المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكم التشبيه والمشبهة


عبدالله الأحد
2015-07-31, 09:46 PM
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله

قال الله تعالى:
{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}
ما هو التشبيه وما حكمه



إعداد: أم عبد الله الميساوي
أُعِدّ لموقع: عقيدة السلف الصالح




مقدمة:
مر معنا في مقدمة عقيدة السلف في صفات الله عز وجل أن الأسس التي تقوم عليها عقيـدة الإسلام في الصفات هي:
- إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله من الصفات والإيمان بها
- تنزيه الله عن مماثلة المخلوقات
- عدم الخوض في كيفية صفات الله
وهذا المقال سيتحدث عن الأساس الثاني وهو تنزيه الله عن مماثلة المخلوقات، وعدم تشبيه ذاته وصفاته بذوات المخلوقين وصفاتهم.



تعريف التشبيه:
في اللغة: الشِّبْهُ والشَّبَهُ والشَّبِيهُ: المِثْلُ، والجمع أَشْباهٌ، وأَشْبَه الشيءُ الشيءَ: مَاثَله.(1) فالتشبيه: التمثيل.(2)
وشَبَّه: إذا ساوَى بين شيءٍ وشيء. (3)
قال أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني (ت. 535 هـ) : «وأما التشبيه: فهو مصدر شبّه يشبّه تشبيها، يُقال: شبهت الشيء بالشيء أ مثلته به، وقسته عليه، إما بذاته أو بصفاته، أو بأفعاله.» (4)


الأدلة على تنزيه الله عن التشبيه والتمثيل:

{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى : 11]
قال أبو جعفر النَّحّاس (ت. 338 هـ) عن الكاف في "كمثله" : «الكاف زائدة للتوكيد.» (5)
قال أبو منصور معمر بن أحمد الأصبهاني (ت. 418 هـ) : «فـ{ليس كمثله شيء} ينفي كل تشبيه وتمثيل، {وهو السميع البصير} ينفي كل تعطيل وتأول. فهذا مذهب أهل السنة والجماعة والأثر» (6)
{رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم : 65]
سميًّا: أي مثلا أو شبيها
{وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص : 4]
أي ليس له كفء ولا مثل.



التشبيه في صفات الله

أولا: التشبيه في صفات الله عز وجل يكون بتشبيه صفات لله بصفات المخلوق: كأن يعتقد المسلم أو يقول: حياة الله مثل حياة المخلوقين، أو كلام الله مثل كلام البشر، أو وجه الله كوجه المخلوقين .. إلخ. فيكون نفي التشبيه والتمثيل (أي التنزيه) باعتقاد أن صفات الله عز وجل ليست كصفات المخلوقين، وأنها على صفة تليق بجلال الله وكماله لا نعلمها، وعلينا الإيمان والتسليم.

- قال إسحاق بن راهويه (ت. 238 هـ) : «إنما يكون التشبيه إذا قال يد كيد أو مثل يد أو سمع كسمع أو مثل سمع. فإذا قال سمع كسمع أو مثل سمع فهذا التشبيه وأما إذا قال كما قال الله تعالى يد وسمع وبصر ولا يقول كيف ولا يقول مثل سمع ولا كسمع فهذا لا يكون تشبيها وهو كما قال الله تعالى فى كتابه: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } » (7)

- قال خُشَيْش بن أصرم (ت. 253 هـ) في "الاستقامة" : «وأنكر جهم أن يكون لله سمع وبصر، وقد أخبرنا الله عز وجل في كتابه، ووصف نفسه في كتابه، قال الله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى : 11]، ثم أخبر عن خلقه، فقال عز وجل {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان : 2]. فهذه صفة من صفات الله أخبرنا أنها في خلقه، غير أنَّا لا نقول: إن سمعه كسمع الآدميين، ولا بصره كأبصارهم ...) ثم ذكر أدلة على أن الله يسمع ويرى، إضافة إلى صفات أخرى، ثم قال: (فقد وصف الله من نفسه أشياء جعلها في خلقه والذي يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وإنما أوجب الله على المؤمنين اتباع كتابه وسنة رسوله.» (8)

- قال عثمان الدارمي (ت. 280 هـ) في رده على بِشر المريسي المعتزلي:
«وادعى المعارض أيضا أن المقري حدَّث عن حرملة بن عمران عن أبي موسى يونس عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي –صلى الله عليه وسلم أنه قرأ: {سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء : 58] فوضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه (9). وقد عرفنا هذا من رواية المقري وغيره كما روى المعارض، غير أنه ادعى أن بعض كتبة الحديث ثبتوا به بصرًا بعين كعين وسمعًا كسمع جارحًا مركبًا.
فيقال لهذا المعارض: أما دعواك عليهم أنهم ثبتوا له سمعا وبصرا، فقد صدقت. وأما دعواك عليهم أنه كعينٍ وكسمعٍ فإنه كذب ادعيت عليهم؛ لأنه ليس كمثله شيء، ولا كصفاته صفة.
وأما دعواك أنهم يقولون: "جارح مركب" فهذا كفر لا يقوله أحد من المسلمين، ولكنا نثبت له السمع والبصر والعين بلا تكييف، كما أثبته لنفسه فيما أنزل من كتابه، وأثبته له الرسول –صلى الله عليه وسلم-، وهذا الذي تكرره مرة بعد مرة: جارح وعضو وما أشبهه، حشو وخرافات، وتشنيع لا يقوله أحد من العالمين: وقد روينا روايات السمع والبصر والعين في صدر هذا الكتاب بأسانيدها وألفاظها عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فنقول كما قال، ونعني بها كما عنى والتكييف عنا مرفوع، وذكر الجوارح والأعضاء تكلف منك وتشنيع.» (10)

