المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اثبات ان الله سبحانه تكلم بالقرآن حقيقة وانه كلام الله بالصوت والحرف


عبدالله الأحد
2015-07-26, 03:29 PM
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله

قال المؤلف رحمه الله

إثبات أن كلام الله عز وجل بصوت والرد عليه في نفي ذلك

وقد صرح بمعتقده في هذه المسألة في مواطن عدة من كتبه ، نذكر منها ما ورد في كتابه (( إلقام الحجر للمتطاول على الأشاعرة من البشر )) ( ص 29 ) ، حيث قال – في معرض رده على عمر محمود صاحب كتاب (( الرد الأثري المفيد على البيجورى في شرح جوهرة التوحيد )) : - ( وأما ادعاؤه بأن كلام الله تعالى حروف وأصوات فادعاء باطل لا أساس له ، ولا دليل عليه ، وخصوصاً أنه نقل كلام ابن تيمية فقال : إن الله تكلم بالقرآن بحروفه ومعانيه كما ثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف …. إلخ .
فنقول : أما قوله ( كما ثبت بالكتاب ) فليس صحيحاً ، فأين ذكرت لفظة ( صوت ) في القرآن صفة لله تعالى ، وأين في القرآن الآية التى فيها أن الله يتكلم بصوت ؟ ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! . قال ا|لإمام البيهقي في (( الأسماء والصفات )) ( 273 ) : ولم يثبت صفة الصوت في كلام الله عز وجل أهـ . وأما قوله : ( والسنة ) فجوابه : لم يثبت في السنة أن الله تعالى يتكلم بصوت البتة ، أو أن لله صوتاً بتاتاً … ) إلى أخر كلامه .
? قلت : بل الكلام بصوت ثابت لله تعالى بنص الكتاب والسنة :
? فأما ما دل على ذلك من الكتاب :
فقوله تعالى : { وأنا أخترتك فاستمع لما يوحى } { طه : 13 } . وقول الله تعالى : { وكلم الله موسى تكليما } { النساء : 164 } . وقوله تعالى : { منهم من كلم الله } { البقرة : 253 } . وقوله سبحانه وتعالى : { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب … } الآية { الشورى : 51 } . وقوله تعالى : { وإذ نادى ربك موسى } { الشعراء : 10 } . (( فدل هذا على أن سمع كلام الله تعالى ، ولا يسمع إلا الصوت ، وربنا تعالى قد خاطبنا باللسان العربي الذي نفهمه ، وليس فيه سماع يحصل من غير صوت ))(1) .
? وأما ما دل على ذلك من السنة : فحديث عبدالله بن مسعود ? قال : إذا تكلم الله عز وجل بالوحي سمع صوته أهل السماء ، فيخرون سجداً ، حتى إذا فزع عن قلوبهم ، قال : سكن عن قلوبهم ، ونادى أهل السماء : ماذا قال ربكم ؟ قال : الحق ، قال : كذا ، وكذا . رواه عبدالله بن الإمام أحمد في السنة ( 536 ) بسند جيد . وفي رواية : (( إذا تكلم الله عز وجل بالوحي سمع أهل السماء له صلصلة كصلصلة الحديد على الصفا )) . أخرجه عبدالله في السنة ( 537 ) ، وابن خزيمة في التوحيد ( ص : 145 – 147 ) ، والدرامي في (( الرد على الجهمية )) ( ص : 91 ) . وسنده صحيح . ونقل عبدالله بن الإمام أحمد عن أبيه قوله : (( حديث ابن مسعود ? : إذا تكلم الله عز وجل سمع له صوت حجر السلسلة على الصفوان ، قال أبي : وهذا الجهمية تنكره )) . ومثله لا يقال بمجرد الرأى أو العقل ، فله على ذلك حكم الرفع ، كما قرر علماء الحديث ، بل وردت بعض روايات هذا الخبر مرفوعة ، إلا أنها شاذة ، فقد تفرد برفعها بلفظ مغاير عن العمش أبو معاوية الضرير محمد بن خازم ، عن النبي ? ، قال : (( إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا …. )) الحديث أخرجه أبو داود ( 4738 ) ، والآفة في هذا الخبر من أبي معاوية ، وإن كان رواه مرة على الجادة فوافق كل من رواه عن الأعمش موقوفاً باللفظ الأول ، فقد رواه – مرة أخرى – مرفوعاً ببغداد فيما ذكره عبدالله بن الإمام أحمد في (( السنة )) ( 1 / 282 ) ، وأبو معاوية وإن كان من اصحاب الأعمش إلا أنه يخطئ في أحاديث عنه ، بل قال عن نفسه : حفظت من الأعمش الفاً وست مائة فمرضت مرضة فذهب عني منها أربه مائة . وقال الإمام أحمد : (( يخطئ في أحاديث من أحاديث الأعمش )) . وقد خالف كل من رواه موقوفاً باللفظ الأول ، ولذا رجع البخاري الرواية فأخرجها تعليقاً في (( صحيحه )) ( 9 / 612 – اليونينية ) : (( وقال مسروق ، عن ابن مسعود : إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات شيئاً ، فإذا فزع قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنه الحق ونادوا ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الحق )) .
? وقد أثبت الإمام أحمد الكلام بصوت لله عز وجل : فقال عبدالله بن الإمام أحمد – رحمهما الله – في السنة ( 533 ) : سألت أبي – رحمة الله – عن قوم يقولون : لما كلم الله عز وجل موسى لم يتكلم بصوت ، فقال أبي : ، بلى ، إن ربك عز وجل تكلم بصوت ، هذه الأحاديث نرويها كما جاءت )) . وهذا الخبر رواه النجاد في (( الرد على من يقول القرآن مخلوق )) ( ق : 87 / ب ) عن عبدالله به .
? فدل هذا الخبر على أمرين :
أحدهما : إثبات معتقد الإمام أحمد في المسألة ، وانه يثبت الكلام بالصوت لله عز وجل ، وفي هذا رد على هذا السخاف فيما ذكره في ( ص 21 ) من كتابه المذكور حيث قال :
(( حاول الكاتب أن يرد قول أهل السنة والجماعة : أن الله تعالى متكلم ، وان كلامه ليس بحرف ولا صوت ولا لغة )) . فلا أدرى : هل يعتبر الإمام أحمد مبتدعأ ويخرجه من أهل السنة والجماعة بعد هذا النقل الصحيح عنه في بيان مذهبه في مسألة الصوت ؟! . وخصوصاً أنه منقول عنه بإسناد صحيح عند النجاد في كتابه (( الرد على من يقول القرآن مخلوق )) ، فالسقاف ينفي صحة نسبه كتاب (( السنة )) ‍‍!! . أم سوف يتأول هذا النص كما تأول صفات الرب سبحانه وتعالى ؟ !
ثانيهما : تصحيحه لهذه الأخبار الواردة في إثبات الصوت ، حيث قال : (( هذه الأحاديث نرويها كما جاءت )) ، فدل بذلك على أنه يثبت الصفة كما جاءت ولا يتاولها كما أدعى هذا الأفاك الأثيم . وقال الإمام عبد الواحد بن عبد العزيز بن الحارث التميمي – رئيس الحنابلة في عصره – المتوفي سنة 410هـ في كتابه (( اعتقاد الإمام احمد )) مخطوط – وهو مروي عنه بإسناد صحيح – ( ق : 52 / ب ) : ((وكان يقول – أي الإمام أحمد : - إن القرآن كيف يصرف غير مخلوق ، وأن الله تعالى تكلم بالصوت والحرف ، وكان يبطل الحكاية ويضل القائل بذلك )) . وفي هذا رد على ملا على القاري فيما نقله عنه السقاف في (( إلقام الحجر )) ( ص : 24 ) حيث قال : ( قال المحدث علي القاري في شرح الفقه الأكبر ( ص : 29 – 30 ) : ومبتدعه الحنابلة قالوا كلامه حروف وأصوات تقوم بذاته ، وهو قديم ) . فهذا الذي بدع به بعض الحنابلة من إثبات الصوت واحرف منقول باسانيد صحيحة عن الإمام احمد – رحمه الله - .
وممن أثبت الصوت لله عز وجل الإمام البخاري رحمه الله كما سوف ياتي ذكره .
وأصرح من خبر ابن مسعود : حديث عبدالله بن انيس ? قال : سمعت النبي ? يقول : (( يحشر الله العباد – أو الناس – عراة غرلاً بهماً )) ، قلنا : ما بهماً ؟ قال : (( ليس معهم شيء فيناديهم بصوت يسمعه من بعد – أحسبه قال : كما يسمعه من قرب – أنا الملك أنا الديان لا ينبغي لأحد من اهل الجنة يدخل الجنة …..الحديث )) . وهذا الخبر قد أعله السقاف في كتابه إلقام الحجر ( ص : 29 – 31 ) . وفي كلامه على إعلال هذا الحديث ما يدل على جهله بهذه الصناعة ، وقلة باعه فيها ، وعدم تجريه لأقوال العلماء ، هذا إذا حسناً فيه الظن ، وإلا فهو متجاهل ملبس ، يدلس الأقوال ويبتر منها مالا يوافق رأيه ، ليثبت بدعه . وسوف نتكلم بشيء من التفصيل على طرق هذا الحديث إن شاء الله تعالى .
(************الجزء الثالث عشر************)
الكلام على حديث عبدالله بن أنس ? في كلام الرب تعالى بصوت وإثبات صحته

قد ورد هذا للحديث من طرق عن جابر بن عبدالله ، عن عبدالله بن انيس رضي الله عنهما .
? فأما الطريق الأول : فمن رواية القاسم بن عبد الواحد ، عن عبدالله بن محمد بن عقيل ، عن جابر به . أخرجه الإمام أحمد ( 3 / 1495 ) ، والبخاري في (( الأدب المفرد )) ( 999 ) ، والحاكم في (( المستدرك )) ( 4 / 574 ) ، والخطيب في (( الرحلة في طلب الحديث )) ( 31 ) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي . وقد أعله هذا السقاف بضعف القاسم بن عبدالواحد وعبدالله بن محمد بن عقيل فيما ادعاه . بل اشد من ذلك قوله : ( والكل يعرف أنه لا عبرة بتصحيح الحاكم في المستدرك خاصة ، ولا بإقرار الذهبي له هناك ، لأنه لم يحرره ما لم يطابق الواقع ، أو يوافق على ذلك الحفاظ ) .
قلت : وفي هذه العبارة تهوين من شأن الحافظ الذهبي – رحمه الله – وأما تحريفه لكلام العلماء في رواة هذا الإسناد فكثير ، من ذلك : قوله في القاسم بن عبدالواحد ( ص : 30 ) : ( قال عنه أبو حاتم : لا يحتج به كما في الحرج والتعديل بمعناه ( 7 / 114 )) . فاحتاط لنفسه بقوله : ( بمعناه ) لئلا يتعقب ، والذي في (( الجرح والتعديل )) . قال ابن أبي حاتم : (( سألته عنه ، فقال : يكتب حديثه ، قلت يحتج بحديثه ؟ قال : يحتج بحديث سفيان وشعبه )) . وشتان بين هذا النقل ، وبين ما حرفه ذلك المؤول من قول أبي حاتم ، فإن هذا الوصف مشعر بأنه عنده من أهل الصدق والعدالة ، بل إن هذا الوصف يدل على تشدد أبي حاتم ، إذ قال : (( يحتج بحديث سفيان وشعبه )) ، أي أن القاسم هذا لم يصل إلى درجة الحافظ المحتج بحديثه دون سبر كسفيان وشعبة ، وهذا لا يمنع من كونه ثقة محتجاً به عند غير أبي حاتم ، فلا شك أن هذا الراوى أعلى درجة ممن يقول فيه أبو حاتم : (( لا يحتج به )) . وقد أورده أبن حبان في (( الثقات )) ( 7 / 337 ) ، وذكره الحافظ الذهبي في (( الميزان )) ( 3 / 375 ) ، وقال : (( راوى حديث الصوت ، ولم ينكره عليه ، مع أنه ذكر له حديثاً عدة من مناكيره )) . وهو ما اخرجه النسائي في (( عشرة النساء )) ( 256 ) ، والذهبي في (( الميزان )) ( 3 / 375 ) من طريق : محمد بن محمد بن نافع ، حدثني القاسم بن عبدالواحد ، قال حدثني عمر بن عروة ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : فخرت بمال أبي في الجاهلية ، وكان قد ألف ألف وقية ، فقال النبي ? : (( أسكتى يا عائشة ، فإنى كنت لك كأبي زرع لأم زرع )) . ثم نشأ رسول الله يحدث : (( إن إحدى عشرة امرأة اجتمعن في الجاهلية وذكر … الحديث بطوله )) . قال الذهبي – وقد وقع في روايته : (( وكان ألف ألف وقية )) : - (( قلت : ألف الثانية باطلة قطعاً ، فإن ذلك لا يتهيأ لسلطان العصر )) . قلت : إن كان هذا هو وجه النكارة في هذا الحديث ، فهو مردود بما فسرته رواية النسائي وبينته : (( قد ألف ألف وقية )) . فليست هناك ثمة ألف ثانية ، بل الظاهر أنها تصحفت على الذهبي ، فخففها والصواب أنها بلام مشددة . وإن كان وجه النكارة قوله : (( ثم أنشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث : … الحديث )) – إذ المحفوظ أن الذي حدثت بهذا الحديث هي عائشة – فالأولى الحمل فيه على من هو دون القاسم بن عبد الواحد ، وهو محمد بن نافع ، فقد قال فيه الذهبي نفسه في (( الميزان )) ( 4/25) : (( لا يكاد يعرف )) . وقد تفرد بالرواية عنه عبد الملك الجدي ، فالحمل عليه أولى في رواية هذا الخبر . وبهذا يتضح لك القاسم بن عبد الواحد ثقة محتج به ، لا سيما وقد ثبت البخاري له هذا الحديث كما سوف يأتي ذكره .
وأما كلامه في عبد الله بن محمد بن عقيل ، فقال ( ص : 30) : ( وأما شيخه عبد الله بن محمد بن عقيل ، في تهذيب التهذيب ( 6/13) : قال يعقوب : صدوق ، وفي حديثه ضعف شديد جداً ، وكان ابن عيينة يقول : أربعة من قريش يترك حديثهم ، فذكره فيهم ، وذكر أنه تغير ، وقال الإمام أحمد : منكر الحديث ، وقال الدورى عن ابن معين : ابن عقيل لا يحتج حديثه ، وقال ابن المدينى : كان ضعيفاً، وقال النسائي : ضعيف ، وقال ابن خزيمة : لا أحتج به لسوء حفظه . أهـ مختصراً ، وفصل القول فيه الإمام الحافظ الذهب في سير أعلام النبلاء ( 6 / 205 ) ، فقال : قلت : لايرتقى خبره إلى درجة الصحة والاحتجاج ) .
? قلت : قد اهتم هذا المحرف بنقل كلام من جرح عبد الله بن محمد بن عقيل ، وضرب صفحاً عن ذكر أقوال من عدله واحتج به . ففي التهذيب : (( قال الترمذي : صدوق ، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه ، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول : كان أحمد وإسحاق والحميدي يحتجون بحديث ابن عقيل ، قال محمد بن إسماعيل ، وهو مقارب الحديث )) .
? قلت فاحتج هؤلاء الأئمة بحديثه يدل على أن من ضعفه إنما ضعفه لعلة وردت عليه ، وهي تغيره ، وذلك نقل عن يحيى بن سعيد الوجهان في الرواية عنه . فقال ابن المدينى : (( وكان يحيى بن سعيد لا يروى عنه )) وقال عمرو بن على : (( سمعت يحيى وعبد الرحمن يحدثان عنه )) . وأما قول أحمد ك (( منكر الحديث )) فالإمام أحمد قد يطلق النكارة على ما تفرد به الثقة . وقد صرح ابن حجر العسقلاني في (( هدي الساري )) ، وفي (( فتح الباري )) في مواضع عدة بذلك عن الإمام أحمد (1) . وأما قول الذهبي : (( لا يرتقى خبره إلى درجة الصحة والاحتجاج )) . فليس معناه تضعيف حديثه ، وإنما غايته أن يكون حديثه من رتبة الحسن ولاشك أنه أدنى من الصحيح في الدرجة والاحتجاج . وإلى ذلك ذهب شيخ السقاف الغمارى في (( الرد المحكم المتين على كتاب القول المبين )) ( ص : 180 ) .
? وإلى هذا المدعى الأثيم ، والمتشبع بما لم يعط نقول : لقد صحح هذا الحديث الإمام البخارى – رحمه الله – فأورده في (( صحيحه )) ( العلم / باب : الخروج في طلب العلم ) ( 1/25) معلقاً بصيغة الجزم ، قائلاً : (( ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد )) . (( وقال في خلق أفعال العباد )) ( ص:30 ) : (( وقال عبد الله بن أنيس رضي الله عنه : … )) فذكره تاماً . وقال ( ص : 149 ) : (( وفي هذا دليل أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق ، لأن صوت الله جل ذكره يسمع من بُعد كما يسمع من قرب ، وأن الملائكة يصعقون من صوته ، فإذا تنادى الملائكة لم يصعقوا )) فاستدلاله بهذا الحديث على إثبات الصوت لله عز وجل يدل على تصحيحه حديث عبد الله بن أنيس الوارد في ذلك.
ولا أظن أن السقاف لم يقف على كلام الإمام البخارى ذكره ، وكلام البخارى المشار إليه سابقاً موجود في نفس الكتاب قبل هذا الحديث مباشرة . لكن السقاف احتال لنفسه بحيلة أخرى لدفع الاحتجاج بتعليق البخارى – رحمه الله – لهذا الحديث بصيغة الجزم في (( صحيحه )) ، فذكر كلاماً لابن حجر يشيد في ظاهره ما ادعاه من ضعف هذا الحديث ك . فقال ( ص : 31 – 32 ) : ( مرض الحافظ ابن حجر الحديث من جهة ورود لفظة الصوت ، وجزم بأن البخارى مرضه أيضاً حي قل الحافظ ما نصه في (( الفتح )) ( 1 / 174 ) : (( نظر البخارى أدق من أن يعترض عليه بمثل هذا ، فإنه حيث ذكر الارتحال فقط حزم به ، بل مرضه ، لأن لفظ الصوت مما يتوقف في إطلاق نسبته إلى الرب ويحتاج إلى تأويل ، فلا يكفي فيه مجيء الحديث من طريق مختلف فيها ، ولو اعتضدت ومن هنا يظهر شفوف علمه – آي البخارى – ودقة نظره وحسن تصرفه رحمه الله تعالى )) .أ هـ كلام الحافظ من الفتح ) .
