمع فإنما عليه الإيمان بها، وأن لا يرد منها جزءاً واحداً، وغيرها من الأحاديث المأثورات عن الثقات ...) ثم قال: (ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره، ولا نناظر فيه أحداً)[4] اهـ.
ونقل القاضي أبو يعلى ما يؤكد هذا من كلام الإمام أحمد فقال في إثبات صفة القدم والرجل لله تعالى: (وقد ذكر البخاري ومسلم "القدم" في الصحيحين جميعاً. اعلم أنه غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره، وأن المراد به "قدم" هو صفة لله تعالى وكذلك "الرجل".
وقد نص أحمد على ذلك في رواية المروزي وقد سأله عن الأحاديث "يضع قدمه" وغيرها قال: نمرها كما جاءت.
وقال ابن منصور: قلت لأبي عبد الله : "اشتكت النار إلى ربها حتى يضع قدمه فيها" فقال أحمد: صحيح.
وقال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله: حدث محدث وأنا عنده بحديث "يضع الرب عز وجل قدمه" وعنده غلام فأقبل على الغلام فقال: نعم إن لهذا تفسيراً، فقال أبو عبد الله: انظر إليه كما تقول الجهمية سواء.
وقال في رواية حنبل: قال النبي r: "يضع قدمه" نؤمن به ولا نرد على رسول الله r.
فقد نص على الأخذ بظاهر ذلك لأنه ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه)[5] اهـ.
ونقل عن الإمام أحمد أيضاً مثل ذلك في صفة الضحك لله فقال: (قال في رواية حنبل: يضحك الله، ولا نعلم كيف ذلك إلا بتصديقها الرسول r ... القرآن.[هكذا في المطبوع]
وقال المروذي: سألت أبا عبد الله عن عبد الله التيمي فقال: صدوق، وقد كتبت عنه من الرقايق، ولكن حكي عنه أنه ذكر حديث الضحك فقال: مثل الزرع الضحك، وهذا كلام الجهمية. قلت: ما تقول في حديث ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر "فضحك حتى بدت"؟ قال: هذا يشنع به، قلت: فقد حدثت به، قال: ما أعلم أني حدثت به إلا داود بن محمد يعني المصيصي وذلك أنه طلب إلي فيه، قلت: أفليس العلماء تلقته بالقبول؟ قال: بلى....
إلى أن قال القاضي معلقاً: فقد نص على صحة هذه الأحاديث والأخذ بظاهرها والإنكار على من فسرها، وذلك أنه ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه)[6] اهـ.

~ الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (280 هـ)
قال في إثباته لنزول الله ومجيئه ورده على من تأوله: (والقرآن عربي مبين، تصرف معانيه إلى أشهر ما تعرفه العرب في لغاتها، وأعمها عندهم. فإن تأول متأول مثلك جاهل في شيء منه خصوصاً، أو صرفه إلى معنى بعيد عن العموم بلا أثر، فعليه البينة على دعواه وإلا فهو على العموم أبداً كما قال الله تعالى.)[7] اهـ.
وقال في رده على تأويلات المريسي لصفات الله وإخراجها عن ظاهرها: (فيقال لك أيها المريسي ... فادعيت أن وجهه: كله، وأنه لا يوصف بنفس، وأن سمعه: إدراك الصوت إياه، وأن بصره: مشاهدة الألوان كالجبال والحجارة والأصنام التي تنظر إليك بعيون لا تبصر، وأن يديه: رزقاه موسعه ومقتوره، وأن علمه وكلامه مخلوقان محدثان. وأن أسماءه مستعارة مخلوقة محدثة، وأن فوق العرش منه مثل ما هو أسفل سافلين، وأنه في صفاته كقول الناس في كذا، وكقول العرب في كذا، تضرب له الأمثال تشبيهاً بغير شكلها، وتمثيلاً بغير مثلها، فأي تكييف أوحش من هذا إذا نفيت هذه الصفات وغيرها عن الله تعالى بهذه الأمثال والضلالات المضلات؟)[8] اهـ.
وقال : (ونحن قد عرفنا بحمد الله تعالى من لغات العرب هذه المجازات التي اتخذتموها دلسة وأغلوطة على الجهال تنفون بها عن الله حقائق الصفات بعلل المجازات، غير أنا نقول لا يُحكم للأغرب من كلام العرب على الأغلب، ولكن نصرف معانيها إلى الأغلب حتى تأتوا ببرهان أنه عنى بها الأغرب، وهذا هو المذهب الذي إلى العدل والإنصاف أقرب، لا أن تعترض صفات الله المعروفة المقبولة عند أهل البصر فتصرف معانيها بعلة المجازات إلى ما هو أنكر، ونرد على الله بداحض الحجج وبالتي هي أعوج، وكذلك ظاهر القرآن وجميع ألفاظ الروايات تصرف معانيها إلى العموم حتى يأتي متأول ببرهان بين أنه أريد بها الخصوص، لأن الله تعالى قال {بلسان عربي مبين} الشعراء195،فأثبته عند العلماء أعمه وأشده استفاضة عند العرب فمن أدخل منها الخاص على العام كان من الذين يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله فهو يريد أن يتبع فيها غير سبيل المؤمنين)[9] اهـ.

~ سهل بن عبد الله أبو محمد التستري الزاهد (283 هـ)
قال: (احتفظوا بالسواد على البياض، فما أحد ترك الظاهر إلا خرج إلى الزندقة)[10]اهـ.

~ الإمام الحافظ أبو بكر عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني (287هـ)
قال الذهبي: (قال الحافظ الإمام قاضي أصبهان وصاحب التصانيف أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الشيباني: "جميع ما في كتابنا -كتاب السنة الكبير الذي فيه الأبواب- من الأخبار التي ذكرنا أنها توجب العلم، فنحن نؤمن بها لصحتها وعدالة ناقليها، ويجب التسليم لها على ظاهرها، وترك تكلف الكلام في كيفيتها".. فذكر من ذلك النزول إلى السماء الدنيا، والإستواء على العرش

~ الإمام أبو العباس أحمد بن عمر ابن سريج البغدادي الشافعي (303 هـ)
قال: (حرام على العقول أن تمثل الله، وعلى الأوهام أن تحده، وعلى الألباب أن تصف إلا ما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله، وقد صح عن جميع أهل الديانة والسنة إلى زماننا أن جميع الآي والأخبار الصادقة عن رسول الله يجب على المسلمين الإيمان بكل واحد منه كما ورد، وأن السؤال عن معانيها بدعة، والجواب كفر وزندقة، مثل قوله: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} البقرة210، وقوله: {الرحمن على العرش استوى} طه5، و{جاء ربك والملك صفاً صفاً} الفجر22، ونظائرها مما نطق به القرآن كالفوقية، والنفس، واليدين، والسمع، والبصر، وصعود الكلم الطيب إليه، والضحك، والتعجب، والنزول ..) إلى أن قال: (اعتقادنا فيه وفي الآي المتشابه في القرآن أن نقبلها، ولا نردها، ولا نتأولها بتأويل المخالفين، ولا نحملها على تشبيه المشبهين، ولا نترجم عن صفاته بلغة غير العربية، ونسلم الخبر الظاهر والآية الظاهر تنزيلها)[12] اهـ.
وحكمه بالبدعة على السؤال عن معاني الصفات، المراد به السؤال عن كيفيتها وحقيقة ما هي عليه، أو حملها على خلاف ظاهرها من مجازات الكلام، ولذلك جعل الجواب عليها كفراً وزندقةً، ومعلوم أن السلف قد تكلموا في معاني الصفات كالاستواء، والنزول، والوجه، ونحوها، كما سبق بيانه في الفصل السابق، وكلام السلف يفسر بعضه بعضاً، ويؤيد بعضه بعضاً، ولا يقتطع منه من شاء ما شاء، ليستدل به على باطل.

~ إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة (311 هـ)
قال: (باب ذكر صورة ربنا جل وعلا: وصفة سبحات وجهه عز وجل، تعالى ربنا عن أن يكون وجه ربنا كوجه بعض خلقه، وعن أن لا يكون له وجه، إذ الله قد أعلمنا في محكم تنزيله أن له وجهاً ذواه بالجلال والإكرام ونفى الهلاك عنه)[13] اهـ.
وهذا ظاهر في إثبات الآية التي فيها ذكر وجهه سبحانه على ظاهرها. ولذلك أكد هذا المعنى بقوله: (نحن نقول : وعلماؤنا جميعا في جميع الأقطار : إن لمعبودنا عز وجل وجهاً كما أعلمنا الله في محكم تنزيله، فذواه بالجلال والإكرام، وحكم له بالبقاء، ونفى عنه الهلاك، ونقول: إن لوجه ربنا عز وجل من النور والضياء والبهاء ما لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره، محجوب عن أبصار أهل الدنيا، لا يراه بشر ما دام في الدنيا الفانية ونقول: إن وجه ربنا القديم لا يزال باقياً، فنفى عنه الهلاك والفناء)[14] اهـ.
وتأمل وصفه لوجه الله تعالى بما يخالف وجه المخلوق، مما يعني أن وجه الله تعالى هو الوجه المعروف لغة، مع التباين في الصفة {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11.
وقال مثل ذلك في باقي الصفات.

~ الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (310 هـ)
قال: ( فإن قال لنا منهم قائل: فما أنت قائل في معنى ذلك؟
قيل له: معنى ذلك ما دل عليه ظاهر الخبر، وليس عندنا للخبر إلا التسليم والإيمان به، فنقول: يجيء ربنا جل جلاله يوم القيامة والملك صفاً صفاً، ويهبط إلى السماء الدنيا وينزل إليها في كل ليلة، ولا نقول: معنى ذلك ينزل أمره، بل نقول: أمره نازل إليها في كل لحظة وساعة، وإلى غيرها من جميع خلقه الموجودين ما دامت موجودة. ولا تخلو ساعة من أمره فلا وجه لخصوص نزول أمره إليها وقتاً دون وقت، ما دامت موجودة باقية.
وكالذي قلنا في هذه المعاني من القول: الصواب من القيل في كل ما ورد به الخبر في صفات الله عز وجل وأسمائه تعالى ذكره بنحو ما ذكرناه)[15] اهـ.

~ أبو أحمد محمد بن علي بن محمد الكرجي المعروف بالقصاب (360هـ)
قال: (لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه وكل صفة وصف بها نفسه أو وصفه بها نبيه فهي صفة حقيقية لا صفة مجاز، ولو كانت صفة مجاز لتحتم تأويلها، ولقيل: معنى البصر كذا، ومعنى السمع كذا، ولفُسّرت بغير السابق إلى الأفهام، فلما كان مذهب السلف إقرارها بلا تأويل علم أنها غير محمولة على المجاز، وإنما هي حق بين)[16] اهـ.

~ عبد العزيز بن جعفر، أبو بكر غلام الخلال حافظ علم الإمام أحمد (363 هـ)
قال القاضي أبو يعلى: (وقد حمل أبو بكر عبد العزيز قوله تعالى {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه} الزمر67، على ظاهره وان ذلك راجع إلى ذاته، ذكر ذلك في كتاب "التفسير" في الكلام على قوله {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة} الزمر67 ..)[17].

~ إبراهيم بن أحمد بن عمر أبو إسحاق بن شاقلا الحنبلي (369 هـ)
قال في مناظرته في مسائل الصفات مع أبي سليمان الدمشقي الذي كان على مذهب ابن كلاب: (ثم قلت له: هذه الأحاديث تلقاها العلماء بالقبول –أي أحاديث الصفات كالوجه والأصابع ونحوها- فليس لأحد أن يمنعها ولا يتأولها ولا يسقطها لأن الرسول r لو كان لها معنى عنده غير ظاهرها لبينه، ولكان الصحابة حين سمعوا ذلك من رسول الله r سألوه عن معنى غير ظاهرها، فلما سكتوا وجب علينا أن نسكت حيث سكتوا ونقبل طوعاً ما قبلوا.)[18] اهـ.

عبدالله الأحد
2015-05-26, 03:15 PM
أبو سليمان أحمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي (388 هـ)
قال فى رسالته المشهورة في "الغنية عن الكلام وأهله": (فأما ما سألت عنه من الصفات وما جاء منها في الكتاب والسنة، فان مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفى الكيفية والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، وإنما القصد في سلوك الطريقة المستقيمة بين الأمرين ودين الله تعالى بين الغالي فيه والجافي والمقصر عنه)[19] اهـ.
وقوله "وحققها قوم" أي أثبتوا لها حقائق صفات المخلوقين، وهم المشبهة الذين يشبهون صفات الله بصفات خلقه.


~ الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده (395 هـ)
قال في التوحيد: (وذلك أن الله تعالى امتدح نفسه بصفاته تعالى، ودعا عباده إلى مدحه بذلك وصدق به المصطفى r، وبين مراد الله عز وجل فيما أظهر لعباده من ذكر نفسه وأسمائه وصفاته، وكان ذلك مفهوماً عند العرب غير محتاج إلى تأويلها)[20] اهـ.

~ القاضي عبد الوهاب بن نصر البغدادي المالكي (422 هـ)
قال في شرح قول ابن أبي زيد القيرواني "وأن الله يجيء يوم القيامة والملك صفاً صفا" : (وهذا لقوله عز وجل {وجاء ربك والملك صفاً صفا} الفجر22، فأثبت نفسه جائياً، ولا معنى لقول من يقول: إن المراد به: جاء أمر ربك، لأن ذلك إضمار في الخطاب يزيله عن مفهومه، ويحيله عن ظاهره، لا حاجة بنا إليه ..)[21] اهـ.

~ الشيخ الإمام الحافظ أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجزي (444 هـ)
قال في رسالته إلى أهل زبيد: (الواجب أن يعلم أن الله تعالى إذا وصف نفسه بصفة هي معقولة عند العرب، والخطاب ورد بها عليهم بما يتعارفون بينهم، ولم يبين سبحانه أنها بخلاف ما يعقلونه، ولا فسرها النبي r لما أداها بتفسير يخالف الظاهر فهي على ما يعقلونه ويتعارفونه)[22] اهـ.
وقال أيضاً: (وقد اتفقت الأئمة على أن الصفات لا تؤخذ إلا توقيفاً، وكذلك شرحها لا يجوز إلا بتوقيف. فقول المتكلمين في نفي الصفات، أو إثباتها بمجرد العقل، أو حملها على تأويل مخالف للظاهر ضلال ... )[23] اهـ.



