المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ضابط الإعانة على الإثم والعدوان


ابوالحارث التلكيفي
2015-05-27, 09:09 AM
{ ضابط الإعانة على الإثم والعدوان }
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ؛ أما بعد :
١/ الإعانة على الإثم والعدوان محرمة بنص القرآن الحكيم ، قال تعالى { وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } [المائدة الآية: ٢]
وفي السنة قوله ﷺ من حديث جابر ( لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال : هم في الإثم سواء ) رواه مسلم وغيره ... فالكاتب والشاهد معينان على الربا المحرم فدخلوا في اللعنة !
وكذلك لعن النبي ﷺ في الخمر عشرة ومنهم حاملها لأنه معينٌ على شربها !
قال أبو الفرج عبدالرحمن ابن قدامة المقدسي ( ولنا قول الله تعالى (ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) وهذا نهي يقتضي التحريم، وقد روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل فقال يا محمد: إن الله لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه، وشاربها وبائعها ومبتاعها وساقيها، وأشار إلى كل معاون عليها ومساعد فيهاأخرجه الترمذي من حديث أنس، وقد روى هذا الحديث عن ابن عباس وابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى ابن بطة باسناده عن محمد ابن سيرين أن قيماً كان لسعد بن أبي وقاص في أرض له، وأخبره عن عنب أنه لا يصلح زبيباً ولا يصلح أن يباع إلا لمن يعصره فأمره بقلعه وقال بئس الشيخ أنا إن بعت الخمر، ولأنه يعقد عليها لمن يعلم أنه يريدها للمعصية فأشبه إجارة أمته لم يعلم أنه يستأجرها للزنا بها ) ( الشرح الكبير على متن المقنع ج٤/ ٤٠)

٢/ كثيرٌ من فتاوى أهل العلم تدور على هذا الأصل ( ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) مما يدل على أهمية هذه القاعدة وأنها من مصادر الحكم على أفعال العباد تحريماً أو جوازاً مما يُحتاج فيه الى مزيد عناية لضبط القاعدة ليُدرك ما يدخل فيها مما يخرج منها ...

٣/ الناس في هذه القاعدة ما بين إفراط وتفريط ! :
أ/ إفراط : توسع في تنزيل هذه القاعدة حتى تنزهوا عما أباحه بل وفعله رسولنا ﷺ ومن ذلك ما يُكثر البعض من إيراده في خطبه ومواعظه بل وفتواه في هذه القصة ( فقد سأل خياطٌ بعضهم ، فقال: أنا ممن يخيط للظلمة ؛ فهل أُعّدُّ من أعوانهم؟ فقال: لا ! أنت منهم، والذي يبيعك الإبرة من أعوانهم !!)
فما علاقة الخياط وبائع الإبر الذي يخيط ثوباً يلبسه الظالم وليس له أي قصد أو مباشرة أو تسبب في ظلم الظالم للناس!
ب/ تفريط : وقصر البعض في مراعاة النظر في هذه القاعدة في كثير مما هو إعانة على الإثم والعدوان ففسح المجال للوقوع في الحرام بل والتحايل على فعله وتسهيله لأصحابه !
ومن ذلك إباحة البعض بيع العنب لمن يتخذه خمراً ( (و) جاز (بيع عصير) عنب (ممن) يعلم أنه (يتخذه خمرا) لان المعصية لا تقوم بعينه بل بعد تغيره، وقيل يكره لاعانته على المعصية ...) ( الدر المختار شرح تنوير الأبصار وجامع البحار - ج١- ٦٦١)

