المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكم رؤية الله في اليقظة والمنام


عبدالله الأحد
2015-08-16, 10:16 PM
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله

الحمد لله

ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وآخرون أنه يمكن أنه يرى الإنسان ربه في المنام ، ولكن يكون ما رآه ليس هو الحقيقة ؛ لأن الله لا يشبهه شيء سبحانه وتعالى ، قال تعالى : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) الشورى / 11 فليس يشبهه شيء من مخلوقاته ، لكن قد يرى في النوم أنه يكلمه ربه ، ومهما رأى من الصور فليست هي الله جل وعلا ؛ لأن الله لا يشبهه شيء سبحانه وتعالى ، فلا شبيه له ولا كفو له .

وذكر الشيخ تقي الدين رحمه الله في هذا أن الأحوال تختلف بحسب حال العبد الرائي ، وكل ما كان الرائي من أصلح الناس وأقربهم إلى الخير كانت رؤيته أقرب إلى الصواب والصحة ، لكن على غير الكيفية التي يراها ، أو الصفة التي يراها ؛ لأن الأصل الأصيل أن الله لا يشبهه شيء سبحانه وتعالى .

ويمكن أن يسمع صوتا ويقال له كذا وافعل كذا ، ولكن ليس هناك صورة مشخصة يراها تشبه شيئا من المخلوقات ؛ لأنه سبحانه ليس له شبيه ولا مثيل سبحانه وتعالى ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى ربه في المنام ، من حديث معاذ رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى ربه ، وجاء في عدة طرق أنه رأى ربه ، وأنه سبحانه وتعالى وضع يده بين كتفيه حتى وجد بردها بين ثدييه ، وقد ألف في ذلك الحافظ ابن رجب رسالة سماها : " اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى " وهذا يدل على أن الأنبياء قد يرون ربهم في النوم ، فأما رؤية الرب في الدنيا بالعيان فلا .

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لن يرى أحد ربه حتى يموت ، أخرجه مسلم في صحيحه . ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك قال : ( رأيت نورا ) وفي لفظ ( نور أنى أراه ) رواهما مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه ، وقد سئلت عائشة رضي الله عنها عن ذلك فأخبرت أنه لا يراه أحد في الدنيا ؛ لأن رؤية الله في الجنة هي أعلى نعيم المؤمنين ، فهي لا تحصل إلا لأهل الجنة ولأهل الإيمان في الدار الآخرة ، وهكذا المؤمنون في موقف يوم القيامة ، والدنيا دار الابتلاء والامتحان ودار الخبيثين والطيبين ، فهي مشتركة فليست محلا للرؤية ؛ لأن الرؤية أعظم نعيم للرائي فادخرها الله لعباده المؤمنين في دار الكرامة وفي يوم القيامة ، وأما الرؤيا في النوم التي يدعيها الكثير من الناس فهي تختلف بحسب الرائي - كما قال شيخ الإسلام رحمه الله - بحسب صلاحهم وتقواهم ؛ وقد يخيل لبعض الناس أنه رأى ربه وليس كذلك ، فإن الشيطان قد يخيل لهم ويوهمهم أنه ربهم ، كما روي أنه تخيل لعبد القادر الجيلاني على عرش فوق الماء ، وقال أنا ربك وقد وضعت عنك التكاليف ، فقال الشيخ عبد القادر : اخسأ يا عدو الله لست بربي ؛ لأن أوامر ربي لا تسقط عن المكلفين ، أو كما قال رحمه الله ، والمقصود أن رؤية الله عز وجل يقظة لا تحصل في الدنيا لأحد من الناس حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما تقدم في حديث أبي ذر ، وكما دل على ذلك قوله سبحانه لموسى عليه الصلاة والسلام لما سأل ربه الرؤية . قال له : ( لَنْ تَرَانِي ... الآية ) الأعراف / 143 ، لكن قد تحصل الرؤية في المنام للأنبياء وبعض الصالحين على وجه لا يشبه فيها سبحانه الخلق ، كما تقدم في حديث معاذ رضي الله عنه ، وإذا أمره بشيء يخالف الشرع فهذا علامة أنه لم ير ربه وإنما رأى شيطانا ، فلو رآه وقال له : لا تصل قد أسقطت عنك التكاليف ، أو قال ما عليك زكاة أو ما عليك صوم رمضان أو ما عليك بر والديك أو قال لا حرج عليك في أن تأكل الربا . . . فهذه كلها وأشباهها علامات على أنه رأى شيطانا وليس ربه . أما عن رؤية الإمام أحمد لربه لا أعرف صحتها ، وقد قيل : إنه رأى ربه ، ولكني لا أعلم صحة ذلك .

