المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وقفات مع شهر الصيام


الفهداوي
2015-06-20, 05:20 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

هذه وقفات قصيرات أنقلها للعظة والعبرة من كتاب "أخطاء شائعة وبدع ومخالفات ..":
الوقفة الأولى:
أذكرك -أخي المسلم- بأصل الخلق وسبب الوجود.
قال الله -عز وجل-: {وَما خلقتُ الجنَّ والإنسَ إلا لِيعبُدون}؛ قال الإمام النووي: (وهذا تصريح بأنهم خُلقوا للعبادة، فحُق عليهم الاعتناء بما خُلقوا له، والإعراض عن حظوظ الدنيا بالزهادة؛ فإنها دار نفاد لا محل إخلاد، ومركب عبور لا منزل حبور، ومشرع انفصام لا موطن دوام.
أخي المسلم:
تفكر في عظم فضل الله عليك: {وإن تعُدوا نعمةَ اللهِ لا تُحصوها}.
وأجلُّ تلك النِّعَم وأعظمها نعمة الإسلام؛ فكم يعيش على هذه الأرض من أمم حُرمت شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟ وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء.
ثم احمد الله -عز وجل- على نعمة الهداية والتوفيق؛ فكم ممن ينتسب إلى الإسلام وهم مُخالفون لتعاليمه ظاهرًا وباطنًا، مفرطون في الواجبات، غارقون في المعاصي والآثام؛ فاللهم! لك الحمد.
وأنت -أيها المسلم- تتقلب في نعم الله -عز وجل- مِن أمن في الأوطان، وسعة في الأرزاق، وصحة في الأبدان؛ عليك واجب الشكر بالقول والفعل، وأعظم أنواع الشكر: طاعة الله -عز وجل-، واجتناب نواهيه؛ فإن النعم تدوم بالشكر؛ كما قال -تعالى-: {وإذْ تأذَّن ربُّكم لئنْ شكرتُم لأزيدَنَّكُم}.

الوقفة الثانية:
من نِعم الله عليك أن مدَّ في عمرك، وجعلك تُدرك هذا الشهر العظيم.
فكم غيَّب الموتُ من صاحب، ووارى الثرى من حبيب . .
فإن طول العمر، والبقاء على قيد الحياة فرصة للتزوُّد من الطَّاعات، والتَّقرُّب إلى الله -عزَّ وجلَّ- بالعمل الصالح.
فرأس مال المسلم هو عُمره؛ لذا: احرص على أوقاتك وساعاتك حتى لا تضيع سُدى، وتذكَّر مَن صام معنا العام الماضي وصلَّى العيد ثم . . أين هو -الآن- بعد أن غيَّبه الموت؟!!
واجعل لك نصيبًا من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " اغتنِم خمسًا قبل خمس: حياتَك قبل موتك، وصحتَك قبل سقمك، وفراغك قبل شُغلك، وشبابك قبل هرمك، وغِناك قبل فَقرك ". [رواه الحاكم]
واحرص أن تكون مِن خيار الناس؛ كما أخبر بذلك الرسولُ -صلى الله عليه وسلم-.
فعن أبي بَكرة -رضي الله عنه-: أن رجلًا قال: يا رسول الله! أي الناس خير؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: " مَن طال عُمره، وحسُن عمله "، قال: فأي الناس شر؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: " مَن طالَ عُمره، وساء عملُه ". [رواه مسلم

الوقفة الثالثة:
يجب الإخلاص في النيَّة، وصدق التوجه إلى الله -عزَّ وجلَّ-.
واحذر وأنت تعمل الطاعات مداخل الرياء والسمعة؛ فإنها داء خطير قد تُحبط العمل.
واكتم حسناتك وأَخفِها كما تكتم وتخفي سيئاتك وعيوبك، واجعل لك خبيئة من عمل صالح لا يعلم به إلا الله -عز وجل-؛ من صلاة نافلة، أو دمعة في ظلمة الليل، أو صدقة سر.
واعلم أن الله -عز وجلَّ- لا يتقبل إلا من المتقين؛ فاحرص على التقوى {إنَّما يتقبَّلُ اللهُ مِن المتَّقين}.
ولا تكن ممن يأبون دخول الجنة؛ كما ذكر ذلك الرسول -صلى الله عليه وسلم- بقوله: " كل أمتي يَدخلون الجنةَ إلا من أبى "، قالوا: ومَن يأبَى يا رسول الله؟ قال: " مَن أطاعني دخل الجنةَ، ومَن عصاني فقد أبى ". [رواه مسلم]

