المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التأويل المذموم


عبدالله الأحد
2015-09-04, 09:12 PM
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله واله

أنواع التأويل الباطل


قال ابن القيم رحمه الله: "التأويل الذي يوافق ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة ويطابقها هو التأويل الصحيح والتأويل الذي يخالف ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة هو التأويل الفاسد ولا فرق بين باب الخبر والأمر في ذلك وكل تأويل وافق ما جاء به الرسول فهو المقبول وما خالفه فهو المردود، [والتأويل إذا تضمن تكذيب الرسول فحسبه ذلك بطلانا] والتأويل الباطل أنواع:

أحدها : مالم يحتمله اللفظ بوضعه.

الثاني : مالم يحتمله اللفظ ببنيته الخاصة من تثنية أو جمع وإن احتمله مفردا كتأويل قوله: ?لما خلقت بيدي? (سورة ص:75) بالقدرة.

الثالث : مالم يحتمله سياقه وتركيبه وإن احتمله في غير ذلك السياق. كتأويل قوله: "إنكم ترون ربكم عيانا كما ترون القمر ليلة البدر صحوا ليس دونه سحاب وكما ترون الشمس في الظهيرة صحوا ليس دونها سحاب"، فتأويل الرؤية في هذا السياق بما يخالف حقيقتها وظاهرها في غاية الامتناع وهو رد وتكذيب تستر صاحبه بالتأويل.

الرابع : ما لم يؤلف استعماله في ذلك المعنى في لغة المخاطب وإن ألف في الاصطلاح الحادث، وهذا موضع زلت فيه أقدام كثير من الناس وضلت فيه أفهامهم حيث تأولوا كثيرا من ألفاظ النصوص بما لم يؤلف استعمال اللفظ له في لغة العرب البتة، وإن كان معهودا في اصطلاح المتأخرين، وهذا مما ينبغي التنبه له فإنه حصل بسببه من الكذب على الله ورسوله ما حصل. كتأويل قوله: ?ثم استوى على العرش? (الأعراف:4)، بأن المعنى أقبل على خلق العرش،فإن هذا لا يعرف في لغة العرب بل ولا غيرها من الأمم أن من أقبل على الشيء يقال:قد استوى عليه،ولا يقال لمن أقبل على الرحل قد استوى عليه،ولا لمن أقبل على عمل من الأعمال من قراءة أو كتابة أو صناعة قد استوى عليها،ولا لمن أقبل على الأكل قد استوى على الطعام فهذه لغة القوم وأشعارهم وألفاظهم موجودة ليس في شيء منها ذلك البتة.

الخامس : ما ألف استعماله في ذلك المعنى لكن في غير التركيب الذي ورد به النص فيحمله المتأول في هذا التركيب الذي لا يحتمله على مجيئه في تركيب آخر يحتمله وهذا من أقبح الغلط والتلبيس كتأويل اليدين في قوله تعالى: ?ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي? (سورة ص:75 )، بالنعمة ولا ريب أن العرب تقول لفلان عندي يد وقال عروة بن مسعود للصديق لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك ولكن وقوع اليد في هذا التركيب الذي أضاف سبحانه فيه الفعل إلى نفسه ثم تعدى الفعل إلى اليد بالباء التي هي نظير كتبت بالقلم وهي اليد وجعل ذلك خاصة خص بها صفيه آدم دون البشر كما خص المسيح بأنه نفخ فيه من روحه وخص موسى بأنه كلمه بلا واسطة فهذا مما يحيل تأويل اليد في النص بالنعمة وإن كانت في تركيب آخر تصلح لذلك فلا يلزم من صلاحية اللفظ لمعنى ما في تركيب صلاحيته له في كل تركيب .

السابع : كل تأويل يعود على أصل النص بالإبطال فهو باطل كتأويل قوله: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل"، بحمله على الأمة؛ فإن هذا التأويل مع شدة مخالفته لظاهر اللفظ يرجع على أصل النص بالإبطال وهو قوله فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها ومهر الأمة إنما هو للسيد.

فقالوا: نحمله على المكاتبة وهذا يرجع على أصل النص بالإبطال من وجه آخر فإنه أتى بالعموم المؤكد فحمله على صورة لا تقع في العالم إلا نادرا يرجع على مقصود النص بالإبطال.

الثامن : تأويل اللفظ الذي له معنى ظاهر لا يفهم منه عند إطلاقه سواه بالمعنى الخفي الذي لا يطلع عليه إلا أفراد من أهل النظر والكلام .

التاسع : التأويل الذي يوجب تعطيل المعنى الذي هو في غاية العلو والشرف ويحطه إلى معنى دونه بمراتب كثيرة وهو شبيه بعزل سلطان عن ملكه وتوليته مرتبة دون الملك بكثير مثاله تأويل الجهمية قوله: ?وهو القاهر فوق عباده? (الأنعام:18 )، وقوله: ?يخافون ربهم من فوقهم? (النحل:50) ونظائره، بأنها فوقية الشرف، كقولهم: الدرهم فوق الفلس والدينار فوق الدرهم فتأمل تعطيل المتأولين حقيقة الفوقية المطلقة التي هي من خصائص الربوبية وهي المستلزمة لعظمة الرب جل جلاله وحطها إلى كون قدره فوق قدر بني آدم وأنه أشرف منهم.