- قال أبو إسحاق إبراهيم بن شاقلا الحنبلي (ت. 369 هـ) لأبي سليمان الدمشقي – أحد أتباع ابن كُلاب- في مناظرة بينهما عندما قال له أبو سليمان: "أنتم المشبهة"، قال ابن شاقلا: (حاشا لله، المُشبِّه الذي يقول: وجهٌ كوجهِي، ويَدٌ كَيَدِي، فأما نحن فنقول: له وجهه، كما أثبت لنفسه وجهًا، وله يدٌ، كما أثبتَ لنفسه يَداً، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى : 11] ومن قال هذا فقد سَلِم.) (11)
- قال أبو عثمان الصابوني الشافعي (ت. 449 هـ) : (ولا يعتقدون تشبيها لصفاته بصفات خلقه، فيقولون: إنه خلق آدم بيديه، كما نص سبحانه عليه في قوله –عز من قائل- {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } [ص : 75]. ولا يحرفون الكلام عن مواضعه، بحمل اليدين على النعمتين، أو القوتين؛ تحريف المعتزلة والجهمية – أهلكهم الله-، ولا يكيفونهما بكيف، أو يشبهونهما بأيدي المخلوقين، تشبيه المشبهة –خذلهم الله-.) (12)

- قال ابن البنا الحنبلي (ت. 471 هـ) : (وأما المشبهة والمجسمة فهم الذين يجعلون صفات الله -عز وجل- مثل صفات المخلوقين، وهم كفار.) (13)
- قال الحافظ الذهبي (ت. 748) : (ليس يلزم من إثبات صفاته شيء من إثبات التشبيه والتجسيم، فإن التشبيه إنما يقال: يدٌ كيدنا ... وأما إذا قيل: يد لا تشبه الأيدي، كما أنّ ذاته لا تشبه الذوات، وسمعه لا يشبه الأسماع، وبصره لا يشبه الأبصار ولا فرق بين الجمع، فإن ذلك تنزيه.) (14)
- قال ابن الوزير (ت. 840 هـ) : (وكذلك كل صفة يوصف بها الرب سبحانه ويوصف بها العبد، وان الرب يوصف بها على أتم الوصف مجردة عن جميع النقائص، والعبد يوصف بها محفوفة بالنقص، وبهذا فسر أهل السنة نفي التشبيه، ولم يفسروه بنفي الصفات وتعطيلها كما صنعت الباطنية الملاحدة.) (15)


ثانيا: التشبيه والتمثيل يكون في كيفيّة وحقيقة الصفة، أي كيف هي على الحقيقة، وليس في معنى الصفة. والخوض في الكيفية تشبيه، فالإنسان يصف الشيء على ما يشاهده، والله {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}.

- قال عبد الرحمن بن مهدي (ت. 198 هـ) لِفَتى من ولد جعفر بن سليمان: «مكانك»
فقعد حتى تفرق الناس. ثم قال ابن مهدي: «تعرف ما في هذه الكورة من الأهواء والاختلاف، وكل ذلك يجري مني على بالٍ رَضِي إلا أمرُك وما بلغني، فإن الأمر لا يزال هَيِّنًا ما لم يصر إليكم، يعني السلطان، فإذا صار إليكم جلَّ وعَظُم.»
فقال (الغلام) : "يا أبا سعيد وما ذاك؟ "
قال: « بلغني أنك تتكلم في الرب تبارك وتعالى وتصفه وتشبهه. »
فقال الغلام: "نعم". فأخذ يتكلم في الصفة.
فقال: «رُويدك يا بُني حتى نتكلم أول شيء في المخلوق، فإذا عجزنا عن المخلوقات فنحن عن الخالق اعجز واعجز. أخبرني عن حديث حدثنيه شعبة عن الشيباني قال: سمعت زرًا قال: قال عبد الله في قوله: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم : 18]
قال: رأى جبريل له ستمائة جناح؟ قال: نعم. فعرف الحديث.
فقال عبد الرحمن: «صِف لي خلقًا من خلق الله له ستمائة جناح.» فبقي الغلام ينظر إليه.
فقال عبد الرحمن: «يا بُني فإني أُهوِّن عليك المسألة، واضع عنك خمس مائة وسبعة وتسعين (جناحًا)، صِف لي خلقا بثلاثة أجنحة، ركب الجناح الثالث منه موضعًا غير الموضعين اللذين ركبهما الله حتى أعلم»
فقال (الغلام) : "يا أبا سعيد، نحن قد عجزنا عن صفة المخلوق ونحن عن صفة الخالق أعجز وأعجز، فأشهدك إني قد رجعت عن ذلك واستغفر الله." (16)

قال ابن عبد البر المالكي (ت. 463 هـ) : (ومُحالٌ أن يكون مَن قال عن اللهِ ما هو في كتابه منصوصٌ مُشبهًا إذا لم يُكيّف شيئا، وأقرّ أنه ليس كمثله شيء.) (40)
قال الحسين البغوي الشافعي (ت. 510 هـ) في صفات الله عز وجل : (وكذلك كل ما جاء من هذا القبيل في الكتاب أو السنة كاليد والإصبع ، والعين والمجيء ، والإتيان، فالإيمان بها فرض، والامتناع عن الخوض فيها واجب، فالمهتدي من سلك فيها طريق التسليم ، والخائض فيها زائغ ، والمنكر معطل، والمُكيِّف مشبه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}) (17)


ثالثًا: الكلام في الصفات فرعٌ عن الكلام في الذات، فكما لم يلزم التشبيه في إثبات الذات، لم يلزم التشبيه في إثبات الصفات.

