المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وجوب الإيمان وعدم الخوض في الغيبيات


عبدالله الأحد
2015-10-18, 03:07 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

يكفيك الإيمان بما ثبت في الكتاب والسنة الصحيحة من غير خوض في المختلف فيه
السؤال:
أنا من أهل السنة والجماعة ، ولدت وبدأت رحلتي في البحث عن الحقيقة وأنا عمري 11 سنة من البحث في وجود الله ، ثم الديانات . وكنت وما زلت أدعو الله أن يهديني ، فرسي البحر على شاطئ الحق .

ولي بعض الأسئلة :

العقيدة هي ما يعقد عليه القلب من الإيمان ، وأنا أرسيت على عقيدة أهل السنة من الأسماء والصفات ، وقرأت الرد على المعطلة والمؤولة ، وكانت هنالك أحاديث صحيحة في الصحيحين وأحاديث عقدية أخرى خارج الصحيحين اختُلف فيها ، فصححها بعض أهل العلم وضعفها آخرون ، كحديث : ( رأيت ربي في المنام ) صححه الألباني ، وضعفه العدوي ، وبصراحة هذا الحديث لم أرتح له ، وقرأت الكثير من التوضيحات حوله ، وأنه رؤية منامية ، ومع ذلك قلبي لم يرتح له .

فسؤالي :

هل يجوز أن أدعو الله أن يهديني إلى عقيدته الصحيحة مهما كانت ؟

وهل إذا مت وأنا ما زلت أدعو الله أن يهديني إلى عقيدته الصحيحة مهما كانت هل أدخل النار ؛ لأني أعرف أن العقيدة يجب أن لا يخالجها شك ، ودعائي أن يهديني الله إلى عقيدته يدل على شكي في عقيدتي ؟

والله أنا أريد الحق ، وقلبي ليس مرتاحا لبعض الأحاديث ، أنا أؤمن بعقيدة أهل السنة في الأسماء والصفات إلى الآن ، ولكني أدعو الله أن يهديني لعقيدته الصحيحة من باب أن يطمئن قلبي ، وفي قلبي أن الأقرب هو مذهب السنة ، وفي قلبي إذا كان مخالفا للصواب فسأتبع الحق أين كان .

الجواب :
الحمد لله
نرجو من أخينا السائل الكريم أن يتفهم جوابنا حق تفهمه ، وأن يدرك حقيقة ما نرمي إليه ، فنحن نريد له الخير ، وننصحه بالحق والعدل بإذن الله .
وما نرمي إليه هنا لا نقصد به تزهيدك بالعلم ، وحثك على عدم الخوض فيه ، وإنما نرمي إلى أن تتيقظ دائما إلى عدم الإغراق في الجزئيات ، فلا يأخذك سحرها أو بريقها ، ولا يصرفك طول الجدل فيها ، وحرارة حوار العلماء حولها عن المقاصد الأساسية في عقيدة المسلم ، وعن المقاصد الجليلة في شريعتنا العملية ، وعن وصية النبي صلى الله عليه وسلم حين قال : ( تَفَكَّرُوا فِي آلَاءِ اللَّهِ ، وَلَا تَتَفَكَّرُوا فِي اللَّهِ ) رواه الطبراني في " المعجم الأوسط " (6/250)، وصححه الألباني في " السلسلة الصحيحة " (1788) .
والمقاصد الأساسية في العقيدة الصحيحة هي الإيمان بأركان الإيمان الستة ، بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، وبالقدر خيره وشره ، على وجه الإجمال أولا ، وبالتفصيل الذي ذكره الله عز وجل في كتابه ، ونص عليه رسوله عليه الصلاة والسلام في الصحيح المجمع عليه من سنته .
وما سوى ذلك من شرح العلماء وتفصيلهم ، وتفسيرهم الدقيق لهذه المجملات ، أو ما اختلف فيه العلماء تصحيحا وتضعيفا وأشكل عليك ، فلا يجب عليك الإيمان به ، ولا الخوض فيه ، وإن خضت ، فإياك أن تنسى أن موقع تلك التفاصيل في العقيدة الإسلامية موقع ثانوي غير رئيسي، ولا تشكل تصورات المسلم الحقيقية للكون والغيب والحياة ، كما لن تؤثر في منظومة القيم والأخلاق التي تبني عليها حياتك ، ولا في معاملتك أو عبادتك ، ولا في قناعتك عن التيارات والمذاهب والأديان المناقضة للإسلام ، فاقدر لها قدرها الحقيقي ، واعرف موازين العقائد والأفكار ، وسيكون ذلك سببا رئيسا في استقرار فكرك ومعتقدك ، وذهاب وطأة تباين الآراء من صدرك ، بإذن الله .
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : ( مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ) الزخرف/58 ) رواه أحمد في " المسند " (36/ 493) وحسنه المحققون في طبعة مؤسسة الرسالة ، ورواه الترمذي في " السنن " (3253) وقال : حسن صحيح .
ولما قدر شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الأمر حق قدره ، لم يكن يتوسع في أبواب الأسماء والصفات بين يدي عامة الناس ، فذلك ما لم يوجبه الله ولا رسوله على العلماء ولا على الناس أنفسهم .
فقال رحمه الله :
" وأما قول القائل : لا يتعرض لأحاديث الصفات وآياتها عند العوام : فأنا ما فاتحت عاميا في شيء من ذلك قط " انتهى من " مجموع الفتاوى " (5/266) .
ولو كانت هذه الخلافات والتفاصيل من صلب أصول الدين لما ترخص شيخ الإسلام في السكوت عنها ، والزهد في حشد الناس حولها .
ويقول رحمه الله :
" فالمسلمون - سنيهم وبدعيهم - متفقون على وجوب الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، ومتفقون على وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج ، ومتفقون على أن من أطاع الله ورسوله فإنه يدخل الجنة ولا يعذب ، وعلى أن من لم يؤمن بأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه فهو كافر ، وأمثال هذه الأمور التي هي أصول الدين وقواعد الإيمان التي اتفق عليها المنتسبون إلى الإسلام والإيمان .
فتنازعهم بعد هذا في بعض أحكام الوعيد ، أو بعض معاني بعض الأسماء ، أمر خفيف بالنسبة إلى ما اتفقوا عليه .
مع أن المخالفين للحق البين من الكتاب والسنة هم عند جمهور الأمة معروفون بالبدعة ، مشهود عليهم بالضلالة ، ليس لهم في الأمة لسان صدق ، ولا قبول عام ، كالخوارج والروافض والقدرية ونحوهم .
وإنما تنازع أهل العلم والسنة في أمور دقيقة تخفى على أكثر الناس ، ولكن يجب رد ما تنازعوا
فيه إلى الله ورسوله " انتهى من " مجموع الفتاوى " (7 /357) .
ولو قضيت أكثر عمرك في البحث في مقاصد الدين ، والحرص على العمل بها ، وامتثال ما تعلمته منها ، والتأمل في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما كفاك العمر ولا العمران في سبيل ذلك ، فكيف إذا صرفت همتك ووقتك فيما لم يأمرك الله عز وجل به ، وفيما يكفيك فيه الإيمان المجمل ، فتقول كما قال الإمام الشافعي رحمه الله : " آمَنت بِمَا جَاءَ عَن الله على مُرَاد الله ، وَبِمَا جَاءَ عَن رَسُول الله على مُرَاد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم " انتهى من " ذم التأويل " لابن قدامة (ص/11) .
فنصيحتنا إليك أن تترك عنك قلقك وعناءك الوارد في السؤال ، وأن تُمر ما أشكل عليك مما ثبت في الكتاب والسنة كما جاء من غير تمثيل ولا تعطيل ، وتدعو بما دعا به النبي صلى الله عليه وسلم فتقول : ( اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) رواه مسلم (770) .
أما المختلف فيه ، وما فيه تردد ومباحث دقيقة لدى العلماء ، كحديث رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه في المنام ، فلو غلب على ظنك جانب الضعف فيه ، وعدم ثبوت ذلك عن المعصوم صلى الله عليه وسلم ، واعتقدت أقوال من ضعفه من أمثال يحيى بن معين ، والنسائي ، وابن حبان ، وابن حجر وغيرهم ؛ فتجاوزته ولم تؤمن بما ورد فيه : أجزأك ذلك ، ولم يكن عليك حرج إن شاء الله .
وللتوسع في الكلام على هذا الحديث يمكنك مراجعة الفتوى رقم : (152835) .

ونصيحتنا لك أخيرا ، هي نصيحة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، لتلميذه الخصيص به ، المقرب منه ، الإمام ابن القيم رحمه الله :
" قال لي شيخ الإسلام – رضي الله عنه – وقد جعلت أورد عليه إيراد بعد إيراد: لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة ، فيتشربها؛ فلا ينضح إلا بها ، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة ، تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها ؛ فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته ، وإلا فإذا أَشربت قلبك كل شبهة تمر عليها صار مقراً للشبهات ، أو كما قال " .
انتهى من " مفتاح دار السعادة " (1/140) .
وانظر مقالا نافعا في شرح هذه الوصية ، للشيخ الدكتور عبد الرحمن صالح المحمود ، حفظه الله :
http://dorar.net/art/416
والله أعلم .

