المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإيمان بمعجزة الإسراء والمعراج وأنه كان بالروح والبدن معا


عبدالله الأحد
2015-10-25, 01:50 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:

فحادثة الإسراء من الحوادث التي انعقد إجماع المسلمين عليها من حيث الثبوت، ودليل اجماعهم الكتاب، والسنة المتواترة، أما الكتاب فقوله تعالى في سورة الإسراء: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الإسراء:1].
وذكر ابن كثير رحمه الله في تفسيره الأحاديث الواردة في ذلك، واستوعب طرقها من كتاب الحافظ أبي الخطاب عمر بن دحية (التنوير في مولد السراج المنير).
وكان الإسراء مرة واحدة بمكة بعد البعثة، قبل الهجرة بسنة، وقيل بسنة وشهرين، ولا يعتد نقلاً وعقلاً، بقول من قال بتعدد الإسراء.
وأما من حيث كيفيته وهيئته، فقد اختلف العلماء في مسألتين:
الأولى: هل كان الإسراء يقظة أو رؤيا منامية؟
الثانية: هل كان الإسراء بالروح والجسد أو بالروح فقط؟
وظاهر الأخبار تدل على أن الإسراء كان يقظة وهو قول الجمهور، وما نقل عن الحسن البصري في قوله تعالى: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا.. الآية أنها رؤيا منام رآها، فقول مرجوح لا دليل عليه، ولم يصح في ذلك شيء.
وأما المسألة الثانية، فإن جمهور العلماء على أن الإسراء كان بالروح والجسد، واحتجوا بظاهر الأدلة الواردة في ذلك.
ونقل عن معاوية وعائشة رضي الله عنهما أن الإسراء كان بالروح فحسب، وأجيب بأن معاوية رضي الله عنه كان يوم الإسراء مشركاً، وعائشة يومئذ لم تكن زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، بل كانت صغيرة.
قال أبو جعفر الطبري في تفسيره: الصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله أسرى بعبده محمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الأقصى كما أخبر الله عباده، وكما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الله حمله على البراق، حتى أتاه به، وصلى هناك بمن صلى من الأنبياء والرسل، فأراه ما أراه من الآيات.
ولا معنى لقول من قال: أسري بروحه دون جسده، لأن ذلك لو كان كذلك لم يكن في ذلك ما يوجب أن يكون دليلاً على نبوته، ولا حجة له على رسالته، ولا كان الذين أنكروا حقيقة ذلك من أهل الشرك كانوا يدفعون به عن صدقه فيه، إذ لم يكن منكراً عندهم ولا عند أحد من ذوي الفطرة الصحيحة من بني آدم أن يرى الرائي منهم في المنام ما على مسيرة سنة، فكيف ما هو مسيرة شهر أو أقل.
وبعد فإن الله إنما أخبر في كتابه أنه أسرى بعبده، ولم يخبرنا بأنه أسري بروح عبده، وليس جائزاً لأحد أن يتعدى ما قاله الله إلى غيره.
بل الأدلة الواضحة، والأخبار المتتابعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله أسرى به على دابة يقال لها البراق، ولو كان الإسراء بروحه لم تكن الروح محمولة على البراق، إذ كانت الدواب لا تحمل إلا الأجساد. انتهى.
والله أعلم.

قوله : ( والمعراج حق ، وقد أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم وعرج بشخصه في اليقظة ، إلى السماء . ثم إلى حيث شاء الله من العلا وأكرمه الله بما شاء ، وأوحى إليه ما أوحى ، ما كذب الفؤاد ما رأى . فصلى الله عليه وسلم في الآخرة والأولى ) .

ش : ( ( المعراج ) ) : مفعال ، من العروج ، أي الآلة التي يعرج فيها ، أي يصعد ، وهو بمنزلة السلم ، لكن لا نعلم كيف هو ، وحكمه كحكم غيره من المغيبات ، نؤمن به ولا نشتغل بكيفيته .

وقوله : وقد أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم وعرج بشخصه في اليقظة - اختلف الناس في الإسراء .

