المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : محاذير التأويل المذموم


عبدالله الأحد
2015-10-18, 03:06 PM
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله

والتأويل في كلام المتأخرين من الفقهاء والمتكلمين : هو صرف [ ص: 256 ] اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدلالة توجب ذلك . وهذا هو التأويل الذي يتنازع الناس فيه في كثير من الأمور الخبرية والطلبية . فالتأويل الصحيح منه : الذي يوافق ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة ، وما خالف ذلك فهو التأويل الفاسد ، وهذا مبسوط في موضعه . وذكر في ( ( التبصرة ) ) أن نصير بن يحيى البلخي روى عن عمر بن إسماعيل بن حماد بن أبي يحيى بن محمد بن الحسن رحمهم الله : أنه سئل عن الآيات والأخبار التي فيها من صفات الله تعالى ما يؤدي ظاهره إلى التشبيه ؟ فقال : نمرها كما جاءت ، ونؤمن بها ، ولا نقول : كيف وكيف . ويجب أن يعلم أن المعنى الفاسد الكفري ليس هو ظاهر النص ولا مقتضاه ، وأن من فهم ذلك منه فهو لقصور فهمه ونقص علمه ، وإذا كان قد قيل في قول بعض الناس :

وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم وقيل :


علي نحت القوافي من أماكنها وما علي إذا لم تفهم البقر
، فكيف يقال في قول الله ، الذي هو أصدق الكلام وأحسن [ ص: 257 ] الحديث ، وهو الكتاب الذي أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ( هود : 1 ) . إن حقيقة قولهم إن ظاهر القرآن والحديث هو الكفر والضلال ، وإنه ليس فيه بيان لما يصلح من الاعتقاد ، ولا فيه بيان التوحيد والتنزيه ؟ ! هذا حقيقة قول المتأولين .

والحق أن ما دل عليه القرآن فهو حق ، وما كان باطلا لم يدل عليه . والمنازعون يدعون دلالته على الباطل الذي يتعين صرفه !

فيقال لهم : هذا الباب الذي فتحتموه ، وإن كنتم تزعمون أنكم تنتصرون به على إخوانكم المؤمنين في مواضع قليلة حقيقة ، فقد فتحتم عليكم بابا لأنواع المشركين والمبتدعين ، لا تقدرون على سده ، فإنكم إذا سوغتم صرف القرآن عن دلالته المفهومة بغير دليل شرعي ، فما الضابط فيما يسوغ تأويله وما لا يسوغ ؟ فإن قلتم : ما دل القاطع العقلي على استحالته تأولناه ، وإلا أقررناه ! قيل لكم : وبأي عقل نزن القاطع العقلي ؟ فإن القرمطي الباطني يزعم قيام القواطع على بطلان ظواهر الشرع ! ويزعم الفيلسوف قيام القواطع على بطلان حشر الأجساد ! ويزعم المعتزلي قيام القواطع على امتناع رؤية الله تعالى ، وعلى امتناع قيام علم أو كلام أو رحمة به تعالى ! ! وباب التأويلات التي يدعي أصحابها وجوبها بالمعقولات أعظم من أن تنحصر في هذا المقام .

ويلزم حينئذ محذوران عظيمان :

أحدهما : أن لا نقر بشيء من معاني الكتاب والسنة حتى نبحث [ ص: 258 ] قبل ذلك بحوثا طويلة عريضة في إمكان ذلك بالعقل ! وكل طائفة من المختلفين في الكتاب يدعون أن العقل يدل على ما ذهبوا إليه ، فيؤول الأمر إلى الحيرة .

المحذور الثاني : أن القلوب تنحل عن الجزم بشيء تعتقده مما أخبر به الرسول . إذ لا يوثق بأن الظاهر هو المراد ، والتأويلات مضطربة ، فيلزم عزل الكتاب والسنة عن الدلالة والإرشاد إلى ما أنبأ الله به العباد ، وخاصة النبي هي الإنباء ، والقرآن هو النبأ العظيم . ولهذا نجد أهل التأويل إنما يذكرون نصوص الكتاب والسنة للاعتضاد لا للاعتماد ، إن وافقت ما ادعوا أن العقل دل عليه ، وإن خالفته أولوه ! وهذا فتح باب الزندقة ، نسأل الله العافية .