قال أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني الشافعي (ت. 535 هـ) بعد ذكر مجموعة من الآيات والأحاديث في صفات الله عز وجل : (فهذا وأمثاله مما صح نقله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن مذهبنا فيه ومذهب السلف إثباته وإجراؤه على ظاهره، ونفي الكيفية والتشبيه عنه .... والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، وإثبات الله تعالى إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فإذا قلنا يد، وسمع، وبصر، ونحوها، فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه ولم يقل: معنى اليد: القوة، ولا معنى السمع والبصر: العلم والإدراك. ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار، ونقول إنما وجب إثباتها لأن الشرع ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها لقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}، كذلك قال علماء السلف في أخبار الصفات: أمروها كما جـاءت.) (18)


رابعا: الاشتراك في مطلق الاسم لا يقتضي التشبيه والتمثيل:

- قال عثمان الدارمي (ت. 280 هـ) في رده على بِشر المريسي المعتزلي:
« إنما نصفه بالأسماء لا بالتكييف ولا بالتشبيه، كما يقال: إنه ملك كريم، عليم، حكيم، حليم، رحيم، لطيف، مؤمن، عزيز، جبار، متكبر. وقد يجوز أن يدعى البشر ببعض هذه الأسماء، وإن كانت مخالفة لصفاتهم. فالأسماء فيها متفقة، والتشبيه والكيفية مفترقة، كما يقال: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء، يعني في الشبه والطعم والذوق والمنظر واللون. فإذا كان كذلك فالله أبعد من الشبه وأبعد. فإن كنا مشبهة عندك أن وحدنا الله إلهًا واحدًا بصفات أخذناها عنه وعن كتابه، فوصفناه بما وصف به نفسه في كتابه، فالله في دعواكم أول المشبهين بنفسه، ثم رسوله الذي أنبأنا ذلك عنه. فلا تظلموا أنفسكم ولا تكابروا العلم؛ إذ جهلتموه فإن التسمية في التشبيه بعيدة.» (19)

- قال ابن خزيمة الشافعي (ت. 311 هـ) : (نحن نقول: إن الله سميع بصير كما أعلمنا خالقنا وبارؤنا، ونقول: من له سمع وبصر من بني آدم فهو سميع بصير، ولا نقول أن هذا تشبيه المخلوق بالخالق.) (20)
وقـال: (ولو لزم - يا ذوى الحجا- أهل السنة والآثار إذا أثبتوا لمعبودهم يدين كما ثبتهما الله لنفسه، وثبتوا له نفسا -عز ربنا وجل-، وأنه سميع بصير، يسمع ويرى، ما ادعى هؤلاء الجهلة عليهم أنهم مشبهة، للزم كل من سمى الله ملكًا، أو عظيمًا ورؤوفًا، ورحيمًا، وجبارًا، ومتكبرًا، أنه قد شبه خالقه -عز وجل- بخلقه، حاش لله أن يكون من وصف الله جل وعلا، بما وصف الله به نفسه، في كتابه، أو على لسان نبيه المصطفى –صلى الله عليه وسلم- مشبها خالقه بخلقه.) (21)

- قال أبو عمر الطلمنكي المالكي الأندلسي (ت. 429 هـ) في كتاب "الوصول إلى معرفة الأصول" : (قال قوم من المعتزلة والجهمية: لا يجوز أن يسمى الله عز وجل بهذه الإسماء على الحقيقة ويسمى بها المخلوق. فنفوا عن الله الحقائق من أسمائه، وأثبتوها لخلقه، فإذا سُئلوا ما حملهم على هذا الزيغ؟ قالوا: الإجتماع في التسمية يوجب التشبيه.
قلنا: هذا خروج عن اللغة التي خوطبنا بها لأن المعقول في اللغة أن الإشتباه في اللغة لا تحصل بالتسمية، وإنما تشبيه الأشياء بأنفسها أو بهيئات فيها كالبياض بالبياض، والسواد بالسواد، والطويل بالطويل، والقصير بالقصير، ولو كانت الأسماء توجب إشتباها لاشتبهت الأشياء كلها لشمول إسم الشيء لها، وعموم تسمية الأشياء به، فنسألهم: أتقولون إن الله موجود؟ فإن قالوا: نعم. قيل لهم: يلزمكم على دعواكم أن يكون مشبها للموجودين. وإن قالوا: موجود ولا يوجب وجوده الإشتباه بينه وبين الموجودات. قلنا: فكذلك هو حيٌ، عالمٌ، قادرٌ، مريدٌ، سميعٌ، بصيرٌ، متكلمٌ، يعني ولا يلزم إشتباهه بمن اتصف بهذه الصفات.) (23)

