المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أسماء الله الحسنى


عبدالله الأحد
2015-09-03, 09:27 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله




أولا / تعريف الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته


الإيمان بأسماء الله تعالى و صفاته الحسنى , يعني إثباته كما وردت في الكتاب والسنة , من غير تمثيل, ولا تعطيل, ولا تحريف, ولا تكييف.

وهذا من أهم الأصول التي ينبني عليها معتقد أهل السنة والجماعة, فيما يجب في حق الله عز و جل.


ويعبر عن هذه الأصول بأن يقال إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل


فالإيمان بها يقتضي الإثبات , وهذا الإثبات لا بد فيه من التزام عدم الخروج عن مراد الرب تعالى في ما أثبته لنفسه من الصفات الحسنى بحيث يخرج المثبت إلى ضلال الممثلة فإن هذا مما حذر منه الرب تعالى.

كما أن الإيمان بها يقتضي التنزيه الواجب في حق الباري تعالى الذي عز عن المثيل والنظير دون أن يكون مؤدى ذلك التنزيه اتلعطيل كما ضل في ذلك من ضل فإن الإيمان مبناه على الإثبات دون إخلال بما يجب لله تعالى من حقائق التنزيه ,

يقول الإمام الشنقيطي رحمه الله في بيان أسس الإيمان بأسماء المولى جل وعلا : " أحد هذه الأسس :

ـ هو تنزيه الله جل وعلا على أن يشبه بشيء من صفاته شيئا من صفات المخلوقين , وهذا الأصل يدل عليه قوله تعالى : {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}(الشورى:11).....



ـ الثاني من هذه الأسس هو الإيمان بما وصف الله به نفسه ؛ لأنه لا يصف الله أعلم بالله من الله :{أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ } (البقرة:140)

والإيمان بما وصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال في حقه : {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى.إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى } (النجم:3ـ4)

فيلزم كل مكلف أن يؤمن بما وصف الله تعالى به نفسه , أو وصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم , وينزه ربه تعالى عن أن تشبه صفته صفة المخلوقين " .





ومن هنا فإنه يجدر بيان كل ما يقدح بأصلي الإثبات والتنزيه الذين يقتضيهما الإيمان بأسمائه وصفاته :

فالذي يقدح في التنزيه هو التمثيل والتكييف .



والذي يقدح في الإثبات هو التعطييل والتحريف .



وبيانها كالتالي :



ـ يعرف التمثيل الذي يقدح في التنزيه ؛ اعتقاد المثبت أن ما أثبته من صفات الله تعالى مماثل لصفات المخلوقين.

وهذا الاعتقاد مما تبطله دلالة السمع والفطرة والعقل :

ـ ففي دلالة السمع أتى بما يدل على امتناع التمثيل ضرورة , قال تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}( الشورى:11)


ـ وكانت الفطرة ظاهرة الدلالة , فلما استقر فيها من إثبات الكمال لله تعالى على جهة ينتفي منها كل ما يدل على النقص , إما من جهة التضمن أو الاستلزام , وقد علم تطرق النقص المضاد للكمال فى كل صفات المخلوقين , إما لطرو الأعراض المضادة للصفة المحمودة , أو لما تستلزمه من أنواع النقص , كما هو مشاهد ومعلوم ببداهة العقول.

ـ وعن برهان العقل فلأنه قد علم بالضرورة بدلالة المخلوقات على وجود من أبدعها, مخالفة ذات الباري تعالى لذوات الخلق , فاقتضى ذلك الاختلاف فى الذات أن يكون أيضا فيما تتصف فيه الذات من الصفات , فالقول فى الصفات , كالقول فى الذات.

ـ أما التكييف , الذي يقدح في أصل التنزيه فهو أن يقيد إثبات الصفة بمعرفة الكيف , فلا يثبت شيئا من الصفات إلا بتكييفها , ومن هنا فإن الفرق بينه وبين التمثيل أن يقيد المثبت الممثل كيفية الصفة بماثل , أما التكييف فلا يشترط فيه ذلك .



وبطلان هذا الاعتقاد مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام كسابقه , فقد دل العقل والشرع على امتناعه .

فدليل السمع قوله تعالى : {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الأنعام:103) , وقوله : {وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} (طه:110)

أما العقل فلما سبق بيانه من وجود التلازم بين الذات وصفاتها في الأحكام , فكل ما جاز على الذات جاز على ما اتصفت به , والعكس بالعكس , ومن هنا فإنه لما امتنع معرفة كيفية الذات امتنع معرفة كيفية ما تتصف به من الصفات.

وهذا أصل عظيم يعلم به ضلال كل من منع أو أثبت بلا دليل من الكتاب والسنة , وهذا اصل امتناع الإمام مالك عن ذكر الكيفية , حيث قال : (الاستواء غير مجهول , والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة)[1].

ـ ويعرف التعطيل بأنه إثبات الصفة من جهة اللفظ مع نفي المعنى .

ـ وأما التحريف فهو أن ينفي المثبت للصفة المعنى الحق ويثبت آخر باطلا , ليس له أساس يعتمد عليه فى ذلك الإثبات بعد النفي [2] .



وكان الإيمان بالأسماء والصفات الحسنى بعيدا عن هذه الانحرافات أمرا مستقراً في نفوس سلف هذه الأمة ,ثابتاً في المبادئ والقيم , دون أن تؤثر في صفائه البدع , مستمداً ذلك الثبات من مقتضى الإيمان الذي اطمأنت قلوب أصحابه به.






ثانيا / أهمية الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته



وتستند أهمية الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته الحسنى, إلى كونها من صميم الإيمان به سبحانه , لذا كان التوسل بها من أعظم ما شرعه الله تعالى و تعبدنا به , قال تعالى :{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } (الأعراف:108)

كما أن معرفة الله تعالى بأسمائه الحسنى , وصفاته العلى , هي أساس ما يقوم بقلب العبد من عبودية لله تعالى , تقتضي إفراده سبحانه بالعبادة , ولعل هذا من أسرار ختم غالب آيات الكتاب الحكيم بذكر أسمائه جل شأنه.


فإن العبد عند توجه الخطاب له بالتكليف , فالذي يحمله على الامتثال لمقتضى الخطاب من الترك إذا كان نهيا , أو الفعل إذا كان أمرا إنما يتحصل منه لما استقر فى فطرته من كونه تعالى عالما محصيا سميعا بصيرا بكل ما يصدر منه من صغير أو كبير , ومن هنا كانت أهمية الإيمان بهذه الأسماء وترتب الثواب الجزيل على إحصائها بدخول الجنة .



*****



قواعد في العلم بأسماء الله تعالى

الاسم في اللغة : مشتق من السمو , حذفت لامه و ألحقت همزة الوصل بدلاً منها , يقول الزجاج :[ معنى قولنا اسم : هو مشتق من السمو وهو الرفعة , و الأصل فيه سمو مثل: قنو و أقناء] , وقد عرفه الجرجاني بأنه : [ ما دل على معنى في نفسه غير مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة ] .

وهذا هو الراجح في التعريف كما أن شيخ الإسلام قد وافق هذا الترجيح . [3]

والله تبارك وتعالى له أسماء عظيمة دلت عليها نصوص الكتاب والسنة ولابد لمعرفتها على مراد الرب من إخبارنا بها من التزام عدد من القواعد المستنبطة من دلائل الدين, هي معتقد أهل السنة والجماعة.



أولا/ دلالة أسماء الله تعالى على الصفة و العلمية :



يوضح هذه الركيزة الإيمانية أن كل اسم من أسماء الله تعالى؛ علم يدل على الذات , قال تعالى : {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} (الإسراء/110) يقول الإمام الدارمي[4] : " فهذه كلها أسماء لم تزل له كما لم يزل , بأيها دعوت فإنما تدعو الله نفسه "[5].



ومع دلالتها العلمية على الذات , فإن كل واحد منها يدل على صفة كمال لله تعالى , دل عليها اتصافها بالحسن على جهة التفضيل المطلق, إذ يقتضي ذلك كمال ما تضمنته من معان , و هذا من جهتين :



الأولى : دلالتها على كل معنى يليق بجلال الله تعالى , وعظيم سلطانه .

الثانية : تنوع تلك المعاني الكاملة و تعددها , فالغفور يدل على معنى مغاير للسميع , وما يدل عليه العظيم ليس هو ما يدل عليه البصير [6].

كل هذا يؤكده اشتقاق الأسماء من معان , إذ موجب الاشتقاق وجود ما اشتق منه , وإلا كان ذلك الاشتقاق محال , قال في المراقي :



وعند فقد الوصف لا يشتق و أعوز المعتزلي الحق .[7]



ثانيا / أسماء الله تعالى كلها حسنى



لله تعالى أسماء حسنى ووصفه تعالى لها بأنها حسنى يعني أنها بالغة في الحسن منتهاه , فالمراد منها إثبات الكمال الذي يستحقه تعالى دون ان يماثله فيه أحد.

فمما يقتضيه وصف الله تعالى لأسمائه بأنها حسنى , أن تكون هذه الأسماء حقيقة في الخالق ـ جل في علاه ـ فلا يشاركه في معانيها أحد , فإن الصفة إذا أضيفت للمولى تعالى علم تنزهها عن المماثلة بصفات غيره , فإن القدر المشترك من صفة السمع مثلا ليس له وجود إلا في الذهن إما في الحقيقة فإنه لا يكون إلا مضافا ومتعلقا بموصوفه وحينها يأخذ حكمه من حيث وجود المماثل أو عدمه , ولما كانت ذاته تعالى ليس لها مثيل ولا نظير وقد أقر بذلك كافة أهل التنزيه كانت صفاته لها نفس الحكم , فالقول في الذات كالقول في الصفات.



وهذا ما يقتضيه وصفها بالحسن , إذ يعني تنزيهها عن خصائص البشر .

فإن أسماء الله تعالى وصفاته لا تنبغي لأحد سواه, ولم يأمر أحد من خلقه أن يقتدي به في ذلك , وإنما جعل الاقتداء ً فيما اتصف به النبي صلى الله عليه وسلم من صفات حميدة بلغ بها ذروة الكمال البشري , حتى امتدحه الله تعالى بقوله : {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم:4)

لذا أمر المولى تعالى عباده بالاقتداء به , حيث قال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} (الأحزاب:24)

يوضح هذا أن الواجب في أسماء الله تعالى و صفاته إنما يستفاد من جهة الشارع الحكيم , فالله تعالى أعلم بما يجب في حقه, و نبيه أعلم بمراد ربه.

وأسماؤه تعالى حسنى تعبد الباري تعالى عباده بدعائه بها , وتوعد من مال عن هذا الحق العظيم , وبهذا فإن مما يتضمن وصفها بالحسنى انها تستدعي العبادة وتلزم النفس بالخضوع لمن تسمى بها وهو الباري تعالى بما لايكون بحال مع أي اسم مهما بلغ من الحسن في حق المخلوقين .

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله : " وهذه طريقة الكمل من السائرين إلى الله . وهي طريقة مشتقة من قلب القرآن, قال الله تعالى : {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}. والدعاء بها يتناول دعاء المسألة , ودعاء الثناء , ودعاء التعبد , وهو سبحانه يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته , ويثنوا عليه بها , ويأخذوا بحظهم من عبوديتها "[8].

والله تعالى يحب أن يتصف العباد ببعض موجب أسمائه وصفاته , فهو حيي يحب الحياء , ستير يحب الستر , كريم يحب الكرم , جميل يحب الجمال , و لكن عند اتصاف العبد بهذه الصفة فإنها تصبح حقيقة فيه يختص بها لا علاقة لها بما اتصف به الرب , يقول شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ : فـ " العبد كلما ازداد تحقيقاً لهذا الفرق , ازدادت محبته لله وعبوديته له و طاعته له , وإعراضه عن عبادة غيره ومحبة غيره وطاعة غيره "[9] .



فبعد أن بين تعالى الوجه المشروع تجاه أسمائه وصفاته الحسنى وهو دعاءه بها وفق ما أخبر سبحانه , نهى سبحانه عن كل انحراف يخرج عن هذه الدائرة , وسمى ذلك الانحراف إلحاداً وتوعد من وقع به بالجزاء التام وفق ما عمل: {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون}َ.



وبهذا يعلم أن الأسماء المتواطئة حقيقة في الخالق والمخلوق , فعند الإطلاق تدل على القدر المشترك وهو حكم كلي لا وجود له إلا في الذهن , أما عند التقييد فإنها تدل على ما يناسب موصوفها من الكمال أو النقص .

هذا من جهة الاسم المتواطىء , كالسميع والعليم , فإنه عند إضافته للمولى تعالى علم اختصاصه به فلا يشاركه فيه أحد لكمال موصوفه وتنزهه عن مقتضيات النقص .