فصل

في بيان أن التأويل شر من التعطيل

فإنه يتضمن التشبيه والتعطيل والتلاعب بالنصوص وإساءة الظن بها ، فإن المعطل والمؤول قد اشتركا في نفي حقائق الأسماء والصفات ، وامتاز المئول بتلاعبه بالنصوص وإساءة الظن بها ونسبة قائلها إلى التكلم بما ظاهره الضلال والإضلال ، فجمعوا بين أربعة محاذير : اعتقادهم أن ظاهر كلام الله ورسوله محال باطل ، ففهموا التشبيه أولا ، ثم انتقلوا منه إلى المحذور الثاني ، وهو التعطيل ، فعطلوا حقائقها بناء منهم على ذلك الفهم الذي لا يليق بهم ولا يليق بالرب سبحانه . المحذور الثالث : نسبة المتكلم الكامل العلم ، الكامل البيان التام النصح ، إلى ضد البيان والهدى والإرشاد ، وأن المتحيرين المتهوكين أجادوا العبارة في هذا الباب ، وعبروا بعبارة لا توهم من الباطل ما أوهمته عبارة المتكلم بتلك النصوص ، ولا ريب عند كل عاقل أن ذلك يتضمن أنهم كانوا أعلم منه أو أفصح للناس . المحذور الرابع : تلاعبهم بالنصوص وانتهاك حرماتها . . فلو رأيتها وهم يلوكونها بأفواههم وقد حلت بها المثلات ، وتلاعب بها أمواج التأويلات ، ونادى عليها أهل التأويل في سوق : من يزيد ، [ ص: 50 ] فبذل كل واحد في ثمنها من التأويل ما يريد ، فلو رأيتها وقد عزلت عن سلطنة اليقين ، وجعلت تحت تحكم تأويل الجاهلين ، هذا وقد قعد النفاة على صراطها المستقيم بالدفع في صدورها والأعجاز وقالوا : لا طريق لك علينا ، وإن كان ولا بد فعلى سبيل المجاز ، فنحن أهل المعقولات وأصحاب البراهين ، وأنت أدلة لفظية ، وظواهر سمعية ، لا تفيد العلم ولا اليقين ، فسندك آحاد وهو عرضة للطعن في الناقلين ، وإن صح وتواتر ففهم مراد المتكلم منها موقوف على انتفاء عشرة أشياء لا سبيل إلى العلم بانتفائها عند الناظرين والباحثين .

فلا إله إلا الله والله أكبر ! ! كم هدمت هذه المعاول من معاقل الإيمان ، وتثلمت بها حصون حقائق السنة والقرآن ، فكشف عورات هؤلاء وبيان فضائحهم من أفضل الجهاد في سبيل الله ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت : " إن روح القدس معك ما دمت تنافح عن رسوله " .

واعلم أنه لا يستقر للعبد قدم في الإسلام حتى يعقد قلبه على أن الدين كله لله ، وأن الهدى هدى ، وأن الحق دائر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وجودا وعدما ، وأنه لا مطاع سواه ولا متبوع غيره ، وأن كلام غيره يعرض على كلامه فإن وافقه قبلناه ، لا لأنه قاله بل لأنه أخبر به عن الله تعالى ورسوله ، وإن خالفه رددناه ، ولا يعرض كلامه صلى الله عليه وسلم على آراء القياسيين ولا على عقول الفلاسفة والمتكلمين ولا أذواق المتزهدين ، بل تعرض هذه كلها على ما جاء به ، عرض الدراهم المجهولة على أخبر الناقدين ، فما حكم بصحته فهو منه المقبول ، وما حكم برده فهو المردود .

الشبكة الإسلامية