قال أبو نصر السجزي الحنفي (ت. 444 هـ) : (والأصل الذي يجب أن يُعلم: أن اتفاق التسميات لا يوجب اتِّفاق المسمّين بها، فنحن إذا قلنا: إن الله موجود رؤوف واحد حيٌّ عليم سميع بصير متكلم، وقلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان موجودًا حيًّا عالمًا سميعًا بصيرًا متكلمًا، لم يكن ذلك تشبيها، ولا خالفنا به أحدًا من السلف والأئمة، بل الله موجود لم يزل، واحد حي قديم قيوم عالم سميع بصير متكلم فيما لم يزل، ولا يجوز أن يوصف بأضداد هذه الصفات.) (24)


خامسًا: كل مُعطل مُمثل، وكل مُمثل مُعطل: وذلك لأن المُعطِّل تصوّر التشبيه في ذهنه فنفى الصفة، والمُمثل عطَّل الصفة بتمثيله الخالق بالمخلوق، إذ ليست هي حقيقة الصفة كما أنه عطل النصوص.

قال ابن بطة العكبري الحنبلي (ت. 387 هـ) في الإبانة: (الجهمية ترد هذه الأحاديث وتجحدها وتكذب الرواة، وفي تكذيبها لهذه الأحاديث رد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاندة له، ومن رد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد رد على الله ؛ قال الله عز وجل : {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } [الحشر : 7] ، فإذا قامت الحُّجة على الجَهْمِي، وعلم صحة هذه الأحاديث ولم يقدر على جحدها، قال: الحديث صحيح، وإنما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ”ينزل ربنا في كل ليلة“ ينزل أمره. قلنا: إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ”ينزل الله عز وجل“ ، ”وينزل ربنا“ ولو أراد أمره لقال: «ينزل أمر ربنا». فيقول (الجهمي) : إن قلنا: "ينزل"، فقد قلنا: إنه يزول والله لا يزول، ولو كان ينزل لزال؛ لأن كل نازل زائل.
فقلنا: أوَ لستم تزعمون أنكم تنفون التشبيه عن رب العالمين؟ فقد صرتم بهذه المقالة إلى أقبح التشبيه، وأشد الخلاف؛ لأنكم إن جحدتم الآثار، وكذبتم بالحديث، رددتم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله، وكذبتم خبره، وإن قلتم: لا ينزل إلا بزوال، فقد شبهتموه بخلقه، وزعمتم أنه لا يقدر أن ينزل إلا بزواله على وصف المخلوق الذي إذا كان بمكان خلا منه مكان. لكنا نصدق نبينا صلى الله عليه وسلم ونقبل ما جاء به فإنا بذلك أمرنا وإليه ندبنا، فنقول كما قال: ”ينزل ربنا عز وجل“ ولا نقول : إنه يزول، بل ينزل كيف شاء، لا نصف نزوله، ولا نحدّه، ولا نقول: إن نزوله زواله.)



أقوال السلف الصالح والأئمة من بعدهم في تنزيه الله عن التشبيه:

- قال عبد الرحمن بن القاسم (ت. 191 هـ) صاحب الإمام مالك: «لا ينبغي لأحد أن يصف الله إلا بما وصف به نفسه في القرآن، ولا يشبه يديه بشيء، ولا وجهه بشيء، ولكن يقول : له يدان كما وصف نفسه في القرآن، وله وجه كما وصف نفسه، يقف عندما وصف به نفسه في الكتاب، فإنه تبارك وتعالى لا مثل له ولا شبيه، ولكن هو الله لا إله إلا هو كما وصف نفسه» (25)
- قال نُعيم بن حماد (ت. 228 هـ) : «حق على كل مؤمن أن يؤمن بجميع ما وصف الله به نفسه ويترك التفكر في الرب تبارك وتعالى ويتبع حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق". قال نعيم : ليس كمثله شيء ولا يشبهه شيء من الأشياء» (26)

- قال عثمان الدارمي (ت. 280 هـ) : «وكما أنه ليس كمثله شيء فليس كيده يد.» (27)
وقال: «وكما ليس كمثله شيء ليس كسمعه سمع ولا كبصره بصر ولا لهما عند الخلق قياس ولا مثال ولا شبيه.» (28)
وقـال: «فهذه الأحاديث قد جاءت كلها وأكثر منها في نزول الرب تبارك وتعالى في هذه المواطن، وعلى تصديقها والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا، لا ينكرها منهم أحد ولا يمتنع من روايتها، حتى ظهرت هذه العصابة (الجهمية) فعارضت آثار رسول الله برد، وتشمروا لدفعها بجد فقالوا: "كيف نزوله هذا؟" قلنا: لم نُكلف معرفة كيفية نزوله في ديننا ولا تعقله قلوبنا، وليس كمثله شيء من خلقه فنشبه منه فعلا أو صفة بفعالهم وصفتهم.» (29)

- قال ابن أبي زَمَنِين المالكي الأندلسي (ت. 399 هـ) : (فهذه صفاتُ ربِّنا التي وصف بها نفسه في كتابه، ووصفه بها نبيه صلى الله عليه وسلم، وليس في شيء منها تحديد، ولا تشبيه، ولا تقدير، فسبحان من {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}. لم تره العيون فتحده كيف هو كَيْنُونِيته، لكن رأته القلوب في حقائق الإيمان به.) (30)
- قال يحيى بن عمار الحنبلي (ت. 422 هـ) في رسالته إلى السلطان محمود: (ولا نحتاج في هذا الباب إلى قولٍ أكثر من هذا أن نؤمن به، وننفي الكيفية عنه، ونتقي الشك فيه، ونوقن بأن ما قاله الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا نتفكر في ذلك ولا نسلط عليه الوهم، والخاطر، والوسواس، وتعلم حقًّا يقينا أن كل ما تصور في همك ووهمك من كيفية أو تشبيه، فإن الله سبحانه بخلافه وغيره.) (31)

وغيرهم كثير، اقتصرنا على ما ذكرناه اختصارًا.