أما ما ثبت انفراد تسمية المولى به عند إطلاقه بما عرف تقييده به : كالله والرحمن , فهذا مما لا ينبغي لأحد سواه .



يقول شيخ الإسلام رحمه الله : " جميع أسماء الله و صفاته , يفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق , ومنها ما دل عليه بالإضافة والتخصيص المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه سبحانه " [10].



وإذا تحققت دلالة الأسماء الحسنى على الذات العلية والصفة, كما يليق بجلال الله تعالى وعظيم سلطانه , بقي معرفة طرق دلالتها على ما سبق , إذ دلالة الاسم على الذات تكون بالمطابقة والتضمن والالتزام , ومثاله : اسم (الخالق) فإنه يدل على الذات وعلى صفة الخلق بالمطابقة , وهذه دلالة على تمام المعنى .



أما دلالتها على ذات الرب وحده أو على صفة الخلق وحدها , فتكون بالتضمن وهي دلالة على جزء المعنى .

وتكون دلالتها على صفة العلم والحياة والقدرة بالالتزام ؛ لأن هذه الصفات لابد من توفرها فيمن له القدرة على الخلق , وهذه تسمى : دلالة اللفظ على معنى خارج عنه [11].



ثالثا/ أسماء الله تعالى توقيفية



ـ أما عن كونها توقيفية , فذلك لما ورد من النهي والتشديد في القول على الله بغير علم , قال تعالى : {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} (الأعراف:33)



ولا بد هنا من بيان الفرق بين تسمية المولى تعالى , والإخبار عنه , إذ يمنع من تسميته بغير ما ورد على جهة التحريم , أما عن الإخبار فيتوسع فيه بقدر الحاجة شريطة أن لا يخرج عن المعنى الصحيح الذي ورد به نص الكتاب والسنة



" ويفرق بين دعائه والإخبار عنه فلا؛ يدعى إلا بالأسماء الحسنى, وأما الإخبار عنه فلا يكون باسم سيء لكن قد يكون باسم حسن أو باسم ليس بسيئ وان لم يحكم بحسنه مثل اسم شيء وذات وموجود إذا أريد به الثابت , وأما إذا أريد به الموجود عند الشدائد ؛ فهو من الأسماء الحسنى , وكذلك المريد والمتكلم ؛ فإن الإرادة والكلام تنقسم إلى محمود ومذموم , فليس ذلك من الأسماء الحسنى بخلاف الحكيم والرحيم والصادق ونحو ذلك , فان ذلك لا يكون إلا محمودا ".[12]



رابعا / أسماء الله تعالى لا تحد بعدد



ـ أسماء الباري تعالى لا يقصرها عد ولا حد فهي لا تحد بعدد, فقد ذكر جمع من العلماء أن العدد المذكور في الحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن لله تسعة وتسعين اسماً ، مائة إلا واحدة من أحصاها دخل الجنة )[13]

ليس للحصر استدلالاً بحديث ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله أنه قال : ( أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك , أو أنزلته في كتابك , أو علمته أحدا من خلقك , أو استأثرت به في علم الغيب عندك).

يقول الإمام النووي[14] : " مقصود الحديث أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة , فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها , لا الإخبار بحصر الأسماء , ولهذا جاء في الحديث الآخر : ( أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو استأثرت به في علم الغيب عندك)[15] "[16] .



*******



ثالثا / موقف المخالفين



وبقي الأمر على ما كان عليه , إلى أن ظهرت البدع , فخرج ممن ينتسب إلى الإسلام بما يخالف منهج السلف في ذلك الاعتقاد, وكان هذا على يد الجعد بن درهم , الذي تأثر كثيراً بأقوال الكفرة من الفلاسفة وغيرهم , حتى قام بتعطيل الرب عن الصفات الثبوتية , وزعم أن فيها ما ينافي عقيدة التوحيد. [17]



وقام تلميذه الجهم بن صفوان بنشر هذه البدع , حتى كان سببا في ضلال كثير من الخلق , وسمي أتباعه بالجهمية , وصارت بذلك أصلاً لكل انحراف في ما يجب في حق الله تعالى , أو يمتنع عنه . [18]







موقف المعتزلة



وقد انتقل هذا الانحراف العقدي الخطير إلى المعتزلة , حيث منع مؤسسها : واصل بن عطاء من وصف الله تعالى بصفات قديمة ؛ بحجة أن في اعتقادها إثباتا لتعدد القدماء[19] , وقد تأثروا في هذه المقولة بردهم على ما ادعته النصارى في التثليث , حيث زعمت أن معتقدها فيه يقوم على إثبات ثلاث أقانيم لواحد قديم, ولا شك أن هذه الدعوى باطلة شرعا ًوعقلاً , ولا مجال لإفحامهم هنا , ولكن المقصود أن هذا ليس بملزم لهؤلاء المعتزلة أن يقوموا بنفي الصفات للرد على أولئك الكفرة , بل جل ما هنالك أنهم انحرفوا عن منهج السلف في بيان الحق والرد على المخالف , وتأثروا بما وصل إليهم من كتب الفلاسفة [20].