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ ابن باز 6/367

اقوال العلماء في رؤية الله في المنام

1- الإمام سعيد بن عثمان الدارمي: قال في نقضه على المريسي: "وإنما هذه الرؤية كانت في المنام، وفي المنام يمكن رؤية الله تعالى على كل حال، وفي كل صورة، روى معاذ بن جبل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((صليت ما شاء الله من الليل، ثم وضعت جنبي، فأتاني ربي في أحسن صورة))[36]... كذلك صرفت الروايات التي فيها إلى ما قال معاذ، فهذا تأويل هذا الحديث عند أهل العلم..."[37].



2- الإمام البغوي: قال في شرح السنة: "رؤية الله في المنام جائزة، قال معاذ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إني نعست فرأيت ربي)) وتكون رؤيته -جلت قدرته- ظهور العدل والفرج والخصب والخير لأهل ذلك الموضع، فإن رآه فوعد له جنة، أو مغفرة، أو نجاة من النار، فقوله حق، ووعده صدق، وإن رآه ينظر إليه فهو رحمته، وإن رآه معرضاً عنه فهو تحذير من الذنوب؛ لقوله سبحانه وتعالى: {أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ} [(77) سورة آل عمران] وإن أعطاه شيئاً من متاع الدنيا فأخذه فهو بلاء ومحن وأسقام تصيب بدنه، يعظم بها أجره، لا يزال يضطرب فيها حتى يؤديه إلى الرحمة، وحسن العاقبة"[38].



3- الإمام البيهقي: قال في الأسماء والصفات تعقيباً على حديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس في الرؤية: "ثم حمله بعض أهل النظر على أنه رآه في المنام، واستدل عليه بحديث أم الطفيل -رضي الله عنهما-.... إلى أن قال: "وهذا شبيه بما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، وهو حكاية رؤيا رآها في المنام، قال أهل النظر: رؤيا النوم قد يكون وهماً يجعله الله تعالى دلالة للرائي على أمر سالف، أو آنف على طريق التعبير


4 الإمام ابن كثير: قال عند تفسير قوله تعالى: {مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [(ص: 69)]: "فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد.... ((فإذا أنا بربي -عز وجل- في أحسن صورة، فقال: يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري يا رب، أعادها ثلاثاً، فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين صدري، فتجلى لي كل شيء وعرفت... فهو حديث المنام المشهور، ومن جعله يقظة فقد غلط، وهو في السنن من طرق

5 الحافظ ابن حجر: قال في الفتح في كتاب التعبير: "جوز أهل التعبير رؤية الباري -عز وجل- في المنام مطلقاً، ولم يجروا فيها الخلاف في رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم

6 الإمام الشهاب العابر المقدسي الحنبلي (628 - 697 هـ): قال في البدر المنير في علم التعبير: "وقد أنكر قوم رؤية الباري -عز وجل- في المنام؛ وقال: إنما هي وساوس وأخلاط لا حكم لذلك، وهذا الإنكار ليس بصحيح؛ لأنا جعلنا ذلك أعمالاً للرائي، ولا نكابر الرائي فيما يراه، وغلب على ظنه ذلك، بل نقول: ربك -عز وجل- الحاكم عليك، فننظر فيمن يحكم فنعطيه من الخير والشر على قدر ما يليق به من شهود الرؤيا، وكذلك نقول: إنه حق سبحانه، فإذا كان في صفات حسنة كنت على الحق، وإن كان في صفات رديئة فأنت على باطل، ونحو ذلك

حكم رؤية الله في اليقظة في الدنيا
رؤية الله في الدنيا (يقظة) غير واقعة شرعاً، وقد اتفقت الأمة على أن الله تعالى لا يراه أحد في الدنيا بعينه، ولم ينازعوا في ذلك إلا ما شذ من بعض غلاة الصوفية أو المشبهة، فقد زعموا أنه يجوز رؤية الله في دار الدنيا، وأنه يزورهم ويزورونه![1] وهؤلاء لا عبرة بخلافهم.



ومن ادعى رؤية الله في الدنيا بعيني رأسه فدعواه باطلة باتفاق أهل السنة والجماعة، وهو ضالٌ.



قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في رده على من زعم رؤية الله في الدنيا يقظة: "من قال من الناس: إن الأولياء أو غيرهم يرى الله بعينه في الدنيا فهو مبتدع ضال، مخالف للكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة، لا سيما إذا ادعوا أنهم أفضل من موسى، فإن هؤلاء يستتابون، فإن تابوا و إلا قتلوا"[2].



وبين -رحمه الله- علة عدم إمكان رؤية الله في الدنيا بالعين، حيث قال في منهاج السنة: "وإنما لم نره في الدنيا لعجز أبصارنا، لا لامتناع الرؤيا، فهذه الشمس إذا حدق الرائي البصر في شعاعها ضعف عن رؤيتها لا لامتناع في ذات المرئي، بل لعجز الرائي، فإذا كان في الدار الآخرة أكمل الله قوى الآدميين حتى أطاقهم رؤيته، ولهذا لما تجلى الله للجبل خر موسى صعقاً، قال: سبحانك تبت إليك، وأنا أول المؤمنين بأنه لا يراك حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده، ولهذا كان البشر يعجزون عن رؤية الملَك في صورته إلا من أيده الله كما أيد نبينا - صلى الله عليه وسلم -"[3].



الأدلة على عدم رؤية الله في الدنيا يقظة -والتي استند عليها الإجماع- كثيرة، منها:

1-قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه -عز وجل- حتى يموت))[4] رواه مسلم، وهذا يدل دلالة واضحة على أن رؤية الله في الدنيا لا تكون، وأن كل من قال: إنه رأى الله، أو ادعى ذلك فإنما أُتي من قبل وهم، أو خيال، أو ظن، والذي رآه ليس هو الله -جل وعلا- على الحقيقة.



2- ولأن الله -جل وعلا- قد منع موسى -عليه السلام- من أن يراه، وهو أحد أولي العزم من الرسل، فكيف بمن دونه من سائر المؤمنين؟! فإن الله -جل وعلا- لما قال له موسى: {رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف:143] قال: {لَنْ تَرَانِي} [الأعراف:143] فمنعه من أن يراه، وفي قوله: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا} أي لما تجلى الله للجبل تدكدك ولم يثبت، فكيف يثبت البشر الضعيف؟! لكن في يوم القيامة ينشئ الله الناسَ تنشئة قوية يتحملون فيها رؤية الله.



قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد ثبت بنص القرآن أن موسى قيل له: لن تراني، وأن رؤية الله أعظم من إنزال كتاب من السماء، فمن قال: إن أحداً من الناس يراه فقد زعم أنه أعظم من موسى بن عمران، ودعواه أعظم من دعوى من ادعى أن الله أنزل عليه كتاباً من السماء"[5].



3- ومن الأدلة أيضاً ما ثبت في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم -سُئل: هل رأيت ربك؟ -يعني ليلة المعراج-، فقال: ((نور أنى أراه؟))[6]، وفي لفظ: ((رأيت نوراً))[7] فلما لم يره خير الخلق فغيره من باب أولى، وسيأتي ذكر هذين الحديثين، والكلام عليهما.



4- ومن الأدلة أيضاً حديث أبي موسى الأشعري في مسلم، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه... حجابه النور))[8] وفي لفظ: ((حجابه النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه))[9]، وسبحاته: بهاؤه وعظمته، فلو كشف هذا النور الذي بينه وبين الخلق لاحترق الخلق جميعاً؛ لأن نوره ينتهي إلى كل شيء، فيحترق كل شيء بهذا النور العظيم، ففي قوله: ((حجابه النور أو النار)) دلالة على امتناع رؤيته سبحانه في الدنيا.



5- وأيضاً رؤية الله من نعيم أهل الجنة خاصة لا تكون لأهل الدنيا، فالمؤمنون يوم القيامة يتنعمون برؤية الله، وأعظم نعيم يُعطاه أهل الجنة هو رؤيتهم لربهم -عز وجل-، حتى إنهم إذا رأوا الله -عز وجل- نسوا كل ما هم فيه من نعيم، فهو نعيم ادخره الله للمؤمنين في الجنة، فلا يكون في الدنيا.

وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


موقع اسلام سؤال جواب والالوكة بتصرف

فجر الإنتصار
2015-08-17, 10:21 AM
أحسنتم الطرح
جزاكم الله خيراً وبارك فيكم

عبدالله الأحد
2015-08-17, 09:14 PM
بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرا