المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بحث في الفرق بين الاجماع والاتفاق ونفي الخلاف


الفهداوي
2015-09-01, 01:45 AM
بحث في الفرق بين الاجماع والاتفاق ونفي الخلاف
( جزء من رسالتي للماجستير الموسومة بعنوان اجماعات ابن بطال في شرحه لصحيح البخاري في كتابي الطهارة والصلاة )
يمكن تقسيم العبارات المستخدمة في حكاية الإجماع مرتبةً على وفق القوة في الدلالة على الإجماع على ثلاثة أقسام :
القسم الأول :
نقل المسألة المجمع عليها بلفظ الإجماع نصاً ، وما تصرف من فعله ( أجمع ) ، كإجماع ، وأجمعوا ، ومجمعون ، ومجمع عليه ، وإجماعهم ، وأجمعــت ، وهكذا .. وكلها تدل على الإجماع صراحة إلا إذا وجدت قرينة واضحة تدل على أن المراد غير الإجماع الصريح ، كأن يكون أراد إجماع المذهب أو إجماع بلد معين ونحو ذلك .
وعبارات الفقهاء وشراح الحديث – رحمهم الله – في مثل هذه الألفاظ كلها تدل على الإجماع بمعناه العام ، الا انهم إذا أرادوا إجماعاً آخر أتوا به مقيداً كقولهم ( أجمع فقهاء الأمصار ) أو( أجمع أهل السنة ) أو ( أجمع أهل العراق ) أو ( إجماع أكثر أهل العلم ) ونحو ذلك ، وأقوى عبارات الإجماع مرتبة على وفق القوة :ـ
:15:-( أجمعت الأمة ) ، ( أجمع المسلمون ) ، ( أجمع الناس ) (1) ، وهذه العبارات إنما كانت أقوى العبارات ، لأنها تدل على إجماع الأمة كلها بما فيهم الصحابة والتابعون ومن بعدهم إلى عصر ناقل الإجماع .
:15:- ( أجمع الصحابة ) (2) .
:15:- ( أجمع العلماء ) ، (أجمع أهل العلم ) (3) ، ونحوهما ، وإنما كانت هذه العبارات أقل .
:15:- قوة من التي قبلها لاحتمال أن تكون المسألة من النـوازل التي حدثت بعد عهد الصحابة (4) .
:15:- ثم يلي ذلك عبارات متقاربة نحو : ( مجمع عليه ) ، ( مجمعون ) ، ( بإجماع ) ، و ( المجتمع عليه ) (5) ، ونحو ذلك .
القسم الثاني :
التعبير عن الإجماع بلفظ الاتفاق وما تصرف منه كـ : ( اتفق العلماء ) ، و ( اتفقوا ) ، و( متفقون ) ، و( بالاتفاق ) ، و(متفق عليه ) ، و( اتفقت) (6) ، وهكذا .
وهذا القسم أضعف مرتبة من القسم الأول من حيث القوة في الدلالة على الإجماع ؛ لأنه كما أسلفنا قد يقصد أحياناً بالاتفاق أتفاق أهل المذهب أو أهل بلد ونحو ذلك ، وأكثر من استعمل لفظ الاتفاق ابن رشد – رحمه الله – في بداية المجتهد وأحياناً يقصد به اتفاق أهل المذهب (7) ، وقد يكونان مترادفين أحدهما بمعنى الآخر ، وبعض أهل العلم قد استعمل ذلك (8) .
ومما قد يكون فرقاً بين لفظ الإجماع والاتفاق ، أن يكون الاتفاق ظنياً لا يجزم به ، كما عبر ابن حزم – رحمه الله – عن بعض الإجماعات بقوله : ( اتفقوا – فيما أظن ... ) (9) ، ولم يقل أجمعوا فيما أظن
(10) .
ومراتب الاتفاق بعضها أقوى من بعض كما في الإجماع .
القسم الثالث :
التعبير عن الإجماع بلفظ : لا خلاف ، ولا أعلم خلافاً ، وبلا خلاف ، ولم يختلف (11) ، وهكذا ... فهذا يأتي بالمرتبة الثالثة من حيث القوة في الدلالة على الإجماع ، وقد ذكربعض أهل العلم إجماعاً مرة بنفي الخلاف ومرة بالإجماع (12) .
ومن حيث دلالتها على الإجماع اختلف فيها أهل العلم على قولين :ـ
الأول :
أنها مرادفة للإجماع وتدل عليه ، ومن الفقهاء الذين حكوا الإجماع بلفظ نفي الخلاف ، الشافعي رحمه الله ، وكذا ابن قدامة ، والنووي (13) رحمهم الله .
و الثاني :
أن ذلك لا يعد إجماعاً ولا يدل عليه ، وهو قول لبعض الأصوليين كما مر معنا فــي بعض المسائل ونسب لابن حزم (14) ، ورجح بعضهم كابن القطان والماوردي ، أن من نفى الخلاف إن كان عالماً بمواطن الإجماع ، والخلاف والاجتهاد فهو إجماع ، وإن لم يكن من الذين كشفوا الإجماع والاختلاف فليس بحجة
( 15) .
والفرق بين الإجماع ونفي الخلاف يقال فيه ما قيل في الذي قبله ، ويضاف إليه أن نفي الخلاف ، واطلاقه من العالم قد يكون فيه نوع تردد لا يستطيع معه أن يصرح بأنه إجماع صريح ( 16) ، فالإجماع يجزم به ونفي الخلاف لا يجزم به ،وعبارات نفي الخلاف مراتب بعضها أقوى من بعض (17) .
وهناك عبارات وألفاظ تدل على قول الأكثر ، وإجماع أهل بلد معين كالتي حكاها ابن بطال ولم يرد بحكايتها الإجماع بمعناه العام ، بدليل ذكره الخلاف بعدها نحو :ـ
- ( اتفق الجمهور) ، و(عامة العلماء) ، و( أجمع فقهاء الأمصار) ، و( سائر العلماء) ، و( عوام أهل العلم ) ، و( جماعة العلماء )، و( جماعة أهل الفتوى ) ، و( عمل أهل المدينة وإجماعهم ) ( 18) ، فهذه العبارات كما أسلفت استعملها ابن بطال وذكر بعدها في الأغلب خلافاً .
والله تعالى اعلم ...
--------------
(1) ينظر : شرح صحيح البخاري ، 1/218 ، 2/231-516 ، 3/5-64-85 ، 4/329-529 .
(2 ) المصدر نفسه ، 8/396 .
( 3) المصدر نفسه ، 4/197 ، 8/20 .
(4 ) ينظر : إجماعات ابن عبد البر في العبادات ، 1/47 .
(5 ) ينظر : شرح صحيح البخاري ، 1/221-234-276 ، 6/298 .
(6 ) المصدر نفسه : 1/188 ، 2/432 ، 3/158 ، 4/416 .
(7 ) ينظر : المعيار المعرب والجامع المغرب ، لأبي العباس احمد بن يحيى الونشريسي ، 914 هـ ، تخريج جماعة من الفقهاء ، نشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ، المغرب ، 1981 م ، 1/31 .
(8 ) ينظر : صفحة (33) .
(9 ) مراتب الإجماع ، ابن حزم الأندلسي الظاهري ، دار زاهد القدسي ، ص107 .
( 10) ينظر : إجماعات ابن عبد البر ، 1/51 .
( 11) ينظر : شرح صحيح البخاري ، 1/397 ، 2/129 ، 3/564 ، 4/406 ، 7/155 .
( 12) ينظر : صفحة ( 33 ) ، هامش ( 2 ) .
( 13) ينظر : البحر الرائق ، 1/13 ؛ والمغني ، 1/428 ؛ والمجموع شرح المهذب ، محيي الدين بن شرف النووي ، تحقيق : محمد نجيب المطيعي ، مكتبة الإرشاد ، المملكة العربية السعودية ، 5/444 .
( 14) ينظر : البحر المحيط ، 4/517 ؛ والإحكام لابن حزم ،4/178 ؛ وإجماعات ابن عبد البر ، 1/54 .
( 15) ينظر : البحر المحيط ، 4/517-518 .
( 16) ينظر : إجماعات ابن عبد البر ، 1/54 .
( 17) المصدر نفسه .
( 18) ينظر : شرح صحيح البخاري ، 5/170 ، 2/76 ، 3/82 ، 3/82 ، 1/374 ، 4/426 ، 1/485 ، 2/93 ، 2/233 ، لم التزم ترتيب رقم الجزء ، والصفحة بالتوالي ، إنما راعيت الترتيب الموجود في الأصل .

فجر الإنتصار
2015-09-01, 01:56 AM
احسنتم شيخنا أحسن الله إليكم على هذا التوضيح والتبيان
موضوع يستحق القراءة
جزاكم الله خيرا ونفع بكم

الفهداوي
2015-09-01, 11:11 PM
جزاكم الله خيرا شكرا للمرور الطيب