العاشر : تأويل اللفظ بمعنى لم يدل عليه دليل من السياق ولا معه قرينة تقتضيه، فإن هذا لا يقصده المبين الهادي بكلامه، إذ لو قصده لحف بالكلام قرائن تدل على المعنى المخالف لظاهره حتى لا يوقع السامع في اللبس والخطأ فإن الله سبحانه أنزل كلامه بيانا وهدى فإذا أراد به خلاف ظاهره ولم تحف به قرائن تدل على المعنى الذي يتبادر غيره إلى فهم كل أحد لم يكن بيانا ولا هدى.

فهذه بعض الوجوه التي يفرق بيها بين التأويل الصحيح والباطل وبالله المستعان"اهـ ([1]).

([1]) الصواعق المرسلة / الشاملة (1/187-201) باختصار وتصرف.

خطورة التأويل المذموم و المجاز للشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى
....
ثم أنا أذكر السائل وسائر الحاضرين بقاعدة لغوية مهمة جداً: إذا دار الأمر بين التقدير وعدمه؛ فالأصل عدم التقدير.
بعبارة أخرى: إذا أمكننا أن نفسر العبارة أو الجملة العربية من كلام الله، أو من حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو أي جملة عربية إذا أمكننا أن نفسرها على الحقيقة؛ فلا يجوز تفسيرها على المجاز، إلا إذا قامت القرينة الشرعية أو العقلية، فحينئذٍ يقال: وجدت القرينة التي تضطرنا إلى تفسير الآية أو الحديث، أو الجملة العربية على المجاز وليس على الحقيقة. لكن إذا دار الأمر بدون وجود قرينة بين تفسير الجملة على الحقيقة أو على المجاز؛ فالأصل الحقيقة وليس المجاز، وإلا فسدت اللغة، وفسد استعمالها بين الناس، فإذا قال قائل: جاء الأمير، فهل يجوز للسامع أن يفهم جاء خادم الأمير؟ على الرغم من أن هذا التعبير عربي معروف، وهو بتقدير مضاف محذوف، لكن لا يجوز؛ لأنه ليس هناك ما يضطر السامع أن يتأول قول القائل: جاء الأمير.
بمعنى: ليس الأمير، وإنما جاء خادمه، أو نائبه ..
إلخ، ولو فتح هذا الباب لفسد التفاهم بين الناس باللغة العربية، ومن هنا كان من رد العلماء والفقهاء على غلاة الصوفية الذين يقولون -بما يعرف عند العلماء- بوحدة الوجود، والذين يتكلمون بعبارات صريحة في الكفر وفي وحدة الوجود، فيأتي المدافعون بالباطل عن أولئك الصوفية فيتأولون كلامهم تأويلاً يتفق في نهاية المطاف مع الشريعة، فنحن نقول لهؤلاء: بهذه الطريقة لا يمكن أن نقول: إن هذا الكلام كفر، وقد قلت مرة لبعضهم: ائتني بأي جملة فيها كفر في ظاهر العبارة، وأنا -على طريقتكم- أجعلها توحيداً خالصاً؛ وهذه الطريقة هي تأويل النصوص، مثلاًَ: لما قال قائلهم المغرق في الضلال:
وما الكلب والخنزير إلا إلهنا وما الله إلا راهب في كنيسته
فيتكلفون في تأويل: (وما الكلب والخنزير إلا إلهنا).
أي: إلا إلى هنا، (إلى) حرف جر بعده (هنا)، ما هذا التأويل؟! لذلك مثل هذا التأويل يمكن إجراؤه على أي عبارة، مثلاً: أنا أقول لو قال قائل: القسيس خلق السموات والأرض، ما رأيكم في هذا الكلام يجوز أو لا يجوز؟ بالإجماع لا يجوز، لكن أنا أجعله توحيداً بطريقة الصوفية، وهو رب القسيس، وهذا معروف في اللغة، وهو تقدير مضاف محذوف، على حد قوله تعالى: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [يوسف:82] اسأل ماذا؟ حيطانها؟! شجرها؟! لا.
إنما أهلها، كذلك العير، لكن هذا المضاف المحذوف، الأسلوب العربي نفسه يوحي به إلى السامع، فهنا لا يتساءل أحد: يا ترى هل المقصود هنا فعلاً القرية؟ الجواب: لا. ولذلك تسمية هذا التعبير في اللغة العربية بالمجاز مما يدفعه ابن تيمية رحمه الله في رسالته الخاصة بالحقيقة والمجاز، يقول: إن تسمية هذه العبارة بأنها مجاز من باب حذف المضاف، فهذا اصطلاح طارئ، وإلا فالعرب ما كانوا يفهمون من هذه العبارة إلا معنى واحداً هو الذي يسمونه بالمجاز بحذف المضاف، كذلك -مثلاً- في الأسلوب العربي: سال الميزاب، على طريقة المتأخرين في تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز، حقيقة هذه العبارة سال الميزاب، أي: الميزاب من شدة الحرارة ذاب وصار سائلاً؛ لكن مَن من العرب إذا سمع هذه العبارة يتبادر إلى ذهنه المعنى الذي يسمونه حقيقة؟ فيقولون: هنا المقصود المجاز، هذا المعنى الذي يسمونه مجازاً في هذا المثال هو المعنى الحقيقي المراد منه، سال الميزاب، أي: سال ماء الميزاب، مثل: واسأل القرية تماماً، وهكذا أمثلة كثيرة يذكرها ابن تيمية، منها مثلاً: جرى النهر، النهر: هو الأخدود الذي يجري فيه الماء، فعندما يقول العربي: جرى النهر، فلا هو يعني: جرى الأخدود نفسه بدون ماء، ولا السامع منهم من العرب يفهم إلا الذي أراده، أي: جرى ماء النهر. إذاً: تسمية هذه التعابير بأنها مجاز يقول ابن تيمية : هذا خطأ، المجاز: هو الذي يخرج المعنى الظاهر من العبارة إلى معنى آخر لوجود قرينة، لكن هنا لا معنى آخر إلا معنى واحد محدد وهو: اسأل القرية، أي: أهلها..
سال الميزاب، أي: ماؤه..
جرى النهر أي: ماؤه، من هنا يصل ابن تيمية إلى الرد على المتأخرين الذين يتأولون آيات وأحاديث الصفات، بأن يلجئوا إلى ارتكاب طريق التأويل وهو سلوك طريق المجاز، لكن ما الذي يضطرهم إلى ترك فهم المعاني من هذه الآيات وتلك الأحاديث المتعلقة كلها بالصفات على حقائقها، لا سيما وهم يقولون -المتقدمون منهم والمتأخرون- الأصل في كل عبارة أن تفسر على حقيقتها، فمثلاً قوله تبارك وتعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً [الفجر:22] أي: بذاته، فيقولون: لا يجوز هذا الفهم، ويتأولونه (جاء رحمة ربك)، فأيّ مضاف محذوف يقدمونه؟ وعلى ذلك فقس، ونحن نقول: الحق كما نطق الحق في كتابه (وجاء ربك) لكن كيف يجيء؟ لا ندري، وهذا البحث طرقه العلماء قديماً وحديثاً، ونحن في مناسبة قريبة تعرضنا لمثله أيضاً. الخلاصة: أن الكلام العربي أول ما ينبغي أن يفسر به هو على الحقيقة، فقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا وضع الميت في قبره فإنه ليسمع قرع نعالهم وهم عنه مدبرون) فهو يسمع قرع النعال على الحقيقة، بل أنا أقول خلاف ما قلت أنت، فلا يمكن أن نتصور أنه يسمع كل شيء؛ لأنه هو بكل شيء سميع، وهذا أمر مستحيل! لكن ما دام أن الأصل أن الموتى لا يسمعون كما شرحنا لكم آنفاً، فإذا جاء نص ما يعطي لميت ما أو موتى سماعاً ما نستثنيه من القاعدة، نقول: إن المشركين في القليب سمعوا قول الرسول ﷺ، لكن ما كان يجري حولهم من أحاديث الصحابة، وحينما قال عمر : يا رسول الله! إنك لتنادي أجساداً لا أرواح فيها.
لا نقول إنهم سمعوا قول عمر ؛ لأن سماعهم لقول الرسول معجزة للرسول فيوقف عندها. كذلك في هذا الحديث: يسمع الميت قرع نعالهم وحسب، وما نزيد على ذلك، لسببين اثنين: أولاً: أنه خلاف الأصل، وهو: أن الموتى لا يسمعون. ثانياً وأخيراً: أن الأمور الغيبية -وهذا من الغيب في البرزخ- لا يتوسع فيها أبداً، والحق الوقوف عند النص، وعدم الزيادة عليه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ شريط أسئلة الإمارات]


قال ابن القيم رحمه الله:

"فأصلُ خراب الدين والدنيا إنما هو من التأويل، الذي لم يُرده اللهُ ورسولهُ بكلامه، ولا دَلَّ عليه أنه مُراده" (انظر: إعلام المُوقِّعين).

قلتُ:
والتأويل ها هنا: هو المذموم الفاسد، والذي يصبُّ في مخالفة النصوص، وتوظيفها على غير الوجه الذي أراده الله ورسولُه، فتقع الطوامُّ، وتحصل الأثافي، وتحلّ المِحن! ويظنّ صاحبُه أنه يُحسن صنعًا وهو من الأخسرين أعمالًا!


منقول موقع ام القرى وشريط للامام الالباني رحمه الله تعالى وموقع طريق الاسلام