حُكم التشبيه:
تشبيه صفات الله عز وجل كُفرٌ، فهو ردٌّ للنصوص كقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى : 11]، وقوله سبحانه: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص : 4] وغيرها من نصوص التنزيه.

- قال نعيم بن حماد (ت. 228 هـ) : «من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، فليس ما وصف الله به نفسه ورسوله تشبيه» (32)
- قال إسحاق بن راهويه (ت. 238 هـ) : «من وصف الله فشبه صفاته بصفت أحد من خلق الله فهو كافر بالله العظيم، لأنه وصف بصفاته، إنما هو استسلام لأمر الله ولما سن الرسول.» (33)
- يزيد بن هارون (ت. 206هـ) : قال شاذ بن يحيى الواسطي: كنت قاعدًا عند يزيد بن هارون، فجاء رجل فقال: يا أبا خالد، ما تقول في الجهمية ؟
قال: «يُستتابون، إن الجهمية غلت ففرغت في غلوها إلى أن نَفَت، وإنّ المشبهة غلت ففرغت في غلوها حتى مثلت. فالجهمية يستتابون، والمشبهة: كذى» رماهم بأمر عظيم. (34)



من علامات أهل البدع: تسميتهم لأهل السنة – أهل الأثر- بالمشبهة

- قال إسحاق بن راهويه (ت. 238 هـ) : « علامة جهم وأصحابه دعواهم على أهل الجماعة -وما أولعوا به من الكذب- أنهم مشبهة، بل هم المعطلة، ولو جاز أن يُقال لهم: هم المشبهة، لاحتمل ذلك، وذلك أنهم يقولن: إن الرب -تبارك وتعالى- في كل مكان بكماله، في أسفل الأرضين وأعلى السموات على معنى واحد، وكذبوا في ذلك، ولزمهم الكفر.» (35)

- قال أبو زرعة الرازي (ت. 264 هـ) : «المعطلة النافية الذين ينكرون صفات الله عز وجل التي وصف بها نفسه في كتابه، وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، ويكذبون بالأخبار الصحاح التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصفات، ويتأولونها بآرائهم المنكوسة على موافقة ما اعتقدوا من الضلالة وينسبون رواتها إلى التشبيه، فمن نسب الواصفين ربهم تبارك وتعالى بما وصف به نفسه في كتابه، وعلى لسان نبيه –صلى الله عليه وسلم-، من غير تمثيل ولا تشبيه، إلى التشبيه فهو مُعطل نافٍ، ويُستدل عليهم بنسبتهم إياهم إلى التشبيه أنهم معطلة نافية، كذلك كان أهل العلم يقولون منهم: عبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح.» (36)
وقـال: «علامة الجمهية: تسميتهم أهل السنة مشبهة» (37)

- وقال أبو حاتم الرازي (ت. 277 هـ) : «وعلامة الجهمية: أن يسموا أهل السنة مشبهة ونابتة» (38)
- قال أبو عثمان الصابوني (ت. 449 هـ) : (وعلامات البدع على أهلها ظاهرة بادية، وأظهر آياتهم وعلاماتهم: شدة معاداتهم لحملة أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، واحتقارهم لهم، وتسميتهم إياهم حشويّة، وجهلة، وظاهرية، ومشبهة. اعتقادًا منهم في أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها بمعزل عن العلم، وأن العلم ما يلقيه الشيطان إليهم، من نتائج عقولهم الفاسدة، ووساوس صدورهم المظلمة، وهواجس قلوبهم الخالية عن الخير، العاطلة، وحججهم بل شبههم الداحضة الباطلة {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ } [محمد : 23]، {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج : 18].) (39)

