المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ذم الإختلاف والفرقة في الكتاب والسنة


عبدالله الأحد
2015-07-27, 11:24 PM
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله

ذم الفرقة والاختلاف في الكتاب (http://www.abo-qeaqaa.com/vb/showthread.php?t=68891) والسنة




الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، الذي أنعم على عباده المؤمنين بالهداية والاعتصام بحبله المتين، وجمعهم على الحق، ووقاهم شر التشاحن، وذل التخاذل، ومنَّ عليهم بالإخاء والألفة، وجنَّبهم الاختلاف والفرقة.



أحمده أن هدانا لمعرفة الحق، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله لبيان سبيله الموصلة إليه، والتحذير من سلوك سبل الضلال، فجمع به القلوب بعد الفرقة، وأعز به بعد الذلة صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.



وبعد:

فإنه لا يستقيم للناس حال في دنياهم، ومآلهم إلا بالاتفاق، والائتلاف واجتناب التنابذ والاختلاف.



ولابد أن يكون الاجتماع والاتفاق على أمر عام، يشتركون في نفعه، ويؤملون جميعًا عائدته وفضله، في عاجل أمرهم وآجله.



ولا يحصل الاتفاق الكامل، الذي تكون فيه المحبة والألفة، إلا مع اتفاق الدين، والعقيدة، فإذا كان الدين حقا، والعقيدة صافية من الشوائب، وسالمة من الانحرافات، والغوائل فهناك يقوى الاتفاق ويتم، وتتأصل الرابطة، ويحصل البذل والإيثار، ولهذا أمر الله تعالى عباده بتقواه المستلزم لحصول الإيمان، وفعل المأمور، واجتناب المحظور، ثم أمر بالاعتصام بحبله جميعا ونهى عن التفرق والاختلاف، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[1].



قال ابن جرير: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ المعنى وتعلقوا بأسباب الله جميعا، يريد بذلك أن تمسكوا بدينه الذي أمركم به، وعهده الذي عهده إليكم، في كتابه من الألفة والاجتماع على كلمة الحق، والتسليم لأمر الله.



والاعتصام:هو الامتناع بالشيء والاحتماء به، والعصم: هو المنع، فكل مانع شيئا فهو عاصمه، والممتنع به معتصم به، ومن ذلك قول الفرزدق:

أنا ابن العاصمين بني تميم=إذا ما أعظم الحُدثان نابا



والحبل: هو السبب الذي يوصل إلى المراد، ولذلك سمي الأمان حبلا، لأنه يوصل إلى زوال الخوف، والنجاة من الفزع والذعر، ومنه قول أعشى بني ثعلبة:

وإذا تُجوِّزها حبال قبيلة=أخذت من الأخرى إليك حبالها



ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ﴾[2].

وقد فسر حبل الله بأنه الاجتماع على الحق.

وفسر بأنه القرآن، وعهد الله الذي عهده إلى عباده فيه.

وفسر بأنه التوحيد، وإخلاص العمل لله تعالى.



روى ابن جرير بسنده إلى ابن مسعود، قال: حبل الله الجماعة[3].



وروى عن قتادة قال: حبل الله المتين الذي أمر أن يعتصم به: هذا القرآن وكذا قال مجاهد، والضحاك وعطاء.



وروى عن ابن مسعود، قال: إنّ الصراط محتضر، تحضره الشياطين، ينادون: يا عبد الله هلم هذا الطريق، ليصدوا عن سبيل الله، فاعتصموا بحبل الله فإن حبل الله هو كتابه[4].



وقال مجاهد: حبل الله عهده وأمره.




وفي مسند الإمام أحمد والترمذي قال: حسن غريب عن أبي سعيد قال: ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض))[5].



وروى ابن جرير عن أبي العالية: قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً﴾ قال: الإخلاص لله وحده[6].



وهذه الأقوال كلها حق، وليس فيها اختلاف، فحبل الله هو كتابه، ودينه وأمره الذي أمر به عباده، وعهد إليهم به، وهو الذي أمر بالاجتماع عليه، ونهى عن التفرق فيه.



والمقصود من ذلك كله أن يوحدوا الله تعالى بالطاعة والعبادة، ويخلصوا له العمل، والاعتصام بحبل الله يتضمن الاجتماع على الحق، والتعاون على البر والتقوى والتناصر على أعداء الله وأعداء المسلمين، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ولذلك بعد أن أمر الله تعالى بالاعتصام بحبله، وهو الاجتماع على دينه والاحتماء به، أكد ذلك بالنهي عن الفرقة، فقال تعالى: ﴿وَلا تَفَرَّقُوا﴾ قال ابن جرير: يعني ألا تفرقوا عن دين الله وعهده إليكم في كتابه، من الائتلاف و الاجتماع على طاعة الله، وطاعة رسوله – صلى الله عليه وسلم – والانتهاء إلى أمره، ثم روى عن قتادة، قال: إنّ الله تعالى كره لكم الفرقة، وقدم إليكم فيها، وحذركموها، ونهاكم عنها ورضي لكم السمع والطاعة والألفة والجماعة، فارضوا لأنفسكم ما رضي الله لكم إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله.



وروى عن ابن مسعود قال: يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به، وان ما تكرهون في الجماعة والطاعة هو خير مما تحبون في الفرقة[7].



ومن الأمور المسلّم بها أنه لا بد للناس من أمر يجتمعون عليه، يحكم بين ا لمختلفين ويفصل بين المتنازعين إذ الاختلاف من طبيعتهم، ولا بد له ممن يلزم من يأبى ذلك، وينفذ الأحكام، حتى يأمن الناس على أنفسهم،وأموالهم، ويكون اتجاههم موحدا، كما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه:

وما الدين إلا أن تقام شريعة=وتأمن سبل بيننا وشعاب[8]



ولهذا اتفقت المجتمعات على اختلاف أديانها، ووجهاتها على وضع قانون يرجعون إليه عند الاختلاف، ويحكمونه عند المنازعات، فهو من الضروريات التي لا تصلح دنياهم إلا به.



ومعلوم أن الإنسان ظلوم جهول فلابد أن يقع في الجهل والظلم في وضع القانون وغيره، ولذلك أنـزل الله تعالى الشرائع من عنده، لتحكم بين العباد بالعدل وأوجب تعالى على عباده الرجوع إلى شرعه، عند الاختلاف، ليحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، وجعل ذلك شرطا في حصول الإيمان، فقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾[9].



ثم لا بد للمجتمع من رئيس مطاع، ذي قوة وسلطان حتى يقوم بتنفيذ شرع الله تعالى على من يَلْزَمُهُ الحكم ويأباه، أو يجهله، وأمر الله تعالى عباده أن يكونوا عونا له على ذلك، لأن هذا هو الذي تحصل به مصالح الدنيا والآخرة، وبدونه يعم الفساد والفوضى، والظلم، فلا بد من إلزام الخلق بالحق، ومنعهم من الظلم والتعدي في الدماء والأموال، والأعراض، وقطع السبل، وإلا فسدت الأمور، وانتهكت الأعراض، ونهبت الأموال وسفكت الدماء.



ولا بد من العدل في ذلك، وهو الميزان الذي أنـزله الله على رسله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾[10] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾[11] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾[12] وقد جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – أنه قال: ((لا تزال هذه الأمة بخير ما إذا قالت صدقت، وإذا حكمت عدلت وإذا استرحمت رحمت))[13] ومفهوم ذلك أنها إذا لم تكن كذلك فهي في شر. قال الحسن: ((إنّ الله أخذ على الحكام ثلاثا، أن لا يتبعوا الهوى، وأن يخشوه ولا يخشوا الناس، وأن لا يشتروا بآياته ثمنا قليلا)) قال تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾[14] وقال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾[15].



والمقصود أن الله تعالى أوجب على المسلمين أن يجتمعوا على دين الحق الذي هو الإسلام وأن يعتصموا بكتاب الله تعالى، وأن تكون وحدتهم عليه، فعليه يجتمعون وبه يتحدون، لا بالقوميات والجنسيات، ولا بالمذاهب والأوضاع السياسية التي اخترعوها بأفكارهم القاصرة.



ونهاهم تعالى عن التفرق والانقسام، بعد الاجتماع والاعتصام بكتاب الله تعالى لما في التفرق من زوال الوحدة التي هي معقد العز والقوة فبالاجتماع تقوى الأمة، وبالقوة يعتز الحق فيعلو على الباطل، ويحفظ من هجمات المواثبين، ويحمى من كيد الكائدين، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾[16].



فالإسلام هو سبيله، والعصبيات والقوميات هي السبيل المشتتة التي تؤدي إلى الضعف والهلاك.



والإسلام يأمر بالوفاق، والاتفاق، بين كل من تحكمهم شريعته، وأن يعتصموا بحبل الله جميعا، وقد بددت العصبيات القبلية العرب قبل الإسلام، فلم يكن لهم شريعة تجمعهم ولا نظام يحكمهم وحينما لجؤوا إلى الإسلام نالوا به العزة والسيادة، والسعادة ولما سرى سم العصبيات الموبوءة التي نقلها متفرنجة المسلمين إليهم، يخادعون بذلك قومهم موهمين، بأنهم يريدون النهوض بأوطانهم، وإعلاء شأنهم، أصبح الأمر معكوسا فلم يجنوا من ذلك سوى الضعف والتفكك، والتفرق الذي مهد السبيل أمام أعدائهم للاستيلاء على خيرات بلادهم، وعلى أفكارهم، وفي النهاية أصبح أعداؤهم يتحكمون فيهم، وإن أوهموهم بأن الأمر بأيديهم.



فالإسلام وحده هو الأساس الذي ينبع منه إيجاد المجتمع المتكامل، المتساند الذي يعمل من أجل خير الجميع، لأن الإسلام يعتبر الفرد هو النواة للجماعة، ولا يعترف بالجماعة إلا إذا كانت لا تعمل على ضمان صالح الفرد.



ومن المتيقن أن المسلمين لن تقوم لهم دولة عزيزة قوية إلا إذا اجتمعوا على ما اجتمع عليه أوائلهم وأسلافهم، الذين فتحوا البلاد بعدل الإسلام وعزته، وفتحوا القلوب لعبادة الله وحده لا شريك له، وبذلك صاروا، هم القادة.



ولتكن دويلة اليهود في فلسطين معتبرا لمن يعقل ويعتبر، كيف أصبحت تتحداهم وتهددهم، ولا يستطيعون الامتناع منها، وليس لذلك سبب سوى انصراف المسلمين عن دينهم الذي هو مصدر عزهم وقوتهم.



فبالإسلام وحده استطاع أجدادنا لما كان إمامهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وقائدهم القرآن أن يكونوا أكبر دولة وأعظمها، لا تستطيع القوى المادية مجتمعة إيجاد مثلها.



وقد علم لكل من يقرأ التاريخ أن المسلمين كلما حادوا عن دينهم، حاق بهم ما وقع بهم في الأندلس، وغيره، إن ما وقع للمسلمين قديما وحديثا كله بسبب انصرافهم عن دينهم، فيجب أن يكون ذلك لهم عبرة، فقد أبيدت أمم من المسلمين وسلبت بلادهم، وسبيت نساؤهم وأولادهم، وارتد من بقي منهم في تلك البلاد عن الإسلام كما حصل في الأندلس، بسبب التفكك والاختلاف الذي نهاهم عنه دينهم وحذرهم الله منه على لسان رسوله- صلى الله عليه وسلم -، كما في حديث ثوبان، وإني سألت ربي أن لا يهلك أمتي بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنّه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من في أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا[17].



ولما كانوا مجتمعين، تسودهم روح الإسلام، ويلتزمون أحكامه، لم يكن العدو يطمع بهم وليس له فيهم منفذ، حتى صاروا هم يدمرون أنفسهم وبلادهم، بتفرقهم، واختلافهم.



وقد اتفق أهل النظر وعلماء التاريخ والاجتماع من المسلمين وغيرهم من الأمم المختلفة أن العرب ما قاموا ببناء حضارتهم، ومدنيتهم الواسعة الأرجاء إلا بتأثير الإسلام، في جمع كلمتهم، وإصلاح شؤونهم النفسية، والعلمية، والخلقية.



ولهذا لما رأى الكفار قوة المسلمين، ووحدة صفهم على عدوهم، عملوا على تمزيق هذه الوحدة، بوسائل متعددة، منها تقسيم بلادهم إلى دويلات متعددة، وجعلوا لكل دويلة حدودا، ونظاما، وأمورا قد يحصل بسببها القتال بينها وبين جارتها وبذلك أمكنهم السيطرة على المسلمين، من نواحي متعددة.



ومعرفة الجماعة وأهميتها في الدين، وكذلك معرفة حكم الفرقة وعظيم ضررها مما ينبغي الاعتناء به، وكذلك معرفة منشأ الفرقة وأسبابها، فإن بالفرقة يحصل التلاعن والتباغض، والتقاطع، ثم القتال، وهذا أصل محرم في الشرائع كلها التي أنـزلها الله على رسله، وإنما ترتكب بظلم الناس وجهلهم.



وكذلك تمييز السنة من البدعة مما يجب الاعتناء به، إذ السنة ما أمر الله به والبدعة ما لم يشرعه الله من الدين.



وقد كثر اضطراب الناس في ذلك قديمًا وحديثًا، وحصل بسبب ذلك من التفرق والتباعد والتباغض شر عظيم، وضعف كبير، وتباعد شاسع، إذ كل فريق يزعم أنه المهتدي، والسنة (http://www.abo-qeaqaa.com/vb/showthread.php?t=68891) معه، والفريق المخالف له ضال أو ربما كافر، فينشأ عن ذلك من التفرق والشرور ما الله به عليم.



وقد ذم الله تعالى الاختلاف ونهى عنه أشد النهي، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾[18].



وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾[19].



فأخبر تعالى عن اتفاق الناس في الأصل، وإنهم كانوا جماعة متحدة، ثم اختلفوا.



وهذا الاختلاف في الدين، هو الاختلاف الذي يكون به تضليل بعضهم بعضا ومعاداة بعضهم لبعض، ثم بعد ذلك يكون القتال وشدة التفرق.



وقد بعث الله تعالى إلى العباد النبيين، مبشرين من أطاعهم واجتمع على الهدى الذي جاءوا به، بالسعادة والسيادة، ومنذرين من عصاهم بالعذاب في الآخرة والعقوبة في الدنيا، بما ينغص عليهم حياتهم، أو يهلكهم بعذاب متصل بعذاب الآخرة.



ولما كان عقل الإنسان وفكره قاصرا عن الوصول إلى كل ما فيه مصلحته، وهدايته من العدل في حقه وحق غيره، ولتفاوت عقول الناس، وإدراكاتهم، فلا بد من اختلافهم، مع ما فيهم من النقص، لذلك أنـزل الله الكتاب (http://www.abo-qeaqaa.com/vb/showthread.php?t=68891) ليحكم بينهم فيما اختلفوا فيه من العلم و الاعتقاد، والعمل والحكم.



لأن الاختلاف إما أن يكون في الأقوال، كاختلاف الفقهاء الذين يتكلمون في مسائل العلم، ولا يدعون إلى أقوال مبتدعة فهؤلاء أهل اجتهاد، إذا أخطأوا فخطأهم مغفور، وهم مثابون على اجتهادهم.



