المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العقل عند أهل السنة والجماعة


عبدالله الأحد
2015-10-09, 05:41 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدالله رب العالمين وبه نستعين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين أما بعد :

فهذا تفريغ من كتاب جميل جداً بعنوان ( تجديد الدين لدى الاتجاه العقلاني الاسلامي المعاصر ) وهو عبارة عن رسالة جامعية من تأليف للدكتور أحمد بن محمد اللهيب ، الطبعة الأولى 1433هـ

فائدة / ( اليابان قوم أذكياء لأنهم وصلوا إلى هذا التقدم الحضاري لكن ليسوا عقلاء , فلو كانوا عقلاء لعبدوا الله عز وجل وكانوا موحدين لكن أكثرهم يعتنق الشنتو والبوذية رغم براعتهم في الحضارة الإنسانية !! )

مقدمة /
وردت مادة العقل في القرآن الكريم في تسع وخمسين موضعاً كلها يفيد أن انتفاء العقل مذمة , هذا سوى ذكر مرادفاته : كالألباب , والأحلام , والحجر بكسر الحاء وتسكين الجيم ,
وذكر اعماله : كالتفكر والتذكر والتدبر والاعتبار والفقه والعلم , فهذه الاعمال العقلية لا تكاد تخلو من ذكرها سورة من كتاب الله تعالى , ويرد ذكرها على أنها أوصاف مدح وكمال للمتصف بها , وأن انتفاءها أو نقصانها مذمة شرعية , وهذا يدل دون شك على رفع الإسلام من شأن العقل , وتكريمه له واحتفائه به , كيف ولا وقد جعله مناطاً للتكليف وشرطاً لقيام الحجة .

مفهوم العقل لدى أهل السنة والجماعة :
العقل مصدر عقل بكسر القاف يعقل عقلاً فهو معقول وعاقل وأصل معناه المنع والحبس عقلت البعير عقلاً اعقله عقلاً إذا منعته عن الحركة ويقال اعتقل الرجل إذا حبس

وعقل الشيء إذا علمه وعلم صفاته من حسن وقبح وكمال ونقصان فأمسكها وأمكن أن يميز بين القبيح والحسن والخير والشر

تعريف العقل اصطلاحاً :
جاء تعريف أهل السنة والجماعة للعقل مطابقاً لحقيقته من كل وجه خلافاً لغيرهم الذين اقتصرت تعريفاتهم على بعض جوانبه ويمكن اجمال مفهوم العقل لدى أهل السنة والجماعة في النقاط التالية :

1-الغزيرة المدركة في الإنسان التي بها يعقل ويعلم , وهي كقوة البصر في العين .
2-العلوم الضرورية , والتي تشمل جميع العقلاء , كالعلم بالممكنات والواجبات.
3-العلوم النظرية , والتي تحصل بالنظر والإستدلال .
4-الأعمال التي تكون بموجب العلم , لذلك قال الأصمعي : ( العقل : الإمساك عن القبيح , وقصر النفس وحبسها على الحسن )

والعقل بهذا الإطلاق هو عقل التأييد الذي يكون مع الإيمان وهو عقل الأنبياء والصديقين

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ( إن اسم العقل عند المسلمين وجمهور العقلاء إنما هو صفة , وهو الذي يسمى عرضاً قائماً بالعاقل .
وعلى هذا دل القرآن في قوله تعالى ( لعلكم تعقلون ) ,– سورة الحديد : 17 - وقوله تعالى : ( افلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها ) – سورة الحج : 46 – ونحو ذلك مما يدل على أن العقل مصدر عقل يعقل عقلاً , وإذا كان كذلك فالعقل لا يسمى به مجرد العلم الذي لم يعمل به صاحبه . ولا العمل بلا علم , بل الصحيح أن اسم العقل يتناول هذا وهذا ) ا هـ

وبناءً على ما قيل في معاني العقل , قال ابن القيم رحمه الله تعالى ( العقل عقلان : عقل غريزي طبعي وهو أبو العلم ومربيه ومثمره , وعقل مكتسب مستفاد وهو ولد العلم وثمرته ونتيجته فإذا اجتمعا في العبد فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء واستقام له امره وأقبلت عليه جيوش السعادة من كل جانب وإذا فقد أحدهما أو انتقص انتقص صاحبه بقدر ذلك )

منهج أهل السنة والجماعة في الإستدلال العقلي :
لقد أدرك أهل السنة والجماعة أهمية العقل فكان منهجهم في الإستدلال بالعقل وسطاً بين طائفتين /

الأولى : غلت في جانب العقل فأنزلته فوق منزلته , حيث جعلته مقدماً على الوحي وهم طوائف أهل الكلام على اختلاف فيما بينهم في درجة هذا الغلو .
الثانية : أهملت العقل ولم تلتفت إليه بحجة التفكر في الذات الإلهية وهم غلاة الصوفية .
أما أهل السنة فكانوا وسطاً في هذا الباب فلا إفراط ولا تفريط ولا غلو ولا إجحاف حيث كانوا يأخذون بالنظر العقلي ويأمرون به وكلهم متفقون على الأمر بما جاءت به الشريعة من النظر والتفكر والإعتبار والتدبر وغير ذلك لكنهم أنكروا ما ابتدعه المتكلمون من باطل نظرهم وكلامهم واستدلالهم فشنع عليهم أهل الكلام معتقدين أن هذا الإنكار مستلزم لإنكار جنس النظر والإستدلال .
يقول شيخ الإسلام رحمه الله في معرض ذبه عن أهل السنة ودفع ما ينبزهم به أهل الكلام من الإعراض عن النظر العقلي بالكلية , يقول ( ومن العجب أن أهل الكلام يزعمون أن أهل الحديث والسنة أهل تقليد ليسوا أهل نظر واستدلال وأنهم ينكرون حجة العقل وربما حكى إنكار النظر عن بعض ائمة السنة وهذا مما ينكرونه عليهم .

فيقال لهم : ليس هذا بحق فإن أهل السنة والحديث لا ينكرون ما جاء به القرآن هذا أصل متفق عليهم بينهم والله قد أمر بالنظر والإعتبار والتفكر والتدبر في غير آية ولا يعرف عن أحد من سلف الأمة ولا أئمة السنة وعلمائها أنه انكر ذلك بل كلهم متفقون على الأمر بما جاءت به الشريعة من النظر والتفكر والإعتبار والتدبر وغير ذلك لكن وقع اشتراك في لفظ النظر والاستدلال ولفظ الكلام , فإنهم انكروا ما ابتدعه المتكلمون من باطل نظرهم وكلامهم واستدلالهم فأعتقدوا أن انكار هذا مستلزم لإنكار جنس النظر والاستدلال )

ولأجل هذا نرى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يحتفي كثيراً بما في كلام الإمام احمد بن حنبل رحمه الله من ردود عقلية على الجهمية والزنادقة في نفيهم لعلو الله تعالى وقولهم بالحلول لما في ذلك من دلالة على اهتمام أئمة السلف بدلائل العقول , ولما فيه من رد على من يتهم السلف بالنصية المطلقة وضعف الحجة العقلية والإقتصار على السمع .

يقول شيخ الإسلام (....الإمام احمد ونحوه من الأئمة هم في ذلك – يشير إلى القياس العقلي – جارون على المنهج الذي جاء به الكتاب والسنة , وهو المنهج العقلي المستقيم , فيستعلمون في هذا الباب – أي الصفات الآلهية – قياس الأولى والأحرى والتنبيه في باب النفي والإثبات..... فمسلك الإمام أحمد وغيره مع الإستدلال بالنصوص والإجماع مسلك الإستدلال بالفطرة والأقيسة العقلية الصحيحة المتضمنة للأولى )

إذاً فأهل السنة والجماعة يأخذون بمبدأ الإستدلال العقلي الشرعي , لا الاستدلال الكلام , يقول الإمام ابن الوزير اليمني : ( .... فهولاء – يقصد بهم أهل السنة – كتابهم القرآن وتفسيرهم الأخبار والآثار ولا يكاد يوجد لهم كتاب في العقيدة فإن وجد فالذي فيه هو بمعنى الوصية المحضة بالرجوع إلى الكتاب والسنة , وهم لا يعنون بالرجوع إليهما نفي النظر وترك العقل والإستدلال البتة ...وإنما ينكرون من علم النظر امرين :

1-القول بأن النظر فيما امر الله تعالى بالنظر فيه وجرت به عادة السلف غير مفيد للعلم , إلا أنه لم يُرد إلى ما ابتُدع من طريق المتكلمين , بل هو عندم كافِ شافِ إن خالف طرائق المتكلمين .
2-أنهم ينكرون القول بتعين طرائق المنطقيين والمتكلمين للمعرفة وتجهيل من لم يعرفها وتكفيره )

وإذا كانت هذه هي حقيقة موقف السلف من العقل ودلالته فلا يعني هذا أنه من الضرورة أن يكون لأكثر أئمة السلف كلام في أصول الدين بالأدلة العقلية , لكن يوجد في كلام بعضهم من ذلك بقدر ما دعت إليه الحاجة , من الرد على الملاحدة والزنادقة والمعطلة كما في كلام الإمام احمد في الرد على الزنادقة وعثمان الدارمي على بشر المريسي وغيرهما من أئمة السلف .