~ شيخ الإسلام الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (449 هـ)
قال: (وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع، والبصر، والعين، والوجه، والعلم، والقوة، والقدرة، والعزة، والعظمة، والإرادة، والمشيئة، والقول، والكلام، والرضا، والسخط، والحياة، واليقظة، والفرح، والضحك، وغيرها، من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله r من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه، ولا تكييف له ولا تشبيه، ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب، وتضعه عليه، بتأويل منكر، ويجرونه على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله)[24] اهـ.
وقال في إثبات علو الله تعالى واستواءه على عرشه بعد أن ساق الأدلة: (وعلماء الأمة وأعيان السلف رحمهم الله لم يختلفوا في أن الله على عرشه، وعرشه فوق سماواته، يثبتون من ذلك ما أثبته الله تعالى، ويؤمنون به ويصدقون الرب جل جلاله في خبره، ويطلقون ما أطلقه سبحانه وتعالى من استوائه على العرش، ويمرونه على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله)[25] اهـ.
وقال في إثبات صفة النزول لله تعالى: (ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب سبحانه وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، من غير تشبيه له بنزول المخلوقين، ولا تمثيل ولا تكييف بل يثبتون ما أثبته رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينتهون فيه إليه، ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله)[26] اهـ.
وقد سبق بيان معنى قوله "ويكلون علمه إلى الله" أن المراد به كنه الصفات وحقيقة ما هي عليه، بدليل قوله (ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب وتضعه عليه، بتأويل منكر) فدل على أن اللفظ يحمل على ظاهره المعروف في اللغة، وعلى حقيقته اللائقة بالله تعالى.
~ القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء (458 هـ)
قال في "إبطال التأويلات": (واعلم أنه لا يجوز رد الأخبار على ما ذهب إليه جماعة من المعتزلة، ولا التشاغل بتأويلها على ما ذهب إليه الأشعرية. والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا نعتقد التشبيه فيها، لكن على ما روي عن شيخنا وإمامنا أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل وغيره من أئمة أصحاب الحديث أنهم قالوا في هذه الأخبار: أمروها كما جاءت، فحملوها على ظاهرها في أنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين)[27] اهـ.
وقال في موضع آخر في سياق أدلة بطلان تأويل الصفات: (دليل آخر على إبطال التأويل: أن الصحابة ومن بعدهم من التابعين حملوها على ظاهرها، ولم يتعرضوا لتأويلها، ولا صرفها عن ظاهرها)[28] اهـ.

~ الحافظ أحمد بن علي بن ثابت أبو بكر الخطيب البغدادي (463 هـ)
قال: (أما الكلام في الصفات فأما ما روي منها في السنن الصحاح فمذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها ونفي الكيفية والتشبيه عنها)[29] اهـ.

~ الإمام العلامة حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر الأندلسي القرطبي المالكي (463 هـ)
قال: (ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله عز وجل إلى الأشهر والأظهر من وجوهه، ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات، وجل الله عز وجل عن أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم وهو العلو والارتفاع على الشيء

شيخ الإسلام الحافظ أبو إسماعيل عبدالله بن محمد الأنصاري الهروي (481 هـ)
قال في "منازل السائرين" في منزلة "تعظيم حرمات الله": (الدرجة الثانية: إجراء الخبر على ظاهره. وهو أن تبقى أعلام توحيد العامة الخبرية على ظواهرها. ولا يتحمل البحث عنها تعسفاً، ولا يتكلف لها تأويلاً، ولا يتجاوز ظاهرها تمثيلاً، ولا يدّعي عليها إدراكاً أو توهماً)[31] اهـ.

~ الإمام محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الشافعي (516 هـ)
قال في "شرح السنة" بعد أن ساق أحاديث الأصابع لله عز وجل: (والإصبع المذكورة في الحديث صفة من صفات الله عز وجل، وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل في صفات الله تعالى، كالنفس، والوجه، واليدين، والعين، والرجل، والإتيان، والمجيء، والنزول إلى السماء الدنيا، والاستواء على العرش، والضحك والفرح –ثم ساق الأدلة عليها ثم قال: فهذه ونظائرها صفات لله تعالى، ورد بها السمع، يجب الإيمان بها، وإمرارها على ظاهرها، معرضاً عن التأويل، مجتنباً عن التشبيه، معتقداً أن الباري سبحانه وتعالى لا يشبه شيء من صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق، قال الله سبحانه وتعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11، وعلى هذا مضى سلف الأمة، وعلماء السنة، تلقوها جميعاً بالقبول والتسليم، وتجنبوا فيها عن التمثيل والتأويل، ووكلوا العلم فيها إلى الله عز وجل – ثم ساق آثار السلف)[32] اهـ.

~ الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الطلحي الأصبهاني (535 هـ)
قال: (مذهب مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وأحمد ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وإسحاق بن راهويه: أن صفات الله التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله من السمع والبصر والوجه واليدين وسائر أوصافه إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور، من غير كيف يتوهم فيها، ولا تشبيه ولا تأويل، قال ابن عيينة: كل شيء وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره) ثم قال: (أي هو هو على ظاهره لا يجوز صرفه إلى المجاز بنوع من التأويل)[33] اهـ.
وقال أيضاً: (الكلام في صفات الله عز وجل ما جاء منها في كتاب الله، أو روي بالأسانيد الصحيحة عن رسول الله r، فمذهب السلف رحمة الله عليهم أجمعين إثباتها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية عنها)[34] اهـ.
وقال نقلاً عن بعض السلف: (قال بعض علماء أهل السنة: ويجب الإيمان بصفات الله تعالى كقوله عز وجل {الرحمن على العرش استوى} طه5، وقوله {لما خلقت بيدي} ص75، وقوله {تجري بأعيينا} القمر14، وقوله {أن غضب الله عليه} النور9، وقوله {رضي الله عنهم} المائدة119.
وقول النبي r :"ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا" رواه ثلاثة وعشرون من الصحابة، سبعة عشر رجلاً وست نساء.
فهذا وأمثاله مما صح نقله عن رسول الله r ، فإن مذهبنا فيه ومذهب السلف إثباته وإجراؤه على ظاهره، ونفي الكيفية والتشبيه عنه، وقد نفى قوم الصفات فأبطلوا ما أثبته الله تعالى، وتأولها قوم على خلاف الظاهر فخرجوا من ذلك إلى ضرب من التعطيل والتشبيه، والقصد إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين، لأن دين الله تعالى بين الغالي والمقصر فيه)[35] اهـ.

~ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي (620 هـ)
ذكر في "لمعة الاعتقاد" جملة من صفات الله الواردة في الكتاب والسنة مثل الوجه، والنفس، والإتيان، والرضى، والمحبة، والغضب، والنزول، والضحك، ثم قال: (فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعدلت رواته ، نؤمن به، ولا نرده ولا نجحده، ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، ولا نشبهه بصفات المخلوقين، ولا بسمات المحدثين، ونعلم أن الله سبحانه وتعالى لا شبيه له ولا نظير { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } الشورى11، وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه )[36] اهـ.
وقال في "ذم التأويل" : (ومذهب السلف رحمة الله عليهم: الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصف بها نفسه في آياته وتنزيله، أو على لسان رسوله من غير زيادة عليها ولا نقص منها، ولا تجاوز لها ولا تفسير لها، ولا تأويل لها بما يخالف ظاهرها، ولا تشبيه بصفات المخلوقين، ولا سمات المحدثين، بل أمرُّوها كما جاءت، وردوا علمها إلى قائلها ومعناها إلى المتكلم بها)[37] اهـ.
وقوله برد علمها إلى قائلها، المراد به حقيقة ما هي عليه وكيفيتها، يبينه كلامه في مواضع كثيرة من إثبات الصفات، وتأليفه كتاب العلو الذي بين فيه أن استواء الله على عرشه هو علوه عليه وارتفاعه، كما أن منعه من تأويلها بخلاف ظاهرها يدل على التأويل المقبول فيها هو ما وافق ظاهرها.

~ الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (748 هـ)
قال: (السؤال عن النزول ما هو؟ عي، لأنه إنما يكون السؤال عن كلمة غريبة في اللغة، وإلا فالنزول، والكلام، والسمع، والبصر، والعلم، والاستواء، عبارات جلية واضحة للسامع، فإذا اتصف بها من ليس كمثله شيء فالصفة تابعة للموصوف، وكيفية ذلك مجهولة عند البشر)[38] اهـ.
وقال: (المتأخرون من أهل النظر قالوا مقالة مولدة ما علمت أحدا سبقهم بها قالوا هذه الصفات تمر كما جاءت ولا تأول مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد فتفرع من هذا أن الظاهر يعني به أمران:
أحدهما: أنه لا تأويل لها غير دلالة الخطاب، كما قال السلف: الاستواء معلوم، وكما قال سفيان وغيره: قراءتها تفسيرها، يعني أنها بينة واضحة في اللغة، لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف، وهذا هو مذهب السلف، مع اتفاقهم أيضاً أنها لا تشبه صفات البشر بوجه، إذ الباري لا مثل له لا في ذاته، ولا في صفاته.
الثاني: أن ظاهرها هو الذي يتشكل في الخيال من الصفة، كما يتشكل في الذهن من وصف البشر، فهذا غير مراد، فإن الله تعالى فرد صمد، ليس له نظير، وإن تعددت صفاته فإنها حق، ولكن ما لها مثل ولا نظير)[39] اهـ.
وقال في السير في ترجمة ابن عقيل : (قد صار الظاهر اليوم ظاهرين: أحدهما حق، والثاني باطل:
فالحق: أن يقول إنه سميع بصير مريد متكلم حي، كل شيء هالك إلا وجهه، خلق آدم بيده، وكلم موسى تكليماً، واتخذ إبراهيم عليم خليلاً، وأمثال ذلك، فنمره على ما جاء، ونفهم منه دلالة الخطاب كما يليق به تعالى، ولا نقول له تأويل يخالف ذلك.
والظاهر الآخر: وهو الباطل والضلال أن تعتقد قياس الغائب على الشاهد، وتمثل البارئ بخلقه تعالى الله عن ذلك، بل صفاته كذاته، فلا عدل له ولا ضد له ولا نظير له ولا مثل له ولا شبيه له، وليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته وهذا أمر يستوي فيه الفقيه والعامي والله أعلم)[40] اهـ.
وقوله عن أحاديث الصفات "فنمره على ما جاء، ونفهم منه دلالة الخطاب كما يليق به تعالى"، يفسر لنا مراد السلف بقولهم عن أحاديث الصفات: "أمروها كما جاءت"، كما سبق أن قررناه، وهو إثبات معناه على ما دل عليه ظاهر لفظه، من غير تعرض له بتأويل ولا تمثيل.
~ الملا علي بن سلطان محمد القاري الحنفي (1014 هـ)
قال في شرح الفقه الأكبر: (إن الغضب والرضى الذي يوصف الله به مخالف لما يوصف به العبد، وإن كان كل منهما حقيقة ... فإن صرف القرآن عن ظاهره وحقيقته بغير موجب حرام ...)[41] اهـ.

~ العلامة أبو الفضل شهاب الدين محمود الألوسي (1207 هـ)
قال في "غرائب الاغتراب": (فقلت: يا مولاي يشهد لحقية مذهب السلف في المتشابهات، وهو إجراؤها على ظواهرها مع التنزيه {ليس كمثله شيء}: إجماع القرون الثلاثة الذين شهد بخيرتهم خير البشر r...- إلى أن قال: أن في المتشابهات ثلاثة مذاهب: ... فذكر الأول والثاني ثم قال:
الثالث: الإبقاء على الظاهر مع نفي اللوازم، وهو معنى قول بعضهم: القول بالظاهر مع اعتقاد التنزيه، وأن ليس كمثله عز وجل شيء، فيقال في ذاك المراد ظاهره مع نفي لوازمه الدالة على الجسمية، ويرجع ذلك إلى دعوى أنها لوازم لاستواء الخلق لا لاستواء الخالق أيضاً، وهو نظير قول الأشاعرة والماتريدية في رؤية الله تعالى في الآخرة، فإنها تكون مع نفي لوازمها من المقالة والجسمية ونحوهما مما هو من لوازم الرؤية في الشاهد ..)[42] اهـ.

فرع: في تقرير كون صفات الله على ظاهرها من كلام أبي الحسن الأشعري
قال: (مسألة :
فإن قالوا إذا أثبتم لله عز وجل يدين لقوله تعالى: {لما خلقت بيدي} ص75، فلم لا أثبتم له أيدي لقوله تعالى: {مما عملت أيدينا} يس71؟
قيل لهم : قد أجمعوا على بطلان قول من أثبت لله أيدي فلما أجمعوا على بطلان قول من قال ذلك وجب أن يكون الله تعالى ذكر أيدي ورجع إلى إثبات يدين لأن الدليل عنده دل على صحة الإجماع وإذا كان الإجماع صحيحاً وجب أن يرجع من قوله أيدي إلى يدين لأن القرآن على ظاهره ولا يزول عن ظاهره إلا بحجة فوجدنا حجة أزلنا بها ذكر الأيدي عن الظاهر إلى ظاهر آخر ووجب أن يكون الظاهر الآخر على حقيقته لا يزول عنها إلا بحجة) ... إلى قوله : (حكم كلام الله تعالى أن يكون على ظاهره وحقيقته ولا يخرج الشيء عن ظاهره إلى المجاز إلا بحجة )[43] اهـ.

خلاصة الفصل:
أولاً: بهذا يتبين أن مذهب السلف هو إجراء النصوص على ظواهرها، وإمرارها كما جاءت، وأنها ألفاظ دالة على معان.
ثانياً: أن أبا الحسن الأشعري موافق للسلف في هذا الأصل العظيم، ويلزم من هذا أن يوافقه المنتسبون له فيه، وإلا كان انتسابهم إليه مجرد دعوى.
ثالثاً: ويتبين أيضاً جهل الأشعريّيْن بمذهب السلف، حيث حكما على السلف بأنهم مشبهة.
فقالا (ص118): (وبهذا يُعلم أن من قال بظواهر هذه النصوص قد خالف السلف والخلف، وأتى بقول مبتدع ليس له نصيب من الحق، إذ ليس في هذه المسألة إلا التفويض والتأويل) اهـ.
وقالا (ص197): (فنهاهم علماء السلف عن الاستفسار عن معانيها بقولهم "بلا كيف" وألزموهم تنزيه الله عن ظاهرها ثم السكوت) اهـ.
وقالا (ص203): (ونحن نتساءل بعجب .... ونقول: وهل بين التكييف والقول بظواهر هذه النصوص فرق؟!!) اهـ.
ولعل من الأسباب التي جعلتهما يقولان مثل هذا الكلام أمران:
الأول: جهلهما بكلام السلف، وعدم اطلاعهما عليه.
الثاني: ظنهما أن المراد بظاهر النصوص، هو ما يفهم من صفة المخلوق، وهذا جهل عظيم، وخطأ محض. ويكفينا ما قاله الذهبي في حق من يفهم من ظاهر النصوص مثل هذا.
قال: (فإن كان في بعض جهلة الأغبياء من يفهم من الاستواء ما يوجب نقصاً أو قياساً للشاهد على الغائب، وللمخلوق على الخالق، فهذا نادر، فمن نطق بذلك زُجر وعُلم، وما أظن أن أحداً من العامة يقر في نفسه ذلك، والله أعلم)[44] اهـ.
وانظر ما سبق نقله في هذا الفصل من كلامه أيضاً في معنى الظاهر، فإنه كاف شاف.
ومما يؤكد هذا الأمر ويزيده وضوحاً إجماعهم على تحريم التأويل، وصرف الكلام عن حقيقته وظاهره وهو الفصل الرابع.

عبدالله الأحد
2015-05-26, 03:20 PM
في إثبات أن صفات الله الواردة في الكتاب والسنة على الحقيقة لا على المجاز

[أساس دعوة الرسل: التعريف بالمعبود]
إن أساس دعوة الرسل هو التعريف بالمعبود سبحانه، ومعرفته تبارك وتعالى إنما تكون بمعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله، التي تنبني عليها جميع المطالب الشرعية والمقامات السنية من حب المعبود ورجائه وتعظيمه وتمجيده، ولذلك فقد تنوعت الأدلة في بيان ما اتصف به المعبود سبحانه من جميل النعوت والصفات، وعظيم الفعال.
ولما كان هذا الأمر هو محور دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، صار أظهر شيء في كتاب الله، وأعظمه بياناً، وأحسنه كلاماً هو ما يتعلق بهذا الباب العظيم.
والله عز وجل قد امتن على عباده بما أنزله عليهم من القرآن العظيم الذي جعله حجة على عباده، وآية على صدق دعوة نبيه، وهدى للناس في كل زمان ومكان، فأوضحه الله عز وجل أعظم توضيح ويسره للتدبر والتذكر، وتعرف به إلى عباده.
قال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }القمر17
وقال جل وعلا واصفاً كتابه: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }الزخرف3.
وبين الله عز وجل أنه أنزل كتابه باللسان العربي الواضح، ليُفهم عنه فقال {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ . َنزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ . بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ }الشعراء195.
وبين ربنا تبارك وتعالى أنه أرسل الرسل ليبينوا للناس، لا ليُلغزوا ويوهموا.
فقال تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }النساء26
وقال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }إبراهيم4
وقال: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }النحل44
ومن المحال أن يكون القرآن موصوفاً بكونه مُبيناً، ثم يكون أعظم ما فيه وهو صفة الله عز وجل ونعته سبحانه خافياً لا يُهتدى إليه إلا بالتكلفات والتأويلات المخرجة له عن حقيقته. بل لا بد أن يكون واضحاً بيناً يسهل الاهتداء إليه، وفهم معناه.
[الأصل في الكلام: الحقيقة]
ولا ريب أن الأصل في كلام الناس أن يُحمل على الحقيقة لا على المجاز، وهذا مع اختلاف نواياهم ومقاصدهم، فكيف بكلام الرب تبارك وتعالى الذي أراد به التعريف بنفسه، وبيان عظيم وصفه لتألهه القلوب وتتعلق به رباً وإلهاً.
[الخطاب نوعان]
والخطاب لا يخرج عن نوعين:
خطاب يُقصد به التعمية على السامع والإلغاز. وهذا ينزه عنه كلام الله تعالى.
وخطاب يُقصد به البيان والهدى والإرشاد. وهذا الذي وصف الله به كتابه وكلامه كما مر معنا في الآيات السابقة. فإذا أطلق الله لفظاً أو أطلق رسوله r لفظاً له معنى ظاهر بوضع اللغة، ولم يقرن به ما يدل على خلاف ظاهره وعدم إرادة ذلك المعنى، كان ذلك دالاً على أن المراد به حقيقته، وإلا لم يكن كلام الله مبيّناً، ولا مُبيناً.
[الطرق التي يُعرف بها مراد المتكلم]
وهذا هو أحد الطرق التي يُعرف بها مراد المتكلم. والطريق الآخر أن يُصرّح بإرادة ذلك المعنى.
[عدم تنازع الصحابة في الصفات]
ولذلك لم تختلف كلمة الصحابة قط في صفة من صفات الله عز وجل ولا في فعل من أفعاله، ولم يتنازعوا في تأويل آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد، فكانت كلمتهم وكلمة من بعدهم من التابعين متفقة على إقرارها كما جاءت وإثبات حقائقها لله تعالى على الوجه اللائق به من غير تمثيل لها بصفات المخلوقين، مع كونهم قد اختلفوا في بعض آيات الأحكام.
ولم يرد عن النبي r ولا عن أصحابه ولا عن التابعين ولا أتباعهم حرف واحد في أن صفات الله عز وجل لا يراد بها الحقيقة. بل كلامهم إما نص، وإما ظاهر: في أن صفات الله على الحقيقة، مع نفي التمثيل والتكييف.
ولهذا، عجز الأشعريان أن ينقلا حرفاً واحداً عن السلف في أن المراد بالصفات أو بعضها المجاز لا الحقيقة.
وإليك بعض الأدلة من الكتاب والسنة ومن أقوال سلف الأمة الدالة على كون صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنة هي على الحقيقة لا على المجاز:

أما الكتاب فمع ما سبق ذكره في أول الفصل.
قال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }الزخرف3
وأما من السنة:
(1) فعن أبي يونس سليم بن جبير مولى أبي هريرة قال: سمعت أبا هريرة t يقرأ هذه الآية {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} إلى قوله تعالى{سميعا بصيرا} النساء85، قال: (رأيت رسول الله r يضع إبهامه على أذنه، والتي تليها على عينه. قال أبو هريرة t: رأيت رسول الله r يقرؤها ويضع إصبعيه)[4]. قال ابن يونس: قال المقرئ: يعني إن الله سميع بصير، يعني أن لله سمعاً وبصراً. قال أبو داود : وهذا رد على الجهمية.
وفي هذا الحديث تحقيق لصفتي السمع والبصر لله عز وجل، وأن الصفة الواردة في الآية إنما هي على الحقيقة، التي هي في الإنسان في العين والأذن، وليس المراد بهذا تشبيه صفة الله بصفة المخلوق، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا. فقد قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السميع البصير} الشورى11. فأثبت لنفسه السمع والبصر، ونفى مماثلته للمخلوقات.
(2) وعن عبيد الله بن مقسم: أنه نظر إلى عبد الله بن عمر t كيف يحكي رسول الله r قال: (يأخذ الله عز وجل سماواته وأرضيه بيديه، فيقول: أنا الله، ويقبض أصابعه ويبسطها، أنا الملك، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني لأقول أساقط هو برسول الله r )[5].
وفيه تحقيق القبض والبسط من صفة الله تعالى، وأنها على حقيقتها من غير مماثلة لصفة المخلوق.
(3) وفي الحديث الطويل في ذكر آخر أهل الجنة دخولاً عن عبد الله بن مسعود t عن النبي r أنه قال في آخره: (فيقول –أي العبد-: يا رب أدخلني الجنة، قال: فيقول عز وجل ما يصريني[6] منك أي عبدي، أيرضيك أن أعطيك من الجنة الدنيا ومثلها معها، قال: فيقول أتهزأ بي وأنت رب العزة، قال –الراوي-: فضحك عبد الله حتى بدت نواجذه، ثم قال: ألا تسألوني لم ضحكت؟ قالوا له: لم ضحكت؟ قال: لضحك رسول الله r، ثم قال لنا رسول الله r: ألا تسألوني لم ضحكت؟ قالوا: لم ضحكت يا رسول الله؟ قال: لضحك الرب حين قال أتهزأ بي وأنت رب العزة)[7].
وفيه تحقيق الضحك لله تعالى.
(4) وعن جابر t قال: كان رسول الله r يكثر أن يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»، فقال له بعض الصحابة: أتخاف علينا وقد آمنا بك وبما جئت به؟ فقال: «إن القلب بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل يقول بهما هكذا» وحرك أبو أحمد إصبعه[8].
قلت: وأبو أحمد: هو الإمام الثقة الثبت محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي الزبيري الكوفي (ت 203هـ). وهو راو الحديث عن سفيان الثوري.
وفيه تحقيق الأصابع لله تعالى.

(5) وعن حماد بن سلمة قال: ثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك t عن النبي r في قوله تعالى: {فلما تجلى ربه للجبل}الأعراف 143، قال: قال هكذا، يعني أنه أخرج طرف الخنصر، قال أبي: أرانا معاذ قال: فقال له حميد الطويل: ما تريد إلى هذا يا أبا محمد –أي ثابت البناني-؟ قال: فضرب صدره ضربة شديدة، وقال: من أنت يا حميد؟ وما أنت يا حميد؟ يحدثني به أنس بن مالك عن النبي r فتقول: أنت ما تريد إليه[9].
(6) وعن ابن عباس t قال: مر يهودي بالنبي r فقال له النبي r: يا يهودي حدثنا. فقال: كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السماوات على ذه، والأرض على ذه، والماء على ذه، والجبال على ذه، وسائر الخلق على ذه، وأشار أبو جعفر محمد بن الصلت بخنصره أولاً، ثم تابع حتى بلغ الإبهام فأنزل الله:{وما قدروا الله حق قدره}الزمر 67[10]. قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح.
وقال عبد الله في "السنة": سمعت أبي رحمه الله يقول: ثنا يحيى بن سعيد بحديث سفيان عن الأعمش عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله عن النبي r: «أن الله يمسك السماوات على أصبع» قال أبي رحمه الله : جعل يحيى يشير بأصابعه وأراني أبي كيف جعل يشير بأصبعه يضع أصبعاً أصبعاً حتى أتى على آخرها[11].
وفيهما تحقيق الأصابع لله تعالى، وأنها على الحقيقة، مع مباينتها لأصابع المخلوق.
(7) وعن الحارث بن سويد قال: دخلت على عبد الله أعوده وهو مريض فحدثنا بحديثين حديثاً عن نفسه، وحديثاً عن رسول الله r قال: سمعت رسول الله r يقول: (لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دوية مهلكة، معه راحلته عليها طعامه وشرابه فنام، فاستيقظ وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحاً بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته)[12].
وفيه تحقيق صفة الفرح لله تعالى، وأنه على الحقيقة.
(8) وعن أبي رزين r قال: قال رسول الله r: (ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَرِه[13]. قال: قلت: يا رسول الله أويضحك الرب؟ قال: نعم. قلت: لن نُعدم من رب يضحك خيراً)[14].
وفيه أن الصحابي فهم صفة الضحك لله تعالى على الحقيقة، وأنها تستلزم الخير والرحمة.
(9) وعن جابر t في حديث حجة النبي r الطويل وفيه أن النبي r قال في خطبة عرفة: (وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات)[15].
وفي الحديث تحقيق علو الله تعالى بالإشارة إليه في السماء.
الآثار الواردة عن السلف في كون صفات الله محمولة على الحقيقة:
هذه بعض أقوال أئمة السنة على أن صفات الله تعالى على الحقيقة لا على المجاز، وكلامهم هنا ما بين نصٍّ وظاهر:

~ الفاروق عمر بن الخطاب t
قال قيس بن أبي حازم: (لما قدم عمر t الشام استقبله الناس وهو على بعيره، فقالوا: يا أمير المؤمنين لو ركبت برذوناً تلقاك عظماء الناس ووجوههم، فقال عمر: لا أراكم ههنا، إنما الأمر من ههنا وأشار بيده إلى السماء، خلوا سبيل جملي)[16].
وفيه تحقيق علو الله تعالى وأنه في السماء، وفيه جواز الإشارة إليه في السماء.

~ ترجمان القرآن عبد الله بن عباس t
عن عطاء: عن ابن عباس t في قوله عز وجل {تجري بأعيننا} القمر14، قال: أشار بيده إلى عينيه[17].
وهذا تحقيق لصفة العين لله تعالى.

~ الإمام التابعي ربيعة بن عمرو الخرشي (64هـ)
قال في قول الله تعالى: {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه} الزمر67، قال: (ويده الأخرى خلو ليس فيها شيء)[18].
وهذا ظاهر في إثبات حقيقة اليد لله، وأنها ليست النعمة أو القدرة.


~ الإمام التابعي حكيم بن جابر بن طارق بن عوف الأحمسي (82 هـ)
قال: (إن الله تبارك وتعالى لم يمس بيده من خلقه غير ثلاثة أشياء خلق الجنة بيده ثم جعل ترابها الورس والزعفران وجبالها المسك وخلق آدم بيده وكتب التوراة لموسى)[19].
وفيه تحقيق صفة اليد التي من شأنها المسيس.

~ زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (93 هـ)
قال مستقيم: قال كنا عند علي بن حسين ،قال: فكان يأتيه السائل، قال: فيقوم حتى يناوله، ويقول: إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل، قال: وأومأ بكفيه)[20].
وفيه تحقيق صفة اليد لله تعالى.

~ التابعي العابد خالد بن معدان الكلاعي الحمصي (103 هـ)
قال: (إن الله عز وجل لم يمس بيده إلا آدم صلوات الله عليه خلقه بيده، والجنة، والتوراة كتبها بيده)[21].

~ عكرمة أبو عبد الله مولى بن عباس (104 هـ)
قال: (إن الله عز وجل لم يمس بيده شيئا إلا ثلاثا : خلق آدم بيده ، وغرس الجنة بيده ، وكتب التوراة بيده)[22].

~ الإمام التابعي عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة (117 هـ)
قال نافع بن عمر الجمحي: (سألت ابن أبي مليكة عن يد الله: أواحدة أو اثنتان؟ قال: بل اثنتان)[23].
وفيه إثبات حقيقة اليد لله عز وجل، وإبطال حملها على المجاز والقول بأنها النعمة أو القدرة.

~ الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت (150 هـ)
قال: (لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوقين، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف، وهو قول أهل السنة والجماعة، وهو يغضب ويرضى ولا يقال: غضبه عقوبته، ورضاه ثوابه. ونصفه كما وصف نفسه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، حي قادر سميع بصير عالم، يد الله فوق أيديهم، ليست كأيدي خلقه، ووجهه ليس كوجوه خلقه)[24] اهـ.
وقال أيضاً: (وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن، من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: يده قدرته أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال)[25] اهـ.
وقال أيضاً في إثبات النزول لله: (ينزل بلا كيف)[26] اهـ.
وفيه إثبات أن الرضى والوجه واليد ونحوها صفات لله تعالى غير مؤولة.

~ عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون (164 هـ)
قال بعدما ذكر جملة من صفات الله تعالى: (إلى أشباه هذا مما لا نحصيه، وقال تعالى {وهو السميع البصير} الشورى11، و{اصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} الطور 48، وقال تعالى {ولتصنع على عيني} طه 39، وقال تعالى {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} ص75، وقال تعالى {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} الزمر67، فوالله ما دلهم على عظم ما وصفه من نفسه، وما تحيط به قبضته، إلا صغر نظيرها منهم عندهم)[27] اهـ.
فقوله "فوالله ما دلهم على عظم ما وصفه من نفسه، وما تحيط به قبضته، إلا صغر نظيرها منهم عندهم" صريح في أن ما أثبته الله تعالى لنفسه من الصفات حق على حقيقته، وأن أصل ما وُصف به ربنا من الصفات هو نظير ما وصف به المخلوق في أصل معنى الصفة لا في الحقيقة.

عبدالله الأحد
2015-05-26, 03:25 PM
~ الإمام حماد بن زيد (179 هـ)
سأل بشر بن السري حماد بن زيد فقال: يا أبا إسماعيل الحديث الذي جاء: "ينزل الله عز وجل إلى السماء الدنيا" قال: (حق، كل ذلك كيف شاء الله)[28] اهـ.
وقوله "حق" ظاهر في إثبات حقيقته، لأنه سؤال عن إمرار ما دل عليه ظاهره وإثباته صفة لله، لا عن ثبوته في نفس الأمر، وإلا لكان الجواب: هو صحيح، ونحو ذلك. كما أن قوله "كيف شاء الله" دال أيضاً على أن نزول الرب على حقيقته لغة، إلا أننا لا نعلم كيفيته. ولو لم يكن على حقيقته لما قال "كيف شاء الله". بل يقول: هو نزول أمره، أو رحمته.
وقال أيضاً: (مثل الجهمية مثل رجل قيل له: في دارك نخلة؟ قال : نعم. قيل: فلها خوص؟ قال: لا. قيل: فلها سعف؟ قال: لا. قيل: فلها كرب؟ قال: لا. قيل: فلها جذع؟ قال: لا. قيل: فلها أصل؟ قل: لا. قيل: فلا نخلة في دارك.
هؤلاء الجهمية قيل لهم: لكم رب يتكلم؟ قالوا: لا. قيل: فله يد؟ قالوا: لا. قيل: فيرضى ويغضب؟ قالوا: لا. قيل: فلا رب لكم)[29] اهـ.

~ الفضيل بن عياض (187هـ)
قال الفضيل بن عياض: (وكل هذا النزول، والضحك، وهذه المباهاة، وهذا الإطلاع، كما يشاء أن ينزل، وكما يشاء أن يباهي، وكما يشاء أن يضحك، وكما يشاء أن يطلع، فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف، فاذا قال الجهمى: أنا أكفر برب يزول عن مكانه. فقل: بل أومن برب يفعل ما يشاء )[30] اهـ.
وفيه أن النزول على حقيقته في اللغة، إذ لو كان مجازاً ولم يكن صفة لله تعالى على الحقيقة، لما اعترض الجهمي على إثباته بكونه يستلزم الزوال الذي هو من لوازم حقيقة المخلوق، وهذا بظنهم الفاسد، وإلا فإنه لا يلزم في حق الخالق ما يلزم في حق المخلوق. وسيأتي تقرير هذا الأصل في الفصل السادس.

~ الإمام محمد بن إدريس الشافعي القرشى (204 هـ)
قال يونس بن عبد الأعلى المصري: سمعت أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي يقول وقد سئل عن صفات الله وما ينبغي أن يؤمن به فقال: (لله تبارك وتعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه r .... - إلى أن قال: ونحو ذلك أخبار الله سبحانه وتعالى إيانا أنه سميع، وأن له يدين بقوله {بل يداه مبسوطتان} المائدة64، وأن له يميناً بقوله {والسموات مطويات بيمينه}الزمر67، وأن له وجهاً ... – ثم ذكر صفة القدم، والضحك، والنزول، والعينين، والرؤية، والأصابع، ثم قال:
فإن هذه المعاني التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله r مما لا يُدرك حقيقته بالفكر والروية، فلا يكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها، فإن كان الوارد بذلك خبراً يقوم في الفهم مقام المشاهدة في السماع وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته، والشهادة عليه كما عاين وسمع من رسول الله r، ولكن يثبت هذه الصفات وينفي التشبيه، كما نفى ذلك عن نفسه تعالى ذكره فقال: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11)[31]اهـ.
فتأمل قوله: "وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته" أي حقيقة اتصاف الله به.
~ الإمام الحافظ يحيى بن معين (233 هـ)
قال يحيى بن معين: (إذا سمعت الجهمي يقول: أنا كفرت برب ينزل. فقل: أن أؤمن برب يفعل ما يريد)[32] اهـ.
فبين أن النزول فعل الرب، لا فعل ملك، ولا غيره.

~ إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (241 هـ)
قال حنبل بن إسحاق : (قلت لأبي عبد الله : ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا؟ قال: نعم. قلت: نزوله بعلمه أم بماذا؟ قال: فقال لي: اسكت عن هذا، وغضب غضباً شديداً، وقال: مالك ولهذا؟ أمض الحديث كما روي بلا كيف)[33] اهـ.
وقال حنبل: (سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تُروى أن الله سبحانه ينزل إلى سماء الدنيا، وأن الله يُرى، وأن الله يضع قدمه، وما أشبه هذه الأحاديث.
فقال أبو عبد الله: نؤمن بها ونصدق بها، ولا كيف ولا معنى، ولا نرد منها شيئاً، ونعلم أن ما جاء به رسول الله حق إذا كانت أسانيد صحاح، ولا نرد على الله قوله، ولا يوصف بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
وقال حنبل في موضع آخر عن أحمد: ليس كمثله شيء في ذاته كما وصف نفسه، قد أجمل الله الصفة فحد لنفسه صفة ليس يشبهه شيء، وصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف به نفسه. قال: فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير، ولا يبلغ الواصفون صفته، ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه، ولا نتعدى ذلك، ولا يبلغ صفته الواصفون، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته بشناعة شنعت، وما وصف به نفسه من كلام ونزول وخلوة بعبده يوم القيامة ووضعه كنفه عليه فهذا كله يدل على أن الله سبحانه وتعالى يرى في الآخرة)[34] اهـ.
ومراد الإمام أحمد بشناعة من شنع: الجهمية ومن شاكلهم من أصناف المعطلة الذي ينكرون حقائق الصفات لله تعالى، ويفهمون منها ما يُعلم من حقيقة صفة المخلوق، ويُلزمون صفة الله تعالى ما يَلزم من صفة المخلوق، وينسبون من أثبتها إلى التشبيه، فبين رحمه الله أن تشنيعهم هذا لا يمنع من إثباتها على حقيقتها اللائقة بالله تعالى، مع نفي مماثلتها لصفة المخلوق.
واستدلاله أيضاً رحمه الله بهذه الصفات على إثبات رؤية الله تعالى دال على أن الصفات حقيقة على ظاهرها، وإلا لو كانت مجازات لم يكن فيها دلالة على رؤية الله.
وقال أيضاً في إنكاره على من تأول الضحك لله بضحك الزرع: (قال المروذي: سألت أبا عبد الله عن عبد الله التيمي فقال: صدوق وقد كتبت عنه من الرقائق، ولكن حكي عنه أنه ذكر حديث الضحك فقال: مثل الزرع، وهذا كلام الجهمية)[35] اهـ.
وهذا صريح منه كما ترى في أن تأويل الصفات على هذا النحو هو قول الجهمية، وأن الصفة على حقيقتها، لا تطلب لها المعاني المجازية.
وقال يوسف بن موسى: (قيل لأبي عبد الله: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء من غير وصف؟ قال: نعم)[36] اهـ.
وهذا صريح أيضاً في إثبات النزول الحقيقي لله لا المجازي، كالقول بأنه نزول ملك أو نزول أمره. ولذلك قال عن نزوله (كيف شاء).
وقال في كتابه "الرد على الجهمية والزنادقة" في "باب بيان ما أنكرت الجهمية من أن يكون الله كلم موسى": (قال أحمد رضى الله عنه فلما خنقته الحجج قال: إن الله كلم موسى، إلا أن كلامه غيره. فقلنا: وغيره مخلوق؟ قال: نعم. فقلنا: هذا مثل قولكم الأول، إلا أنكم تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون. وحديث الزهري قال: "لما سمع موسى كلام ربه قال: يا رب هذا الذي سمعته هو كلامك؟ قال: نعم يا موسى هو كلامي، إنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان، ولي قوة الألسن كلها، وأنا أقوى من ذلك، وإنما كلمتك على قدر ما يطيق بدنك، ولو كلمتك بأكثر من ذلك لمت.
قال: فلما رجع موسى إلى قومه قالوا له: صف لنا كلام ربك؟ قال: سبحان الله وهل أستطيع أن أصفه لكم. قالوا: فشبِّهه؟ قال: هل سمعتم أصوات الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها فكأنه مثله[37])[38] اهـ.
وليس أبْيَنَ من هذا في أن الله يتكلم حقيقة بصوت عظيم لائق به لا يشبه أصوات الخلق.

~ الإمام إسماعيل بن يحيى المزني المصري الشافعي (264 هـ)
قال في "شرح السنة" له: (عالٍ على عرشه في مجده بذاته، وهو دانٍ بعلمه من خلقه .... إلى أن قال حاكياً الإجماع على هذا: هذه مقالات وأفعال اجتمع عليها الماضون الأولون من أئمة الهدى، وبتوفيق الله اعتصم بها التابعون قدوة ورضى ....)[39].
فتأمل حكايته الإجماع على أن الله عز وجل قد علا عرشه بذاته ونفسه، وهذا تحقيق لصفة الاستواء على العرش، وهو علوه عليه وارتفاعه.

~ الإمام الحافظ محمد بن عيسى الترمذي أبو عيسى (279 هـ)
قال في سننه في الصفات: (وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات، ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد تثبت الروايات في هذا ويُؤمن بها، ولا يُتوهم، ولا يُقال كيف؟ هكذا رُوي عن مالك، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمروها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات، وقالوا: هذا تشبيه)[40] اهـ.
ومعلوم أنه لو لم يُثبت السلف الصفات كالنزول وغيرها على الحقيقة، وأنها صفات الله، لم يكن لاتهام الجهمية لهم بالتشبيه معنى.

~ الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (280 هـ)
قال في "الرد على المريسي" في تحقيق نزول الله بنفسه: (فادعى المعارض أن الله لا ينزل بنفسه إنما ينزل أمره ورحمته ... إلى أن قال: وهذا أيضاً من حجج النساء والصبيان ومن ليس عنده بيان)[41] اهـ.
وقال في تحقيق صفة اليد لله عز وجل: (وإلا فمن ادعى أن الله لم يَلِ خلق شيء صغير أو كبير فقد كفر. غير أنه ولي خلق الأشياء بأمره، وقوله، وإرادته. وولي خلق آدم بيده مسيساً)[42] اهـ.
وهذا صريح في إثبات حقيقة اليد لله تعالى.
وقال في تحقيق إتيان الله بنفسه يوم القيامة: (وادعيت أيها المريسي في قول الله تعالى {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك} الأنعام158، وفي قوله {إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} البقرة210، فادعيت أن هذا ليس منه بإتيان لما أنه غير متحرك عندك، ولكن يأتي يوم القيامة بزعمك، وقوله {يأتيهم الله في ظلل من الغمام} البقرة210، ولا يأتي هو بنفسه)[43] اهـ.
وقال في الرد على تأويلات المريسي : (فيقال لك أيها المريسي المدعي في الظاهر لما أنت منتف في الباطن: قد قرأنا القرآن كما قرأت، وعقلنا عن الله أنه ليس كمثله شيء، وقد نفينا عن الله ما نفى عن نفسه، ووصفناه بما وصف به نفسه فلم نعده، وأبيت أن تصفه بما وصف به نفسه، ووصفته بخلاف ما وصف به نفسه.
أخبرنا الله في كتابه أنه ذو سمع، وبصر، ويدين، ووجه، ونفس، وكلام، وأنه فوق عرشه فوق سماواته، فآمنا بجميع ما وصف به نفسه كما وصفه بلا كيف. ونفيتها أنت عنه كلها أجمع بعمايات من الحجج، وتكييف، فادعيت أن وجهه: كله، وأنه لا يوصف بنفس، وأن سمعه: إدراك الصوت إياه، وأن بصره: مشاهدة الألوان كالجبال والحجارة والأصنام التي تنظر إليك بعيون لا تبصر، وأن يديه: رزقاه موسعه ومقتوره، وأن علمه وكلامه مخلوقان محدثان. وأن أسماءه مستعارة مخلوقة محدثة، وأن فوق العرش منه مثل ما هو أسفل سافلين، وأنه في صفاته كقول الناس في كذا وكقول العرب في كذا، تضرب له الأمثال تشبيهاً بغير شكلها، وتمثيلاً بغير مثلها، فأي تكييف أوحش من هذا إذا نفيت هذه الصفات وغيرها عن الله تعالى بهذه الأمثال والضلالات المضلات؟)[44] اهـ.
ما أروعه من كلام وأبينه من حجة في إثبات السلف للصفات حقيقة لا مجازاً.
وقال في تحقيق صفة الإتيان لله تعالى: (وأما ما ادعيت من انتقال مكان إلى مكان أن ذلك صفة المخلوقين، فإنا لا نكيف مجيئه وإتيانه أكثر مما وصف الناطق من كتابه، ثم ما وصف رسوله r)[45] اهـ.
وقال في تحقيق صفتي السمع والبصر: (وادعى المعارض أيضا أن المقري حدث عن حرملة بن عمران عن أبي موسى يونس عن أبي هريرة tعن النبي r أنه قرأ {سميعا بصيرا} النساء85، فوضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه، وقد عرفنا هذا من رواية المقري وغيره كما روى المعارض، غير أنه ادعى أن بعض كتبة الحديث ثبتوا به بصراً بعين كعين وسمعاً كسمع ، جارحاً مركباً. فيقال لهذا المعارض: أما دعواك عليهم أنهم ثبتوا له سمعاً وبصراً فقد صدقت، وأما دعواك عليهم أنه كعين وكسمع، فإنه كذب ادعيت عليهم لأنه ليس كمثله شيء ولا كصفاته صفة، وأما دعواك أنهم يقولون جارح مركب، فهذا كفر لا يقوله أحد من المسلمين، ولكنا نثبت له السمع والبصر والعين بلا تكييف، كما أثبته لنفسه فيما أنزل من كتابه، وأثبته له الرسول، وهذا الذي تكرره مرة بعد مرة جارح، وعضو، وما أشبهه، حشو وخرافات وتشنيع لا يقوله أحد من العالمين، وقد روينا روايات السمع والبصر والعين في صدر هذا الكتاب بأسانيدها وألفاظها عن رسول الله r فنقول كما قال، ونعني بها كما عنى، والتكييف عنا مرفوع، وذكر الجوارح والأعضاء تكلف منك وتشنيع)[46] اهـ.
وما أروع هذا البيان من هذا الإمام، وفيه أن ما يذكره المتكلمون من الألفاظ (كالجارح، والعضو، وغيرها) كلها حشو وخرافات أتت من ظنونهم الفاسدة ومنهجهم الباطل.
وقال في تحقيق صفة الضحك لله: (باب إثبات الضحك: ثم أنشأ المعارض أيضاً منكراً أن الله يضحك إلى شيء ضحكاً هو الضحك، طاعناً على الروايات التي نقلت عن رسول الله r يفسرها أقبح التفسير ويتأولها أقبح التأويل .. إلى أن قال: فالدليل من فعل الله أنه يضحك إلى قوم ويصرفه عن قوم أن ضحك الزرع مثل على المجاز، وضحك الله أصل وحقيقة للضحك، ويضحك كما يشاء، والزرع أبداً نضارته وخضرته التي سميته ضحكاً قائم أبداً حتى يستحصد، ....... إلى أن قال: ثم لم تأنف من هذا التأويل حتى ادعيت على قوم من أهل السنة أنهم يفسرون ضحك الله، على ما يعقلون من أنفسهم، وهذا كذب تدعيه عليهم، لأنا لم نسمع أحداً منهم يشبه شيئاً من أفعال الله تعالى بشيء من أفعال المخلوقين، ولكنا نقول هو نفس الضحك، يضحك كما يشاء وكما يليق به وتفسيرك هذا منبوذ في حشك)[47] اهـ.
وقال ناصاً على أن الصفات محمولة على الحقيقة لا المجاز: (ونحن قد عرفنا بحمد الله تعالى من لغات العرب هذه المجازات التي اتخذتموها دلسة وأغلوطة على الجهال، تنفون بها عن الله حقائق الصفات بعلل المجازات، غير أنا نقول لا يحكم للأغرب من كلام العرب على الأغلب، ولكن نصرف معانيها إلى الأغلب حتى تأتوا ببرهان أنه عنى بها الأغرب، وهذا هو المذهب الذي إلى العدل والإنصاف أقرب، لا أن تعترض صفات الله المعروفة المقبولة عند أهل البصر فنصرف معانيها بعلة المجازات..)[48] اهـ.
وبين أن الصفات على ظاهرها، وأنه لا يُحتاج معها إلى تفسير يخالفه، فقال بعد أن روى آيات وصف الله بالمحبة والرضا والسخط والكراهية: (فهذا الناطق من كتاب الله يُستغنى فيه بظاهر التنزيل عن التفسير وتعرفه العامة والخاصة غير هؤلاء الملحدين..)[49] اهـ.
وقال في الرد على الجهمية: (والآثار التي جاءت عن رسول الله r في نزول الرب تبارك وتعالى تدل على أن الله عز وجل فوق السماوات على عرشه بائن من خلقه)[50] اهـ.
وهذا تحقيق لصفة النزول والعلو، إذ استدل بصفة النزول على علوه تعالى، ولا يصح هذا الاستدلال إلا إذا كان النزول حقيقة وهو ما كان من علو. فتأمل.

~ الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (310 هـ)
قال بعد ذكره لجملة من صفات الله تعالى: (فإن قال لنا قائل: فما الصواب في معاني هذه الصفات التي ذكرت، وجاء ببعضها كتاب الله عز جل ووحيه، وجاء ببعضها رسول الله r. قيل: الصواب من هذا القول عندنا: أن نثبت حقائقها على ما نعرف من جهة الإثبات ونفي التشبيه، كما نفى عن نفسه جل ثناؤه فقال {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11، . ..) إلى أن قال: (فنثبت كل هذه المعاني التي ذكرنا أنها جاءت بها الأخبار والكتاب والتنزيل على ما يُعقل من حقيقة الإثبات، وننفي عنه التشبيه فنقول:
يسمع جل ثناؤه الأصوات، لا بخرق في أذن، ولا جارحة كجوارح بني آدم. وكذلك يبصر الأشخاص ببصر لا يشبه أبصار بني آدم التي هي جوارح لهم.
وله يدان ويمين وأصابع، وليست جارحة، ولكن يدان مبسوطتان بالنعم على الخلق، لا مقبوضتان عن الخير. ووجه لا كجوارح بني آدم التي من لحم ودم.
ونقول: يضحك إلى من شاء من خلقه. لا تقول: إن ذلك كشر عن أنياب.
وقال بعد أن أبطل تفسير المعطلة لمجيء الله: بمجيء أمره: (فإن قال لنا منهم قائل: فما أنت قائل في معنى ذلك؟
قيل له: معنى ذلك ما دل عليه ظاهر الخبر، وليس عندنا للخبر إلا التسليم والإيمان به، فنقول: يجيء ربنا جل جلاله يوم القيامة والملك صفاً صفاً، ويهبط إلى السماء الدنيا وينزل إليها في كل ليلة، ولا نقول: معنى ذلك ينزل أمره، بل نقول: أمره نازل إليها في كل لحظة وساعة، وإلى غيرها من جميع خلقه الموجودين ما دامت موجودة. ولا تخلو ساعة من أمره فلا وجه لخصوص نزول أمره إليها وقتاً دون وقت، ما دامت موجودة باقية.
وكالذي قلنا في هذه المعاني من القول: الصواب من القيل في كل ما ورد به الخبر في صفات الله عز وجل وأسمائه تعالى ذكره بنحو ما ذكرناه)[52] اهـ.

~ إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة (311 هـ)
قال في "كتاب التوحيد" في إثبات حقيقة الوجه لله: (ولما كان الوجه في تلك الآية مرفوعة، التي كانت صفة الوجه مرفوعة، فقال: {ذو الجلال والإكرام} الرحمن27، فتفهموا يا ذوي الحجا هذا البيان، الذي هو مفهومٌ في خطاب العرب، ولا تغالطوا فتتركوا سواء السبيل، وفي هاتين الآيتين دلالة أن وجه الله صفة من صفات الله، صفات الذات، لا أن وجه الله: هو الله، ولا أن وجهه غيره، كما زعمت المعطلة الجهمية، ...)[53] اهـ.
وقال في بيان حقيقة صفة اليدين: (الجهمية المعطلة جاهلون بالتشبيه نحن نقول: لله جل وعلا يدان كما أعلمنا الخالق البارئ في محكم تنزيله، وعلى لسان نبيه المصطفى r، ونقول: كلتا يدي ربنا عز وجل يمين، على ما أخبر النبي r، ونقول: إن الله عز وجل يقبض الأرض جميعاً بإحدى يديه، ويطوي السماء بيده الأخرى، وكلتا يديه يمين، لا شمال فيهما، ونقول: من كان من بني آدم سليم الأعضاء والأركان، مستوي التركيب، لا نقص في يديه، أقوى بني آدم، وأشدهم بطشاً له يدان عاجز عن أن يقبض على قدر أقل من شعرة واحدة، من جزء من أجزاء كثيرة، على أرض واحدة من سبع أرضين .... – إلى أن قال: فكيف يكون - يا ذوي الحجا - من وصف يد خالقه بما بينا من القوة والأيدي، ووصف يد المخلوقين بالضعف والعجز مشبهاً يد الخالق بيد المخلوقين؟ ...- إلى أن قال: نقول: لله يدان مبسوطتان، ينفق كيف يشاء، بهما خلق الله آدم عليه السلام، وبيده كتب التوراة لموسى عليه السلام، ويداه قديمتان لم تزالا باقيتين، وأيدي المخلوقين محدثة غير قديمة، فانية غير باقية، بالية تصير ميتة ، ثم رميماً ،ثم ينشئه الله خلقاً آخر تبارك الله أحسن الخالقين، فأي تشبيه يلزم أصحابنا - أيها العقلاء - إذا أثبتوا للخالق ما أثبته الخالق لنفسه، وأثبته له نبيه المصطفى r، ..)[54] اهـ.
فتأمل ذكره لما اتصفت به يد الله تعالى من الكمال والعظمة، مما تعجز عنه يد المخلوق، الأمر الذي ينبؤك أن صفة اليدين لله تعالى على الحقيقة لا على المجاز، كما هي في المخلوق حقيقة لا مجاز.
وقال في تحقيق صفة النزول لله بعد أن ذكر الأدلة من السنة: (وفي هذه الأخبار ما بان وثبت وصح : أن الله جل وعلا فوق سماء الدنيا، الذي أخبرنا نبينا r أنه ينزل إليه، إذ محال في لغة العرب أن يقول : نزل من أسفل إلى أعلى ، ومفهوم في الخطاب أن النزول من أعلى إلى أسفل)[55] اهـ.
وقال في تحقيق صفة الضحك: (باب ذكر إثبات ضحك ربنا عز وجل بلا صفة تصف ضحكه جل ثناؤه، لا ولا يُشبّه ضحكه بضحك المخلوقين، وضحكهم كذلك، بل نؤمن بأنه يضحك، كما أعلم النبي r ونسكت عن صفة ضحكه جل وعلا، إذ الله عز وجل استأثر بصفة ضحكه، لم يطلعنا على ذلك، فنحن قائلون بما قال النبي r مصدقون بذلك، بقلوبنا منصتون عما لم يبين لنا، مما استأثر الله بعلمه)[56] اهـ.

~ أبو أحمد محمد بن علي بن محمد الكرجي المعروف بالقصاب (360هـ)
قال في الاعتقاد القادري الذي كتبه لأمير المؤمنين القادر بأمر الله سنة 433 هـ ووقع على التصديق عليه علماء ذلك الوقت كالقاضي أبي يعلى وأبي الحسن القزويني وغيرهما من العلماء، وأرسلت هذه الرسالة القادرية إلى البلدان.
قال: (لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه، وكل صفة وصف بها نفسه، أو وصفه بها نبيه، فهي صفة حقيقية لا صفة مجاز، ولو كانت صفة مجاز لتحتم تأويلها، ولقيل: معنى البصر كذا، ومعنى السمع كذا، ولفسرت بغير السابق إلى الأفهام، فلما كان مذهب السلف إقرارها بلا تأويل علم أنها غير محمولة على المجاز، وإنما هي حق بيّن)[57] اهـ.
وقال ابن أبي يعلى في سياق معتقد والده في طبقات الحنابلة: (وما ذكرناه من الإيمان بأخبار الصفات من غير تعطيل، ولا تشبيه، ولا تفسير، ولا تأويل، هو قول السلف بدءاً وعوداً، وهو الذي ذكره أمير المؤمنين القادر رضوان الله عليه في الرسالة القادرية قال فيها: "وما وصف الله سبحانه به نفسه أو وصفه به رسول الله r: فهو صفات الله عز وجل على حقيقته لا على سبيل المجاز".
وعلى هذا الاعتقاد: جمع أمير المؤمنين القائم بأمر الله رضوان الله عليه من حضره مع الوالد السعيد –أي القاضي أبي يعلى- من علماء الوقت وزاهدهم: أبو الحسن القزويني سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة وأخذ خطوطهم باعتقاده)[58] اهـ.
فانظر إلى هذه العقيدة التي انتشرت في الآفاق، ووقع عليها العلماء، وقُرئت في المساجد والمدارس. وفيها التصريح بأن صفات الله تعالى على الحقيقة لا المجاز.

~ إمام أهل اللغة أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري الهروي (370 هـ)
قال عند قوله تعالى {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} البقرة210: (فالغمام معروف في كلام العرب، إلا أنا لا ندري كيف الغمام الذي يأتي الله عز وجل يوم القيامة في ظلل منه، فنحن نؤمن به ولا نكيّف صفته، وكذلك سائر صفات الله عز وجل)[59] اهـ.
وهذا ظاهر في إثبات الإتيان لله تعالى على الحقيقة، ولأجل ذلك عرّف الغمام، ونفى كيفية الإتيان.
~ الإمام أبو عبد الله محمد بن خفيف (371 هـ)
قال في كتابه "اعتقاد التوحيد بإثبات الأسماء والصفات": (والخلة والمحبة صفتان لله هو موصوف بهما، ولا تدخل أوصافه تحت التكييف والتشبيه، وصفات الخلق من المحبة والخلة جائز عليها الكيف، فأما صفاته تعالى فمعلومة في العلم، وموجودة في التعريف قد انتفى عنهما التشبيه، فالايمان به واجب، واسم الكيفية عن ذلك ساقط)[60] اهـ.

~ أبو نصر أحمد بن محمد بن الحسين الكلاباذي (ت 380هـ)
قال: (الباب السادس : شرح قولهم في الصفات: أجمعوا على لله صفات على الحقيقة هو موصوف بها : ... - ثم ذكر جملة من الصفات، ثم قال: وأن له سمعاً وبصراً، ووجهاً، ويداً على الحقيقة، ليس كالأسماع والأبصار والأيدي والوجوه. وأجمعوا أنها صفات لله وليست بجوارح، ولا أعضاء ولا أجزاء)[61] اهـ.
وهذا ظاهر في إن إثبات حقيقة وجه لله تعالى ليس كالوجوه، ويد ليست كالأيدي، لا يستلزم التجسيم الذي يدعونه، ولا التمثيل.

~ أبو عبد الله عبيد الله بن محمد العكبري الحنبلي ابن بطة (384 هـ)
قال: (فنقول كما قال: "ينزل ربنا عز وجل" ولا نقول: إنه يزول، بل ينزل كيف شاء، لا نصف نزوله، ولا نحده، ولا نقول : إن نزوله زواله) [62]اهـ.

~ الإمام العلامة حافظ المغرب أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني (386 هـ)
قال في أول كتابه المشهور "الرسالة" في باب "ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجبات أمور الديانات": (وأنه فوق عرشه المجيد بذاته، وأنه في كل مكان بعلمه)[63] اهـ.
وهو تصريح بفوقية الله تعالى على الحقيقة، وهي فوقية الذات، كما أنها فوقية القهر والقَدْر والسلطان.

~ الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده (395 هـ)
قال في إثبات صفة اليدين لله تعالى: (باب ذكر قول الله عز وجل {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} ص75، ذكر ما يُستدل به من كلام النبي r على أن الله جل وعز خلق آدم عليه السلام بيدين حقيقة)[64] اهـ.
وقال أيضاً في إثبات حقيقة الوجه لله تعالى: (باب قول الله جل وعز {كل شيء هالك إلا وجهه} القصص88، وقال الله عز وجل {ويبقى وجه ربك ذو الجلال} الرحمن27، وذكر ما ثبت عن النبي r مما يدل على حقيقة ذلك)[65] اهـ.
وقال في بيان إثبات حقيقة الوجه لله وأن الوجه قد يَرِد ويراد به الثواب، وكلاهما حق: (ومعنى وجه الله عز وجل ها هنا على وجهين: أحدهما وجه حقيقة. والآخر: بمعنى الثواب. فأما الذي هو بمعنى الوجه في الحقيقة، ما جاء عن النبي r في حديث أبي موسى، وصهيب، وغيرهم، مما ذكروا فيه الوجه، ... – ثم ساق جملة من الأدلة، ثم قال:
وأما الذي هو بمعنى الثواب فكقول الله عز وجل: {إنما نطعمكم لوجه الله} الإنسان9. ... وما أشبه ذلك مما جاء عن النبي r فهو على معنى الثواب)[66] اهـ.

~ الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين (399 هـ)
قال في "باب الإيمان بالنزول": (ومن قول أهل السنة: أن الله ينزل إلى سماء الدنيا، ويؤمنون بذلك من غير أن يحدوا فيه حداً، ... -وذكر الحديث من طريق مالك وغيره، وذكر آثار السلف، ثم قال:
وهذا الحديث يبين أن الله عز وجل على العرش في السماء دون الأرض، وهو أيضا بيّن في كتاب الله وفى غير حديث عن رسول الله r)[67] اهـ.
قلت: إثباتهم للنزول، وامتناعهم عن أن يحدوه، صريح في أن النزول على حقيقته بما دل عليه ظاهر الحديث، إلا أنهم لا يكيفونه، ولا يمثلونه بشيء من صفات المخلوقين. كما أن استدلاله على العلو بحديث النزول صريح في إثبات النزول على حقيقته، وهو ما كان من علو.

~ الإمام أبو بكر محمد بن موهب التجيبي الحصار المعروف بالقبري القرطبي المالكي (ت406هـ)
قال في شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني في بيان أن صفات الله على الحقيقة لا على المجاز: (وقوله "على العرش استوى" فإنما معناه عند أهل السنة على غير الاستيلاء والقهر، والغلبة، والملك، الذي ظنته المعتزلة ومن قال بقولهم إنه بمعنى الاستيلاء، وبعضهم يقول إنه على المجاز دون الحقيقة، ... إلى أن قال: وكذلك بيّن أيضاً أنه على الحقيقة بقوله عز وجل: {ومن أصدق من الله قيلا} النساء122، فلما رأى المنصفون إفراد ذكره بالاستواء على عرشه بعد خلق سمواته وأرضه، وتخصيصه بصفة الاستواء، علموا أن الاستواء هنا غير الاستيلاء ونحوه، فأقروا بصفة الاستواء على عرشه، وأنه على الحقيقة لا على المجاز، لأنه الصادق في قيله، ووقفوا عن تكييف ذلك وتمثيله إذ ليس كمثله شيء من الأشياء)[68] اهـ.

عبدالله الأحد
2015-05-26, 03:30 PM
الإمام أبو زكريا يحيى بن عمار السجستاني (422 هـ)
قال في رسالته في "السنة": (لا نقول كما قالت الجهمية: إنه تعالى مداخل للأمكنة وممازج بكل شيء، ولا نعلم أين هو؟ بل نقول: هو بذاته على العرش، وعلمه محيط بكل شيء، وعلمه وسمعه وبصره وقدرته مدركة لكل شيء. وذلك معنى قوله {وهو معكم أينما كنتم} الحديد4، فهذا الذي قلناه هو كما قال الله وقاله رسوله)[69] اهـ.

~ القاضي عبد الوهاب بن نصر البغدادي المالكي (422 هـ)
قال في شرح قول ابن أبي زيد القيرواني "وأن الله يجيء يوم القيامة والملك صفاً صفا" : (وهذا لقوله عز وجل {وجاء ربك والملك صفاً صفا} الفجر22، فأثبت نفسه جائياً، ولا معنى لقول من يقول: إن المراد به: جاء أمر ربك، ... إلى أن قال: ولكن ليس إذا استحال عليه ذلك وجب صرف الكلام عن حقيقته، لأجل أن القضاء على الغائب بمجرد الشاهد لا يجب عندنا، ولا عند مسلم، فبطل ما قالوه)[70] اهـ.
وفيه إثبات صفة المجيء لله، وأنها صفة له على الحقيقة لظاهر الآية، ولا يستلزم أن تكون كصفات المخلوقات.

~ الإمام المقرئ المحدث أبو عمر أحمد بن محمد الطلمنكي (429 هـ)
قال في كتابه "الوصول إلى معرفة الأصول": (وأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى {وهو معكم أينما كنتم} الحديد4، ونحو ذلك من القرآن، أن ذلك علمه، وأن الله فوق السموات بذاته، مستوٍ على عرشه كيف شاء).
وقال أيضاً: (قال أهل السنة في قول الله {الرحمن على العرش استوى} طه5، أن الاستواء من الله على عرشه المجيد على الحقيقة لا على المجاز. فقد قال قوم من المعتزلة والجهمية لا يجوز أن يسمى الله عز وجل بهذه الأسماء على الحقيقة، ويسمى بها المخلوق، فنفوا عن الله الحقائق من أسمائه وأثبتوها لخلقه، فإذا سئلوا ما حملهم على هذا الزيغ؟ قالوا: الاجتماع في التسمية يوجب التشبيه)[71] اهـ.

~ الشيخ الإمام الحافظ أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجزي (444 هـ)
قال في بيان أن صفات الله على حقيقة ما عهد من كلام العرب: (الواجب أن يُعلم أن الله تعالى إذا وصف نفسه بصفة هي معقولة عند العرب، والخطاب ورد بها عليهم بما يتعارفون بينهم ولم يبيّن سبحانه أنها بخلاف ما يعقلونه، ولا فسرها النبي r لمّا أداها بتفسير يخالف الظاهر، فهي على ما يعقلونه ويتعارفونه.)[72] اهـ.
وقال أيضاً: (وقد اتفقت الأئمة على أن الصفات لا تؤخذ إلا توقيفاً، وكذلك شرحها لا يجوز إلا بتوقيف. فقول المتكلمين في نفي الصفات، أو إثباتها بمجرد العقل، أو حملها على تأويل مخالف للظاهر ضلال. ولا يجوز أن يوصف الله سبحانه إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله r، وذاك إذا ثبت الحديث ولم يبق شبهة في صحته. فأما ما عدا ذلك من الروايات المعلولة والطرق الواهية، فلا يجوز أن يعتقد في ذات الله سبحانه ولا في صفاته ما يوجد فيها باتفاق العلماء للأثر)[73] اهـ.
وقال أيضاً: (ومن ذلك الغضب والرضى وغير ذلك وقد نطق القرآن بأكثرها. وعند أهل الأثر أنها صفات ذاته لا يفسر منها إلا ما فسره النبي r، أو الصحابي، بل نمر هذه الأحاديث على ما جاءت بعد قبولها والإيمان بها، والاعتقاد بما فيها بلا كيفية)[74] اهـ.

~ شيخ الإسلام الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (449 هـ)
قال في بيان معتقد السلف وأصحاب الحديث: (ويثبتون له جل جلاله ما أثبت لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله r، ولا يعتقدون تشبيهاً لصفاته بصفات خلقه، فيقولون: إنه خلق آدم بيده، كما نص سبحانه عليه في قوله- عز من قائل: {يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} ص75، ولا يحرفون الكلام عن مواضعه بحمل اليدين على النعمتين، أو القوتين، تحريف المعتزلة الجهمية، أهلكهم الله، ولا يكيفونهما بكيف أو تشبيههما بأيدي المخلوقين، تشبيه المشبهة، خذلهم الله، وقد أعاذ الله تعالى أهل السنة من التحريف والتكييف، ومن عليهم بالتعريف والتفهيم، حتى سلكوا سبل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه، واتبعوا قول الله عز وجل: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11.
وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع، والبصر، والعين، والوجه، والعلم، والقوة، والقدرة، والعزة، والعظمة، والإرادة، والمشيئة، والقول والكلام، والرضا، والسخط، والحياة، واليقظة، والفرح، والضحك، وغيرها، من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله r من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه، ولا تكييف له ولا تشبيه، ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب، وتضعه عليه، بتأويل منكر، ويجرونه على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله)[75] اهـ.
فقد أوضح أن آيات الصفات تُجرى على الظاهر مما تعرفه العرب بلا تأويل ولا تحريف، ولذلك فقوله (ويكلون علمه إلى الله تعالى) المراد به علم الكيفية وحقيقة ما عليه الصفة، بدليل إنكاره على من أول اليد بالنعمة أو القوة، وقرر وجوب إجراءها على ظاهرها اللائق بالله المتبادر للذهن بوضع اللغة، وأنه يُعرف معناه بوضع اللغة. وإلا لو لم يكن له معنى معروف لم يكن لقوله "ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب، وتضعه عليه، بتأويل منكر" معنى.
وقال رحمه الله في إثبات حقيقة النزول، والرد على من تأولها أو كيفها: (فمجيئه وإتيانه ونزوله على حساب ما يليق بصفاته، من غير تشبيه وكيف ...) إلى أن قال: (فلما صح خبر النزول عن الرسول r أقر به أهل السنة، وقبلوا الخبر، وأثبتوا النزول على ما قاله رسول الله r، ولم يعتقدوا تشبيهاً له بنزول خلقه، وعلموا وتحققوا واعتقدوا أن صفات الله سبحانه لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق تعالى الله عما يقول المشبهة والمعطلة علوا كبيرا، ولعنهم لعناً كثيراً.
وقرأت لأبى عبد الله ابن أبي جعفر البخاري، وكان شيخ بخارى في عصره بلا مدافعة، وأبو حفص كان من كبار أصحاب محمد بن الحسن الشيباني، قال أبو عبد الله:- أعني ابن أبى حفص هذا- سمعت عبد الله بن عثمان وهو عبدان شيخ مرو يقول: سمعت محمد بن الحسن الشيباني يقول: قال حماد بن أبي حنيفة: قلنا لهؤلاء: أرأيتم قول الله عز وجل {وجاء ربك والملك صفا صفا} الفجر22، قالوا: أما الملائكة فيجيئون صفاً صفاً، وأما الرب تعالى فإنا لا ندري ما عنى لذاك، ولا ندري كيفية مجيئه، فقلت لهم: إنا لم نكلفكم أن تعلموا كيف مجيئه، ولكنا نكلفكم أن تؤمنوا بمجيئه، أرأيت من أنكر أن الملك يجيء صفاً صفاً ما هو عندكم؟ قالوا: كافر مكذب. قلت: فكذلك إن أنكر أن الله سبحانه لا يجيء فهو كافر مكذب)[76] اهـ.
وما ذكره عن حماد بن أبي حنيفة صريح في أن مجيء الله عز وجل المذكور في الآية هو المجيء المعروف في اللغة الذي من أصل معناه المجئ المضاف إلى الملائكة، مع التباين في الحقيقة والكيفية، إذ ليس كمثل مجيئه سبحانه مجيء شيء.


~ الإمام العلامة حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر الأندلسي القرطبي المالكي (463 هـ)
قال في بيان كون الصفات على الحقيقة لا على المجاز: (ومن حق الكلام أن يُحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله عز وجل إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات، وجل الله عز وجل عن أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه)[81] اهـ.
وقال ناقلاً إجماع السلف على ذلك: (أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة والحمد لله)[82] اهـ.
وحسبك حكاية هذا الإجماع من هذا الإمام على أن مذهب السلف: وجوب حمل صفات الله على الحقيقة، وأن تأويلها من شأن أهل البدع.

~ الإمام أبو بكر محمد بن الحسن الحضرمي القيرواني (489 هـ)
قال في رسالته التي سماها "رسالة الإيماء إلى مسألة الاستواء" لما ذكر اختلاف المتأخرين في الاستواء: (قول الطبري –يعني أبا جعفر صاحب التفسير الكبير-، ومحمد بن أبي زيد، والقاضي عبد الوهاب، وجماعة من شيوخ الحديث والفقه، وهو ظاهر بعض كتب القاضي أبي بكر، وأبي الحسن –يعني الأشعري- وحكاه عنه أعني القاضي عبد الوهاب نصاً، وهو أنه سبحانه مستو على العرش بذاته، وأطلقوا في بعض الأماكن فوق العرش)[83] اهـ

~ شيخ الحنفية أبو اليسر محمد بن محمد بن الحسين البزدوي (493 هـ)
قال: (إثبات اليد والوجه حق عندنا معلوم بأصله، متشابه بوصفه، ولا يجوز إبطال الأصل بالعجز عن إدراك الوصف بالكيف، وإنما ضلت المعتزلة من هذا الوجه فإنهم ردوا الأصول لجهلهم بالصفات فصاروا معطلة)[84] اهـ.


~ شمس الأئمة أبو العباس الفضل بن عبد الواحد السرخسي الحنفي (494 هـ)
قال: (وأهل السنة والجماعة أثبتوا ما هو الأصل معلوم المعنى بالنص –أي بالآيات القطعية والدلالات اليقينية- وتوقفوا فيما هو المتشابه وهو الكيفية، ولم يجوزوا الاشتغال في طلب ذلك)[85] اهـ.

~ الإمام العلامة شيخ الحنابلة أبو الحسن علي بن عبيدالله بن سهل بن الزاغوني البغدادي (527هـ)
قال في كتابه "الإيضاح في أصول الدين" في بيان قاعدة مهمة: (فإذا ورد القرآن وصحيح السنة في حقه بوصف تُلقّي في التسمية بالقبول، ووجب إثباته له على ما يستحقه، ولا يُعدل به عن حقيقة الوصف، إذ ذاته تعالى قابلة للصفات، وهذا واضح بيّن لمن تأمله)[86].
وقال أيضاً: (فصل: وقد وصف الباري نفسه في القرآن باليدين بقوله تعالى {لما خلقت بيدي} ص75، وقال تعالى: {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} المائدة64، قال: وهذه الآية تقتضي إثبات صفتين ذاتيتين تسميان يدين، قال: وذهب المعتزلة وطائفة من الأشعرية إلى أن المراد باليدين النعمتين، وذهبت طائفة إلى أن المراد باليدين ها هنا القدرة.
والدلالة على كونهما ذاتيتين تزيدان على النعمة وعلى القدرة أنا نقول: القرآن نزل بلغة العرب واليد المطلقة في لغة العرب وفي معارفهم وعاداتهم المراد بها إثبات صفة ذاتية للموصوف لها خصائص فيما يقصد به، وهي حقيقة في ذلك، كما ثبت في معارفهم الصفة التي هي القدرة، والصفة التي هي العلم، كذلك سائر الصفات من الوجه والسمع والبصر والحياة وغير ذلك، وهذا هو الأصل في هذه الصفة، وأنهم لا ينتقلون عن هذه الحقيقة إلى غيرها مما يقال على سبيل المجاز إلا بقرينة تدل على ذلك، فأما مع الإطلاق فلا ..)[87] اهـ.
وقال أيضاً: (أنا قد بينا أن إضافة الفعل إلى اليد على الإطلاق لا يكون إلا والمراد به يد الصفة، وهذا توكيد لإثبات الصفة الحقيقية، ومحال أن يجتمع مؤكد للحقيقة مع قرينة ناقلة عن الحقيقة)[88] اهـ.
وقال أيضاً في قصيدة له:
(إني سأذكر عقد ديني صادقاً نهج ابن حنبل الإمام الأوحد)
ومنها:
(عالٍ على العرش الرفيع بذاته سبحانه عن قول غالٍ ملحد)[89] اهـ.

~ الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الطلحي الأصبهاني (535 هـ)
قال: (مذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وأحمد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق بن راهويه: أن صفات الله التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله من السمع، والبصر، والوجه، واليدين، وسائر أوصافه: إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور، من غير كيف يتوهم فيها، ولا تشبيه ولا تأويل، قال ابن عيينة: كل شيء وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره) ثم قال: (أي: هو هو على ظاهره، لا يجوز صرفه إلى المجاز بنوع من التأويل)[90] اهـ.
وقال: (قال علماء السلف: جاءت الأخبار عن النبي r متواترة في صفات الله تعالى، موافقة لكتاب الله تعالى، نقلها السلف على سبيل الإثبات والمعرفة والإيمان به والتسليم، وترك التمثيل والتكييف، وأنه عز وجل أزلي بصفاته وأسمائه التي وصف بها نفسه، أو وصفه الرسول r بها، فمن جحد صفة من صفاته بعد الثبوت كان بذلك جاحداً، ومن زعم أنها محدثة لم تكن ثم كانت دخل في حكم التشبيه في الصفات التي هي محدثة في المخلوق، زائلة بفنائه غير باقية، وذلك أن الله تعالى امتدح نفسه بصفاته، ودعا عباده إلى مدحه بذلك وصدق به المصطفى r، وبين مراد الله فيما أظهر لعباده من ذكر نفسه وأسمائه وصفاته وكان ذلك مفهوماً عند العرب غير محتاج إلى تأويله)[91] اهـ.
وقال في إبطال المجاز في صفات الله: (ودليل آخر: أن من حمل اللفظ على ظاهره، وعلى مقتضى اللغة حمله على حقيقته، ومن تأوله عدل به عن الحقيقة إلى المجاز، ولا يجوز إضافة المجاز إلى صفات الله تعالى)[92] اهـ.
وقال في كلام له نفيس وهو يقرر أن الصفات على حقيقتها من غير تأويل: (قال أهل السنة: الإيمان بقوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} طه5، واجب، والخوض فيه بالتأويل بدعة. .. ) إلى أن قال: (والاستواء في كلام العرب تأتي لمعان...) ثم ذكر معاني الاستواء في اللغة وهي التقويم والمماثلة والقصد والعلو، ثم قال: (قال أهل السنة: الاستواء هو العلو. قال الله تعالى: {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك} المؤمنون28، وليس للاستواء في كلام العرب معنى إلا ما ذكرنا، وإذا لم يجز الأوجه الثلاثة –أي التقويم والمماثلة والقصد- لم يبق إلا الاستواء الذي هو معلوم كونه –أي العلو- مجهول كيفيته، واستواء نوح على السفينة معلوم كونه، معلوم كيفيته لأنه صفة له، وصفات المخلوقين معلومة كيفيتها. واستواء الله على العرش غير معلوم كيفيته لأن المخلوق لا يعلم كيفية صفات الخالق لأنه غيب ولا يعلم الغيب إلا الله، ولأن الخالق لم يشبه ذاته ذات المخلوق لم يشبه صفاته صفات المخلوق، فثبت أن الاستواء معلوم، والعلم بكيفيته معدوم، فعلمه موكول إلى الله تعالى كما قال: {وما يعلم تأويله إلا الله} آل عمران7.
وكذلك القول فيما يضارع هذه الصفات كقوله تعالى: {لما خلقت بيدي} ص75، وقوله: {بل يداه مبسوطتان} المائدة64، وقوله: {ويبقى وجه ربك} الرحمن27، وقول النبي r: (حتى يضع الجبار فيها قدمه). (إن أحدكم يأتي بصدقته فيضعها في كف الرحمن). وقوله: (يضع السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع). فإذا تدبره متدبر، ولم يتعصب بان له صحة ذلك وأن الإيمان به واجب، وأن البحث عن كيفية ذلك باطل. وهذا لأن اليد في كلام العرب تأتي بمعنى القوة .....) ثم ذكر معانيها في اللغة فذكر النعمة، والنصرة، والملك، والتصرف، وبين امتناع إرادة هذه المعاني في حق ما ورد من آيات ذكر اليد لله تعالى ثم قال: (ومنها اليد التي هي معروفة، فإذا لم تحتمل الأوجه التي ذكرنا لم يبق إلا اليد المعلوم كونها، المجهولة كيفيتها، ونحن نعلم يد المخلوق وكيفيتها لأنا نشاهدها ونعاينها فنعرفها، ونعلم أحوالها، ولا نعلم كيفية يد الله تعالى، لأنها لا تشبه يد المخلوق، وعلم كيفيتها علم الغيب ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى، بل نعلم كونها معلومة لقوله تعالى، وذكره لها فقط، ولا نعلم كيفية ذلك وتأويلها. وهكذا قوله: {ويبقى وجه ربك} الرحمن27، للوجه في كلام العرب معان..) ثم ذكر منها الجاه، والقدر، وأول الشيء، والجهة، وبين امتناعها في حق ما ورد من ذكر الوجه لله تعالى في القرآن، ثم قال: (ومنه الوجه المعروف، فإذا لم يجز حمل الوجه على الأوجه التي ذكرناها بقي أن يقال: هو الوجه الذي تعرفه العرب، كونه معلوماً بقوله تعالى، وكيفيته مجهولة.
وكذلك قوله: (حتى يضع الجبار فيها قدمه) وقوله: (حتى يضعه في كف الرحمن). وللقدم معان، وللكف معان، وليس يحتمل الحديث شيئاً من ذلك إلا ما هو المعروف في كلام العرب فهو معلوم بالحديث، مجهول بالكيفية.
وكذلك القول في الإصبع، الإصبع في كلام العرب تقع على النعمة والأثر الحسن وهذا المعنى لا يجوز في هذا الحديث، فكون الإصبع معلوماً بقوله r، وكيفيته مجهولة، وكذلك القول في جميع الصفات يجب الإيمان به، ويترك الخوض في تأويله، وإدراك كيفيته)[93] اهـ.
وهذا كلام بيّن واضح جلي في إثبات أن الصفات على حقيقتها المعروفة من لغة العرب، مع النفي التشبيه، والجهل بالكيفية.

~ أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلاني (561 هـ)
قال في كتاب "الغنية" : (والماء فوق الأرض السابعة، وعرش الرحمن فوق الماء، والله تعالى على العرش، ودونه سبعون ألف حجاب من نور وظلمة، وما هو أعلم به.... وهو سبحانه منزه عن مشابهة خلقه، ولا يخلو من علمه مكان، ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان، بل يقال إنه في السماء على العرش كما قال: {الرحمن على العرش استوى} طه5، - وذكر آيات وأحاديث، إلى أن قال: وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش، لا على معنى العلو والرفعة كما قالت الأشعرية، ولا على معنى الاستيلاء والغلبة كما قالت المعتزلة، إلى أن قال: وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف، فالاستواء من صفات الذات ...
وأنه تعالى ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، كيف شاء وكما شاء، فيغفر لمن أذنب، لا بمعنى نزول الرحمة وثوابه كما ادعته المعتزلة والأشعرية للأحاديث الصحيحة في ذلك ... ثم ذكر آثار السلف)[94] اهـ.
وقال في كتابه "تحفة المتقين وسبيل العارفين" في باب اختلاف المذاهب في صفات الله عز وجل، وفي ذكر اختلاف الناس في الوقف عند قوله {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} آل عمران7، قال: (والله تعالى بذاته على العرش وعلمه محيط بكل مكان، ... لأن الله تعالى استوى على العرش بذاته)[95] اهـ.


~ تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي (600 هـ)
قال: (وتواترت الأخبار وصحت الآثار بان الله عز وجل ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، فيجب الإيمان والتسليم له، وترك الاعتراض عليه، وإمراره من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تنزيه ينفي عنه حقيقة النزول)[96] اهـ.
وفيه: أن طريقة السلف في الصفات: إثبات حقيقة بلا تمثيل، وتنزيه مماثلة بلا تعطيل.
~ أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي (671هـ)
قال في إثبات حقيقة الاستواء لله في تفسير قوله: {ثم استوى على العرش} الأعراف 54: (وقد كان السلف الأُوَل y لا يقولون بنفي الجهة، ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله. ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة. وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته.
قال مالك رحمه الله: الاستواء معلوم - يعني في اللغة – والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة. وكذا قالت أم سلمة رضي الله عنها. وهذا القدر كاف)[97] اهـ.

~ الإمام أبو العباس عماد الدين إبراهيم بن عبد الرحمن الواسطي الحزّامي المعروف بـ (ابن شيخ الحزّاميين) (711 هـ)
قال في وصف عقيدة أهل السنة والجماعة المتبعين للصحابة والتابعين: (وأمرّوا الصفات كما جاءت بلا تأويل، ولا تعطيل، ولا تشبيه، وأثبتوا حقائقها لله كما يليق به من الاستواء أو النزول وجميع الصفات ..)[98].

~ الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (748 هـ)
نقل في "العلو" عن أبي الطيب قوله: "حضرت عند أبي جعفر الترمذي فسأله سائل عن حديث نزول الرب: فالنزول كيف هو؟ يبقى فوقه علو؟ فقال: النزول معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".
فقال معلقاً: ( ... فالنزول، والكلام، والسمع، والبصر، والعلم، والاستواء، عبارات جلية واضحة للسامع، فإذا اتصف بها من ليس كمثله شيء فالصفة تابعة للموصوف، وكيفية ذلك مجهولة عند البشر)[99] اهـ.
ونقل أيضاً قول أبي أحمد القصاب في عقيدته: "لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه وكل صفة وصف بها نفسه أو وصفه بها نبيه فهي صفة حقيقية لا صفة مجاز" ثم قال: ( ... ولو كانت الصفات ترد إلى المجاز، لبطل أن يكون صفات الله، وإنما الصفة تابعة للموصوف، فهو موجود حقيقة لا مجازاً، وصفاته ليست مجازاً، فإذا كان لا مثل له ولا نظير لزم أن تكون لا مثل لها)[100] اهـ.
وقال أيضاً في تعليقه على قول ابن عبد البر "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة في الكتاب والسنة وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لم يكيفوا شيئاً من ذلك ...": (صدق والله، فإن من تأول سائر الصفات، وحمل ما ورد منها على مجاز الكلام أداه ذلك السلب إلى تعطيل الرب، وأن يشابه المعدوم، كم نقل عن حماد بن زيد أنه قال: مثل الجهمية كقوم قالوا: في دارنا نخلة. قيل: لها سعف؟ قالوا: لا. قيل: فلها كرب؟ قالوا: لا. قيل: لها رطب وقنو؟ قالوا: لا. قيل: فلها ساق؟ قالوا: لا. قيل: فما في داركم نخلة)[101] اهـ.
وقال ابن رجب في ترجمة الحافظ عبد الغني المقدسي: (قرأت بخط الإمام الحافظ الذهبي رداً على من نقل الإجماع على تكفيره: أما قوله "أجمعوا" فما أجمعوا، بل أفتى بذلك بعض أئمة الأشاعرة ممن كفروه، وكفرهم هو، ولم يبد من الرجل أكثر مما يقوله خلق من العلماء الحنابلة والمحدثين من أن الصفات الثابتة محمولة على الحقيقة لا على المجاز، أعني أنها تجري على مواردها لا يعبر عنها بعبارات أخرى كما فعلته المعتزلة أو المتأخرون من الأشعرية، هذا مع أن صفاته تعالى لا يماثلها شئ)[102] اهـ.

~ الإمام الحافظ المفسر عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير (774 هـ)
له رحمه الله رسالة باسم (الاعتقاد) أبان فيها عن معتقده فقال ما لفظه: (فإذا نطق الكتاب العزيز ووردت الأخبار الصحيحة بإثبات السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقدرة والعظمة والمشيئة والإرادة والقول والكلام والرضا والسخط والحب والبغض والفرح والضحك، وجب اعتقاد حقيقة ذلك من غير تشبيه بشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، والانتهاء إلى ما قاله سبحانه وتعالى ورسوله r من غير إضافة، ولا زيادة عليه، ولا تكييف، ولا تشبيه، ولا تحريف، ولا تبديل، ولا تغيير، ولا إزالة لفظ عما تعرفه العرب وتصرفه عليه، والإمساك عما سوى ذلك)[103] اهـ.

~ الحافظ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (795 هـ)
قال: (وقد اعترض بعض من كان يعرف هذا على حديث النزول ثلث الليل الآخر، وقال ثلث الليل يختلف باختلاف البلدان، فلا يمكن أن يكون النزول في وقت معين. ومعلوم بالضرورة من دين الإسلام قبح هذا الاعتراض. وأن الرسول r أو خلفاءه الراشدين لو سمعوا من يعترض به لما ناظروه بل بادروا إلى عقوبته وإلحاقه بزمرة المخالفين المنافقين المكذبين.)[104] اهـ.

~ الملا علي بن سلطان محمد القاري الحنفي (1014 هـ)
قال في شرح الفقه الأكبر: (إن الغضب والرضى الذي يوصف الله به مخالف لما يوصف به العبد، وإن كان كل منهما حقيقة ... فإن صرف القرآن عن ظاهره وحقيقته بغير موجب حرام ..)[106] اهـ.

فرع : في تقرير هذا الأصل من كلام أبي الحسن الأشعري
قال في رسالته إلى أهل الثغر: (الإجماع الخامس: وأجمعوا على أن صفته عز وجل لا تشبه صفات المحدثين، كما أن نفسه لا تشبه أنفس المخلوقين، واستدلوا على ذلك بأنه لو لم يكن له عز و جل هذه الصفات لم يكن موصوفا بشيء منها في الحقيقة، من قِبَل أن من ليس له حياة لا يكون حياً، ومن لم يكن له علم لا يكون عالماً في الحقيقة، ومن لم يكن له قدرة فليس بقادر في الحقيقة، وكذلك الحال في سائر الصفات، ألا ترى من لم يكن له فعل لم يكن فاعلاً في الحقيقة، ومن لم يكن له إحسان لم يكن محسناً، ومن لم يكن له كلام لم يكن متكلماً في الحقيقة، ومن لم يكن له إرادة لم يكن في الحقيقة مريداً، وأن من وُصف بشيء من ذلك مع عدم الصفات التي توجب هذه الأوصاف له لا يكون مستحقاً لذلك في الحقيقة، وإنما يكون وصفه مجازاً أو كذباً، ..... إلى أن قال: وذلك أن هذه الأوصاف مشتقة من أخص أسماء هذه الصفات ودالة عليها، فمتى لم توجد هذه الصفات التي وصف بها كان وصفه بذلك تلقيباً أو كذباً، فإذا كان الله عز و جل موصوفاً بجميع هذه الأوصاف في صفة الحقيقة وجب إثبات الصفات التي أوجبت هذه الأوصاف له في الحقيقة وإلا كان وصفه بذلك مجازا)[107] اهـ.
وقال في "الإبانة": (مسألة : فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون قوله تعالى: {مما عملت أيدينا} يس71، وقوله تعالى: {لما خلقت بيدي} ص75، على المجاز؟
قيل له : حكم كلام الله تعالى أن يكون على ظاهره وحقيقته ولا يخرج الشيء عن ظاهره إلى المجاز إلا بحجة، ... كذلك قوله تعالى : {لما خلقت بيدي} ص75، على ظاهره أو حقيقته من إثبات اليدين، ولا يجوز أن يُعدل به عن ظاهر اليدين إلى ما ادعاه خصومنا إلا بحجة، ... بل واجب أن يكون قوله تعالى: {لما خلقت بيدي} ص75، إثبات يدين لله تعالى في الحقيقة غير نعمتين إذا كانت النعمتان لا يجوز عند أهل اللسان أن يقول قائلهم: فعلت بيدي وهو يعني النعمتين)[108] اهـ.
وقال في "مقالات الإسلاميين" في إثبات حقيقة اليدين لله تعالى، وبيان انحراف معتقد المعتزلة: (وكان – أي عباد بن سليمان المعتزلي - يُنكر قول من قال أن لله عز وجل وجهاً، وينكر القول: وجه الله، ونفس الله، وينكر القول: ذات الله، وينكر أن يكون الله ذا عين، وأن يكون له يدان هما يداه.)[109] اهـ.

خلاصة الفصل:
أولاً: بهذه الأدلة من الكتاب والسنة والنقولات عن أئمة السنة، يتبين لكل ذي عقل أن أهل السنة والجماعة يثبتون جميع صفات الله تعالى الواردة في الكتاب والسنة على الحقيقة لا على المجاز، إثباتاً منزهاً عن التمثيل والتكييف، وتنزيهاً بلا تأويل وتحريف وتعطيل.
وبهذا يفارقون طائفتين: المعطلة الذين ينفون حقائق الصفات ويدعون فيها المجاز بحجة التنزيه، والمشبهة الذين الذين يجعلون حقيقة صفات الله كحقيقة صفات خلقه، بحجة الإثبات.
ثانياً: موافقة أبي الحسن الأشعري للسلف في هذا الأصل العظيم، مما يستلزم أن يوافقه كل من انتسب إليه، وإلا كان انتسابهم إليه دعوى مجردة.
[بطلان إنكار حقائق الصفات لله]
ثالثاً: بطلان ما ادعاه الأشعريان من إنكار نسبة حقائق الصفات لله تعالى حيث قالا (ص ؟؟): (أما الذي يأباه العقل والنقل فهو نسبة حقائق هذه الألفاظ اللغوية لله تعالى) اهـ.
فليت شعري أي عقل هذا الذي يزعمونه وأي نقل هذا الذي يأثرونه !!!
وقالا (ص242): (إن أريد بإثبات الصفات إثباتها على ما جاءت دون تفسير، ولا تعيين معنى، وإنما يُكتفى بتلاوتها والسكوت عليها، وذلك –قطعاً- بعد صرفها عن ظاهرها المحال في حق الله تعالى، ولا يقال بالذات أو حقيقة، فذلك حق لا ريب فيه) اهـ.
والأعجب منه ادعاؤهما: أن هذا هو مذهب السلف قاطبة، ولم ينقلا حرفاً واحداً عن أحد من السلف قط.
كيف؟ ونصوص السلف صريحة في إبطال هذه الدعوى، وبيان وجوب حمل كلام الله على حقيقته التي تقتضيها اللغة التي أنزل الله بها كتابه، وتعرّف بها إلى عباده.
وبه يتبين جهل هذين الأشعريّيْن بمذهب السلف، وبعدهما عن طريقتهم.
[صحة إطلاق لفظ "بذاته" و"حقيقة" والجواب على من استنكرها]
رابعاً: صحة تأكيد الإثبات في صفات الله تعالى بقول: "حقيقة"، أو "بذاته"، وأنه وارد عن السلف الأئمة، وهو الأمر الذي أعظما فيه النكير، جهلاً منهما بكلام السلف وأصولهم.
فقالا (ص123): (أن لفظة "بذاته" لم ترد في كتاب ولا سنة ولا على لسان أحد من الصحابة أو التابعين .... فإن لفظة "بذاته" إذا ذُكرت مع هذه الألفاظ أو ما شاكلها حصرت معانيها في المعنى الحسي الجسماني، فلا يقال مثلاً "استوى بذاته"، و"ينزل بذاته"، و"يجيء بذاته"، ثم يقال: لا كاستوائنا، ولا كنزولنا، ولا كمجيئنا، لأن هذا تناقض صريح) اهـ.
وقالا (ص138): (نخلص من هذا إلى أن القول بأن الله ساكن السماء، أو أنه على العرش بذاته، أو ينزل بذاته، أو استوى بذاته، أو على الحقيقة .... كل ذلك وصف لله بما يستحيل في حقه تعالى عقلاً ونقلاً ..) اهـ.
فيقال لهما:
أولاً: قد سبق نقل كلام كثير من أئمة السلف بزيادة "حقيقة"، وزيادة "بذاته"، بل قد نقل أبو نصر السجزي الإجماع على ذلك.
فقال في كتاب "الإبانة": (وأئمتنا كسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وعبد الله بن المبارك، وفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي، متفقون على أن الله سبحانه بذاته فوق العرش، وأن علمه بكل مكان)[110] اهـ.
وسبقه المزني حيث قال في شرح أصول السنة: (عالٍ على عرشه في مجده بذاته)[111]. ثم حكى الإجماع عليه كما سبق نقله.
ونقل الطلمنكي وابن عبد البر الإجماع على ذلك أيضاً كما سبق.
وقال الذهبي في "العلو": (قال الإمام أبو محمد بن أبي زيد المغربي شيخ المالكية في أول رسالته المشهورة في مذهب مالك الإمام: "وأنه تعالى فوق عرشه المجيد بذاته، وأنه في كل مكان بعلمه".
قال الذهبي: وقد تقدم مثل هذه العبارة عن أبي جعفر بن أبي شيبة، وعثمان بن سعيد الدارمي، وكذلك أطلقها يحيى بن عمار واعظ سجستان في رسالته، والحافظ أبو نصر الوائلي السجزي في كتاب الإبانة له، فإنه قال: "وأئمتنا كالثوري، ومالك، والحماد، وابن عيينة، وابن المبارك، والفضيل، وأحمد، وإسحاق متفقون على أن الله فوق العرش بذاته، وأن علمه بكل مكان"، وكذلك أطلقها ابن عبد البر كما سيأتي، وكذا عبارة شيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري، فإنه قال: "وفي أخبار شتى أن الله في السماء السابعة على العرش بنفسه"، وكذا قال أبو الحسن الكرجي الشافعي في تلك القصيدة:
عقائدهم أن الإله بذاته ... على عرشه مع علمه بالغوائب
وعلى هذه القصيدة مكتوب بخط العلامة تقي الدين بن الصلاح هذه عقيدة أهل السنة وأصحاب الحديث.
وكذا أطلق هذه اللفظة أحمد بن ثابت الطرقي الحافظ، والشيخ عبد القادر الجيلي والمفتي عبد العزيز القحيطي وطائفة.
والله تعالى خالق كل شيء بذاته، ومدبر الخلائق بذاته، بلا معين ولا مؤازر، وإنما أراد ابن أبي زيد وغيره التفرقة بين كونه تعالى معنا، وبين كونه تعالى فوق العرش، فهو كما قال، ومعنا بالعلم، وأنه على العرش كما أعلمنا حيث يقول {الرحمن على العرش استوى} طه5، وقد تلفظ بالكلمة المذكورة جماعة من العلماء كما قدمناه ..)[112] اهـ.
ثانياً: أن قولهما عن لفظة "بذاته": (لم ترد في كتاب ولا سنة ولا على لسان أحد من الصحابة أو التابعين): عجب منهما، وتناقض صريح، فلا أدري هل يأثران هما شيئاً من كلامهما في الصفات، وتأويلها، عن أحد من الصحابة أو التابعين أو الأئمة؟!!
وصدق القائل: "رمتني بدائها وانسلت".
ثالثاً: أن قول من قال من السلف "بذاته" هو من باب التأكيد والتنصيص، والرد على المعطلة الذين يفسرون صفات الله تعالى بما قام بغيره، وينكرون أن يقوم بذات الله تعالى صفة متعلقة بمشيئته، فيقولون: نزوله: نزول أمره، ومجيئه: مجيء ثوابه، وهكذا.
وكذا قولهم "حقيقة" تأكيد لحقيقة الصفة، ورد على من جعلها مجازاً.
ومعلوم أن الخبر وقع عن نفس ذات الله تعالى لا عن غيره، كما في قوله: {الرحمن على العرش استوى} طه5،، وقول النبي r: "إن الله ينزل إلى سماء الدنيا"، وهذا خبر عن مسمى هذا الاسم العظيم.
ومثاله ما لو قلت: عمرو عندك، وزيد قائم، فإنما أخبرت عن الذات لا عن الاسم، فقوله تعالى: {الله خالق كل شيء} الزمر62، هو خبر عن ذات الرب تعالى، فلا يحتاج المخبر أن يقول: خالق كل شيء بذاته، وكذلك جميع ما أخبر الله به عن نفسه فإنما هو خبر عن ذاته.
لكن لما ظهر من أهل البدع والمعطلة من يحعل صفات الله تعالى مجازات، نص السلف على كونها حقيقة، ولما ظهر منهم من يجعل ما وصف الله تعالى به نفسه هو ما قام بغيره، كمن يقول: نزول أمره، ومجيء ملائكته، نص السلف على كونها صفة ذاته.
وكيف يعيبان ذلك وقد قالا مدافعين عمن قال "لفظي بالقرآن مخلوق" - مع كونه قول متأخري الجهمية- كالكرابيسي وابن كلاب وغيرهما (ص57): (وإننا متيقنون بأنهم رحمهم الله لم يقولوا هذا القول دون أن تدعو له حاجة، كلا، وحاشاهم أن يتكلموا بشيء سكت عنه الصحابة والتابعون، لكنهم لمّا رأوا الناس تقحموا هذا الباب، وخاضوا في هذا المر، وحملوه على غير وجهه، اضطروا إلى الكلام فيه تبياناً للحق، وكفّاً للناس عن ذلك) اهـ.
فهذا اعتذاركم عن مقولة باطلة، فهلا عذرتم من قال بالحق وأكده!!!
قال الذهبي معلقاً على كلام القصاب: (وكان أيضاً يسعه السكوت عن "صفة حقيقة" فإننا إذا أثبتنا نعوت الباري وقلنا تُمر كما جاءت، فقد آمنا بأنها صفات، فإذا قلنا بعد ذلك: صفة حقيقة وليست بمجاز، كان هذا كلاماً ركيكاً نبطياً مغلثاً للنفوس فليهدر، مع أن هذه العبارة وردت عن جماعة، ومقصودهم بها أن هذه الصفات تمر ولا يُتعرض لها بتحريف ولا تأويل، كما يُتعرض لمجاز الكلام والله أعلم. وقد أغنى الله تعالى عن العبارات المبتدعة، فإن النصوص في الصفات واضحة، ولو كانت الصفات ترد إلى المجاز، لبطل أن يكون صفات الله، وإنما الصفة تابعة للموصوف، فهو موجود حقيقة لا مجازاً، وصفاته ليست مجازاً، فإذا كان لا مثل له ولا نظير لزم أن تكون لا مثل لها)[113] اهـ.
وهذا من الذهبي صريح بأن معنى: كون الصفات حقيقة، أو أنه متصف بها بذاته، حق، ولكن لا يُحتاج إلى زيادة "حقيقة" أو "بذاته"، لا لكون المعنى باطلاً، بل لكونه ظاهراً بلا حاجة للزيادة.
إذ من المعلوم في لغة العرب أنه إذا قيل: سمع زيد، وكلام زيد، ونزول زيد، فهو حقيقة لا مجاز، إلا أن يقترن باللفظ ما يدل على كونه مجازاً. إذ أن قاعدة اللغة: أن الأصل في الكلام الحقيقة والإفراد، لا المجاز والاشتراك.
ويقال لهؤلاء: كيف سوغتم لأنفسكم هذه الزيادات في النفي كنفي الجهة والحيز ونحو ذلك، والتقصير في الإثبات على ما أوجبه الكتاب والسنة، وأنكرتم على أئمة الدين ردهم لبدعة ابتدعها أهل التعطيل والتجهيم مضمونها إنكار حقائق صفات الله تعالى، وعبروا عن ذلك بعبارة كقولهم "حقيقة" و "بذاته"، فأثبتوا تلك العبارة ليبينوا ثبوت المعنى الذين نفاه أولئك؟! وأين في الكتاب والسنة أنه يحرم رد الباطل بعبارة مطابقة له، فإن هذه الألفاظ لم تثبت صفة زائدة على ما في الكتاب والسنة، بل بينت ما عطله المبطلون من حقيقة اتصافه بصفات الكمال.
رابعاً: أن ما أنكراه من قول: "أن الله ساكن السماء"، قد قاله إمامهم أبو الحسن الأشعري نفسه، مستدلاً به على علو الله تعالى، وذكر أنه قول جميع المسلمين!!
فقال: (ومن دعاء أهل الإسلام جميعاً إذا هم رغبوا إلى الله تعالى في الأمر النازل بهم يقولون جميعاً: يا ساكن السماء)[114] اهـ.
وهذا أمر مثير للاستغراب والحيرة، ألا وهو كثرة إنكارهما لأمور قد نص عليها أبو الحسن الأشعري نفسه في كتبه، حتى ليظن الناظر أنهما ألفا كتابهما رداً على أبي الحسن الأشعري، لا انتصاراً له؟!!
منقول