الوقفة الرابعة:
عوِّد نفسك على ذِكر الله في كل حين وعلى كل حال، ولْيكن لسانُك رطبًا بِذِكر الله -عز وجل-، وحافظ على الأدعية المعروفة، والأوراد الشرعيَّة، قال -تعالى-: {يا أيُّها الذين آمنوا اذكُروا اللهَ ذِكرًا كثيرًا - وسبِّحوهُ بُكرةً وأصيلًا}، وقال -تعالى-: {والذَّاكِرينَ اللهَ كثيرًا والذاكِراتِ أعدَّ اللهُ لهمْ مغفرةً وأجرًا عظيمًا}.
قالت عائشة -رضي الله عنها-: " كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يَذكرُ اللهَ في كلِّ أحيانِه ". [رواه مسلم]
وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " سبق المفرِّدون "، قالوا: وما المُفردون يا رسول الله؟ قال: " الذاكِرون اللهَ كثيرًا والذاكِرات ". [رواه مسلم]
قال ابن القيم -رحمه الله-: (وبالجملة: فإن العبدَ إذا أعرض عن الله واشتغل بالمعاصي؛ ضاعت عليه أيام حياتِه الحقيقية التي يجد غبَّ إضاعتها يوم يقول: {يا ليتَني قدَّمتُ لِحياتي}.
واعلم -أخي المسلم- أنه لن يعملَ أحدٌ لك بعد موتِك -من صلاة، وصيام، وغيرها-؛ فهبَّ إلى الإكثار مِن ذِكر الله -عز وجل-، والتزود من الطاعات والقرُبات.

الوقفة الخامسة:
احرص على قراءة القرآن الكريم كل يوم، ولو رتَّبت لنفسك جدولًا تقرأ فيه بعد كل صلاة جزءًا من القرآن؛ لأتممتَ في اليوم الواحد خمسة أجزاء؛ وهذا فضل من الله عظيم.
والبعض يَظهر عليه الجد والحماس في أول الشَّهر ثم يفتر! وربما يمر عليه اليوم و اليومان -بعد ذلك- وهو لا يقرأ من القرآن شيئًا!!
وقد ورد في فضل القرآن ما تقر به النفوس، وتهنأ به القلوب؛ فعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " مَن قرأ حرفًا مِن كتاب الله؛ فله حسنة، والحسنة بعَشر أمثالِها، لا أقول {ألم} حرف، ولكن أقول: {أ} حرف، و{ل} حرف، و{م} حرف ". [رواه الترمذي]
وعن أبي أمامة الباهلي قال: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: " اقرؤوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابِه ". [رواه مسلم]

الوقفة السادسة:
رمضان فرصة مواتية للدعوة إلى الله.
فتقرب إلى الله -عز وجل- في هذا الشهر العظيم بدعوة أقاربك وجيرانك وأحبابك عبر الكتاب والشريط والنصيحة والتوجيه، ولا يخلو لك يوم دون أن تساهم في أمر الدعوة؛ فإنها مهمة الرسول والأنبياء والدعاة والمُصلِحين، وليكنْ لك سهم في هذا الشهر العظيم؛ فإن النفوس متعطشة، والقلوب مفتوحة، والأجر عظيم.
قال -صلى الله عليه وسلم-: " فوالله؛ لأن يهدي اللهُ بك رجلًا خيرٌ لك من حُمْر النَّعَم " [متفق عليه]

