المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التفريق بين فعل الكفر والحكم بكفر الفاعل


الفهداوي
2015-06-03, 08:41 PM
http://v.3bir.net/imgcache/2010/03/0812091137595Iwq-1.gif
http://v.3bir.net/imgcache/2008/01/59-1.jpg
التفريق بين فعل الكفر والحكم بكفر الفاعل
http://gif.vip600.com/smiles/30/040.gif

الذين يقعون في تكفير المسلمين لا يرون في فعلهم ما يخالف الاحتياط للدين وإحسان الظن بالمسلم، لأنهم - وحسب رأيهم - لا يكفرون إلا من وقع بما حكم الله ورسوله بكفر فاعله، فسقطت عنه عصمة المسلم وحقوقه، فهم لم يشهدوا عليه بالكفر إلا امتثالاً لحكم الشريعة في فعله أو قوله.
أما الراسخون من علماء الإسلام فإنهم لا يعتبرون الوقوع في الكفر مسوغاً للحكم بكفر المسلم قبل تبين حاله، فإنهم يفرقون بين وصف الفعل بالكفر ووسم فاعله بهذا الحكم، فإن ما ورد في النصوص من إطلاق حكم التكفير على فاعلي بعض الموبقات، لا يعني بالضرورة شمول الحكم كل من تلبس بهذه الموبقة.
والأصل في هذه العاصمة من قاصمة التكفير قصة الرجل الذي جلده النبي - صلى الله عليه وسلم - في الشراب، فأُتي به يوماً، فأمر بجلده، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تلعنه، فو الله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله)). ( رواه البخاري ح (780))
فهذا رجل ينهى رسول الله عن لعنه، مع أنه - صلى الله عليه وسلم - لعن شاربي الخمر كما في حديث أنس بن مالك: ((لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الخمر عشرة: عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشتراة له)). ( رواه الترمذي ح (1295)، ابن ماجه ح (3381)، وأحمد في المسند ح (2892)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه ح (2726))
فشارب الخمر ملعون على لسان النبي - صلى الله عليه وسلم -، بينما منع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من لعن هذا المعين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فنهى عن لعنه مع إصراره على الشرب، لكونه يحب الله ورسوله، مع أنه لعن في الخمر عشرة ... ولكن لعن المطلق لايستلزم لعن المعين، الذي قام به ما يمنع لحوق اللعنة به".
ثم يقيس شيخ الإسلام التكفير على اللعن فيقول: "وكذلك التكفير المطلق والوعيد المطلق، ولهذا كان الوعيد المطلق في الكتاب والسنة مشروطاً بثبوت شروط، وانتفاء موانع". ( مجموع الفتاوى (10/ 330))
ويقول رحمه الله: " فتكفير المعين من هؤلاء الجهال وأمثالهم - بحيث يحكم عليه بأنه من الكفار - لا يجوز الإقدام عليه إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة الرسالية، التي يتبين بها أنهم مخالفون للرسل، وإن كانت هذه المقالة لا ريب أنها كفر، وهكذا الكلام في تكفير جميع المعينين". ( المصدر السابق (12/ 500))
http://gif.vip600.com/smiles/30/040.gif
ويقول: " فقد يكون الفعل أو المقالة كفراً، ويطلق القول بتكفير من قال تلك المقالة، أو فعل ذلك الفعل، ويقال: من قال كذا، فهو كافر، أو من فعل ذلك، فهو كافر.
لكن الشخص المعين الذي قال ذلك القول أو فعل ذلك الفعل لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها. وهذا الأمر مطرد في نصوص الوعيد عند أهل السنة والجماعة، فلا يشهد على معيَّن من أهل القبلة بأنه من أهل النار، لجواز أن لا يلحقه الوعيد، لفوات شرط، أو لثبوت مانع". ( المصدر السابق (23/ 345))
ويقول ابن الهمام الحنفي: "اعلم أن الحكم بكفر من ذكرنا من أهل الأهواء .. محمله أن ذلك المعتقد في نفسه كفر، فالقائل به قائل بما هو كفر، وإن لم يكفر". ( شرح فتح القدير (1/ 351))
أما ما يمنع تحقق الوعيد في المعين فهو أمور كثيرة يجمعها ما أسماه شيخ الإسلام "فوات شرط أو ثبوت موانع"، فثمة شروط لتحقق الوعيد كالعلم بحرمة الفعل، ففوات هذا الشرط بتحقق الجهل عذر يعذر الله به {وما كان الله ليضلّ قوماً بعد إذ هداهم حتّى يبيّن لهم مّا يتّقون إنّ الله بكلّ شيءٍ عليم} (التوبة: 115).