ويرى أهل السنة والجماعة أن من صور تكريم العقل للإسلام أن حدد له ميادين يمكنه أن يسير فيها بأمان ويمكنه أن ينجح فيها إذا استخدم استخداماً صحيحاً إذ عمله خارج مجاله هذا يعرضه للخطأ والتخبط لأن هناك ميادين لا يدركها العقل كعلم الغيب مثلاً وهناك ميادين لا يدرك العقل حكمها وعللها على وجه الحقيقة كالتعبدات .

فإشغاله بها مضيعة للجهد وإيغال في المتاهات فكان من إكرام العقل أن يُدفع للعمل فيما يحسنه ويوافق وظائفه وخصائصه .

وإن كثيراً من أرباب المذاهب الفلسفية والكلامية الذين أرادو تمجيد العقل والرفع من شأنه – حسب زعمهم – أساؤوا إلى العقل أيما إساؤة حيث أوغلوا به في مفاوز لا يهتدي فيها إلى سبيل حتى صار أحدهم يأتي بالحكم ونقيضه وإن اصاب مرة تعثر مرات .

يتبع بإذن الله عز وجل .......

هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .

سامي بن خالد المبرك

ضوابط الإستدلال العقلي عند أهل السنة والجماعة :

لما كان موقف أهل السنة والجماعة من العقل موقفاً مؤصلاً – ذلك لأنهم استمدوه من نصوص الوحيين – كان الإستدلال بالعقل لهم مضبوط بضوابط , جعلتهم يطردون في التعامل معه , خلافاً لغيرهم من أهل الكلام ومن وافقهم , حيث تجد التناقض حليفهم فما يُقَعَّدُونه في مسألة ينقضونه في الأخرى , ويُضَلل متأخرُهم متقدَمهم , لأسباب كثيرة ابرزها احتكامهم إلى عقولهم من دون قيد أو شرط .

أما أهل السنة فقد أقاموا التعامل مع العقل في ضوابط عدة من أهمها :

1- أن العقل لا يستقل بنفسه , بل هو محتاج إلى الشرع قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ( ... العقل شرط في معرفة العلوم وكمال وصلاح الأعمال وبه يكمل العلم والعمل لكنه ليس مستقلاً بذلك بل هو غريزة في النفس وقوة فيها بمنزلة قوة البصر التي في العين فإن اتصل به نور الإيمان والقرآن كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس والنار , وإن انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز عن دركها , وإن عزل بالكلية كانت الأقوال والأفعال مع عدمه أموراً حيوانية , قد يكون فيها محبة ووجد وذوق كما قد يحصل للبهيمة .
فالأحوال الحاصة مع عدم العقل ناقصة , والأقوال المخالفة للعقل باطلة , والرسل جاءت بما يعجز العقل عن دركه , ولم تأت بما يُعلَمُ بالعقل امتناعه , لكنَّ المسرفون فيه قضوا بوجوب أشياء وجوازها وامتناعها لحجج عقلية بزعمهم اعتقدوها حقاً , وهي باطل وعارضوا بها النبوات وما جاءت به , والمعرضون عنه صدَّقوا بأشياء باطلة , ودخلوا في أحوال وأعمال فاسدة , وخرجوا عن التمييز الذي فضل الله به بني آدم على غيرهم )