الوقفة السابعة:
احذر مجالس الفارِغين، واحفظ لسانك من الغِيبة والنميمة وفاحش القول، واحبسه عن كل ما يُغضب الله، وأَلزِم نفسك الكلام الطيِّب الجميل، وليكنْ لسانك رطبًا بذِكر الله.
وهي فرصة للتزوُّد من الطاعة والتفرغ للعبادة، وقد لا تتكرر الفرصة؛ بل وقد تموت قبل أن تعودَ الفُرص!
واعلم أن كل يوم يعيشه المؤمن هو غنيمة:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: كان رجلان من بَليٍّ من قُضاعة أسلما على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، فاستشهد أحدهما وأُخِّر الآخر سَنَة، فقال طلحة بن عبيد الله: فرأيتُ المؤخَّر منهما أُدخِل قبل الشَّهيد؛ فتعجبتُ لذلك! فأصبحت، فذكرتُ ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم-، أو ذُكر ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فقال: " أليسَ قد صام بعده رمضان وصلَّى ستة آلاف ركعة، وكذا ركعة صلاة سَنَة؟ ". [رواه أحمد]

الوقفة الثامنة:
منزلك هو مناط توجيهك الأول؛ فاحرص -أولًا- على أخذ نفسك وتربيتِها على الخير، ثم احرص على مَن حولك -من زوجة، وأخ، وأخت، وأبناء- بتذكيرهم بِعِظم هذا الشهر وحثهم على المحافظة على الصلاة، وكثرة قراءة القرآن.
وكن آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر -في منزلك- بالقول الطيب والكلمة الصادقة.
وأتبِع ذلك -كلَّه- بالدُّعاء لهم بالهداية.
وهذا الشهر فرصة لمراجعة ومناصحة المقصِّرين والمفرِّطين؛ فلعل الله -عز وجل- أن يهدي مَن حولك؛ فيكون لك الأجر العظيم؛ كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " من دل على خير فلهُ مثل أجر فاعلِه ". [رواه مسلم]
أخي المسلم:
إن أفزعتك دورة الأيام، وأهمك أمر الآخرة، وأردتَ أن تعمل فلا تقصر، فاقصد باب التوبة، واطرق جادة العودة، وقُل: لعله آخر رمضان في حياتي، ولعلي لا أعيش سوى هذا العام، ولا تستكثر عليك هذا التصوُّر.
فاحزم أمرَك، وسِر إلى الآخرة؛ فوالله إنك في حاجة إلى الحسَنة الواحدة، واستحضِر عظمة الجبَّار، وهَول المطلع، ويومًا تشيب فيه الولدان.
وفكِّر في جنةٍ عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، ونار يُقال لها (لظى) {نَزَّاعةً للشَّوى - تدعُو مَن أدبرَ وتولَّى}، وسترى بتَذكُّر كل ذلك -بإذن الله-عز وجل- ما يُعينك على الاستمرار في العبادة، والمحافظة على الطاعة.
وإن كنتَ قد تصدقتَ بما مضى من عُمُرك على الدنيا -وهو الأكثر-؛ فتصدَّق بما بقي من عُمرك على الآخرة -وهو الأقل-.
أدعو الله -عز وجل- بأسمائه الحسنى، وصفاته العُلا: أن يُعيد هذا الشَّهر علينا -أجمعين- في خير وعافية، وألا يكون هذا آخر رمضان نصومه.
اللهم تقبل صيامَنا وقيامنا، وتجاوز عن تقصيرها، واغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا؛ إنك أنت الغفور الرحيم، ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إمامًا، اللهم اغفر لنا ولوالدِينا ولجميع المسلمين.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

نقلًا من كتاب: "أخطاء شائعة وبدع ومخالفات واعتقادات باطلة تتعلق بشهر رمضان وزكاة الفطر والعيدين"، جمع وترتيب: أحمد بن عبد الله السلمي، (24-28).

قتادة
2015-06-20, 07:25 AM
جزاك الله كل خير

الحياة أمل
2015-06-20, 03:56 PM
أعآننآ الله وإيآكم شيخنآ على طآعته
جزآكم الرحمن خيرآ للطرح المفيد ...~