1) لسان العرب لابن منظور، مادة: شبه.
(2) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري (ج6 ص2236)
(3) تهذيب اللغة للأزهري (ج6 ص92)
(4) الحجة في بيان المحجة لإسماعيل الأصبهاني (ج1 ص306)
(5) معاني القرآن للنحاس (ص297)
(6) الحجة في بيان المحجة لأبي القاسم إسماعيل الأصبهاني (ج1 ص231-244)، قال: "أخبرنا أحمد بن عبد الغفار بن أشتة، أنا أبو منصور معمر بن أحمد قال: ... " وذكر الاعتقاد.
(7) رواه عنه تلميذه أبو عيسى الترمذي في سننه / سنن الترمذي (ج2 ص42)
(8) التنبيه والرد على أهل البدع والأهواء للملطي (ص89-90)
(9) سنن أبي داود حديث رقم (4730) كتاب السنة، باب في الجهمية، سنده صحيح.
(10) نقض الدارمي (ج2 ص688-689)
(11) طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (ج3 ص239)، قال: "قرأت بخط الوالد السعيد (أبو يعلى) قال: نقلتُ من خط أبي بكر بن شاقلا قال: أخبرنا أبو إسحاق بن شاقلا – قراءة عليه- قال: ... فذكر المناظرة.
(12) عقيدة السلف أصحاب الحديث للصابوني (ص37) تحقيق أبو اليمين المنصوري ، و(ص161-162) بتحقيق ناصر الجديع
(13) المختار في أصول السنة لابن البنا (ص 81)
(14) الأربعين في صفات رب العالمين (ج1 ص104)
(15) إيثار الحق على الخلق لابن الوزير (ص128)
(16) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (ج3 ص530 و531) رواها من طريق ابن أبي حاتم في "الرد على الجهمية" عن أبيه أبي حاتم الرازي عن عبد الرحمن بن عمر رسته عن ابن مهدي. ورواه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء" (ج9 ص8) بسند آخر إلى عبد الرحمن بن عمر رسته. ونقله الذهبي في سير أعلام النبلاء (ج9 ص196) و تاريخ الإسلام (ج13 ص284).
(17) شرح السنة للبغوي (ج15 ص257)
(18) الحجة في بيان المحجّة لإسماعيل الأصبهاني (ج1 ص288-289)
(19) نقض الدارمي (ج1 ص302-303)
(20) كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب عز وجل لابن خزيمة (ج1 ص61 فما بعده)
(21) كتاب التوحيد (ج1 ص64)
(23) العلو للعلي الغفار للذهبي (ص246)
(24) درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (ج2 ص89-90)
(25) أصول السنة لابن أبي زمنين (ص75) بسنده قال: حدثني إسحاق (بن إبراهيم الطليطلي)، عن محمد بن عمر بن لبابة، عن محمد بن أحمد العتبي، عن عيسى بن دينار، عن عبد الرحمن بن القاسم أنه قال: .... وذكره.
(26) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (ج3 ص527) قال: "ذكره عبد الرحمن (بن أبي حاتم) قال : وجدت في كتاب أبي: نعيم بن حماد قال: ...." وذكره.
(27) نقض الدارمي على بشر المريسي (ج1 ص299)
(28) نقض الدارمي (ج1 ص308)
(29) الرد على الجهمية للدارمي (ص79)
(30) أصول السنة لابن أبي زمنين (ص74)
(31) الحجة في بيان المحجة لإسماعيل الأصبهاني (ج2 ص107)
(32) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (ج3 ص532) من طريق ابن أبي حاتم الذي رواه في "الرد على الجهمية" عن عبد الله بن محمد بن الفضل الصيداوي (وهو صدوق [الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (5/163)] ) عن نعيم بن حماد. سير أعلام النبلاء للذهبي (ج10 ص610) بسندٍ آخر؛ تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر (ج62 ص163) بسنده.
(33) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (ج3 ص532) بسند صحيح من طريق عبد الرحمن بن أبي حاتم الذي رواه في كتابه "الرد على الجهمية".
(34) شرح أصول اعتقاد أهل السنة (ج3 ص531-532)
(35) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (ج3 ص532) بسند صحيح من طريق عبد الرحمن بن أبي حاتم الذي رواه في كتابه "الرد على الجهمية".
(36) الحجة في بيان المحجة (ج1 ص187)، قال: قال أبو الشيخ: حكى إسماعيل بن زرارة قال: سمعت أبا زرعة الرازي قال: ... فذكره.
(37) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (ج1 ص180) بسند صحيح
(38) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (ج1 ص182) و(ج3 ص533)
(39) عقيدة السلف أصحاب الحديث للصابوني (ص 299) تحقيق ناصر الجديع؛ ورواه عن الإمام الصابوني الإمام إسماعيل الاصبهاني من طريق ابن الإمام الصابوني أبو بكر (ج 1 ص203-204)
(40) الاستذكار لابن عبد البر (ج8 ص150) تحقيق الدكتور عبد المعطي أمين قلعجي / الناشر: دار قتيبة ودار الوعي؛ الطبعة الأولى 1414 هـ - 1993م
منقول من موفع السلف

عبدالله الأحد
2015-07-31, 09:46 PM
عقيدة أهل السنة في الأسماء والصفات



الحمد لله الذي لم يزل عليماً عظيماً, علياً جباراً, قهاراً قادراً قوياً, رفع سقف السماء بصنعته فاستوى مبنياً, وسطح المهاد بقدرته وسقاه كلما عطش رياً, عزَّ فارتفع، وعلا فامتنع، وذل كل شيء لعظمته وخضع, تفرد بالكمال والجلال والقهر, لا ندَّ له، ولا شريك معه, تنزه عن الشبيه والنظير والمثيل {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}1, أخرج صنوف النبات فكسى كل نبت زياً، قسم الخلائق سعيداً وشقياً, وقسم الرزق بينهم فترى فقيراً وغنياً, والعقل فجعل منهم ذكيا وغبياً, والصلاة والسلام على البشير النذير، والسراج المنير، أعظم منزه لرب العالمين محمد بن عبدالله الصادق الأمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فمن المعلوم في منهج أهل السنة والجماعة أن مصدر التلقي عندهم هو الأصل الأصيل كتاب ربنا - تبارك وتعالى - وسنة نبينا - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم -؛ على فهم سلف الأمة من الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم وأرضاهم - قال الله - تبارك وتعالى -: {فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}2؛ وذلك لأن القرآن نزل بلغة العرب؛ قال الله - تعالى -: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}3, وكان الصحابة - رضوان الله عليهم - من أفصح الناس فلم يؤولوا ولم يحفوا؛ بل أثبتوها, ولذلك فإن عقيدة أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات أنهم يثبتون ما أثبته الله - تبارك وتعالى - لنفسه, أو أثبته له رسوله - صلى الله عليه وسلم - من غير تكييف ولا تمثيل, ومن غير تشبيه ولا تعطيل قال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - رحمه الله -: "ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه العزيز، وبما وصفه به رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل4" أهـ.