2- تقدم النقل على العقل عند توهم التعارض , فالعقل مصدَّقٌ للشرع في كل ما أخبر به , دال على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم دلالة عامة مطلقة , فالعقل مع الشرع كالعامي مع المفتي , فإن العامي إذا علم عين المفتي , ودل غيره عليه , وبين له أنه عالم مفتٍ , ثم اختلف العامي الدال والمفتي , وجب على المستفتي أن يقدم قول المفتي , فإذا قال له العامي : أنا الأصل في علمه بأنه مفتٍ , فإن قدمت قوله على قولي عند التعارض , قدحت في الأصل الذي به علمت بأنه مفتٍ , قال له المستفتي : أنت لمَّا شهدت بأنه مفتٍ , ودللت على ذلك , شهدت بوجوب تقليده دون تقليدك , وموافقتي لك في قولك بأنه مفتٍ , لا تستلزم أن أوافقك في جميع أقوالك , وخطؤك فيما خالفت فيه المفتي الذي هو أعلم منك , لا يستلزم خطأك في علمك بأنه مفتٍ . هذا مع أن المفتي يجوز عليه الخطأ , أما الرسول صلى الله عليه وسلم فإن معصوم في خبره عن الله عز وجل لا يجوز عليه الخطأ , فتقديم قول المعصوم على ما يخالفه من استدلال عقلي , أولى من تقديم العامي قول المفتي الذي يخالفه .

وإذا كان الأمر كذلك , فإذا علم الإنسان بالعقل أن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم , وعلم أنه أخبر بشيء ووجد في عقله ما ينازعه في خبره , كان عقله يوجب عليه أن يسلم موارد النزاع إلى من هو أعلم به منه .

يتبع بإذن الله تعالى .....

هذا والله اعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين


قال تعالى ( وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في اصحاب السعير )
- يتهم الكافر العلماني عقله يوم القيامة مع أنه كان يعظمه في الدنيا -

ضوابط الإستدلال العقلي عند أهل السنة والجماعة /
لما كان موقف أهل السنة والجماعة من العقل موقفاً مؤصلاً – ذلك لأنهم استمدوه من نصوص الوحيين – كان الإستدلال بالعقل لهم مضبوط بضوابط , جعلتهم يطردون في التعامل معه , خلافاً لغيرهم من أهل الكلام ومن وافقهم , حيث تجد التناقض حليفهم فما يُقَعَّدُونه في مسألة ينقضونه في الأخرى , ويُضَلل متأخرُهم متقدَمهم , لأسباب كثيرة ابرزها احتكامهم إلى عقولهم من دون قيد أو شرط .

أما أهل السنة فقد أقاموا التعامل مع العقل في ضوابط عدة من أهمها :
1-أن العقل لا يستقل بنفسه , بل هو محتاج إلى الشرع قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ( ... العقل شرط في معرفة العلوم وكمال وصلاح الأعمال وبه يكمل العلم والعمل لكنه ليس مستقلاً بذلك بل هو غريزة في النفس وقوة فيها بمنزلة قوة البصر التي في العين فإن اتصل به نور الإيمان والقرآن كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس والنار , وإن انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز عن دركها , وإن عزل بالكلية كانت الأقوال والأفعال مع عدمه أموراً حيوانية , قد يكون فيها محبة ووجد وذوق كما قد يحصل للبهيمة .
فالأحوال الحاصة مع عدم العقل ناقصة , والأقوال المخالفة للعقل باطلة , والرسل جاءت بما يعجز العقل عن دركه , ولم تأت بما يُعلَمُ بالعقل امتناعه , لكنَّ المسرفون فيه قضوا بوجوب أشياء وجوازها وامتناعها لحجج عقلية بزعمهم اعتقدوها حقاً , وهي باطل وعارضوا بها النبوات وما جاءت به , والمعرضون عنه صدَّقوا بأشياء باطلة , ودخلوا في أحوال وأعمال فاسدة , وخرجوا عن التمييز الذي فضل الله به بني آدم على غيرهم )

2-تقدم النقل على العقل عند توهم التعارض , فالعقل مصدَّقٌ للشرع في كل ما أخبر به , دال على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم دلالة عامة مطلقة , فالعقل مع الشرع كالعامي مع المفتي , فإن العامي إذا علم عين المفتي , ودل غيره عليه , وبين له أنه عالم مفتٍ , ثم اختلف العامي الدال والمفتي , وجب على المستفتي أن يقدم قول المفتي , فإذا قال له العامي : أنا الأصل في علمه بأنه مفتٍ , فإن قدمت قوله على قولي عند التعارض , قدحت في الأصل الذي به علمت بأنه مفتٍ , قال له المستفتي : أنت لمَّا شهدت بأنه مفتٍ , ودللت على ذلك , شهدت بوجوب تقليده دون تقليدك , وموافقتي لك في قولك بأنه مفتٍ , لا تستلزم أن أوافقك في جميع أقوالك , وخطؤك فيما خالفت فيه المفتي الذي هو أعلم منك , لا يستلزم خطأك في علمك بأنه مفتٍ . هذا مع أن المفتي يجوز عليه الخطأ , أما الرسول صلى الله عليه وسلم فإن معصوم في خبره عن الله عز وجل لا يجوز عليه الخطأ , فتقديم قول المعصوم على ما يخالفه من استدلال عقلي , أولى من تقديم العامي قول المفتي الذي يخالفه .