? قلت : وأين تعليق البخاري للحديث بصيغة الجزم في كتابه (( خلق أفعال العباد )) واحتجاجه بالرواية التي ذُكر فيها الصوت ، وقوله رحمه الله : (( وفي هذا دليل أن صوت الله لايشبه أصوات الخلق ، لأن صوت الله جل ذكره يسمع من بعد كما يسمع من قرب )) . فهذه العبارة الأخيرة ههي نفسها التي وردت في حديث عبدالله بن أنيس فكيف يقال بعد ذلك أنه مَرّضه تضعيفاً لهذا الحرف ؟!! ثم إن كلام ابن حجر – رحمه الله – فيه تضارب – فكيف يجزم بحسن إسناد الحديث عند كلامه على الارتحال ، ثم يطعن في الإسناد بقوله : ( فلا يكفى فيه مجيء الحديث من طريق مختلف فيها ) عند الكلام على الصوت ، مع أن شطري المتن وردا بنفس الأسانيد ؟!! . وعلى تقدير صحة ما ذهب إليه السقاف فكلام البخاري هذا أقل ما يدل عليه أنه يذهب إلى إثبات الصوت لله عز وجل . فهل تعد البخاري بذلك من أهل السنة والجماعة ، أم أنه خرج من دائرتهم إلى دائرة المبتدعة أو الزنادقة كما وصفه شيخ شيوخك ، الكوثرى المتهالك .
? أما الطريق الثاني :
فأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (156) ، وتمام الرازي في ((فوائده)) (928) من طريق : عثمان بن سعيد الصيداوي ، عن سليمان بن صالح – وعند تمام : سليم بن صالح – عبد الرحمن بن ثابت بن ثروان ، عن الحجاج بن دينار ، عن محمد بن المنكدر عن جابر به . قال الحافظ في الفتح (1/141) : (( إسناده صالح )) . وأما السقاف فرد حكم الحافظ عليه (ص :31) ، فقال : ( كيف يقبل – أي عمر محمود – هو وسادته قول الحافظ ابن حجر : وإسناده صالح هنا ، مع أن إسناده غير صالح لوجود المجاهيل في طريق الطبراني في مسند الشاميين ، وتمام ) . حتى قال : ( فعثمان الصيداوى الذي في سند الطبراني في مسند الشاميين وشيخه سليمان بن صالح مجهولان ، وشيخ الثاني : وهو عبد الرحمن بن ثابت : صدوق يخطئ رمى بالقدر تغير باخرة كما في التقريب ) .
http://1.1.1.1/bmi/arabic.islamicweb.com/sahab/images/bullet2.gif قلت : وهذا الكلام يُظهر جهله من وجهين :
الأول : قوله بجهالة عثمان الصيداوي وسليمان بن صالح ، فكأنه لم يقف لهما على تراجم . فأقول له : أما الأول : فترجمه ابن عساكر في تاريخ دمشق (ج11/ق:99) فقال : (( عثمان بن سعيد بن محمد بن بشير أبو بكر الصفراوى ، من أهل صيدا ، الصيداوى ، من ساحل دمشق ، روى عن محمد بن شعيب وسليم بن صالح ، ومحمد بن عبدك الرازي . روى عنه : الحسن بن جرير الصورى ، ومحمد بن المعافى الصيداوي ، وأحمد بن بشر بن حبيب ، وأبو جعفر أحمد بن عمر بن أبان الصورى الأصم ، وأبو عبد الملك بن عبدوس الصورى . . . )) . وأما سليمان بن صالح فهو نفسه سليم بن صالح كما في رواية تمام ، وقد ذُكر في شيوخ الصيداوى باسم سليم ، وله ترجمة في تاريخ دمشق ولكن في الجزء المفقود منه. دل على ذلك أن ابن منظور أورد ترجمته في (( مختصر تاريخ دمشق ))(10/205) ، فقال : (( سليم بن صالح أبو سفيان العنسى سكن جبلة حدثنا عبد الرحمن بن ثابت ابن ثوبان . . الحديث )) . وأما قول الذهبي فيه في (( الميزان )) : (( لا يعرف )) فمتعقب بما ذكرناه ، فإن ترجمته في (( تاريخ دمشق )) ونسبته وموطن سكنه ترفع عنه جهالة العين . وأما عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان فمع ما فيه من اللين إلا أنه عند ابن حجر ممن يتابع على حديثه ، فهؤلاء الثلاثة ضعفهم محتمل ، فمن أجل ذلك وصف الحافظ هذا الإسناد بأنه صالح ، أي أنه يقوي سابقه – وهو طريق ابن عقيل - .
والوجهالثاني :أنه ذكر ضعف عبد الرحمن بن ثابت على سبيل القدح فيه ، لكي يغلط الحافظ ابن حجر في حكمه على إسناد الحديث من هذا الطريق ، فكأنه ظن أن حكمه على الإسناد بالصلاح يعنى أنه محتج به ، أو أنه مثل الحسن في الرتبة ، والصواب أنه يدل على ضعف الإسناد ، إلا أن هذا الضعف محتمل غير شديد . فتدبر وتأمل . وأما ما لمز به زهير الشاويش في حاشية كتابه ( ص : 35 ) حيث قال : ( تنبيه : قوله : رفيع غير فظيع لعله من تفسير ابن بشر ، فلم أره في شئ من طرق الحديث . أهـ . دال على أنه لا يعى – أي زهير – ما يقول ، إذ كان عليه أن يقول : وهذا قول باطل من رجل أجمعوا على أنه كذاب ) . فلا يصفو له : لأن هذا الحرف : (( رفيع غير فظيع )) ورد في رواية تمام من أصل الحديث ، وليس من تفسير أحد الرواة ، وهو حرف منكر .
? وأما الطريق الثالث :
فأخرجه الخطيب في (( الرحلة في طلب الحديث )) (928) من رواية عمر بن الصبح ، عن مقاتل بن حيان ، عن أبي الجارود العنسى ، عن جابر . قال الحافظ : (( في إسناده ضعف )) . قلت : بل إسناده تالف ، فعمر بن الصبح كذاب متهم بالوضع وأبو الجارود العنسى لم أقف على ترجمة له ، وليس هو الكوفى الأعمى – زياد بن المنذر – فالكوفى عامة روايته عن طبقة التابعين .
http://1.1.1.1/bmi/arabic.islamicweb.com/sahab/images/bullet2.gif فمما سبق يتضح لنا أن حديث عبد الله بن محمد بن عقيل حديث حسن لذاته ، ويقويه طريق الحجاج بن دينار . ومثل حديث عبد الله بن أنيس في الدلالة : حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال : قال النبي ? : (( يقول الله عز وجل يوم القيامة : يا آدم ! فيقول لبيك ربنا وسعديك فينادي بصوت : إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار ، قال : يارب ! وما بعث النار؟ قال من كل ألف – أراه قال : تسع مائة وتسعين – حينئذ تضع الحامل حملها ، وترى الناس سكارى ، وماهم بسكارى ولكن عذاب الله شديد )) . وهو حديث صحيح مخرّج في (( الصحيحين )).
وقد حاول السقاف رد هذا الدليل أيضاً ، فقال : ( قال الجاحظ في ((الفتح))(13/460) نافياً إثبات الصوت لله تعالى ، وعدم دلالة الحديث على ذلك : (( ووقع فينادى مضبوطاً للأكثر بكسر الدال ، وفي رواية أبي ذر بفتحها على البناء للمجهول ، ولا محذور في رواية الجمهور ، فإن قرينه قوله (إن الله يأمرك) تدل ظاهراً على أن المنادى ملك يأمره الله أن ينادي بذلك ))). قلت : وليس الأمر كما ادعى الحافظ ، فإن قوله ( إن الله يأمرك ) قد تحتمل الوجهين نعم ، ولكن وردت قرينة هنا تدل على أن المنادي هو الله وهي :-جواب آدم للنداء بقوله : (( يارب وما بعث النار؟ )) فإنه صريح الدلالة على أن المنادي هو الله ، وليس الملك ، إذ لو كان ملكاً ، لما أجابه آدم بقوله : (( يارب … )) ، ولا يصرف النص عن حقيقته إلا بصارف صحيح . وصنيع البخاري يدل على ما ذكرناه ، إذ أورد هذا الحديث في كتابه (( خلق أفعال العباد )) استدلالاً به على إثبات الصوت عقب إيراده حديث عبد الله بن أنيس في نفس الكتاب ( ص:150 رقم :464) .
وفيما ذكرناه كفاية في إثبات الصوت لله عز وجل وفي الرد على السقاف في نفيه ذلك ، ولولا خشية الإطالة لأوردنا أكثر ما روي في هذا الباب من الأخبار .
(**********الجزء الرابع عشر **********)
إثبات الكلام بحرف لله تعالى والرد على السقاف في نفيه ذلك