٤/ فلذلك كان هناك ضرورة شديدة لبيان ضوابط هذه القاعدة الكبيرة ( الإعانة على الإثم والعدوان )
ومن أحسن ما وجدت في بيان ضابط القاعدة ما صدر من بيان عن ( مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا ) في دورته الخامسة التي انعقدت بالبحرين سنة 1428هـ... فبعد مناقشات ومباحاث انفصلوا الى تقسيم ضابط الإعانة الى أربعة أقسام بها تتضح الصورة كاملة ولا ينتج الخلط والتشويش في التصور للمفهوم فينتج لنا خلل في الإفتاء والحكم ..
الأقسام الأربعة :
١/ مباشرة مقصودة : كمن أعطى آخر خمرا بنية إعانته على شربها( حكمها أنها حرام )
2 / مباشرة غير مقصودة : ومنه بيع المحرمات التي ليس لها استعمال مباح إذا لم ينو إعانتهم على استعمالها المحرم ( حكمها أنها حرام )
3 / مقصودة غير مباشرة : كمن اعطى آخر درهما ليشتري به خمرا ومنه القتل بالتسبب ( حكمها أنها حرام )
4 / غير مباشرة ولا مقصودة : كمن باع ما يستعمل في الحلال والحرام ولم ينو إعانة مستعمليه في الحرام ، وكمن أعطى آخر درهما لا ليشتري به خمرا فإن اشترى به خمرا وشربه فلا إثم على من أعطاه الدرهم طالما لم ينو به إعانته على المحرم ،
ومن هذا القسم الرابع البيع والشراء والإجارة من المشركين وفساق المسلمين والتصدق عليهم بالمال ( حكمه الإباحة )
ودل على إباحته تواتر تعامل النبي ﷺ مع الكفار والمشركين بيعاً وشراءً وإجارة ورهناً وهبة وهدية فيما ليس فيه قصد أو مباشرة للحرام مع تلبسهم الحرام وعدم تنزههم عنه ...
ومن ضبط هذه الأقسام ضبطاً محكماً فأنا ضامنٌ أن لا يضطرب كلامه أو يوسع أو يضيق على الناس في باب الإعانة على الإثم والعدوان ---

٥/ تنبيه مهم :
قد يقول قائل البيع في مثل العنب لمن يتخذه خمراً أنه مستوفى الشروط والأركان فلماذا المنع ؟
أو يقول قائل أنه لا يعلم هل سيصنع المشتري منه خمراً أم لا أو يستعمل السلاح في قتال الفتنة أم لا ؟
وقائل آخر يقول هل البيع صحيح مع الإثم أم باطل إذا كان من جنس الإعانة المحرمة ؟
كل هذا في جواب ملخص ماتع مؤصل لأبي الفرج عبدالرحمن بن قدامة يقول [ وقولهم تم البيع بشروطه وأركانه قلنا لكن وجد المانع منه إذا ثبت هذا فإنما يحرم البيع إذا علم البائع قصد المشتري ذلك إما بقوله أو بقرائن محتفة بقوله تدل عليه، وإن كان الأمر محتملاً كمن لا يعلم حاله أو من يعمل الخل والخمر معاً ولم يلفظ بما يدل على إرادة الخمر فالبيع جائز.
فإن باعها لمن يتخذها خمراً فالبيع باطل ويحتمل أن يصح، وهو مذهب الشافعي لأن المحرم في ذلك اعتقاده بالعقد دونه فلم يمنع صحة العقد كما لو دلس العيب ولنا أنه عقد على عين لمعصية الله تعالى بها فلم يصح كإجارة الأمة للزنا والغناء، وأما التدليس فهو المحرم دون العقد ولأن التحريم هنا لحق الله تعالى فأفسد العقد كبيع الربا وفارق التدليس فإنه لحق آدمي (فصل) وهكذا الحكم في كل ما قصد به الحرام كبيع السلاح في الفتنة أو لأهل الحرب أو لقطاع الطريق، وبيع الأمة للغناء أو إجارتها لذلك فهو حرام والعقد باطل لما قدمنا ] ( الشرح الكبير على المقنع / ج٤-٤٠-٤١)
والله الموفق لا رب سواه ...

الحياة أمل
2015-07-31, 03:58 AM
أحسن الله إليكم شيخنآ
ونفع بكم الإسلآم والمسلمين ...~

الفهداوي
2015-07-31, 06:14 PM
جزاكم الله خيرا وبارك الله فيكم طرح طيب