وإذا كان الأمر كذلك , فإذا علم الإنسان بالعقل أن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم , وعلم أنه أخبر بشيء ووجد في عقله ما ينازعه في خبره , كان عقله يوجب عليه أن يسلم موارد النزاع إلى من هو أعلم به منه .

إن العقل لا يمكن أن يعارض الكتاب والسنة , فالعقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح ابداً , فلا يصح أن يقال إن العقل يخالف النقل , ومن ادعى ذلك فلا يخلو من أمور :

اولها : أن ما ظنه معقولاً ليس معقولاً , بل هو شبهات توهم أنه عقل صريح وليس كذلك .

ثانيها : أن ما ظنه سمعاً ليس سمعاً صحيحاً مقبولاً , إما لعدم صحة نسبته , أو لعدم فهم المراد منه على الوجه الصحيح .

ثالثها : أنه لم يفرق بين ما يحيله العقل وما لا يدركه , فإن الشرع يأتي بما يعجز العقل عن إدراكه , لكنه لا يأتي بما يعلم العقل امتناعه .

أن الدليل العقلي فرع عن الدليل الشرعي , ذلك أن الدليل الشرعي قد يكون سمعياً وقد يكون عقلياً , فإن كون الدليل شرعياً يراد به , كون الشرع أثبته ودل عليه أو اباحه وأذن فيه .

لذلك فإن الدليل الشرعي على أقسام ثلاثة /
أولها : إما أن يكون الدليل الشرعي لا يعلم إلا بمجرد خبر الصادق , فإنه إذا اخبر بما لا يُعلم إلا بخبره كان ذلك شرعياً سمعياً , مثل إخباره صلى الله عليه وسلم بأحوال يوم القيامة , وأوصاف الجنة والنار , وتفاصيل ما يجب لله تعالى ... مما لا مجال للعقل في إدراكه إلا عن طريق النقل .

ثانيها : وإما أن يكون الدليل الشرعي ما أثبته الشرع والعقل معاً . حيث يكون العقل قد علمه لكن الشرع نبه إليه ودل عليه , فيكون شرعياً عقلياً , وهذا مثل : الأدلة التي نبه الله تعالى إليها في كتابه العزيز من الأمثال المضروبة وغيرها الدالة على توحيده وصدق رسله , وإثبات صفاته وعلى المعاد , فتلك كلها أدلة عقلية تعلم صحتها بالعقل , وهي براهين ومقاييس عقلية , ومع ذلك شرعية .

ثالثها : ما أباحه الشرع وأذن فيه , فيدخل في ذلك ما أخبر به الصادق صلى الله عليه وسلم , وما دل عليه ونبه إليه القرآن , وما دلت عليه وشهدت به الموجودات , مثل الأمور التي يعرف صدقها عن طريق التجربة والملاحظة : كالطب , والهندسة , والحساب , والكيمياء .. الخ

ولهذا يقول شيخ الإسلام منبهاً إلى أن حصول المعرفة بالشرع يحصل على هذه الوجوه المتقدمة , فيقول : ( أحدها : أن الشرع ينبه على الطريق العقلية التي بها يعرف الصانع , فتكون عقلية شرعية , والثاني : أن المعرفة المنفصلة بأسماء الله وصفاته التي بها يحصل الإيمان تحصل بالشرع , كقوله عالى : ( وما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا ) ]سورة الشورى : 52 [ وقوله: ( قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يُوحي إلي ربي ) ] سبأ : 50 [ وقوله تعالى : ( الــر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد )
] إبراهيم : 1 [ , وأمثال ذلك من النصوص التي تبين أن الله هدى العباد بكتابه المنزل على نبيه ) .