كما حاول السقاف أن ينفي الكلام بصوت عن صوت الله سبحانه وتعالى ، حاول أن ينفي عنه أيضاً الكلام بحرف ، فقال في كتابه (( إلقام الحجر للمتطاول على الأشاعرة من البشر )) – رداً على عمر محمود صاحب (( الرد الأثري المفيد على البيجورى في شرح جوهرة التوحيد )) - : ( حاول الكاتب أن يرد قول أهل السنة والجماعة : أن الله تعالى متكلم ، وأن كلامه ليس بحرف ولا صوت ولا لغة ، يعنون الصفة بذات المولى تبارك وتعالى ، وأن هذه الألفاظ والكتابة كلها صارت عبارات دالة على الكلام الأزلى ، وهو متعلق بعلم الله تعالى ، فلا يوصف بالحدوث كصفة العلم ) .
قلت : ويرد هنا عدة اعتراضات على كلامه هذا : الأول : أن نفي الكلام بحرف عن الرب عزّ وجل ليس قولاً لأهل السنة والجماعة كما ادعى السقاف ، وإنما هو قول الأشاعرة والماتريدية والكلابية ومن شابههم من أهل البدع . وأما أهل السنة والجماعة وعلى رأسهم إمامهم الإمام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السلف – رضوان الله عليهم – فيثبتون الكلام بحرف للمولى عزّ وجل . قال الإمام عبد الواحد بن عبد العزيز بن الحارث التميمى – رئيس الحنابلة في عصره – في كتابه (( اعتقاد الإمام أحمد )) - مخطوط – (ق: 52/ب) : (( وكان يقول – أي الإمام أحمد - : إن القرآن كيف يصرف غير مخلوق ، وإن الله تعالى تكلم بالصوت والحرف ، وكان يبطل الحكاية ويضلل القائل بذلك )). وصنَّف الإمام الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن منده الأصبهاني كتاباً في إثبات الحرف ، والرد على من ينفيه ، سامه : (( الرد على من يقول : {ألم} حرف لينفي الألف واللام والميم عن كلام الله عز وجل ))(8) .
وأما أدلة إثبات الحرف لله تعالى ، فهي :
1 – حديث عبدالله بن عباس ? قال : بينما جبريل قاعد عند النبي ? سمع نقيضاً من فوقه ، فرفع رأسه ، فقال : (( هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم ، فنزل منه ملك ، فقال : هذا ملك نزل إلى الأرض ، ولم ينزل قط إلا اليوم ، فسلم ، وقال : أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك : فاتحة الكتاب ، وخواتيم سورة البقرة ، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته )) .
أخرجه مسلم (1/554) ، والنسائي (2/138) من طريق : عمار بن رزيق ، عن عبد الله بن عيسى ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس به .
2 – حديث عبدالله بن مسعود – ? - قال : (( تعلموا القرآن ، فإنه يُكتب بكل بحرف منه عشر حسنات ، ويكفر عن عشر سيئات ، أما إني لا أقول : { ألم } ولكن أقول : ألف عشر ، ولام عشر ، وميم عشر )) .
أخرجه ابن أبي شيبة (6/118) بسند صحيح ، واختلف في وقفه ورفعه ، والأصح الوقف ، وله حكم الرفع .
3 – قول ابن عباس – ? - : (( ما يمنع أحدكم إذا رجع من سوقه ، أو حاجته ، إلى أهله ، أن يقرأ القرآن فيكون له بكل حرف عشر حسنات )) .
أخرجه ابن المبارك في (( الزهد ))(807) بسند جيد (9) .
وأما السقاف : فيذهب إلى القرآن الذي نقرؤه مخلوق ، وهو معبِّر عن كلام الله الأزلى . قال في كتابه (( إلقام الحجر )): (( أخبر المولى تبارك وتعالى الخلق أنهم لا يستطيعون أن يأتوا بمثل هذه العبارات المخلوقة – { يقصد القرآن الكريم } - المعبرة عن كلامه الأزلى الأبدى الذي ليس بحرف ولا صوت ولا لغة ، كما أخبر أنهم عاجزون أن يخلقوا إنساناً بل بعوضه ….. وأن هذه الألفاظ المخلوقة باللغة العربية المنزلة على سيدنا رسول الله … ولو كانت قديمة لما كانت في كتاب حادث مخلوق ولما تصوّر مسها ولا كتابتها في اللوح المحفوظ الذي خلقه الله تعالى وأحدثه وأجرى القلم عليه بأشياء كثيرة ) .
قلت : هذا والله اعتقاد الجهمية ولكن بطريقة توهم القارئ بأنه مخالف له ، ولنا مع هذا الكلام وقفه . فإنه قد استدل على كون القرآن الذي نقرؤه ونحفظه ، ويسطر في المصاحف ، ويحفظه الصبيان في الكتاتيب مخلوق !! – والعياذ بالله – بأنه لو كان قديماً لم يسطر في كتاب حادث ، ولما تصور مس هذا الكتاب ، ولا كتابته في اللوح المحفوظ المخلوق ، وجوابنا عن هذا : بأن الله سبحانه وتعالى أخبرنا في كتابه العزيز بتكليمه لموسى ، فقال { وكلم الله موسى تكليماً } { النساء : 164 } وقال له : { فاستمع لما يوحى } { طه : 13 } . (( فدل هذا على أنه سمع كلام الله تعالى ، ولا يسمع إلا الصوت ، وربنا تعالى قد خاطبنا باللسان العربي الذي نفهمه ، وليس فيه سماع يحصل من غير صوت ( 10 ) ، فهو كلام مسموع بالآذان وليس من قبيل الإلهامات . فهل سماع موسى عليه السلام بأذنه الحادثة المخلوقة يمنع منكون كلام اله الذي تكلم به إليه قديم غير حادث ؟! وقال تعالى لنبيه ? : { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله } {التوبة :6} . فوصف سبحانه وتعالى هذا القرآن الذي نتلوه بألسنتنا الحادثة ، وتحفظه قلوبنا المخلوقة بأنه كلام الله ، وأنه يا محمد إذا استجار بك أحد من المشركين فأجره حتى يسمع بأذنه – وهي مخلوقة – كلام الله سبحانه وتعالى الُمنزل إليك – غير المخلوق - ، وإن كنا أثبتنا الكمال المطلق لله سبحانه ، فلا يعزب عن قدرته أن يُسمع موسى المخلوق باذنه الحادثة كلام الله سبحانه الذي هو صفة من صفاته غير المخلوق ، وإلا لو نفينا ذلك ، لتناقض الإثبات مع النفي .
ولكن السقاف تأول هذه الآية ، فقال : ( وأما معنى قوله تعالى { فأجره حتى يسمع كلام الله }أي اتل عليه هذه الألفاظ التي خلقتها وعلمتك إياها ، والتي تعبر عن كلامي الأزلى ، والتي لم يصنفها أحد واتي تقرؤها بفمك الحادث ، وتقرير ذلك في كتاب خلق أفعال العباد للإمام البخاري – رحمه الله تعالى - ) .