فقيل : كان الإسراء بروحه ولم يفقد جسده ، نقله ابن إسحاق [ ص: 271 ] عن عائشة ومعاوية رضي الله عنهما ، ونقل عن الحسن البصري نحوه . لكن ينبغي أن يعرف الفرق بين أن يقال : كان الإسراء مناما ، وبين أن يقال : كان بروحه دون جسده ، وبينهما فرق عظيم . فعائشة ومعاوية رضي الله عنهما لم يقولا : كان مناما ، وإنما قالا : أسري بروحه ولم يفقد جسده ، وفرق ما بين الأمرين إذ ما يراه النائم قد يكون أمثالا مضروبة للمعلوم في الصورة المحسوسة ، فيرى كأنه قد عرج به إلى السماء ، وذهب به إلى مكة ، وروحه لم تصعد ولم تذهب ، وإنما ملك الرؤيا ضرب له المثال . فما أراد أن الإسراء مناما ، وإنما أراد أن الروح ذاتها أسري بها ، ففارقت الجسد ثم عادت إليه ، ويجعلان هذا من خصائصه ، فإن غيره لا تنال ذات روحه الصعود الكامل إلى السماء إلا بعد الموت .

وقيل : كان الإسراء مرتين ، مرة يقظة ، ومرة مناما . وأصحاب هذا القول كأنهم أرادوا الجمع بين حديث شريك وقوله : ( ( ثم استيقظت ) ) وبين سائر الروايات . [ ص: 272 ] وكذلك منهم من قال : بل كان مرتين ، مرة قبل الوحي ، ومرة بعده . ومنهم من قال : بل ثلاث مرات ، مرة قبل الوحي ، ومرتين بعده . وكلما اشتبه عليهم لفظ زادوا مرة ، للتوفيق ! وهذا يفعله ضعفاء أهل الحديث ، وإلا فالذي عليه أئمة النقل : أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة ، بعد البعثة ، قبل الهجرة بسنة ، وقيل : بسنة وشهرين ، ذكره ابن عبد البر .

قال شمس الدين ابن القيم : يا عجبا لهؤلاء الذين زعموا أنه كان مرارا ! كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة تفرض عليهم الصلوات خمسين ، ثم يتردد بين ربه وبين موسى حتى تصير [ ص: 273 ] خمسا ، فيقول : أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي ، ثم يعيدها في المرة الثانية إلى خمسين ، ثم يحطها إلى خمس ؟ ! وقد غلط الحفاظ شريكا في ألفاظ من حديث الإسراء ، ومسلم أورد المسند منه ، ثم قال : فقدم وأخر وزاد ونقص . ولم يسرد الحديث . وأجاد رحمه الله . انتهى كلام الشيخ شمس الدين رحمه الله .