المطلب الرابع : مجالات الاستدلال العقلي /
العقل في الإنسان كغيره من الصفات الكمالية , فهي وإن كانت كمالاً في حق الإنسان , إلا أن لها حدوداً لا تتجاوزها , واقداراُ لا تتخطاها , فالإنسان ذاته مخلوق , وصفاته كذلك يعتريها ما يعتري المخلوق من القوة والضعف والخور والوجود والعدم .

والعقل جعل الله له حداً – في إدراكه للأشياء – ينتهي إليه , لا يتعداه , فلم يجعل له سبيلاً إلى الإدراك في كل مطلوب , ولو كان كذلك لتساوى مع العليم الخبير في إدراك جميع ما كان وما يكون , وما لا يكون لو كان كيف يكون , ولو كان العقل يدرك كل مطلوب لأستغنى الخلق به عن الوحي النبوات , والله تعالى يقول : ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا )
] الإسراء : 15 [

والعقل وإن أدرك فإدراكه يكون لبعض المدرك , وهذا البعض فيه قصور وضعف , من غفلة ونسيان , أو جهل , أو عدم إحاطة , إلى غير ذلك من أحوال الضعف والقصور .

يقول الإستاذ سيد قطب : ( والمنهج الذي سار عليه القرآن – وهو المنهج الأقوم – أن يجيب الناس عما هم في حاجة إليه , وما يستطيع إدراكهم البشري بلوغه ومعرفته , فلا يبدد الطاقة العقلية التي وهبها الله لهم فيما لا ينتج ولا يثمر , وفي غير مجالها الذي تملك وسائله وتحيط به ..... وليس في هذا حجر على العقل البشري أن يعمل , ولكن فيه توجيهاً لهذا العقل أن يعمل في حدوده , وفي مجاله الذي يدركه .

فلا جدوى من الخبط في التيه , ومن إنفاق الطاقة فيما لا يملك العقل إدراكه , لأنه لا يملك وسائل إدراكه )

ولتحديد مجال الإستدلال العقلي يمكن تقسيم العلوم التي يدركها العقل إلى ثلاثة أقسام /
1-العلوم الضرورية : وهي التي لا يمكن التشكيك فيها ; إذ انها تلزم جميع العقلاء ولا تنفك عنهم , كعلم الإنسان بوجوده , وأن الاثنين أكثر من الواحد , واستحالة الجمع بين النقيضين , أو رفعهما , إلى غير ذلك مما يسمى بقوانين العقل الضروري .

أ-العلوم النظرية : هي التي تكتسب بالنظر والاستدلال , وهذا النظر لا بد من تحصيله من علم ضروري يستند إليه , حتى يعرف وجه الصواب فيه , وهذا القسم تدخل فيه كثير من العلوم , كالطبيعات والرياضيات والطب والصناعات وغيرها , وهو نوعان :

1-نوع يتمحض العمل فيه للعقل , وهذه عادة يكون في العلوم المفضولة , كالصناعة والزراعة .
2-والآخر يكون بالنظر في أدلة الشرع , وبذل الوسع لإقامة العبودية , قال الإمام الشافعي في قوله تعالى ( وعلامات وبالنجم هم يهتدون ) ] النحل : 16 [ قال ( فخلق لهم العلامات , ونصب لهم المسجد الحرام , وأمرهم أن يتوجهوا إليه , وإنما توجههم إليه بالعلامات التي خلق لهم , والعقول التي ركبها فيهم , التي استدلوا بها على معرفة العلامات , وكل هذا بيان ونعمة منه جل ثناؤه ) .
ج- وهذا القسم لا يعلم بواسطة العقل : إلا أنه يُعلٍمهُ , بأن يجعل له طريق للعلم به , وذلك كالغيبيات , سواء كانت من قبيل ما يعتاده علم العبد : كعلمه بما تحت رجليه , وعلمه بالبلد القاصي عنه , الذي لم يتقدم له به عهد , او لا : كعلمه بما في اليوم الآخر من بعث وحساب وجزاء وتفاصيل ذلك , فهذا لا يعلم إلا عن طريق الخبر , ويدخل في ذلك كثير من مسائل الإعتقاد ولا سيما التفصيلية منها .

المرجع : كتاب تجديد الدين لدى الإتجاه العقلاني المعاصر للدكتور أحمد بن محمد اللهيب
من مؤلفات مجلة البيان طبعة سنة 1432هـ ( من صـ 33 حتى صـ 47 )

هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين
منتدى اهل الحديث

فجر الإنتصار
2015-10-13, 08:25 AM
جزاكم الله خيرا وبارك فيكم