قلت : وهذا صرف لظاهر الكلام عن حقيقته ، وهو التأويل المذموم الذي ذمه السلف ، والذي نُهينا عنه ، ثم تناقض هنا فقال في أول كلامه : (( أي اتل عليه هذه الألفاظ التي خلقتها )) ، ثم قال بعد ذلك : (( والتي لم يصنفها أحد )) . والأعجب من ذلك أن السقاف تمادى في تدليسه فأحال القارئ إلى كتاب (( خلق أفعال العباد )) للبخاري ، وكأن البخاري يقول بمثل قوله !! وهاهو إمام رضي من أئمة السلف – رضوان الله عليهم أجمعين – يثبت أن هذا القرآن المثبت في المصحف ، المتلو بالألسنة ، المحفوظ في الصدور هو من كلام الله سبحانه غير حادث . هذا الإمام هو : سفيان بن عيينة – رحمه الله - .
قال الترمذي في (( الجامع )) (2884) : حدثنا محمد بن إسماعيل – ( وهو البخاري ) – قال : حدثنا الحميدى ، حدثنا سفيان بن عيينة – في تفسير حديث عبد الله بن مسعود قال : ما خلق الله من سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي – قال سفيان : لأن آية الكرسي هو كلام الله ، وكلام الله أعظم من خلق الله من السماء و الأرض. وسند هذا الخبر صحيح . وفيه ما يدل على أن آية الكرسي من كلام الله – على الحقيقة – غير الحادث ، بل الذي هو صفة من صفاته .
وعلى قول السقاف ، فلا بد أن يقول أيضاً أن تلاوة جبريل للنبي ? مخلوقة ، فإن قال بذلك خالف ما عليه السلف ، وإن لم يقل لزمه التسليم بأن ما في المصحف من قرآن غير مخلوق . قال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابورى في (( مسائله للإمام أحمد ))(1853) : ((وسمعت أبا عبدالله يقول : من زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي . وقال : أرايت جبريل عليه السلام ، حيث جاء إلى النبي ? فتلا عليه ، تلاوة جبريل للنبي ? ، أكان مخلوقاً ؟! ما هو مخلوق )) .
وقد أنكر العلماء – رحمهم الله أجمعين – من قال بمثل مقولة السقاف ، بل كفر بعضهم من اعتقدها أو دان بها ، وإليك جملة من اقوالهم – رحمهم الله تعالى .
قال الإمام احمد بن حنبل – رحمه الله - : (( القرآن علم من علم الله ، ومن زعم أن القرآن مخلوق ، فقد كفر بالله تعالى ))(11) . ونقل عبد الواحد بن عبد العزيز التميمى في (( اعتقاد الإمام أحمد )) عنه : (( وكان يبطل الحكاية ، ويضلل القائل بذلك ، وعلى مذهبه : أن من قال : إن القرآن عبارة عن كلام الله عز وجل فقد جهل وغلط ))(12) . والحكاية : هي ما ذهب إليه السقاف ، من أن كلام الله عز وجل معنى قائم بذاته ، وأن ما تتلوه الألسنة وتحفظه القلوب ، وما يسطر في الصحف عبارة عنه ، وحكاية له ، وهي دلالات ، والدلالات مخلوقة ، كذا زعموا !!
وقال الإمام البخاري – رحمه الله – (13) : سمعت عبيدالله بن سعيد ، يقول : سمعت يحيى بن سعيد ، يقول : ما زلت أسمع من أصحابنا يقولون : إن أفعال العباد مخلوقة . قال أبو عبدالله – ( هو البخاري ) - : حركاتهم ، وأصواتهم ، واكتسابهم ، وكتابتهم مخلوقة ، فأما القرآن المتلو المبين ، المثبت في المصحف ، المسطور ، المكتوب ، الموعي في القلوب ، فهو كلام الله ليس بخلق ، قال الله : { بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم } { العنكبوت : 49 } .
وقال الإمام الحافظ بن محمد بن الحسين الآجرى رحمه الله (14) : (( من قال : إن هذا القرآن الذي يقرؤه الناس ، وهو في المصاحف : حكاية لما في اللوح المحفوظ ، فهذا قول منكر تنكره العلماء ، يقال لقائل هذه المقالة : القرآن يكذبك ، ويرد قولك ، والسنة تكذبك وترد قولك )) . ثم قال (15) : (( حكمه : أن يهجر ، ولا يكلم ، ولا يصلى خلفه ، ويحذر منه )).
وقال الإمام المفسر الحافظ محمد بن جرير الطبري – رحمه الله – في ذكر اعتقاده المسمى بـ (( صريح السنة )) (16) : (( فأول ما نبدأ فيه بالقول من ذلك كلام الله عز وجل وتنزيله ، إذ كان من معاني توحيده : فالصواب من القول في ذلك عندنا : أنه كلام الله عز وجل غير مخلوق ، كيف كُتب ، وكيف تُلي ، وفي أي موضع قرئ ، في السماء وجد ، أو في الرض حيث حفظ ، في اللوح المحفوظ كان مكتوباً ، أو في ألواح صبيان الكتاتيب مرسوماً في حجر منقوش ، أو في ورق خُطّ ، في القلب حُفظ ، أو باللسان لفظ ، فمن قال غير ذلك ، أو ادعى أن قرآناً في الأرض أو في السماء سوى القرآن الذي نتلوه بألسنتنا ونكتبه في مصاحفنا ، أو اعتقد غير ذلك بقلبه أو أضمره في نفسه ، أو قال بلسانه دائناً به فهو كافر ، حلال الدم ، وبريء من الله والله بريء منه لقول الله جل ثناؤه : { بل هو قرىن مجيد في لوح محفوظ } ، وقال – وقوله الحق - : { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله } فأخبرنا جل ثناؤه أنه في اللوح المحفوظ مكتوب ، وأنه من لسان محمد ? مسموع ، وهو قرآن من محمد مسموع ، وفي اللوح المحفوظ مكتوب ، وكذلك في الصدور محفوظ ، وبألسن الشيوخ والشبان متلو )) .
وقال أبو القاسم بن منده – رحمه الله - : بعد روايته لحديث عوف بن مالك – رضي الله عنه – مرفوعاً : (( من قرأ حرفاً من القرآن كُتبت له حسنة ، ولا أقول { ألم ذلك الكتاب } ولكن الألف حرف ، واللام حرف ، والميم … )) . قال : (( والمبتدع يشير بهذه الحروف إلى قرآن سوى ذلك الكتاب ، فقد صار القرآن عنده قرآنين : مجازاً وحقيقته ، والمجاز عنده مخلوق ، وصاحب الحديث يعرف قرآناً غير هذا الذي يراه المبتدع مخلوقاً )) (17) .
وفيما ذكرناه كفاية للبيب في إثبات الكلام لله تعالى ، والرد على السقاف فيما نفاه من ذلك ، وقوله بالحكاية . أعاذنا الله وعامة المسلمين من الضلال بعد الإيمان .