ويكون إثبات الصفات مفصلاً، وأما النفي فيكون مجملاً، والإجمال في النفي هو أن يُنْفَى عن الله - تبارك وتعالى - كل ما يضاد كماله وعظمته من أنواع العيوب والنقائص كما جاء في قول الله - تبارك وتعالى -: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}5، وقوله: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً}6، وقوله: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ}7, وأما الإثبات المفصل فمثل قول الله - تبارك وتعالى -: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ }8, وقوله: {اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}9.

وهذه الطريقة هي عكس طريقة أهل البدع في الإيمان بأسماء الله - تعالى – وصفاته، فإنهم ينفون نفياً مفصلاً، ويثبتون إثباتاً مجملاً، فالجهمية وغلاة الباطنية والمتفلسفة؛ ينفون جميع الصفات, ويثبتون صفةً واحدةً هي وجود الله - تبارك وتعالى -، وكلامهم هذا مخالف للكتاب، والسنة, وفهم السلف, ومعلوم أن القول على الله - تبارك وتعالى - بغير علم حرام سواء أكان القول في الأسماء والصفات في العقائد, أو في الأحكام العملية (أي الحلال والحرام), فإن القول على الله بلا علم من أشد المحرمات، ولهذا تفرع عنه كل ضلال، وقد ذكر الله - تبارك وتعالى - تحريمه هذا العمل في عدة آيات في كتابه الكريم فقال سبحانه: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}10, وقال: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}11, بل القول على الله - تبارك وتعالى - بغير علم هو من اتباع الشيطان الرجيم قال الله: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}12، وقال الله - تبارك وتعالى -: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}13, ومن الإلحاد في أسماء الله الحسنى وصفاته العُلى تسمية الله - تبارك وتعالى - بما لا يليق بجلاله وعظمته, أو تسمية بعض المخلوقين ببعض ما سمى الله به نفسه, أو وَصْفُهُ - تبارك وتعالى - بما لم يرد لا في الكتاب ولا في السنة، وذلك لأن الأسماء والصفات توقيفية, ويكون الإلحاد في الأسماء أيضاً بتعطيل الأسماء عن معانيها، وجحد حقائقها، وزعم أنها ألفاظ مجردة لا معاني لها كما فعل الجهمية والمعتزلة, أو تشبيه صفات الله - تبارك وتعالى - بصفات خلقه في النفي والإثبات, ومن الإلحاد فيها أيضاً أن تؤول وتصرف عن ظاهرها إلى معانٍ لا يجوز أن تصرف عن ظاهرها، فيكون ذلك من التأويل، وإنما الواجب على المسلم الإيمان بالأسماء والصفات وإثباتها كما جاءت، واعتقاد ما دلت عليه.

فإذا ما تقرر ذلك عُلِمَ أن الإلحاد منه ما هو كفر، ومنه ما هو بدعة بحسب ما ذكرنا، فالحال الأخيرة - وهي التأويل، وادعاء المجاز في الأسماء والصفات - بدعة وإلحاد في الأسماء والصفات, وقد ضل في هذا النوع من التوحيد طوائف عدة كالأشاعرة, والمعتزلة, والجهمية, والكرامية, والكُلابية وغيرهم من أصحاب الكلام, نسأل الله - تبارك وتعالى - أن يبصرنا بدينه، وأن يرد كل ضال إلى الصراط السوي بمنَّه وكرمه، إنه على كل شيء قدير، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد بن عبد الله الصادق الأمين.



--------------------------------------------------------------------------------

1 سورة الشورى (11).

2 سورة البقرة (137).

3 سورة يوسف (2).

4 شرح العقيدة الواسطية لهراس (ص34).

5 سورة الشورى (11).

6 سورة مريم (65).

7 سورة المؤمنون (91).

8 سورة الحشر (23).

9 سورة البقرة (255).

10 سورة الأعراف (33).

11 سورة الأنعام (21).

12 سورة البقرة (169).

13 سورة الأعراف (180).

منقول

عبدالله الأحد
2015-07-31, 09:47 PM
ولم يختلف أهل السنَّة في تكفير الممثلة ، أو المشبهة ، أو المجسمة .

ولمَّا نقل محمد بن طاهر الإسفراييني مقالة هشام بن الحكم ، وهشام الجواليقي ، وأتباعهما في التجسيم : قال :

والعاقل بأول وهلة يعلم أن من كانت هذه مقالته لم يكن له في الإسلام حظ .

" التبصير في الدين " ( ص 40 ) .

وقال نعيم بن حماد – رحمه الله – وهو أحد شيوخ الإمام البخاري - :

مَن شبَّه الله تعالى بخلقه : كَفَر ، ومن جحد ما وصف الله نفسه : فقد كفر .

انظر " شرح أصول اعتقاد أهل السنة " لللالكائي ( 3 / 532 ) .