قال ابن حزم: "لا يجوز أن يكفَّر أحد إلا من بلغه أمر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وصح عنده، فاستجاز مخالفته .. وأما من لم يبلغه الأمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فليس كافراً باعتقاده أي شيء اعتقده .. ". (الدرة فيما يجب اعتقاده (413))
ويؤكد شيخ الإسلام ابن تيمية ذلك بقوله: "أني من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير، وتفسيق، ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة، وفاسقاً أخرى، وعاصياً أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية، والمسائل العملية". (الدرة فيما يجب اعتقاده (413))
وكذا ينبغي قبل الحكم بكفر المعين الجزم بانتفاء الموانع التي قد يرحمه الله ببعضها، وهي كثيرة، منها: توبة العبد التي ترفع الوعيد باتفاق المسلمين لورودها في صريح القرآن، وكذا قد يرفع الوعيد بشفاعة من قبِلَ الله شفاعته خلافاً للمعتزلة الذين ينكرونها، وسوى ذلك من الأعذار التي يقبلها الله، فيقيل بها العثرات ((ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين)). (رواه البخاري ح (7416)، ومسلم ح (1499))
http://gif.vip600.com/smiles/30/040.gif
يقول ابن تيمية وهو يعدد بعض موانع لحوق الوعيد بالمعين: " ثم الشخص المعين يلتغي حكم الوعيد فيه بتوبة، أو حسنات ماحية، أو مصائب مكفرة، أو شفاعة مقبولة، والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيباً لما قاله الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة .. وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها، وإن كان مخطئاً". (مجموع الفتاوى (3/ 231))
والاجتراء على الله والافتئات على عفوه ورحمته كبيرة توبق العمل وتحبطه، وفيه قصة الرجلين من بني إسرائيل ((فكان أحدهما يذنب، والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب، فيقول:قصِر. فوجده يوماً على ذنب فقال له: أقصر. فقال: خلني وربي. أبعثت علي رقيباً؟ فقال: والله لا يغفر الله لك أو لا يدخلك الله الجنة.
فقبض أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالماً؟ أو كنت على ما في يدي قادراً؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي. وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار. قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده، لَتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته)). (رواه أبو داود ح (4901)، وحسنه الألباني في شرح العقيدة الطحاوية (364))
قال ابن أبي العز الحنفي: "وأما الشخص المعين، إذا قيل: هل تشهدون أنه من أهل الوعيد وأنه كافر؟ فهذا لا نشهد عليه إلا بأمر تجوز معه الشهادة، فإنه من أعظم البغي أن يشهد على معيَّن أن الله لا يغفر له ولا يرحمه، بل يخلده في النار، فإن هذا حكم الكافر بعد الموت ... ولأن الشخص المعين يمكن أن يكون مجتهداً مخطئاً مغفوراً له، [ويمكن أن يكون ممن لم يبلغه ما وراء ذلك من النصوص]، ويمكن أن يكون له إيمان عظيم وحسنات أوجبت له رحمة الله". (شرح العقيدة الطحاوية (318 - 319))
يقول ابن القيم: "والله يقضي بين عباده يوم القيامة بحكمه وعدله، ولا يعذب إلا من قامت عليه حجته بالرسل، فهذا مقطوع به في جملة الخلق، وأما كون زيد بعينه وعمرو قامت عليه الحجة أم لا، فذلك ما لا يمكن الدخول بين الله وبين عباده فيه، بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول، هذا في الجملة، والتعيين موكول إلى علم الله وحكمه، هذا في أحكام الثواب والعقاب". (طريق الهجرتين (610 - 611))
والقول بلزوم تحقق الوعيد في كل أحد قول أهل البدع، يقول ابن أبي العز: "البدع هي من هذا الجنس، فإن الرجل يكون مؤمناً باطناً وظاهراً، لكن تأول تأويلاً أخطأ فيه، إما مجتهداً، وإما مفرطاً مذنباً، فلا يقال: إن إيمانه حبط لمجرد ذلك، إلا أن يدل على ذلك دليل شرعي، بل هذا من جنس قولالخوارج والمعتزلة.
http://gif.vip600.com/smiles/30/040.gif