عبدالله الأحد
2015-07-26, 03:31 PM
منقول من كتاب لا دفاعا عن الالباني فحسب

هل القرآن مخلوق أم غير مخلوق ؟

عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
عضو مركز الدعوة والإرشاد بالرياض

السؤال :
هل القرآن مخلوق أم غير مخلوق ؟

الجواب :
القرآن كلام الله ، منه بدأ وإليه يَعود ، تكلّم به ربنا على الحقيقة .

وقد سَمّى الله القرآن ( كلام الله ) فقال : ( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ) .

وأخبر سبحانه وتعالى أنه أنزل القرآن ، وأنه نزّله تنْزِيلا ، فمن ذلك قوله تعالى : ( وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً ) .

وقوله تعالى : ( وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ) إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على تنْزيل القرآن من لدن حكيم خبير .

ومن قال : إن القرآن مخلوق فهو كافر ، وقد أجمع سلف الأمة على ذلك ، وعلى أن القرآن كلام الله ، ولم يُعرف القول بِخلق القرآن إلا لما نشأت البِدَع وظهرت الْمُبتَدِعة .

ولم يَقُل به أحد إلا بعد أن تُرجِمت كُتب الفلسفة وكُتُب اليونان ونحوها .

وإنما قالت المعتزلة بموجب هذا القول لأنهم أعمَلوا العقل فوق مَنْزِلته !

وحينما حكّموا العقل على نصوص الوحيين .

قال الإمام أحمد : والقرآن كلام الله ، تكلّم به ، ليس بمخلوق ، ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو جهمي كافر ، ومن زعم أن القرآن كلام الله ووقف ولم يَقُل ليس بمخلوق ، فهو أخبث من قول الأول ، ومن زعم أن ألفاظنا به وتلاوتنا له مخلوقة والقرآن كلام الله فهو جهمي ، ومن لم يُكفّر هؤلاء القوم كلهم فهو مثلهم .

وروى ابن جرير الطبري في صريح السنة من طريق معاوية بن عمار الدهني قال : قلت لجعفر بن محمد رضي الله عنه : إنهم يسألون عن القرآن مخلوق أو خالق ؟ فقال : إنه ليس بخالق ولا مخلوق ، ولكنه كلام الله عز وجل .

وروى من طريق ابن عيينة قال : سمعت عمرو بن دينار يقول : أدركت مشايخنا منذ سبعين سنة يقولون : القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود .

وقال البيهقي في الاعتقاد : وروينا عن محمد بن سعيد بن سابق أنه قال : سألت أبا يوسف ، فقلت : أكان أبو حنيفة يقول القرآن مخلوق ؟ فقال : معاذ الله ، ولا أنا أقوله .

وروى الإمام اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة من طريق أبي الحسن إدريس بن عبد الكريم قال : أرسل رجل من أهل خراسان إلى أبي ثور إبراهيم بن خالد بكتاب يسأله – وفيه – :

وسألت الصلاة خلف من يقول القرآن مخلوق ، فهذا كافر بِقَولِه لا يُصلَّى خلفه ، وذلك أن القرآن كلام الله جل ثناؤه ، ولا اختلاف فيه بين أهل العلم ، ومن قال كلام الله مخلوق فقد كفر ، وزعم أن الله عز وجل حَدَثَ فيه شيء لم يكن . اهـ .

وروى أيضا من طريق أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم قال : سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدِّين ، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار ، وما يعتقدان من ذلك فقالا : أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازاً وعِراقاً وشاماً ويَمَناً ، فكان من مذهبهم :

والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته ..
والمرجئة والمبتدعة ضلال
والقدرية المبتدعة ضلال
فمن أنكر منهم أن الله عز وجل لا يعلم ما لم يكن قبل أن يكون فهو كافر
وأن الجهمية كفار
وأن الرافضة رفضوا الإسلام
والخوارج مراق
ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم كفرا ينقل عن الملة ومن شك في كفره ممن فَهِم فهو كافر

ومن شكّ في كلام الله عز وجل فوقف شاكاً فيه يقول : لا أدري مخلوق أو غير مخلوق فهو جهمي . ومن وقف في القرآن جاهلا عُلِّم وبُدِّع ولم يُكفّـر . اهـ .

ومن أراد الاستزادة من عقائد السلف في هذا الباب فليُراجِع شرح أصول اعتقاد أهل السنة للإمام اللالكائي رحمه الله .

والله تعالى أعلم .


منقول

عبدالله الأحد
2015-07-26, 03:34 PM
عشر أدلة من المنقول والمعقول على أن القرآن كلام الله غير مخلوق