أشهر من قال بالتمثيل – التجسيم ، والتشبيه – لله رب العالمين هم اليهود ، وقدماء الرافضة ، واشتهرت نسبة التجسيم ـ بخصوصه ـ إلى الكرامية ، وهي من الفرق المبتدعة ، التي لم يصلنا من كتبها شيء .

وقد ألصقت فرق وقد ألصق أهل البدع المعطلين للصفات ، والنافين عن الله عز وجل ما أثبته لنفسه : ألصقوا بأهل السنة فرية التشبيه التمثيل والتجسيم ، وليس هذا عليهم بغريب ، حيث عطَّلوا صفات الله تعالى ، ولذا نسبوا من أثبت تلك الصفات لله تعالى نسبوه إلى التجسيم ، وهذا محض افتراء ، وكذب .

قال الإمام أبو زرعة الرازي ، رحمه الله ( ت: 264هـ) :

" المعطلة النافية : الذي ينكرون صفات الله عز وجل ، التي وصف بها نفسه في كتابه ، وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، ويكذبون بالأخبار التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصفات ، ويتأولونها بآرائهم المنكوسة ، على موافقة ما اعتقدوا من الضلالة ، وينسبون رواتها إلى التشبيه ؛ فمن نسب الواصفين ربهم تبارك وتعالى بما وصف به نفسه في كتابه ، وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، من غير تمثيل ولا تشبيه ، إلى التشبيه : فهو معطل نافٍ ، ويُستدل عليهم بنسبتهم إياهم إلى التشبيه : أنهم معطلة نافية . كذلك كان أهل العلم يقولون ، منهم عبد الله بن المبارك ، ووكيع بن الجراح " .

نقله أبو القاسم الأصبهاني في كتابه : الحجة في بيان المحجة (1/187) .



والعجيب أن الأشاعرة وغيرهم من الفرق المبتدعة يثبتون بعض الصفات لله تعالى ، وهم " مجسمة " و " ومشبهة " عند المعتزلة ! فانظر إليهم كيف أنهم نُسبوا إلى ما اتهموا به أهل السنَّة افتراء عليهم ، فإذا كان إثبات الصفات لله تعالى تجسيماً : فهم مع أهل السنَّة في هذا ، وإذا كان لا يلزم من إثبات الصفات التجسيم : فيكون اتهامهم بهذه الفرية من الضلال المبين ، فها هم يثبتون صفاتٍ لله تعالى ولا يعدون أنفسهم مجسِّمة ، فكذا ينبغي أن يكون أهل السنَّة عندهم .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :

كلُّ مَن نَفَى شيئاً من الأسماء والصفات سمَّى مَن أثبت ذلك " مجسِّماً " قائلاً بالتحيز ، والجهة ، فالمعتزلة ، ونحوهم يسمُّون الصفاتية - الذين يقولون : إن الله تعالى حي بحياة ، عليم بعلم ، قدير بقدرة ، سميع بسمع ، بصير ببصر ، متكلم بكلام - يسمُّونهم : " مجسِّمة " ، " مشبِّهة " ، " حشوية " ، والصفاتية هم : السلف ، والأئمة ، وجميع الطوائف المثبتة للصفات : كالكلابية ، والكرامية ، والأشعرية ، والسالمية ، وغيرهم من طوائف الأمة .

" مجموع الفتاوى " ( 6 / 40 ) .



ونحن نذكر هنا أبرز تلك الفرق القائلة بهذا بالتجسيم والتمثيل :

الفرقة الأولى : " السبئية " أتباع اليهودي الذي أظهر الإسلام عبد الله بن سبأ ، فقد ألَّهت هذه الفرقة عليَّ بن أبي طالب ، وشبهوه بذات الله ، وقد ازدادوا اعتقاداً بهذا الإفك عندما حرَّقهم بالنار .

الفرقة الثانية : " الهشامية " أصحاب هشام بن الحكم الرافضي ، يزعمون أن معبودهم جسم ، وله نهاية ، وحد طويل عريض عميق ، طوله مثل عرضه ... .

والفرقة الثالثة : " الهشامية " أصحاب هشام بن سالم الجواليقي ، يزعمون أن ربهم على صورة الإنسان ، وينكرون أن يكون لحماً ، ودماً ، ويقولون : إنه نور ساطع يتلألأ بياضاً .

الفرقة الرابعة : " اليونسية " أصحاب يونس بن عبد الرحمن القمِّي .

الفرقة الخامسة : " البيانية " أتباع بيان بن سمعان ، وكان يقول : إن معبوده : نور ، صورته صورة إنسان ، وله أعضاء كأعضاء الإنسان ، وأن جميع أعضائه تفنى إلا الوجه .

الفرقة السادسة : " المغيرية " أتباع مغيرة بن سعيد العجلي ، وكان يقول : إن للمعبود أعضاء ، وأعضاؤه على صورة حروف الهجاء .

الفرقة السابعة : " المنصورية " أتباع أبي منصور العجلي ، وكان يقول : إنه صعد إلى السماء إلى معبوده ، وإن معبوده مسح على رأسه وقال : يا بني بلغ عني .

الفرقة الثامنة : " الخطابية " أتباع أبي الخطاب الأسدي ، كانوا يقولون : إن أبا الخطاب الأسدي إله .

انظر " التبصير في الدين " للإسفراييني ( ص 119 – 121 ) ، و " الفرق بين الفِرق " ( ص 214 – 219 ) .



والله أعلم



الإسلام سؤال وجواب