ولا نقول: لا يكفر، بل العدل هو الوسط، وهو أن الأقوال الباطلة المبتدعة المحرمة المتضمنة نفي ما أثبته الرسول أو إثبات ما نفاه أو الأمر بما نهى عنه أو النهي عما أمر به يقال فيها الحق ويثبت لها الوعيد الذي دلت عليه النصوص، ويبين أنها كفر، ويقال: من قالها فهو كافر، ونحو ذلك كما يذكر من الوعيد في الظلم في النفس والأموال ... ". ( شرح العقيدة الطحاوية (318))
وهذا التفريق بين الكفر ومرتكبه طبقه السلف الصالح من أهل السنة والجماعة في واقعهم مع أشد مخالفيهم قسوة وظلماً، فالقول بخلق القرآن وغيره مما قاله المعتزلة كفر لا يلزم منه كفر قائله، يقول شارح الطحاوية: "وكما قد قال كثير من أهل السنة المشاهير بتكفير من قال بخلق القرآن، وأن الله لا يرى في الآخرة، ولا يعلم الأشياء قبل وقوعها، وعن أبي يوسف رحمه الله أنه قال: ناظرت أبا حنيفة رحمه الله مدة حتى اتفق رأيي ورأيه أن من قال بخلق القرآن فهو كافر ". (المصدر السابق (318))
وعلى الرغم من اتفاق بل إجماع أهل السنة على كفر القول بخلق القرآن (نقل ذلك غير واحد من أهل العلم. انظر: معارج القبول (1/ 269)) فإنهم لم يقولوا بكفر معين ممن شارك في فتنة خلق القرآن،
يقول شيخ الإسلام: " كان الإمام أحمد يكفِّر الجهمية المنكرين لأسماء الله وصفاته، لأن مناقضة أقوالهم لما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ظاهرة بينة ... لكن ما كان يكفر أعيانهم ... ومع هذا فالذين كانوا من ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية، ويدعون الناس إلى ذلك ويعاقبونهم، ويكفرون من لم يجبهم، ومع هذا فالإمام أحمد ترحم عليهم، واستغفر لهم، لعلمه بأنهم لمن يتبين لهم أنهم مكذبون للرسول، ولا جاحدون لما جاء به، ولكن تأولوا فأخطأوا، وقلدوا من قال لهم ذلك". (مجموع الفتاوى (23/ 349))
http://gif.vip600.com/smiles/30/040.gif
ويقول: " التكفير له شروط وموانع، قد تنتفي في حق المعين، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين، إلا إذا وجدت الشروط، وانتفت الموانع، يبينهذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات، لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه". (مجموع الفتاوى (12/ 487 - 488))
ثم ذكر شيخ الإسلام مثلاً آخر، وهو صنيع الشافعي، يقول: "وكذلك الشافعي لما قال لحفص الفرد - حين قال: (القرآن مخلوق) -: كفرتَ بالله العظيم، بيّن له أن هذا القول كفر، ولم يحكم بردة حفص بمجرد ذلك، لأنه لم يتبين له الحجة التي يكفر بها، ولو اعتقد أنه مرتد، لسعى في قتله، وقد صرح في كتبه بقبول شهادة أهل الأهواء والصلاة خلفهم". ( مجموع الفتاوى (23/ 349))
وطبق ابن تيمية رحمه الله هذا المسلك الأصيل عند علمائنا، فكان في محنته يقول للجهمية الحلولية والنفاة الذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش: " أنا لو وافقتكم كنت كافراً، لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون، لأنكم جهال، وكان هذا خطاباً لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم". (الرد على البكري (494/ 2))
ومما سبق يتبين وجوب التفريق بين الحكم المطلق والحكم على معين، فلئن كان رسول الله لعن بإطلاق شارب الخمر، فإنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن لعن معين من أصحابه شربها، ولئن كفر العلماء بإطلاق القائل بأن القرآن مخلوق، فإنهم امتنعوا عن تكفير آحاد القائلين به، إذ قد يتخلف تحقق الوعيد العام لأعذار قامت في المعين أو لغيرها من الموانع، وهذا الحكم يسري على سائر المكفرات.
والحمد لله أولا وآخرا ..

موضوعات ذي صلة

الجهل مانع من موانع تكفير المعين (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=23866&highlight=%C7%E1%CC%E5%E1+%E3%C7%E4%DA)
:15:
العذر بالتأويل مانع من موانع التكفير (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=26139)
:15:
الخطأ مانع من موانع التكفير مع سلامة القصد (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=24100&highlight=%C7%E1%CC%E5%E1+%E3%C7%E4%DA)
:15:
العذر بالإكراه مانع من موانع التكفير (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=26197)
:15:

العذر بالتقليد مانع من موانع التكفير بضوابطه (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=26343)
:15:
التفريق بين مسائل العقيدة ومسائل الأحكام في مسألة التكفير وموانعه (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=26385)

الحياة أمل
2015-06-05, 01:42 PM
كتب ربي أجركم شيخنآ على هذآ الطرح
دُمتم موفقين ...~

الفهداوي
2015-06-05, 06:25 PM
كتب ربي أجركم شيخنآ على هذآ الطرح
دُمتم موفقين ...~

بارك الرحمن فيكم وشكر لكم كرييم مروركم