السؤال:
أرجو أن تفيدوني في كيفية التعامل مع شبه المبتدعة ، وخاصة بدعة القول بخلق القرآن ، فأرجو منكم أن تفصلوا في الرد على شبههم ، مع ذكر كتب أهل العلم الثقات الذين توسعوا في الرد على أهل البدع في هذه المسألة .
الجواب :
الحمد لله
الرد على البدعة ينطلق أول ما ينطلق من تأصيل السنة ، وتقعيد مبادئ العقيدة ، وبناء العلم على المنهجية الصحيحة المنطلقة من الكتاب والسنة .
وهذا البناء لا يتم من خلال الفتاوى المتفرقة ، أو القراءات المتناثرة ، بل عبر طلب منهجي للعلم ، ودراسة مؤصلة يقضي فيها الطالب سنوات عمره في البحث والحفظ والفهم والتحصيل ، وحينئذ يمكنه فهم الشبهات ، وفهم كلام العلماء ، وتحليل المزالق التي أودت إلى مثل هذه الإشكالات العقدية الكبرى .
ونحن هنا نورد نموذجا مصغرا لما يمكن أن يبنى عليه تأصيل كون القرآن كلام الله ، ونفي شبهة الخلق عنه ، وذلك باختصار وإيجاز ، ننقله عن إحدى الدراسات المختصة ، ومنه تتعرف على قدرٍ يسير مما يمكن أن تناقش به المسائل العقدية ، ومدى سعتها ودقتها وحاجتها إلى البحث والتفتيش .
فنقول :
إنه يمكن الاستدلال بعشرة أدلة على أن القرآن الكريم كلام الله غير مخلوق ، وهذه الأدلة هي :
الدليل الأول :
قال الله تعالى : ( إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ )الأعراف/ 54.
والاحتجاج بهذه الآية من وجهين :
الأول : أنه تعالى فرَّق بين الخلق والأمر ، وهما صفتان من صفاته ، أضافهما إلى نفسه ، أما الخلق ففعله ، وأما الأمر فقوله ، والأصل في المتعاطفين التغاير إلا إذا قامت القرينة على عدم إرادة ذلك ، وهنا قد قامت القرائن على توكيد الفرق بينهما ، ومنها الوجه الآتي .
والثاني : أن الخلق إنما يكون بالأمر ، كما قال تعالى : ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) يس/ 82 .
فقوله تعالى : ( كن ) هو أمره ، فلو كان مخلوقا لاحتاج خلقه إلى أمر ، والأمر إلى أمر ، إلى ما لا نهاية ، وهذا باطل .
وقد احتج الإمام أحمد رحمه الله على الجهمية المعتزلة بهذه الآية .
قال رحمه الله :
" قلت : قال الله : ( ألا له الخلق والأمر ) ففرق بين الخلق والأمر " رواه حنبل في " المحنة " (ص53).
وقال لهم :
" قال الله : ( أتى أمر الله ...) [النحل: 1] فأمره كلامه واستطاعته ليس بمخلوق ، فلا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض " رواه حنبل في " المحنة " (ص/54).
وقال فيما كتبه للمتوكل حين سأله عن مسألة القرآن :
" وقد قال الله تعالى : ( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ )التوبة/ 6 ، وقال : ( ألا له الخلق والأمر ) ، فأخبر بالخلق ، ثم قال : ( والأمر ) ، فأخبر أن الأمر غير مخلوق " انتهى. رواه صالح ابنه في " المحنة " (روايته ص: 120 – 121).
وقد سبق الإمام أحمد إلى هذا الاحتجاج شيخه الإمام سفيان بن عيينة الهلالي الحافظ الثقة الحجة ، فقال رحمه الله :
" قال الله عز وجل : ( ألا له الخلق والأمر ) فالخلق خلق الله تبارك وتعالى ، والأمر القرآن " رواه الآجري في " الشريعة " (ص: 80) بسند جيد عنه .
الدليل الثاني :
قال تعالى : ( الرَّحْمَنُ . عَلَّمَ الْقُرْآنَ . خَلَقَ الْإِنْسَانَ )الرحمن/ 1 – 3 .
ففرَّق تعالى بين علمه وخلقه ، فالقرآن علمه ، والإنسان خلقه ، وعلمه تعالى غير مخلوق .
قال تعالى : ( قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ )البقرة/ 120.
فسمى الله تعالى القرآن علمًا ، إذ هو الذي جاءه من ربه ؟ وهو الذي علمه الله تعالى إياه صلى الله عليه وسلم ، وعلمه تعالى غير مخلوق ، إذ لو كان مخلوقا لاتصف تعالى بضده قبل الخلق ، تعالى الله عن ذلك وتنزه وتقدس .
وبهذا احتج الإمام أحمد رحمه الله ، حيث قال في حكاية مناظرته للجهمية في مجلس المعتصم :
" قال لي عبد الرحمن القزاز : كان الله ولا قرآن . قلت له : فكان الله ولا علم ! فأمسك ، ولو زعم أن الله كان ولا علم لكفر بالله ". رواه حنبل في " المحنة " (ص: 45).
وقيل له رحمه الله :
قوم يقولون : إذا قال الرجل : كلام الله ليس بمخلوق ، يقولون : من إمامك في هذا ؟ ومن أين قلت : ليس بمخلوق ؟
قال : " الحجة قول الله تبارك وتعالى : ( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم )، فما جاءه غير القرآن ".
وقال رحمه الله :
" القرآن علم من علم الله ، فمن زعم أن علم الله مخلوق فهو كافر" رواه ابن هانئ في " المسائل " (2/ 153، 154).
الدليل الثالث :
قال تعالى : ( قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا )الكهف/ 109.
وقال تعالى : ( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )لقمان/ 27.
فأخبر تعالى - وقوله الحق - أن كلماته غير متناهية ، فلو أن البحار التي خلق الله كانت مدادا تكتب به ، والشجر الذي خلق الله أقلاما تخط به ، لنفد مداد البحور ، ولفنيت الأقلام ، ولم تفن كلمات الله .
وإنما في هذه الإبانة عن عظمة كلامه تعالى ، وأنه وصفه وعلمه ، وهذا لا يقاس بالكلام المخلوق الفاني ، إذ لو كان مخلوقا لفني من قبل أن يفنى بحر من البحور ، ولكن الله تعالى إنما كتب الفناء على المخلوق لا على نفسه وصفته .
الدليل الرابع :
أسماء الله تعالى في القرآن ، كـ ( الله ، الرحمن ، الرحيم ، السميع ، العليم ، العفور ، الكريم ...) وغيرها من أسمائه الحسنى ، وهي من كلامه ، إذ هو الذي سمى بها نفسه ، بألفاظها ومعانيها .
وقد ساوى الله تعالى بين تسبيح نفسه وتسبيح أسمائه ، فقال تعالى : ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ) الأعلى/ 1، وساوى تعالى بين دعائه بنفسه ودعائه بأسمائه ، فقال : ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا )الأعراف/180، وكذلك ساوى تعالى بين ذكره بنفسه وذكره بأسمائه ، فقال : ( وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا )الإنسان/25 .
وهذا التسبيح والدعاء والذكر إن كان يقع لمخلوق كان كفرا بالله .
فإن قيل : إن كلامه تعالى مخلوق .
كانت أسماؤه داخلة في ذلك ، ومن زعم ذلك فقد كفر لما ذكرنا ؛ ولأن معنى ذلك أن الله تعالى لم تكن له الأسماء الحسنى قبل خلق كلامه ، ولكان الحالف باسم من أسمائه مشركا لأنه حلف بمخلوق ، والمخلوق غير الخالق .
وبهذه الحجة احتج جماعة من السلف والأئمة على كون القرآن غير مخلوق ، منهم :
الإمام الحجة سفيان بن سعيد الثوري . قال : " من قال : إن ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . اللَّهُ الصَّمَدُ ) مخلوق ، فهو كافر " أخرجه عبد الله في " السنة " رقم : (13) وسنده جيد .
ويقول الإمام الشافعي :
" من حلف باسم من أسماء الله فحنث فعليه الكفارة ؛ لأن اسم الله غير مخلوق ، ومن حلف بالكعبة ، أو بالصفا والمروة ، فليس عليه الكفارة ؛ لأنه مخلوق ، وذاك غير مخلوق "
أخرجه ابن أبي حاتم في " آداب الشافعي " (ص: 193) بإسناد صحيح .
ويقول أحمد بن حنبل :
" أسماء الله في القرآن ، والقرآن من علم الله ، فمن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر ، ومن زعم أن أسماء الله مخلوقة فقد كفر " رواه ابنه صالح في " المحنة " (ص: 52، 66 – 67).
الدليل الخامس :
أخبر تعالى عن تنزيله منه وإضافته إليه ، كما قال : ( تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ )السجدة/ 2 ، وقال : ( وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ) الأنعام/114، وقال : ( قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ) النحل/ 102 ، ولم يضف شيئا مما أنزله إلى نفسه غير كلامه ، مما دل على الاختصاص بمعنى ، فليس هو كإنزال المطر والحديد وغير ذلك ، فإن هذه الأشياء أخبر عن إنزالها ، لكنه لم يضفها إلى نفسه ، بخلاف كلامه تعالى ، والكلام صفة ، والصفة إنما تضاف إلى من اتصف بها لا إلى غيره ، فلو كانت مخلوقة لفارقت الخالق ، ولم تصلح وصفا له ؛ لأنه تعالى غني عن خلقه ، لا يتصف بشيء منه .
الدليل السادس :
عن خَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ السُّلَمِيَّةَ قالت : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا ثُمَّ قَالَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ ) رواه مسلم (2708).