موقع الإسلام سؤال وجواب

ماذا يجب علينا نحو الإيمان بالغيب؟

لا شك أن (الإيمان بالغيب) من الركائز الأساسية التي يقوم عليها الدين الإسلامي، ولن يكون الإنسان مسلما حقا حتى يؤمن بالله والملائكة والجن واليوم الآخر والجنة والنار والقضاء والقدر وكلها أمور غائبة عن الحس، ولا أجل أن يكون الإيمان بها صحيحا كما يريد الله منا ذلك، لا بد من التنبه لثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن علم الغيب من اختصاص الله تعالى وليس لنا مشروعية البحث عن حقائقه وتفسيره، واسمه يدل على ذلك، فنحن لا نستطيع الإلمام بحقيقته لا من الناحية الحسية التجريبية التي يستند إليها العلم البشري التجريبي، ولا من الناحية العقلية التصورية، وذلك لمحدودية العقل البشري الذي عجز عن إسعاف أصحابه في إدراك حقيقة كثير من الظواهر المشاهدة، وإذا أدرك شيئا من خصائصها نجده يعجز عن إيجاد التفسير لحدوثها، فما بالك بأمور الغيب الخافية عنه. وإذا كلفنا عقولنا بأمر البحث في كشف أسرار الغيب ومعرفتها إلا مثلما نكلف بهائم الأنعام بعقولها المحدودة بإدراك ومعرفة أن في الوجود ما يسمى (بالقراءة والكتابة) أو (الانترنت) أو (الأشعة فوق البنفسجية) فمع أنها حقائق موجودة ندرك نحن البشر شيئا من أسرارها غير أن تلك الحيوانات لمحدودية عقلها المناسب لحياتها لا تدركها، ولن تستطيع ذلك مهما تقادم عليها الزمان. بل هي عاجزة عن تصور جواز ذلك باب العقل.

وقد وردت الأدلة التي تذكرنا باختصاص الله بهذا العلم في مواضع كثيرة منها قوله تعالى ﴿ فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ لِلَّهِ ﴾ [يونس: 20] وقوله تعالى ﴿ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِۦ أَحَدًا ﴾ [الجن: 26] وقوله تعالى ﴿ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَآ إِلَّا هُوَ ﴾ [الأنعام: 59] وقوله تعالى ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ ﴾ [آل عمران: 179].

والأمر الثاني: أن نؤمن بهذا الغيب الذي أخبرنا الله تعالى عنه مع اعترافنا بعجزنا عن إدراك حقائقه التي غابت عن حواسنا، ولا يصح الإيمان بالغيب إلا إذا آمنا باللفظ المنزل ومعناه بدون أي تحريف ولا تعطيل، وهذا مذهب أهل السنة، وإلا لم يكن للإيمان باللفظ أي ثمرة، إذ كيف يستقيم الإيمان بلفظ مجرد من المعنى؟

والإيمان بالغيب إنما يدخل في باب التسليم النفسي والاهتداء القلبي، ولا يدخل في باب الإدراك الحسي والعقلي، وبهذا يصح معنى الابتلاء بالإيمان بالغيب لحكمة يدركها الله تعالى ولو كان باستطاعة البشرية إدراك الغيب بحواسهم وعقولهم لأقرت به البشرية كلها ولم يعد ثمة مزية بين مؤمن وكافر في هذا الابتلاء.. قال الله تعالى ﴿ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ﴾ [المائدة: 94] وقال تعالى ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ﴾ [الحديد: 25]، فنلاحظ أن الإيمان بالغيب متعلق بالنفوس والقلوب وليس متعلق بإدراك العقول وتفكيرها، ولو كان الأمر كذلك لحثنا الله على التفكر في إدراكه وفهم حقائقه كما أمرنا بالتفكر في مخلوقات الله وفي نظام الكون المشاهد الذي يوصلنا إلى الإيمان بالغيب قال الله تعالى ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ.. ﴾ [آل عمران: 191].

والثالث: عدم الخوض في أمر الغيب وحقيقته والبحث في كيفيته.. لأن ذلك سيؤدي بنا حتما وبالذات في صفات الله تعالى إما إلى التشبيه الذي وقعت فيه بعض فرق الإسلام كالكرامية أو إلى التعطيل الذي وقع فيه الفلاسفة ومن تبعهم من المعتزلة والمتكلمين وكلامهما ممقوت في مذهب أهل السنة. ولهذا فإن القرآن الكريم أنكر على من يخوض في أمر الغيب قال الله تعالى ﴿ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ﴾ وقال تعالى ﴿ أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى ﴾ [النجم: 35].


ولا ننسى أيضا خطأ أهل التفويض الذين فوضوا معاني الألفاظ لله، وكأن الله أنزل إلينا آيات مبهمة بلا معنى. ويجب علينا مع ذلك أن نكف عقولنا عن تخيل وتصور المغيبات المخبر عنها من قبل الله ورسوله، لأننا إذا فعلنا ذلك وقعنا في الإشكاليتين التي أحدثتهما بعض فرق الإسلام وما زالت رحى الخلاف فيها تدور إلى اليوم، وهما إشكالية التجسيم والتعطيل، فإن تخيلت بتصورك العقلي القاصر جسمت وحينما لا يروق لك ذلك التجسيم المتخيل ذهبت لتعطل صفات الله تعالى وتحرف معاني الألفاظ قسرا حتى تخرج من ورطة الخيال البشري القاصر الذي ليس جائزا لك.

الالوكة