المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لا يستشفع بالله على أحد من خلقه


عبدالله الأحد
2015-10-30, 04:44 PM
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله

( الجزء رقم : 2 ) - -ص 304 - [الباب الخامس والستون]
باب لا يستشفع بالله على أحد من خلقه عن جبير بن مطعم - رضي الله عنه - قال : جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، نهكت الأنفس ، وجاع العيال ، وهلكت الأموال ; فاستسق لنا ربك ، فإنا نستشفع بالله عليك ، وبك على الله . ( الجزء رقم : 2)- -ص 305-( الجزء رقم : 2)- -ص 306- فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - سبحان الله ، سبحان الله فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه . ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ويحك! ، أتدري ما الله ؟! إن شأن الله أعظم من ذلك ، إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه وذكر الحديث . رواه أبو داود . ( الجزء رقم : 2)- -ص 307-
( الجزء رقم : 2)- -ص 304- الاستشفاع : طلب الشفاعة .
والشفاعة : هي الوساطة في قضاء الحوائج عند من هي بيده .
وهي بحسب المشفوع فيه ; فإن كان المشفوع فيه خيرا فالشفاعة حسنة وفيها أجر ، قال - سبحانه وتعالى - مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وقال - صلى الله عليه وسلم - اشفعوا تؤجروا .
أما إن كانت الشفاعة في أمر محرم فإنها محرمة ، كما قال تعالى : وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا كالذي يشفع في إسقاط حد من حدود الله كحد الزنا ، وحد السرقة ، وحد الشرب ، فأراد أحد أن يبطله ، وذهب إلى الحاكم من أجل أن يترك إقامة الحد بعدما تقرر وثبت ، فهذه شفاعة محرمة ، قال - صلى الله عليه وسلم - تعافوا الحدود فيما بينكم ، وما بلغني من حد فقد وجب وقال : إذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفع .
هذا في الشفاعة عند المخلوق :
أما الاستشفاع بالله على أحد من خلقه فهذا منكر عظيم ; لأن المشفوع عنده يكون أعظم من الشافع ، فإذا استشفع بالله إلى أحد من خلقه فمعناه : أن هذا المخلوق عنده أعظم من الله ، فهذا تنقص لجناب الله - سبحانه وتعالى - وهذا مخل بالتوحيد .
قوله : "جاء أعرابي" الأعرابي هو : ساكن البادية ، والغالب على سكان البادية الجهل .
"نهكت الأنفس" يعني : ضعفت .
"وجاع العيال ، وهلكت الأموال" وذلك بسبب تأخر المطر ; لأن عيشة البادية
( الجزء رقم : 2)- -ص 305- على ما ينزل الله - سبحانه وتعالى - من الأمطار ، والمطر لا يستغني عنه أحد لا أصحاب الحاضرة ولا أصحاب البادية ، كلهم بحاجة إلى المطر ، فإذا تأخر المطر تضرر الناس ، وإذا نزل المطر وأنزل الله فيه البركة انتفع الناس وانتعشوا ، فالأمطار فيها خير للعباد .
ولا يحبسها الله - جل وعلا - إلا بسبب الذنوب والمعاصي : وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا .
"فاستسق لنا ربك" وهذه عادة الصحابة - رضي الله عنهم - أنهم كانوا إذا تأخر المطر أو انحبس المطر طلبوا من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يستسقي لهم .
والاستسقاء هو : طلب السقيا .
والاستسقاء : سنة قديمة فقد استسقى موسى - عليه الصلاة والسلام - لقومه ، واستسقى سليمان لقومه ، واستسقى نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - لأمته ، فالاستسقاء مشروع .
وذلك بأن يأتوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته ويطلبوا منه أن يدعو الله لهم بنزول المطر ، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يجيبهم إلى ذلك ، تارة يدعو وهو جالس بين أصحابه ، وتارة يدعو في خطبة الجمعة بنزول المطر ، وتارة يخرج إلى المصلى في الصحراء فيصلي بالناس صلاة الاستسقاء ، ثم يخطب ويدعو الله - سبحانه وتعالى - ويسقيهم الله - عز وجل- .
وبعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يأتون إلى الخلفاء الراشدين : يأتون إلى عمر فيطلبون منه أن يدعو الله لهم ، وعمر يطلب من العباس عم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو الله لقرابته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم- .
كذلك المسلمون يطلبون من علمائهم وولاة أمورهم ، ومن الصالحين منهم أن يدعو ربهم - عز وجل - بالسقيا ، وهذه سنة ثابتة .
فمجيء هذا الأعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وطلبه من الرسول أن يستسقي لهم ، أمر معروف مستقر .
ولكن هذا الأعرابي لم يقتصر على ذلك ، بل قال : "فإننا نستشفع بالله عليك" وهذه هي الكلمة المنكرة ; لأنه جعل الله شافعا عند الرسول - صلى الله عليه وسلم - والشافع أقل درجة من المشفوع عنده ، فهذا تنقص لله - سبحانه وتعالى- .
وقوله : "ونستشفع بك على الله" هذا أيضا لا إنكار فيه في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم-
( الجزء رقم : 2)- -ص 306- لا بعد موته . ومعناه : طلب الدعاء من الرسول لهم بالسقيا ، كذلك طلب الدعاء من الصالحين الأحياء لا بأس به .
ثم إنه - صلى الله عليه وسلم - نزهه الله عن هذا التنقص وهذا الجهل ، الذي وقع من هذا الأعرابي في حق الله ، وقال : " سبحان الله! سبحان الله! " وهذه عادته - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا استنكر شيئا يسبح ، أو أعجبه شيء يسبح أو يكبر .
قوله : "حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه" لما تأثر وغضب ، غضبوا لغضب الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتأثروا من تأثر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وظهر ذلك على وجوههم - رضي الله عنهم- .
ثم قال : "ويحك" (ويح) كلمة يراد بها العتاب ، أو يراد بها الشفقة أحيانا .
"أتدري ما الله ؟" هذا استنكار من النبي - صلى الله عليه وسلم - وبيان لجهل هذا الأعرابي في حق الله .
شأن الله أعظم من ذلك ، إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه لما أنكر - صلى الله عليه وسلم - ذلك ونزهه ربه علم هذا الجاهل ما يجب عليه من تعظيم الله .
فهذا الحديث فيه مسائل عظيمة :
المسألة الأولى : في الحديث دليل على مشروعية الاستسقاء عند تأخر المطر فهو سنة ثابتة ، وأن الطلب من الصالحين الأحياء الحاضرين أن يدعو الله للمسلمين ، لا بأس به ، أما الميت فلا يطلب منه شيء ، لا شفاعة ولا دعاء .
والدليل على ذلك : أن الصحابة - رضي الله عنهم - لما توفي الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يكونوا يذهبون إلى قبره إذا أجدبوا أو احتاجوا إلى شيء ، ما كانوا يذهبون إلى قبره مثل ما كانوا يأتونه وهو حي ويطلبون منه الدعاء ، وإنما عدلوا إلى العباس عمه ; لأنه حي موجود بينهم وطلبوا منه أن يدعو الله لهم .
( الجزء رقم : 2)- -ص 307- المسألة الثانية : في الحديث دليل على إنكار المنكر فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنكر على هذا الأعرابي ولم يسكت عنه .
المسألة الثالثة : في الحديث دليل على تحريم الاستشفاع بالله على أحد من خلقه ، وأن هذا يخل بالعقيدة وينقص التوحيد ، وفيه إساءة أدب مع الله - سبحانه وتعالى - وهذا الذي عقد المصنف هذا الباب من أجله .
المسألة الرابعة : في الحديث دليل على أن طلب الدعاء والاستشفاع بالحي جائز ; لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر على هذا الأعرابي قوله : (ونستشفع بك على الله) ، وإنما أنكر عليه الجملة التي قبلها : "إنا نستشفع بالله عليك" ، أما الاستشفاع بطلب الدعاء من الحي الحاضر فلا بأس بذلك ، وهذا فعل الصحابة مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومع غيره إذا احتاجوا إلى ذلك .
المسألة الخامسة : فيه مشروعية تعليم الجاهل فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم هذا الجاهل بعدما أنكر عليه ونبهه على الخطأ الذي حصل منه من أجل أن يتجنبه .
المسألة السادسة : فيه مشروعية التسبيح والتكبير عند حصول أمر منكر أو أمر عجيب بل التصفيق الذي أحدثه من يقلدون الكفار .
رسالة الإسلام

وأما الاستشفاع بالنبي صلى الله عليه وسلم وغيره في الدنيا إلى الله تعالى في الدعاء ، ففيه تفصيل : فإن الداعي تارة يقول : بحق نبيك أو بحق فلان ، يقسم على الله بأحد من مخلوقاته ، فهذا محذور من وجهين : أحدهما : أنه أقسم بغير الله . والثاني : اعتقاده أن لأحد على الله حقا . ولا يجوز الحلف بغير الله ، وليس لأحد على الله حق إلا ما أحقه على نفسه ، كقوله تعالى : وكان حقا علينا نصر المؤمنين . وكذلك ما ثبت في ( ( الصحيحين ) ) من قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه ، وهو رديفه : يا معاذ ، أتدري ما حق الله على عباده ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : [ ص: 295 ] حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : حقهم عليه أن لا يعذبهم . فهذا حق وجب بكلماته التامة ووعده الصادق ، لا أن العبد نفسه مستحق على الله شيئا كما يكون للمخلوق على المخلوق ، فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير ، وحقهم الواجب بوعده هو أن لا يعذبهم ، وترك تعذيبهم معنى لا يصلح أن يقسم به ، ولا أن يسأل بسببه ويتوسل به ، لأن السبب هو ما نصبه الله سببا . وكذلك الحديث الذي في المسند من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، في قول الماشي إلى الصلاة : أسألك بحق ممشاي هذا ، وبحق السائلين عليك ، فهذا حق السائلين ، هو أوجبه [ ص: 296 ] على نفسه ، فهو الذي أحق للسائلين أن يجيبهم ، وللعابدين أن يثيبهم ، ولقد أحسن القائل :


ما للعباد عليه حق واجب كلا ولا سعي لديه ضائع إن عذبوا فبعدله ، أو نعموا
فبفضله وهو الكريم الواسع
. فإن قيل : فأي فرق بين قول الداعي : ( ( بحق السائلين عليك ) ) وبين قوله : ( ( بحق نبيك ) ) أو نحو ذلك ؟ فالجواب : أن معنى قوله : بحق السائلين عليك أنك وعدت السائلين بالإجابة ، وأنا من جملة السائلين ، فأجب دعائي ، بخلاف قوله : بحق فلان - فإن فلانا وإن كان له حق على الله بوعده الصادق - فلا مناسبة بين ذلك وبين إجابة دعاء هذا السائل . فكأنه يقول : لكون فلان من عبادك الصالحين أجب دعائي ! وأي مناسبة في هذا وأي ملازمة ؟ وإنما هذا من الاعتداء في الدعاء ! وقد قال تعالى : ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين ( الأعراف : 55 ) . وهذا ونحوه من الأدعية المبتدعة ، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا عن الصحابة ، ولا عن التابعين ، ولا عن أحد من الأئمة [ ص: 297 ] رضي الله عنهم ، وإنما يوجد مثل هذا في الحروز والهياكل التي يكتب بها الجهال والطرقية . والدعاء من أفضل العبادات ، والعبادات مبناها على السنة والاتباع ، لا على الهوى والابتداع .

الشبكة الإسلامية