وإما أن يكون الاختلاف في القول والعمل، غير أن الأقوال مبنية على تأويل فاسد، اتباعا للهوى، ويدعون إليها، ويحاربون عليها، ويوالون ويعادون كفعل الخوارج، والروافض، والمعتزلة، ونحوهم، ويدخل في ذلك من يقاتل لأجل الملك والدنيا والرئاسة، فهؤلاء ما بين معتد ظالم أو مفرط ضال أو عابد لهواه وشهوته، فهؤلاء هم أهل الضلال، والخذلان، وهم الذين توجه إليهم الذم في الكتاب (http://www.abo-qeaqaa.com/vb/showthread.php?t=68891) والسنة.



وأول هؤلاء هلاكا هم الخوارج المارقون عن الحق، حيث حكموا لنفوسهم بأنهم المتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – وأن علي بن أبي طالب، ومعاوية وعسكريهما هم أهل المعصية، والبدعة، فاستحلوا ما استحلوا من دماء المسلمين بسبب ذلك.



وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة، عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: ((وإن الله يرضى لكم ثلاثا، ويكره لكم ثلاثا يرضى لكم أن تعبدوه، ولا تشركوا له شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا، ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم[20]، ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال))[21].



وروى ابن أبي شيبة، عن حذيفة قال: ((من فارق الجماعة شبرا، فارق الإسلام))[22].



وروى عن علي، قال: ((الأئمة من قريش، ومن فارق الجماعة شبرا، فقد نـزع ربقة الإسلام من عنقه))[23]. والمقصود بالجماعة أهل الحق الذين اجتمعوا عليه، ولم يخالفوا ما جاء به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بحسب الاستطاعة.



وهذه النصوص وأمثالها تدل على وجوب جمع كلمة المسلمين واجتناب كل ما يكون سببا للخلاف، حتى مسائل العلم الاجتهادية التي ينشأ عنها تفرق ومعاداة.



فإنّه قد يكون في مسائل الاختلاف اعتقاد وجوب بغض المخالف في تلك المسألة أو تفسيقه، أو لعنه وتكفيره، أو قتاله، ويكون ذلك في حق المبغض المفسق أو المكفر المقاتل بلاء ومحنة، وفتنة، كما هو حال البغاة المتأولين، مع أهل الحق والعدل من أهل الأمر والنهي أو أهل العلم والعمل، يعني الأمراء، والعلماء والعباد.



ولكن الاجتهاد السائغ لا يبلغ مبلغ الفتنة والفرقة، إلا مع البغي والعدوان، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾[24].



وذكر هذا تعالى في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾[25]. وقوله تعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾[26]. فبيَّن تعالى أن الاختلاف الموجب للفتنة والفرقة (http://www.abo-qeaqaa.com/vb/showthread.php?t=68891) إنما هو بغي، وعدوان، فلا تكون فتنة وفرقة مع الاختلاف السائغ في الشرع.



ولهذا نهى النبي – صلى الله عليه وسلم- عن القتال في الفتنة، وصار هذا من أصول أهل السنة التي تذكر في العقائد لأهميته.



وإن كان بعض العلماء يرى إذا كانت إحدى الطائفتين لديها العلم التام بأحكام الشرع، والأخرى باغية أنه يجب القتال مع الطائفة العادلة العالمة وحكموا بأن الأصوب القتال مع علي بن أبي طالب في قتال الفتنة، وأن ذلك أولى من اعتزال القتال.



ولكن النصوص الكثيرة دلت على أن الصواب اعتزال القتال، كما فعله أكثر الصحابة، كقوله – صلى الله عليه وسلم – فيما رواه ابن أبي شيبة عن محمد بن مسلمة قال: أعطاني رسول الله- صلى الله عليه وسلم – سيفا فقال: ((قاتل به المشركين، فإذا رأيت الناس يضرب بعضهم بعضا، فاعمد به إلى صخرة فاضربه بها حتى ينكسر، ثم اقعد في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية)).



وكما في سنن أبي داود والترمذي عن أبي موسى الأشعري، أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: في الفتنة: ((كسروا فيها قِسيكم، وقطعوا أوتاركم، والزموا فيها أجواف بيوتكم، وكونوا كابن آدم)).



وفي الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذًا فليعذ به)).



وفي صحيح مسلم عن أبي بكرة قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((أنها ستكون فتنة، ألا ثم تكون فتن القاعد فيها خير من الماشي، والماشي خير من الساعي إليها، فإذا وقعت، فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كان له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه، فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت من لم تكن له إبل ولا غنم، ولا أرض؟ قال: يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاة، اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت. فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين، أو إحدى الطائفتين، فضربني رجل بسيفه، أو يجيء سهم فيقتلني؟ قال: يبوء بإثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار)).



وفي الصحيحين من حديث أبي بكرة أنه سمع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: ((إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، فقيل: يا رسول الله. هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه أراد قتل أخيه)).



وفيهما عن أبي سعيد أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: ((يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن)).



والأحاديث عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بالأمر بالكف عن القتال في الفتن، واعتزال المقاتلين كثيرة جدّاً، وواضحة جلية، وهي من الأمور المانعة من التفرق، لأن هذا هو العلاج في مثل تلك الحال، فإذا لم تمنع بالكلية فبها، العمل على تقليلها، ولو باعتزال أصحابها ومن الأصول المتفق عليها عند أهل السنة، ودلت عليه النصوص الكثيرة، أنه إذا كان للناس إمام جائر ظالم، فإن الناس يؤمرون بالصبر على جوره وظلمه، وبغيه ولا يقاتلونه وأن مجرد وجود البغي من إمام، أو من طائفة لا يبيح قتالهم.



فدفع البغي لم يأذن الشرع به مطلقا بالقتال، بل إذا كان فيه فتنة، ويترتب عليه ضرر أعظم منه وجب الكف عنه، وأمر بالصبر، والاحتمال، لأن الشريعة مبناها على دفع أعظم المفسدتين بالتزام أقلهما ضررا، إذا لم يمكن دفع الفساد مطلقا.



والنبي – صلى الله عليه وسلم – إذا وصف طائفة بأنها باغية ليس معنى ذلك أنه أمر بقتالها بل ولا مبيحاً له، سواء كان بغيها بتأويل، أو غير تأويل.



وكل ما أوجب فتنة أو فرقة بين المؤمنين فليس هو من الدين، سواء كان قولا أو فعلا.



والفتنة، والفرقة (http://www.abo-qeaqaa.com/vb/showthread.php?t=68891) لا تقعان، إلا من ترك ما أمر الله به، والله تعالى - أمر بالحق والعدل، وأمر بالصبر، والفتنة تكون من ترك الحق، أو من ترك الصبر.



فالمظلوم إذا كان على حق، فإنّه يؤمر باحتمال الأذى، والصبر على البلوى، فإذا ترك الصبر، فإنّه يكون تاركا لما أمر الله به.



وإن كان المظلوم مجتهدا في معرفة الحق، ولم يصبه، ثم لم يصبر على البلوى، كان مقصرا في معرفة الحق، وآثما بترك الصبر، ولكن قد يؤجر على اجتهاده، ويعفى له عن تقصيره، وأما ترك الصبر فعليه إثم ذلك.



وأما إذا كان غير مجتهد في معرفة الحق، ولم يصبر، فإنّه يجتمع عليه ثلاثة ذنوب، الأول لتركه الاجتهاد في طلب الحق، والثاني لتركه الصبر على البلوى، والثالث لعدم إصابته الحق ووقوعه في الخطأ.



والمقصود أنه لا يحل دفع الأذى الذي يكون في دفعه فتنة بين الأمة، أو ينتج عنه شر عظيم أو أعظم من الأذى المطلوب دفعه، أو يكون في دفعه ظلم وعدوان، بل المتعين حينئذ الصبر والاحتمال وضبط النفس، فإن ذلك في حق المظلوم ابتلاء وامتحان، وإذا صبر واحتسب، كانت العاقبة له، وقد قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ [الفرقان: 20] أي يبتلى بعضكم ببعض لينظر من يصبر فيستحق الجزاء الأوفى، في الدنيا والآخرة.



وأخبر تعالى عن رسله أنهم قالوا لقومهم: ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم: 12]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24] فجعلهم أئمة بالصبر واليقين، فبذلك تنال الإمامة في الدين.



والخطأ يحصل في هذا إما بسبب جزع المظلوم، أو بسبب قلة صبره، أو ضعف رأيه فإنّه قد يظن أن القتال، أو نحوه في الفتنة يدفع الظلم عنه، ولا يدري أنه يضاعفه ويزيد الشر كما هو الواقع.



والمظلوم وإن كان مأذونا له في دفع الظلم عنه، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: 41] فذلك مقيد بشرطين أحدهما القدرة على ذلك، فإنّه إذا كان غير قادر زاد ظلمه.



والثاني أن لا يتعدى كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: 126- 127] فأخبر تعالى أن الانتصار جائز لمن يقدر عليه، ولا يعتدي، وأن الصبر أفضل، فإذا لم يتوافر الشرطان لم يجز.



وهذا كله إذا لم يكن الباغي الظالم هو الإمام الذي له قوة، وأتباع، فإذا كان هو لم يجز الانتصار والانتقام، لما يترتب على ذلك من الشر العريض، والفتنة التي فيها من الضرر والفساد أضعاف ما في الانتصار من المصلحة ودفع الظلم.



ولهذا جاءت النصوص عن النبي – صلى الله عليه وسلم – في النهي عن قتال الأئمة الجائرين الظالمين. ففي صحيح مسلم والترمذي أن سلمة بن يزيد الجعفي سأل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: ((يا نبي الله أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألون حقهم، ويمنعونا حقنا، فما تأمرنا، فأعرض عنه مرارا – وهو يعيد السؤال- ثم قال: اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم )).



وفي الصحيحين عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: ((إنها ستكون أثرة وأمور تنكرونها، قالوا: يا رسول الله كيف تأمر من أدرك ذلك منا؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم)).



وفيهما أيضاً عن ابن عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: ((وعلى المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة)).



وفي صحيح مسلم والنسائي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم - ((عليك السمع والطاعة، في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك)).



وفي الصحيحين، عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من كره من أميره شيئا فليصبر، فإنّه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية)).

عبدالله الأحد
2015-07-27, 11:26 PM
وهذا كله محافظة على الاجتماع، وخوفا من التفرق، الذي يضعف الأمة أمام هجمات الأعداء ومحافظة على دماء المسلمين وأعراضهم، وأموالهم، لما يحصل، في الخروج على الإمام من الفتن، وسفك الدماء، وذهاب الأموال، وهتك الأعراض، كما جرب الناس ذلك وعانوا منه العنت، والشر الكثير، و الشرع جاء باحتمال أقلّ الأمرين ضررًا، لدفع ما هو أعظم، ولهذا جاءت النصوص عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم –بالأمر بقتل من خرج بطلب السلطة، والمسلمون لهم سلطان قائم، لما في ذلك من الفتن والتفرق، كما في صحيح مسلم عن عوف بن عرفجة قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم –يقول: ((ستكون هنات، وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان)).



وفي النسائي، عن أسامة بن شريك، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه سلم -: ((أيما رجل خرج، يفرق بين أمتي فاضربوا عنقه)).



وفي صحيح مسلم والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: ((من خرج من الطاعة وفارق الجماعة، فمات مات ميتة جاهلية، ومن قتل تحت راية عُمِيّة، بغضب لعصبية، أو يدعو إلى عصبية، فقتل، فقتلة جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي بعهد ذي عهدها، فليس مني، ولست منه)).



فحذر- صلى الله عليه وسلم – مما يفرق، ويوهن الجماعة، وأمر بقتل من يريد أخذ السلطة ممن هي بيده، واجتمع عليه المسلمون، سواء كان برا، أو فاجرا، وأخبر أن من قتل تحت راية عُمَّية أن قتلته جاهلية، ومن قاتل لعصبية أنه كذلك، وتبرأ ممن يفرق بين أمته.



وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [سورة الحجرات: 9] فليس فيه الأمر بالقتال ابتداء، ولكن إذا حصل القتال بين طائفتين من المؤمنين، يجب الإصلاح بينهما، بدون قتال ما أمكن ذلك امتثالا لأمر الله تعالى، ويكون الإصلاح بالعدل، والإنصاف، وقد تكون إحدى الطائفتين أقرب إلى الحق، فتعان على الحق، ويحال بين الأخرى وبين البغي والظلم، فإن أبت إحداهما قبول الصلح والحكم بينهما بالحق، وأبت إلا البغي وركوب العسف والتمادي في الباطل، فعند ذلك تقاتل تلك الطائفة منعا للقتال الذي هو أعظم من قتالها لأنها إذا لم تقاتل حتى تفيء إلى أمر الله، بل تركت حتى تتقاتل هي والأخرى صار الفساد أعظم، ثم إنّ الذي يقاتل الطائفة الباغية غير الطائفة المبغي عليها، فهذا من نصر المظلوم، ودفع الفساد العظيم بما هو أقلّ منه فسادا.



قال ابن جرير: ((يقول جل ذكره: وإن طائفتان من أهل الإيمان، اقتتلوا، فأصلحوا أيها المؤمنون بينهما بالدعاء إلى حكم كتاب الله، والرضا بما فيه لهما وعليهما، وذلك هو الإصلاح بينهما بالعدل، فإن بغت إحداهما على الأخرى، يقول: فإن أبت إحدى الطائفتين الإجابة إلى حكم كتاب الله لها أو عليها، وتعدت ما جعل الله عدلا بين خلقه، وأجابت الأخرى منهما، فقاتلوا التي تبغي، أي التي تعتدي، وتأبى الإجابة إلى حكم الله حتى تفيء إلى أمر الله، أي حتى ترجع إلى حكم الله الذي حكم في كتابه بين خلقه، فإن فاءت ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾يقول: فإن رجعت الباغية بعد قتالكم إياهم، إلى الرضا بحكم الله في كتابه، فأصلحوا بينها وبين الطائفة الأخرى ﴿بِالْعَدْلِ﴾ يعني الإنصاف بينهما، وذلك حكم الله في كتابه، جعله عدلا بين خلقه، وهذا ليس فيه قتال الأئمة الذين بأيديهم السلطة، بل هذا نوع آخر، وإنما المأمور به في هذه الآية، دفع الفتنة، وتقليلها ما أمكن بالإصلاح، أو بالقتال إذا لم يمكن بدونه، فتقاتل الفئة الباغية على الأخرى، حتى تذعن لحكم الله، ويصير الدين كله لله، وكلمة المسلمين مجتمعة والمأمور بالقتال هم المؤمنون الذين ليسوا من إحدى الطائفتين، أمر الله تعالى بأن يقاتلوا من بغى على أخيه، وتعدى بقتال، ولم يقبل الصلح بالعدل، فقتال مثل هؤلاء من باب الجهاد، ونصر المظلوم.



أمّا إذا وقع بغي ابتداء، بغير قتال مثل أخذ المال، أو رئاسة بظلم، فهذا لم يأذن الله تعالى، بقتالهم على ذلك، بل أمر الرسول – صلى الله عليه وسلم – مع ذكره لظلمهم بالصبر، وإعطائهم حقوقهم، وأن يطلب المظلوم حقه من الله تعالى، ولم يأذن للمظلوم المبغي عليه بقتال الباغي، في مثل هذه الصور، التي يكون القتال فيها قتال فتنة وحذر من الخروج على الأئمة، وإن كانوا ظلمة وجائرين، يضربون الظهور، ويأخذون المال، ويمنعون الحقوق، بل نهى عن معصيتهم حينئذ، ونـزع يد الطاعة منهم، ما لم يأمروا بمعصية الله تعالى. فعند ذلك لا طاعة لهم، ولا يسمع لقولهم، وكذلك إذا ارتدوا عن الإسلام، وكفروا به صراحة، فلا يجوز أن يكونوا حينذاك أئمة على المسلمين، فطاعتهم مقيدة بأن لا يأمروا بمعصية الله تعالى –فهم لا يطاعون في كل شيء، وإنما يطاعون إذا أمروا بطاعة الله، أو بما ليس فيه معصية لله تعالى، أمّا إذا أمروا بمعصية الله تعالى، فلا سمع لهم ولا طاعة.