وكان من حديث الإسراء : أنه صلى الله عليه وسلم أسري بجسده في اليقظة ، على الصحيح ، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، راكبا على البراق ، صحبة جبريل عليه السلام ، فنزل هناك ، صلى بالأنبياء إماما ، وربط البراق بحلقة باب المسجد . وقد قيل : إنه نزل بيت لحم وصلى فيه ، ولا يصح عنه ذلك ألبتة . ثم عرج به من بيت المقدس تلك الليلة إلى السماء الدنيا ، فاستفتح له جبريل ، ففتح لهما ، فرأى هناك آدم أبا البشر ، فسلم عليه ، فرحب به ورد عليه السلام ، وأقر بنبوته ، ثم عرج به إلى السماء الثانية . فاستفتح له ، فرأى فيها يحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم ، فلقيهما ، فسلم عليهما ، فردا عليه السلام ، ورحبا به ، وأقرا بنبوته ثم عرج به إلى السماء الثالثة ، فرأى فيها يوسف ، فسلم عليه فرد عليه [ ص: 274 ] السلام ورحب به وأقر بنبوته ، ثم عرج به إلى السماء الرابعة ، فرأى فيها إدريس ، فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته ، ثم عرج به إلى السماء الخامسة ، فرأى فيها هارون بن عمران ، فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته ، ثم عرج به إلى السماء السادسة ، فلقي فيها موسى فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته ، فلما جاوزه بكى موسى ، فقيل له : ما يبكيك ؟ قال : أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي ، ثم عرج به إلى السماء السابعة ، فلقي فيها إبراهيم ، فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته ، ثم رفع إلى سدرة المنتهى ، ثم رفع له البيت المعمور ، ثم عرج به إلى الجبار ، جل جلاله وتقدست أسماؤه ، فدنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى إلى عبده ما أوحى ، وفرض عليه خمسين صلاة ، فرجع حتى مر على موسى ، فقال : بم أمرت ؟ قال ؟ بخمسين صلاة ، فقال : إن أمتك لا تطيق ذلك ، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك ، فالتفت إلى جبرائيل كأنه [ ص: 275 ] يستشيره في ذلك ، فأشار أن نعم إن شئت ، فعلا به جبريل حتى أتى به إلى الجبار تبارك وتعالى وهو في مكانه - هذا لفظ البخاري في ( ( صحيحه ) ) وفي بعض الطرق - فوضع عنه عشرا ، ثم نزل حتى مر بموسى ، فأخبره ، فقال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف ، فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله تبارك وتعالى ، حتى جعلها خمسا ، فأمره موسى بالرجوع وسؤال التخفيف ، فقال : قد استحييت من ربي ، ولكن أرضى وأسلم ، فلما نفذ ، نادى مناد : قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي .

وقد تقدم ذكر اختلاف الصحابة في رؤيته صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل بعين رأسه ، وأن الصحيح أنه رآه بقلبه ، ولم يره بعين رأسه ، وقوله : ما كذب الفؤاد ما رأى ( النجم : 11 ) ، ولقد رآه نزلة أخرى ( النجم : 13 ) ، صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا المرئي جبريل ، رآه مرتين [ ص: 276 ] على صورته التي خلق عليها .

وأما قوله تعالى في سورة النجم : ثم دنا فتدلى ، فهو غير الدنو والتدلي المذكورين في قصة الإسراء ، فإن الذي في سورة النجم هو دنو جبريل وتدليه ، كما قالت عائشة وابن مسعود رضي الله عنهما ، فإنه قال : علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى ( النجم : 5 - 8 ) . فالضمائر كلها راجعة إلى هذا المعلم الشديد القوى ، وأما الدنو والتدلي الذي في حديث الإسراء ، فذلك صريح في أنه دنو الرب تعالى وتدليه . وأما الذي في سورة النجم : أنه رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى ، فهذا هو جبريل ، رآه مرتين ، مرة في الأرض ، ومرة عند سدرة المنتهى .

ومما يدل على أن الإسراء بجسده في اليقظة ، قوله تعالى : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ( الإسراء : 11 ) . والعبد عبارة عن مجموع الجسد والروح ، كما أن الإنسان اسم لمجموع الجسد والروح ، هذا هو المعروف عند الإطلاق ، وهو الصحيح . فيكون الإسراء بهذا المجموع ، ولا يمتنع ذلك عقلا ، ولو جاز استبعاد صعود البشر لجاز استبعاد نزول الملائكة ، [ ص: 277 ] وذلك يؤدي إلى إنكار النبوة وهو كفر .

فإن قيل : فما الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس أولا ؟ فالجواب - والله أعلم - : أنه كان ذلك إظهارا لصدق دعوى الرسول صلى الله عليه وسلم المعراج حين سألته قريش عن نعت بيت المقدس فنعته لهم وأخبرهم عن عيرهم التي مر عليها في طريقه ، ولو كان عروجه إلى السماء من مكة لما حصل ذلك ، إذ لا يمكن اطلاعهم على ما في السماء لو أخبرهم عنه ، وقد اطلعوا على بيت المقدس ، فأخبرهم بنعته .

وفي حديث المعراج دليل على ثبوت صفة العلو لله تعالى من وجوه ، لمن تدبره ، وبالله التوفيق .
الشبكة الإسلامية