وقد تقدم أن مادة هذا الفكر مستقاة من شبهة الفلاسفة في التركيب , حيث اعتمدوا في إثبات التوحيد على نفيه.


وتحصل بهذا أن اعتقاد المعتزلة في باب الصفات يستند إلى أمرين ؛

اعتقاد التوحيد بنفي التركيب ,

الثاني : وجوب مخالفته سبحانه لباقي الحوادث بحجة تنزيهه عن مشابهتها[21].



فصارت هاتان الشبهتان أساسا لنفيهم الصفات الثبوتية عن الله تعالى, حيث قاموا بإثبات الأسماء الحسنى على أساس أنها أعلام محضة ,لا دلالة لها في نفسها على معنى معين , فأرجعوها إلى ذات الله تعالى ؛ تنزيهاً له ـ عندهم ـ عن مشابهة الخلق, واكتفوا في هذا الباب بسلب النقائص ,حيث وصفوه بالسلوب [22].





وقد تأثرت الأشاعرة على جهة العموم بذلك الانحراف, الذي نتج عن الابتعاد عن منهج السلف رضوان الله عليهم في تلقيهم لأسس اعتقاد ما يجب في حق الله تعالى ويمتنع عنه, ويظهر ذلك الانحراف جلياً في عدد من المسائل التي تتعلق بصفات الله تعالى , أما ما يتعلق بمسائل الأسماء فلا يظهر فيها خلاف إلا في بعض التفرعات المتعلقة بمسائل الصفات , وسيأتي الحديث عنها مفصلا بإذن الله .




ركائز الأسماء الحسنى عند الأشاعرة

يتفق مذهب الأشاعرة في أسماء الله تعالى مع السلف في عامة القواعد مع خلاف في التفصيل وما ينبني على تلك القواعد ويظهر هذا بما يلي :



أولا / أسماء الله تعالى كلها حسنى



يقر الأشاعرة بأن أسماء الله تعالى بالغة في الحسن أعلى مراتبه , ويستند هذا الإقرار إلى دلالتها على معاني الكمال والجمال[23] , لكن هذا الإقرار منهم إنما هو على جهة العموم والإجمال , حيث يعدون بعضها أعلاماً محضة بحجة إيهامها للتشبيه , فيبطلون دلالتها على المعنى إما تأويلاً أو تفويضا , ويظهر هنا التأثر بأقوال المعتزلة واضحاً جلياً.


ثانيا / أسماء الله تعالى توقيفية:


إذ يجمع جمهورهم على اعتقاد وجوب تلقيها عن الشارع الحكيم ؛ فلا مجال لتسمية المولى بغير ما ورد في الكتاب والسنة , منعا للوقوع في المحظور [24].



ثالثا / أسماء الله تعالى غير محصورة بعدد:

فهم لا يعتقدون أن العدد في الحديث دليل على الحصر ؛ استدلالا بما ورد في الحديث الذي ورد فيه:( أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك)



وفي الجمع بين ما وردت به الأحاديث : الحديث الصحيح : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن لله تسعة وتسعين اسماً ، مائة إلا واحدة من أحصاها دخل الجنة )

والحديث السابق ؛ يرجح الغزالي أن كان هذا في معرض الترغيب للجماهير في الإحصاء , لا لدلالة الحصر "[25]





4ـ أسماء الله تعالى غير مخلوقة



وهذا محل إجماع عندهم , يقول اللقاني في جوهرة التوحيد :

و عندنا أسماؤه العظيمة كذا صفات ذاته قديمة



ومن جملة ما تعلق بهذه القواعد : المراد بالإحصاء الذي ذكر في الحديث , فالأشاعرة يؤكدون على وجوب تدبر تلك الأسماء وفهم معانيها والتعبد بمقتضاها , وإن وجد اختلاف بينهم وبين السلف في مقتضى ذلك الفهم , حيث يوجبون تأويل بعضها لما تقرر عندهم من أن المعول عليه في ما يجب الإيمان به من الصفات هو ما دل عليه الدليل العقلي , أو انعدم فيه المعارض من جهته



ومع هذا التوجه الذي يحصر حصول اليقين في إعمال مسلك العقل يجد التصوف لنفسه منفذا واسعا في المذهب الأشعري يلج فيه باسم الكشف والذوق , فيفسر النصوص بعيدا عن كل تلك القواعد التي غلا المتكلمون في إعمالها , ولما كان التدرج في طريق التصوف يعتمد كثيرا على التجارب الوجدانية التي ترتكز على مبدأ التأمل والإشارة تأثرا بالمذاهب الإشراقية ؛ صار لأهل التصوف من الأشاعرة مفهوما خاصا لمعنى الإحصاء الوارد في الحديث , يرجع إلى اعتقاد الصوفية بما اشتهر عندهم من وجوب التخلق بأخلاق الله "[26]






--------------------------------------------------------------------------------


[1] الأثر سبق تخريجه: 80 وانظر التدمرية لشيخ الإسلام : 43, والقواعد المثلى , للشيخ العثيمين : 36.

[2] الصواعق المرسلة : (1/296) وانظر : القواعد المثلى, للشيخ العثيمين : 36.

[3] لسان العرب , لابن منظور :(4/2109) : مادة : (سما). انظر : مجموع الفتاوى : ( 6/208). ولمعرفة باقي الأقوال و أدلتها يرجع إلى : اشتقاق أسماء الله الحسنى للزجاجي : 256, ولسان العرب لابن منظور: (4/2107), والتعريفات : 46.

[4] هو الإمام العلامة الحافظ أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي السجستاني , له مسند كبير وجهود في دحض شبه المبتدعة , توفي سنة : 280هـ , انظر: شذرات الذهب:(2/176), وتذكرة الحفاظ:(2/622)

[5] نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي:(1/183).

[6] انظر الدرء :(5/53,52).

[7] مراقي السعود : (1/110).

[8] مدارج السالكين :(1/421,420).



[9] العبودية : 155.

[10] الرسالة التدمرية : 22.

[11] انظر : الفتاوى :(10/254). و انظر : مدارج السالكين :(1/ 418)

[12] انظر : الفتاوى :(6/142).

[13] أخرجه البخاري في صحيحه:كتاب الشروط ـ باب ما يجوز في الاشتراط, رقم الحديث:2736.

[14] الإمام الحافظ القدوة شيخ الإسلام محي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف الحوراني الشافعي ولد سنة:631هـ برع في علوم الشريعة واللغة وبرز في الحديث والفقه , ومن أعظم تصانيفه شرح صحيح مسلم , ورياض الصالحين والأذكار وغيرها , توفي سنة:676هـ انظر : تذكرة الحفاظ :(4/1470)وشذرات الذهب:(5/354).

[15] أخرجه الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن مسعود , برقم:3712, وقال أحمد شاكر : إسناده صحيح :(3/558).وأخرجه ابن حبان في صحيحه:كتاب الرقائق ـ باب الأدعية , رقم الحديث:972:(3/253).

[16] الدرء : ( 3/ 333).

[17] انظر : بيان تلبيس الجهمية لشيخ الإسلام(1/277) , مجموع الفتاوى :(5/22).

[18] انظر الفتاوى :(12/524). و انظر مقالات الإسلاميين :(1/181), و الفرق بين الفرق للبغدادي :213.

[19] انظر : الملل و النحل للشهرستاني :(1/45).

[20] انظر مقالات الإسلاميين : 156. الملل و النحل للشهرستاني :(1/50).

[21] انظر مقالات الإسلاميين :156.

[22] انظر الملل والنحل :(1/65).

[23] انظر شرح أسماء الله الحسنى للرازي : 358.

[24] انظر المواقف في علم الكلام , للإيجي : 333.

[25] المقصد الأسنى:136ـ137.وانظر : شرح المقاصد , للتفتزاني :(4/348).

[26] المقصد الأسنى:150ـ151.ولم أعثر على تخريج لهذا الحديث وإنما اطلعت على بعض أقوال العلم في كونه مختلقا لا أصل له .

موقع ام القرى