وكذلك النهي عن الخروج عليهم مقيد بكونهم مسلمين مصلين، أمّا إذا كفروا كفراً صريحا، وارتدوا ردة واضحة جلية، فلا يجوز حينئذ أن يكونوا ولاة على المسلمين، وعلى هذا دلت النصوص عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم–.



جاء في صحيح مسلم عن علي بن أبي طالب، قال: ((بعث رسول الله- صلى الله عليه وسلم – سرية واستعمل عليهم رجلا من الأنصار، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فأغضبوه في شيء، فقال: اجمعوا لي حطبا، فجمعوا له، ثم قال: أوقدوا نارا، فأوقدوا، ثم قال: ألم يأمركم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فادخلوها، قال: فنظر بعضهم إلى بعض، فقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من النار، فكانوا كذلك، وسكن غضبه، وطفئت النار، فلما رجعوا، ذكروا ذلك للنبي- صلى الله عليه وسلم – فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف))[27].



وفيه أيضاً عن أم سلمة، أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ((سيكون أمراء تعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: أفلا ننابذهم؟ قال: لا ما صلوا)).



وفيه أيضا عن عوف بن مالك، سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: ((خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم، ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قال: قلنا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، لا ما أقاموا فيكم الصلاة، لا ما أقاموا فيكم الصلاة، إلا من ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينـزعن يداً من طاعة)).



قال النووي: أجمع العلماء على وجوب طاعة ولاة الأمور من غير معصية، وعلى تحريمها في المعصية، نقل الإجماع القاضي عياض، وآخرون، قال: وتجب طاعتهم فيما يشق على النفوس وما تكرهه، وغيره فيما ليس بمعصية، فإن كانت لمعصية فلا سمع ولا طاعة، كما صرح به في الأحاديث، فتحمل الأحاديث التي فيها إطلاق السمع والطاعة على المقيدة، وفي حديث عبادة قال: ((بايعنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم – فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: إلا أن ترون كفرا بواحا، عندكم من الله فيه برهان)).



ونقل النووي عن عياض، أنه قال: ((أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل))ا.هـ يعني انعزل حكما، لأنه لا يجوز أن يتولى الكافر على المسلمين، فولي الأمور هو الذي يقيم الحدود، ويقود المسلمين في جهاد أعدائهم، ويذود عن بلادهم، فإذا لم يكن على دينهم لا يتوقع منه فعل ذلك.



والمقصود أن النبي – صلى الله عليه وسلم – حذر من الخروج عن الطاعة، ومفارقة الجماعة وذم ذلك، وجعله من أمر الجاهلية، لأن أهل الجاهلية، لم يكن لهم رئيس يجمعهم، وشأنهم التفرق والاختلاف، ويرون السمع والطاعة مهانة وذلة، والخروج عن الطاعة وعدم الانقياد عندهم فضيلة، يمتدحون بها.



فجاء الإسلام مخالفا لهم في ذلك، آمرا بالصبر على جور الولاة، والسمع والطاعة لهم في غير معصية، والنصح لهم، وبالغ صلوات الله وسلامه عليه في ذلك حتى قال فيما أوصى به في حجة الوداع: ((اسمعوا وأطيعوا لمن ولاه الله أمركم، وإن كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف)).



مع أنه – صلى الله عليه وسلم – كان دائما يأمر بإقامة رئيس حتى في الجماعة القليلة والمدة القصيرة، ويحث على طاعته، كما أمر المسافرين إذا كانوا ثلاثة أن يؤمروا أحدهم، مبالغة في طلب الاجتماع، وحرصا على عدم الفرقة، ومخالفة لأمر الجاهلية وتقدم الحديث الذي في صحيح مسلم: ((إنّ الله يرضى لكم ثلاثا، ويكره لكم ثلاثا، فيرضى لكم أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا، ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل، وقال، وكثر السؤال وإضاعة المال)) وهذه أصول الإسلام فإنّه بني على عبادة الله وحده، والجن والإنس خلقوا لذلك.



ولهذا صار من أصول أهل السنة صلاة الجمع وغيرها خلف البر والفاجر، ويرون أن ترك الصلاة خلفهم من سنة المبتدعين، وإذا كان الإمام مستورا فإنّه يصلى خلفه بالاتفاق من أئمة المسلمين، ومن زعم أنها غير جائزة فقد خالف الإجماع من أهل السنة، وقد كان الصحابة يصلون خلف الفسقة والظلمة، بل ومن كان متهما بالإلحاد كابن أبي عبيد، وكان داعيا إلى الضلال، ولم يكونوا يعيدون الصلاة، وقد أنكر الإمام أحمد على من يعيدها إنكارا شديدا وعد ذلك من البدع.



والاعتصام بحبل الله يتضمن الاجتماع على الحق، والتعاون على البر والتقوى، والتناصر على أعداء الله وأعداء المسلمين، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأكد ذلك بقوله: ﴿وَلا تَفَرَّقُوا﴾.



وفي الحديث الذي أخرجه الترمذي وصححه، قوله – صلى الله عليه وسلم -: ((وأنا آمركم بخمس أمرني الله بهن، السمع، والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة، فإن من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه)).



وفي خطبة عمر رضي الله عنه المشهورة التي ألقاها في الجابية، قوله: ((عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد)) وفيها: ((من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة)).



والمراد بالجماعة أهل الحل والعقد من كل عصر.



وقال البخاري: ((الجماعة هم أهل العلم، وهذا لا يخالف قول الجمهور من العلماء لأن أهل العلم، يقولون بمقتضى أحاديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – التي تنص على وجوب طاعة الأمراء، الذين يتولون أمور المسلمين، وإن كانوا فجرة، ماداموا على الإسلام، لم يخرجوا إلى الكفر الصريح كما في صحيح مسلم من غير وجه أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن يعصني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني)).



وفيه عن ابن عباس، قال: نـزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [الإسراء: 59] في الإسراء.



وفي صحيح مسلم عن حذيفة، قال: قلت يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن.قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهتدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر.قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها.فقلت: صفهم لنا؟ قال: نعم، قوم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا.قلت: يا رسول الله فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين، وإمامهم.قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على شجرة حتى يدركك الموت، وأنت على ذلك.



وفي لفظ آخر: قلت: وهل وراء ذلك الخير شر؟ قال: نعم. قلت: كيف؟ قال: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهديي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان الإنس. قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك فاسمع وأطع)).



وفي رواية قال عن الخير الثاني: صلح على دخن، وجماعة على إقذاء فيها، وقلوب لا ترجع إلى ما كانت عليه:

فالخير الأول:النبوءة وما اتصل بها من خلافة ليس فيها فتنة، والشر هو ما حصل من الفتنة بسبب مقتل الخليفة الثالث عثمان رضي الله عنه، وتفرق الناس حتى صار حالهم شبيها بحال الجاهلية، يقتل بعضهم بعضا، ولهذا قال الزهري: وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – متوافرون، فأجمعوا على أن كل دم، أو مال، أو فرج أصيب بتأويل القرآن فهو هدر، أنـزلوهم منـزلة الجاهلية، فيبين أنهم جعلوا ذلك غير مضمون، كما أن ما يصيبه أهل الجاهلية بعضهم من بعض، غير مضمون، لأن الضمان إنما يكون مع العلم بالتحريم فأما مع الجهل كحال البغاة من أهل القبلة والكفار، فلا ضمان، لهذا لم يضمن النبي – صلى الله عليه وسلم – أسامة دم الذي قتله بعد ما قال: ((لا إله إلا الله))، مع تغليظه – صلى الله عليه وسلم – في ذلك، وردد عليه قوله: أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله، ثلاث مرات حتى قال أسامة فتمنيت أني لم أسلم قبل ذلك.



والخير الثاني:اجتماع الناس على معاوية بعد أن تنازل الحسن له عن الأمر، وكان ذلك صلحا على أقذاء، ودخن في ذلك الاجتماع حيث لم ترجع القلوب إلى ما كانت عليه زمن النبي – صلى الله عليه وسلم – وخلفائه قبل الفتنة.



والمقصود أن النبي – صلى الله عليه وسلم – أخبر بأنه يكون أئمة لا يهتدون بهديه – صلى الله عليه وسلم – ولا يستنون بسنته، وأخبر أن فيهم رجالا قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان الإنس، ومع ذلك أمر بالسمع والطاعة للأمير، وإن ضرب الظهر، وأخذ المال، وفي ذلك بيان وجوب طاعة السلطان، سواء كان عادلا أو ظالما جائرا وهذا حماية منه – صلى الله عليه وسلم – للأمة من التفرق، الذي يضعفها، ويجعلها نهبة للأعداء، كما هو الواقع من حال المسلمين اليوم، لما تفرقوا، وأصبحوا دويلات لكل دويلة حدودها، واتجاهاتها.



وعلاقتها مع أعدائها أوثق من علاقتها مع الدول الإسلامية، وبذلك صار المسلمون غثاء كغثاء السيل ذهبت مهابتهم من قلوب أعدائهم وقذف في قلوبهم الوهن فوصلوا إلى حالة من الشقاق والاختلاف، وصاروا فيها من أبعد الناس عن الاتفاق والائتلاف.



والواجب عليهم الحذر مما وقع فيه من قبلهم، من الاختلاف في دينهم أشد الحذر وقد أكثر الله ورسوله في تحذيرهم من ذلك، ورتب تعالى العذاب على الاختلاف.



وهم قد جربوا ذلك بأنفسهم، فلما كانوا ممتثلين لأمر ربهم بالاتفاق والاعتصام بكتاب الله تعالى، منتهين عن التفرق والاختلاف، كانوا خير أمة أخرجت للناس، فحصل لهم الخير العظيم الذي لم يطرق العالم مثله، من كثرة الإيمان بالله وانتشار العدل بن الناس، وقوة المسلمين، وسيطرتهم على معظم الأرض، وقمع الباطل وحزب الشيطان، فلما سلكوا مسالك من تقدمهم، من التفرق في الدين وتقليد أعدائهم ذهبت ريحهم، ثم لم يزل النقص فيهم إلى أن صاروا أذلة يستجيرون بأعدائهم، مع كثرة عددهم، والله تعالى جعل الاختلاف من طبيعة البشر، فلذلك بيَّن علاجه بيانا واضحاً بأن نرد ما اختلفنا فيه إلى كتابه، وسنة رسوله، وبذلك يحصل الاتفاق والاعتصام بحبل الله.



والمقصود أن الله تعالى لم يأذن بقتال الأمراء والولاة، والخروج عليهم لما في ذلك من الفتن والفساد الكبير، والواقع أكبر شاهد لذلك.



وأما إذنه بدفع الصائل بالقتال، كما في الحديث: ((من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون عرضه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد))، ونحو ذلك، فهذا ليس فيه فتنة ولا هو من دواعي التفرق والاختلاف، فهو مثل قتال اللصوص، وقطاع الطرق فليس قتالهم فتنة، إذ الناس كلهم أعوان على قتالهم، فلا يكون في قتال هؤلاء ضرر عام يشمل الظالم والمظلوم وغيرهما، كقتال ولاة الأمور، فإن فيه فتنة وشرا عاما أعظم من ظلمهم، فالمشروع فيه الصبر والاحتمال.



وبهذا تجتمع النصوص وتتفق، ويزول التعارض الذي يتوهمه بعض الناس.



وهذا الأمر مما ينبغي الاهتمام بفهمه، فإن خطره عظيم، والنصوص التي تقدم ذكر بعضها تدل على وجوب الكف عن القتال في الفتنة، ولكن إذا كان الخارج مارقا من الدين ظاهر الضلال، ويتدين بقتال المسلمين كالخوارج والروافض الذين يرون قتل المسلمين من فضائل الأعمال، فإنهم يقاتلون ويرغب في قتالهم، كما أمر الرسول- صلى الله عليه وسلم – بقتال الخوارج ورغب فيه، و الروافض أشر من الخوارج.



وما قاله بعض العلماء من وجوب القتال مع من هم أولى بالحق، فالصواب خلافه – أي وجوب الكف عن القتال- لأن القتال فيه من الشر العظيم، والفتنة والفساد أعظم مما في ترك القتال كما هو الواقع، لأن القتال في مثل ذلك لأجل ترك واجب مثل الامتناع من طاعة معين والدخول في الجماعة، وفي قتال الممتنعين ما فيه من سفك دماء المسلمين، والفتن العظيمة أعظم مما يحصل بتركه، وإن كان غيرهم أولى بالطاعة والمقصود أن الله تعالى نهى عن التفرق، وعن أسباب الفتن، مما يضعف الأمة ومن تتبع تاريخ المسلمين عرف أن أكثر الاختلاف والتفرق حصل في مسائل الصفات والقدر، والإمامة، وغالب ذلك مما يدخله الاجتهاد، فهم في ذلك مابين مجتهد مخطئ، ومخطئ باغ، وباغ من غير اجتهاد، أو مقصر فيما أمر به من الصبر والاحتمال، فحصل بسبب ذلك من القتال والشرور ما هو معلوم لمن نظر في التاريخ والواقع.



وقد قال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران: 186] فأمر تعالى بالصبر على أذى الكفار من اليهود والنصارى والمشركين، مع التقوى.


وفي هذا تنبيه على وجوب الصبر على أذى المؤمنين بعضهم لبعض، متأولين كانوا أو غير متأولين.



والله تعالى قد أمر بالعدل مع الكفار، وغيرهم، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].



فنهى تعالى أن يحمل المؤمنين بغضهم للكفار على عدم العدل فيهم، فكيف إذا كان البغض لفاسق مؤمن، أو مبتدع متأول، فهو أولى بوجوب العدل معه وأن لا يحمل بغضه على ظلمه.



والإسلام جاء بتأليف القلوب، وجمعها على الحق، ومناصرة المؤمنين، ومعاونتهم على البر والتقوى، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2] فأمر بتنمية الخير وتكثيره، وبإماتة الشر وتقليله، وأمر بالأسباب التي تجلب الخير ومودة المسلم لأخيه، ونهى عن الأسباب التي تجلب العداوة والبغضاء، مما يدل على أن الإسلام مبني على وجوب التآلف بين أهله والاجتماع عليه، وتحريم الفرقة والاختلاف.



فلهذا حرم السب، والسخرية، واللمز، والتنابز بالألقاب، وما أشبه ذلك مما يسبب الفرقة بجلب العداوة والبغضاء، وتنافر القلوب.



وحرم الأفعال الداعية إلى ذلك، ففي الصحيحين عن ابن مسعود، أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ((سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)).



وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: 11] فهذه الأمور التي نهى عنها وهي السخرية واللمز، والتنابز بالألقاب - هي مما يوغر الصدور، ويحدث البغضاء الداعية إلى التقاطع والاختلاف، وتفرق القلوب والأفكار ثم تفرق الأبدان.



وأمر بعكس ذلك مما يدعو إلى الألفة، والمحبة كطيب الكلام، ولين الجانب وإفشاء السلام، والدعاء بأحسن الأسماء وأحبها إلى المدعو، والهدية، وما أشبه ذلك مما يجلب المحبة، ويجمع القلوب، ويشعر بالأخوة الصادقة.



وهذا لا ينافي لزوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن المقصود منه رحمة الخلق و امتثال أمر الله تعالى، وقد قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110] قال أبو هريرة: كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأتون بهم في الأقياد والسلاسل، تدخلونهم الجنة.



فهذه الأمة خير الأمم لبني آدم، فإنهم يعاقبونهم بالقتل والأسر، وسبي الأموال والأولاد، ومقصودهم بذلك الإحسان إليهم، وسوقهم إلى كرامة الله تعالى ورضوانه من دخول الجنة، والحيلولة بينهم وبين النار، عكس ما يفعله النصارى والملحدون، الذين يجهدون أنفسهم، ويبذلون أموالهم يبعدون بذلك الناس عن الله تعالى وهدايته، ويكرهون إليهم الإسلام، بما يظهرونه من تشويه للإسلام وأهله.



وكذا إذا رد المؤمن على أهل البدع، فإنّه يجب أن يكون مقصوده بيان الحق وهداية الخلق، ورحمتهم والإحسان إليهم، وإذا بالغ في ذم بدعة أو معصية فينبغي أن يكون قصده بيان ما فيها من الفساد، وتحذير الناس من الوقوع فيها.



وكذا إذا هجر إنسانا أو عزره، أو أقام عليه الحد، فلا يجوز أن يكون ذلك للتشفي والانتقام، بل يكون للرحمة والإحسان، فإن العقوبات الشرعية إنما شرعت رحمة من الله بعباده، فهي صادرة عن رحمة الله لخلقه، وإرادة الإحسان إليهم ونفعهم، كما يقصد الوالد بتأديب ولده نفعه والإحسان إليه، وكما يقصد الطبيب بإجراء العملية للمريض شفاءه والإحسان إليه.



ولهذا أمر الله تعالى بالصلاة على من أقيم عليه الحد، والاستغفار له، كما كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يفعله، وأمر بالصلاة على الأموات من المسلمين، فكل مسلم لم تعلم ردته، ولا نفاقه فإنّه يصلى عليه، ويستغفر له، وإن كان فيه بدعة وفسوق هذا هو مذهب أهل السنة، مخالفين بذلك نهج أهل الزيغ من الخوارج والمعتزلة، الذين يكفرون بالذنوب، أو يحكمون على أصحابها بالخلود في النار.



ومن القواعد التي قررها شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من المحققين، أن المتأول إذا قصد متابعة الرسول – صلى الله عليه وسلم – فاجتهد وأخطأ أنه لا يكفر، ولا يفسق سواء كان ذلك في المسائل العملية الفروعية، أو في العلمية الاعتقادية الأصولية.



والتفريق بين مسائل العمل والاعتقاد في ذلك من أقوال أهل البدع.



ولا يعرف عن أحد من الأئمة أنه كفر كل مبتدع بل المنقول عنهم يخالف ذلك ولكن قد ينقل عن بعضهم أنه كفر من قال بعض الأقوال، ويكون مقصوده أن هذا القول كفر ليحذر منه، ولا يلزم إذا كان القول كفرا أن يكفر كل من قاله مع الجهل والتأويل، فإن ثبوت الكفر في حق الشخص المعين، كثبوت الوعيد في الآخرة في حقه، وذلك له شروط وموانع.



وإذا لم يكن الإنسان في نفس الأمر كافرا، ولا منافقا فهو من جملة المؤمنين فيستغفر له ويترحم عليه، وإذا قال المسلم في دعائه: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر: 10] دخل في ذلك كل من سبقه من قرون الأمة بالإيمان، وإن كان قد أخطأ بتأويل تأوله، فخالف السنة، أو أذنب ذنبا، فإنّه من إخوانه الذين سبقوه بالإيمان، فيدخل في العموم، وكذا الموجودون ومن يوجد بهذه الصفة يدخلون في ذلك، وإن كانوا من الثنتين والسبعين فرقة، فما من فرقة إلا وفيها خلق كثير ليسوا كفارا، بل مؤمنين فيهم ضلال، وذنوب يستحقون بها الوعيد، كما يستحقه عصاة المؤمنين من غير أهل البدع.



والنبي – صلى الله عليه وسلم – لم يخرج الثنتين والسبعين من الإسلام، بل جعلهم من أمته، ولم يقل إنهم مخلدون في النار، فينبغي مراعاة هذا الأصل، فإنّه أصل عظيم ومعلوم أن كثيراً من المنتسبين إلى السنة فيهم بدع من جنس بدع الجهمية والمعتزلة، ولا يقول عاقل يعرف شيئا من علم الكتاب والسنة أن مثل هؤلاء كفار، أو أنهم خارجون من الفرقة الناجية مطلقا.



قال شيخ الإسلام: من كفَّر الثنتين والسبعين فرقة كلهم، فقد خالف الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، مع أن الحديث في ذلك قد ضعفه ابن حزم وغيره، لكن حسنه غيره، وصححه الحاكم وغيره ورواه أهل السنن من طرق.



وليس قوله في: الثنتين والسبعين ((كلها في النار)) بأعظم من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء: 10] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً﴾ [النساء: 30] وأمثال ذلك من نصوص الوعيد الصريحة بإدخال من فعل ما ذكر النار، ومع ذلك لا نشهد على معين ممن أكل مال يتيم ظلما، أو أكل مالا بالباطل، أو ارتكب ما توعد عليه بدخول النار، لا نشهد عليه بالنار، لإمكان أنه تاب، أو كانت له حسنات محت سيئاته، أو كفَّر الله عنه بمصائب أصيب بها، أو غير ذلك.



والمقصود أنه يجب العدل في الحكم والقول، وأن يتبع كتاب الله تعالى – فإن الله تعالى قد أغنانا به، وبيَّن لنا به ما نحتاجه في جميع شئوننا، وأن نرجع إليه إذا حصل بيننا خلاف، فهو كفيل بحل جميع مشكلاتنا، ففيه الهدى والنور.



وقد ذكر الله تعالى – أن المختلفين اختلفوا بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فلذلك ذمهم الله، لأن العلم جاءهم من الله واضحا جليا، فاختلفوا، قاصدين البغي معرضين عن الهدى، مع علمهم بالحق، ولم يكونوا باختلافهم مجتهدين مخطئين قال تعالى: ﴿الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: 19] قال الزجاج: اختلفوا للبغي، لا لقصد البرهان.



وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: 213] يعني أن الذين اختلفوا في الكتاب هم اليهود والنصارى، الذين قال رسولنا - صلى الله عليه وسلم – أن هذه الأمة ستسلك مسالكهم فهدى الله المؤمنين من هذه الأمة لما اختلف فيه أولئك من الحق.



وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمْ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: 93].



وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنْ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: 17- 19] فهذه الآيات ونظائرها في كتاب الله تعالى، فيها البيان أن المختلفين ما اختلفوا حتى جاءهم العلم، والبينات – أي الدلائل الواضحات – بأن ما جاءت به من الرسل هو الحق، فاختلفوا للبغي والظلم، لا لأن الحق اشتبه عليهم بالباطل، وهذه حال أهل البدع، و الاختلاف المؤدي إلى الضلال.



فأصحاب الأهواء عامة لا يختلفون إلا بعد ظهور الحق لهم، ووضوح الهدى، فيبغي بعضهم على بعض، فكل فريق منهم له نحلة يضلل من خالفه فيها، ويرد الحق إذا لم يتفق مع باطله، ويكذب به.



وأما رسل الله تعالى – فإنهم جاءوا بدين واحد، هو دين الإسلام – وأمرهم أن يدعوا إليه، ونهاهم عن التفرق فيه، وهو في الحقيقة دين أول الرسل وآخرهم، كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: 13].



وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران: 19]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: 51- 53] فقوله أمتكم أمة واحدة، يعني شريعتكم ودينكم واحدا، ولكن الناس اتخذوا كتبا كتبوها مبتدعين فيها غير ما جاءتهم به رسلهم مختلفين متفرقين بغيا وعدوانا.



وقد قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ * وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ * وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 1-5] ونظير هذه الآيات قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ * مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: 30- 32] فنهاهم أن يكونوا من المشركين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا - يعني فرقا متعددة وأحزابا متعادية، وأعاد لفظة ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ ليبين أن هذا بدل من الذي قبله، والبدل هو المقصود، وما قبله توطئة له، فهذا تحذير بليغ عن الاختلاف والتفرق.



ودلت هذه الآية على أنّ الاختلاف والتفرق شيعا لا ينفك عن الشرك لما فيه من عبادة الأهواء.



فالله تعالى جعل دينه واحدا، وأمر رسله أن تدعوا إليه من أولهم إلى خاتمهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، كما قال تعالى عن أولهم (نوح عليه السلام): ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: 72] وقال تعالى عن خليله، وأبى الأنبياء بعده: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 131 – 132] أي أن إبراهيم ويعقوب كلاهما وصى بنيه بهذا القول وقال يوسف عليه السلام: ﴿فَاطِرَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: 101] وقال موسى لقومه: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: 84].



وقال المؤمنون الذين كانوا سحرة فهداهم الله: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: 126].



وقالت ملكة اليمن بعد أن هداها الله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: 44] وأخبر تعالى عن أنبياء بني إسرائيل بقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: 44] وقال حواريُ عيسى عليه السلام: ﴿قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: 111] وقال تعالى عن خاتم رسله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: 11- 12] وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64] وفي الصحيحين أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ((إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد)).



وليس تنوع الشرائع مخالفا لذلك أو مانعا منه، بل أصل الدين الذي جاءت به الرسل كلهم واحد، هو الإسلام، وهو عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وإن كان لكل نبي شرعة، وهذا مثل ما كان في أول الإسلام لما كانت القبلة إلى بيت المقدس ثم حولت إلى الكعبة، والدين واحد في كلتا الحالتين، وهكذا شرائع الأنبياء، ولهذا إذا ذكر الله الحق جعله واحدا، وإذا ذكر الباطل جعله متعددا، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153].



فالمتعين على المسلم أن يكون أصل قصده توحيد الله تعالى – بعبادته وحده لا شريك له، وطاعة رسوله – صلى الله عليه وسلم – باتباع أمره، واجتناب نهيه، يدور مع ذلك حيث وجده، في قوله، وعمله، فلا ينتصر لقوله شخص مهما كان، انتصارا مطلقا إلا لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – لأنه لا ينطق عن الهوى، وهو معصوم عن الخطأ في ما يبلغه عن الله تعالى، ويعلم أن أفضل الناس بعد الأنبياء هم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فلا ينتصر لطائفة انتصارا عاما مطلقا إلا لهم، ومن عداهم فالانتصار لهم يجب أن يكون بقد ما معهم من الحق، وذلك لأن الحق والهدى يدور مع الرسول – صلى الله عليه وسلم -، وأصحابه إذا اجتمعوا فهم على الحق قطعا، بخلاف أصحاب غيره من الأئمة، فيجوز أن يجتمعوا على الباطل، أمّا مجموع الأمة فلا تجتمع على ا لباطل ومن الممتنع أن لا يعرف الصحابة الحق الذي جاء به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأن يعرف أحد من العلماء بعد الصحابة، مالا يعرفه الصحابة بمجموعهم، أو يعرف حقا يخالف ما جاء به الرسول – صلى الله عليه وسلم - بل كل ما خالف قوله أو فعله فهو باطل.



والصحابة هم الذين بلغوا الدين عن الرسول – صلى الله عليه وسلم – فلا يمكن معرفة ما جاء به الرسول – صلى الله عليه وسلم – إلا بواسطتهم، لهذا صار الطعن فيهم طعنا في الدين.



والمؤمن بالله حقا، ظاهرا وباطنا هو الذي قصده اتباع الحق، وما جاء به الرسول – صلى الله عليه وسلم – وإن وقع في خطأ فهو غير مقصود، بخلاف أهل البدع والاختلاف فإنهم لا يقصدون اتباع الحق، بل يتبعون أهواءهم، وما تزينه لهم شياطينهم وعلى ذلك يعادون ويوالون، ويقصدون نصر جاههم، ورياستهم، وما ينسب إليهم، لا يريدون أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله.



ولهذا نجدهم يغضبون على من خالفهم، وإن كان مجتهدا معذورا، ويرضون على من يوافقهم وإن كان جاهلا منافقا سيء القصد، ليس له علم ولا حسن قصد، ولهذا يذكر العلماء: أن من عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضا، ولعن بعضهم بعضا ومن مدائح أهل السنة أنهم يخطئون ولا يكفرون، فأهل البدع يحمدون من لم يحمده الله ورسوله، ويذمون من حمده الله ورسوله.



فهم في الحقيقة يتبعون أهواءهم، ولهذا يسميهم السلف أهل الأهواء، لأنهم لا ينظرون إلى أن يكون دين الله هو الظاهر، وكلمته العالية، ومن هنا تنشأ الفتن بين الناس، قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: 39] فإذا لم يكن الدين كله لله فالفتنة موجودة.



وأصل هذا الدين أن يكون الحب لله، والبغض لله، والموالاة له، والمعاداة فيه، والعبادة كلها لله، وهذا لا يمكن إلا بمتابعة الرسول- صلى الله عليه وسلم -.



ولهذا قال العلماء:إنّ قول الرسول – صلى الله عليه وسلم -: ((إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى)) نصف الدين، ونصفه الآخر قوله – صلى الله عليه وسلم - ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)) لأن الأول يتضمن المقاصد، والثاني يتضمن المتابعة، وكلاهما شرط في صلاح العمل وتهيئته للقبول.



فلا بد من إخلاص العمل لوجه الله تعالى، ومن الاعتصام بحبل الله، وهو اتباع كتابه وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم- فإن لم يكن ذلك فالهلاك أقرب إلى الإنسان من عنقه، وألزم له من ظله، نسأل الله الهداية والتوفيق وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.



--------------------------------------------------------------------------------

[1] الآيات من سورة آل عمران رقم:102- 107.

[2] تفسير الطبري جـ7 ص 71 بتحقيق محمود شاكر ط المعارف.

[3] تفسير ابن جرير جـ7 ص 71.

[4] المصدر نفسه.

[5] المسند جـ3 ص26، 59، 14، 17 وانظر الترمذي جـ4 ص343.

[6] تفسير الطبري جـ7 ص73.

[7] ابن جرير جـ7 ص75

[8] نسبه شيخ الإسلام ابن تيمية إليه ولم أجده في ديوانه.

[9] الآية رقم: 65 من سورة النساء.

[10] الآية 90 من سورة النحل.

[11] الآية 58 من سورة النساء.

[12] الآية 152 من سورة الأنعام.

[13] قال السيوطي رواه أبو يعلي والخطيب في المتفق والمفترق انظر الجامع الكبير المصور عن المخطوطة جـ1 ص 887.

[14] الآية 26 من سورة ص.

[15] الآية 44 من سورة المائدة.

[16] الآية: 153 من سورة الأنعام.

[17] رواه مسلم جـ4 رقم 2889.

[18] الآية 159 من سورة الأنعام.

[19] الآية 213 من سورة البقرة.

[20] المنهاج جـ3 ص33.

[21] انظر صحيح مسلم جـ2 ص1340 رقم 1715.

[22] المصنف جـ15 ص21.

[23] المصدر نفسه جـ15 ص24.

[24] الآية 213 من سورة البقرة.

[25] الآية 19 من سورة آل عمران.

[26] الآية 17 من سورة الجاثية.

[27] صحيح مسلم جـ2 ص227.



منقول موقع الأوكة