ولو كانت كلماته مخلوقة لكانت الاستعاذة بها شركا ؛ لأنها استعاذة بمخلوق ، ومن المعلوم أن الاستعاذة بغير الله تعالى وأسمائه وصفاته شرك ، فكيف يصح أن يعلم النبي صلى الله عليه وسلم أمته ما هو شرك ظاهر ، وهو الذي جاءهم بالتوحيد الخالص !
فدل هذا على أن كلمات الله تعالى غير مخلوقة .
قال نعيم بن حماد : " لا يستعاذ بالمخلوق ، ولا بكلام العباد والجن والإنس والملائكة ".
وقال البخاري عقبه : " وفي هذا دليل أن كلام الله غير مخلوق ، وأن سواه خلق " ينظر " خلق أفعال العباد " (ص: 143).
الدليل السابع :
حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
( فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على سائر خلقه ) حديث حسن ، أخرجه عثمان الدارمي في " الرد على الجهمية " رقم : (287، 340) ، واللالكائي رقم : (557).
تضمن هذا الحديث إثبات عقيدة السلف ( القرآن كلام الله غير مخلوق ) وذلك من وجهين :
الأول : التفريق بين كلام الله وما سواه من الكلام ، والكلام إما كلام الله الذي هو صفته ، أو الكلام المخلوق الذي هو من خلق الله ، فأضاف ما كان صفة لله إلى الله ، وعمم ما سواه ، ليشمل كل كلام سوى ما أضافه إلى الله ، ولو كان الجميع مخلوقا لما كانت هناك حاجة إلى التفريق .
والثاني : جعل الفرق بين كلام الله وكلام غيره ، كالفرق بين ذات الله وذات غيره ، فجعل شأن كلامه وصفته ، من شأن ذاته وصفتها ، كما أن كلام المخلوق وصفته ، هو مناسب وملائم لذات المخلوق وصفتها .
وقد احتج بهذا الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في " الرد على الجهمية " (ص: 162 – 163) ، فقال بعدما ذكر الأحاديث في هذا المعنى :
" ففي هذه الأحاديث بيان أن القرآن غير مخلوق ؛ لأنه ليس شيء من المخلوقين من التفاوت في فضل ما بينهما ، كما بين الله وبين خلقه في الفضل ؛ لأن فضل ما بين المخلوقين يستدرك ، ولا يستدرك فضل الله على خلقه ، ولا يحصيه أحد ، وكذلك فضل كلامه على كلام المخلوقين ، ولو كان مخلوقا لم يكن فضل ما بينه وبين سائر الكلام ، كفضل الله على خلقه ، ولا كعشر عشر جزء من ألف ألف جزء ، ولا قريبا فافهموه ، فإنه ليس كمثله شيء , فليس ككلامه كلام ، ولن يؤتى بمثله أبدا " انتهى.
الدليل الثامن :
من المعقول الصريح : أن كلام الله إن كان مخلوقا ، فلا يخلو من أحد حالين :
الأولى : أن يكون مخلوقا قائمًا بذات الله .
والثانية : أن يكون منفصلا عن الله بائنا عنه .
وكلا الحالين باطل ، بل كفر شنيع .
أما الأولى فيلزم منها أن يقوم المخلوق بالخالق ، وهو باطل في قول أهل السنة ، وعامة أهل البدع ، فإن الله تعالى مستغن عن خلقه من جميع الوجوه .
وأما الثانية فيلزم تعطيل صفة الكلام للباري تعالى ، إذ أن الصفة إنما تقوم بالموصوف - كما سبق تقريره - لا تقوم بسواه ، فإن قامت بغير الموصوف كانت وصفا لمن قامت به ، وهذا معناه أن الرب تعالى غير متكلم ، وهو كفر بيِّن ، كما بينا الدلالة عليه .
الدليل التاسع :
علمت أن الصفة لا تقوم بنفسها ، فإن كانت صفة للخالق قامت به ، وإن كانت صفة للمخلوق قامت به ولا بد ، فالحركة ، والسكون ، والقيام ، والقعود ، والقدرة ، والإرادة ، والعلم ، والحياة ، وغيرها من الصفات ، إن أضيفت لشيء كانت وصفا له ، وهي تابعة لمن قامت به ، فهذه صفات تضاف للمخلوق ، فهي صفات له حيث أضيفت له ، ومنها ما يضاف إلى الخالق ، كالقدرة والإرادة والعلم والحياة وغير ذلك ، فهي صفات له حيث أضيفت له ، وحيث أضيفت للمخلوق فهي مخلوقة ، وحيث أضيفت للخالق فهي غير مخلوقة .
فصفة الكلام كغيرها من الصفات ، لا بد أن تقوم بمحل ، فإذا قامت بمحل كانت صفة لذلك المحل ، لا صفة لغيره ، فإن هي أضيفت إلى الخالق تعالى فهي صفته ، وإن أضيفت إلى غيره فهي صفة لذلك الغير ، وصفة الخالق غير مخلوقة كنفسه ، وصفة المخلوق مخلوقة كنفسه .
فلما أضاف الله لنفسه كلاما ، ووصف نفسه به ، كان كلامه غير مخلوق ؛ لأنه تابع لنفسه ، ونفسه تعالى غير مخلوقة ، والكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات .
فإن قيل : هو مخلوق .
قلنا : إذا يتنزه الله عن الاتصاف بمخلوق ، وأنتم تنزهونه تعالى بزعمكم عن قيام الحوادث به ، فحيث نزهتم ربكم تعالى عن ذلك ، فإنه يلزمكم أن لا تضيفوا إليه كلاما ، وبهذا تكذبون السمع والعقل الشاهدين على أن لله تعالى صفة الكلام .
لكنهم أبوا الإقرار بأن كلام الله تعالى غير مخلوق بأدهى مما سبق من الباطل , فقالوا : نثبت أن الله متكلم بكلام قائم في غيره ، فكلم الله تعالى موسى بكلام مخلوق قائم بالشجرة ، لا به تعالى ، فنحن نزهناه عن قيام الحوادث به .
قلنا : جعلتم الكلام إذا صفة للمحل الذي قام به ، ويلزم ، على قولكم ، أن يكون كلام الشجرة ، فكانت الشجرة بهذا هي القائلة لموسى : ( يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ )، فانتفى حينئذ الفرق بين قول الشجرة ، وقول فرعون اللعين : ( أنا ربكم الأعلى ) ؛ لأن كلام الشجرة صفتها لا صفة الله ، وكلام فرعون صفته ، وكل ادعى الربوبية ، فلم يكن موسى إذا محقا في إنكاره قول فرعون ، وقبوله قول الشجرة !!
فتأمل رحمك الله لهذا الكفر الصراح ، الذي أوقع أهله فيه الابتداع المشين ، وعدم الرضا والتسليم لحقائق التنزيل ، واستبدال الوحي الشريف بزبالات الأذهان التي تصرفها الأهواء كيف شاءت .
ولقد كانت هذه الحجة العقلية مما احتج به الإمام أحمد رحمه الله على الجهمية المعتزلة حين ناظرهم بحضرة المعتصم ، قال رحمه الله :
" وهذه قصة موسى ، قال الله في كتابه حكاه عن نفسه : ( وكلم الله موسى ) فأثبت الله الكلام لموسى كرامة منه لموسى ، ثم قال بعد كلامه له ( تكليما ) ؛ تأكيدا للكلام ، قال الله تعالى : يا موسى ( إنني أنا الله لا إله إلا أنا ) ، وتنكرون هذا ، فتكون هذه الياء تَرِد على غير الله ، ويكون مخلوق يدعي الربوبية ؟! ألا هو الله عز وجل" رواه حنبل في " المحنة " (ص: 52).
الدليل العاشر :
من كلام أئمة السلف في إثبات هذه العقيدة :
يقول عمرو بن في دينار - من خيار أئمة التابعين -:
" أدركت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فمن دونهم منذ سبعين سنة ، يقولون : الله الخالق ، وما سواه مخلوق ، والقرآن كلام الله ، منه خرج ، وإليه يعود " .
وقال عبد الله بن نافع : كان مالك يقول :
" القرآن كلام الله " ويستفظع قول من يقول : القرآن مخلوق " رواه صالح بن أحمد في " المحنة " (ص: 66) بسند صحيح عنه .
وقال الربيع بن سليمان صاحب الشافعي وتلميذه ، حاكيًا المناظرة التي جرت بينه وبين حفص الفرد في القرآن :
فسأل الشافعي ، فاحتج عليه الشافعي ، وطالت فيه المناظرة ، فأقام الشافعي الحجة عليه بأن القرآن كلام الله غير مخلوق ، وكفَّر حفصا الفرد . قال الربيع : فلقيت حفصا الفرد في المجلس بعد ، فقال : أراد الشافعي قتلي . رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في " آداب الشافعي " (ص: 194 – 195) وسنده صحيح .
وقال ابن أبي حاتم :
" سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين ، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار ، وما يعتقدان من ذلك ؟
فقالا :
" أدركنا العلماء في جميع الأمصار : حجازا ، وعراقا ، وشاما ، ويمنا ، فكان من مذهبهم : الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ، والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته ".
أخرجه ابن الطبري في " السنة " (1/ 176) بسند صحيح .
وقد ساق الإمام أبو القاسم هبة الله بن الحسن الطبري اللالكائي في كتابه العظيم " شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة " : القول بذلك عن خمس مئة وخمسين نفسا من علماء الأمة وسلفها ، كلهم يقولون : القرآن كلام الله غير مخلوق ، ومن قال : مخلوق ، فهو كافر .
قال رحمه الله :
" فهؤلاء خمس مئة وخمسون نفسا أو أكثر ، من التابعين ، وأتباع التابعين ، والأئمة المرضيين ، سوى الصحابة الخيرين ، على اختلاف الأعصار ، ومضي السنين والأعوام ، وفيهم نحو من مئة إمام ، ممن أخذ الناس بقولهم ، وتدينوا بمذاهبهم ، ولو اشتغلت بنقل قول المحدثين لبلغت أسماؤهم ألوفا كثيرة " انتهى من " السنة " (493).
الاسلام سؤال جواب