المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دلالة الفطرة على وحدانية الله رب العالمين


عبدالله الأحد
2015-11-02, 04:15 PM
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله


الفطرة في اللغة: فعلها ثلاثي وهو فطر، والحالة منه: الفطرة كالجلسة، وهي بمعنى الخلقة.
قال ابن فارس عن أصل هذه الكلمة (... أصل صحيح يدل على فتح شيء وإبرازه، ومنه الفطرة: وهي الخلقة) (1) اهـ.
وأتى بالفتح قبل الإبراز لأنه سبب من أسبابه.
وفي اللسان: والفطرة تعني: الابتداء والاختراع (2) .
والأمر ظاهر في أنه لا خلاف بين هذه المعاني الثلاثة، الخلقة، والابتداء، والاختراع.
وقال الشيخ السعدي رحمه الله في تعريفها: (هي الخلقة التي خلق الله عباده عليها وجعلهم مفطورين عليها وعلى محبة الخير وإيثاره وكراهية الشر ودفعه، وفطرهم حنفاء مستعدين لقبول الخير والإخلاص لله والتقرب إليه) (3) .
ودليل الفطرة راسخ في نفوس البشر إلا ما غير منها، والدليل إذا كان راسخاً في النفس يكونه قوياً لا يحتاج الشخص معه إلى استدلال، ولهذا فهو أصل لكل الأدلة الأخرى الدالة على الإقرار بوجود الرب سبحانه، فهي مؤيدة له ومثبتة للإقرار. ولتقرير أصل هذا الدليل إليك بعض الأدلة الدالة على ذلك:
1) لجوء الإنسان وفزعه إلى خالقه سبحانه، سواء كان هذا الإنسان موحداً أو مشركاً عند الشدة والحاجة.
فإن بني آدم جميعاً يشعرون بحاجتهم وفقرهم، وهذا الشعور أمر ضروري فطري، إذ الفقر وصف ذاتي لهم، فإذا ألمت بالإنسان – حتى المشرك – مصيبة قد تؤدي به إلى الهلاك فزع إلى خالقه سبحانه والتجأ إليه وحده واستغنى به ولم يستغن عنه، وشعور هذا الإنسان بحاجته وفقره إلى ربه تابع لشعوره بوجوده وإقراره، فإنه لا يتصور أن يشعر الإنسان بحاجته وفقره إلى خالقه إلا إذا شعر بوجوده، وإذا كان شعوره بحاجته وفقره إلى ربه أمراً ضرورياً لا يمكنه دفعه، فشعوره بالإقرار به أولى أن يكون ضرورياً (4) .
قال الله تعالى: وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [يونس: 12].
وقال تعالى: وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا [الإسراء: 67].
وقال تعالى: وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ [الزمر: 8].
فرجوع الإنسان وإنابته إلى ربه عند الشدائد دليل على أنه يقر بفطرته بخالقه وربه سبحانه، وهكذا كل إنسان إذا رجع إلى نفسه أدنى رجوع عرف افتقاره إلى الباري سبحانه في تكوينه في رحم أمه وحفظه له، وعرف كذلك افتقاره إليه في بقائه وتقلبه في أحواله كلها، وتبقى هذه المعرفة في نفسه قوية لأن الحاجة استلزمتها، فتكون أوضح من الأدلة الكلية مثل افتقار كل حادث إلى محدث (5) .
2) ورود التكليف بتوحيد العبادة أولاً:
لقد تقدم ذكر الأدلة الدالة على أن أول ما يكلف به المكلف: عبادة الله جل وعلا ومما يؤكد تلك الحقيقة هو أن الله تعالى نص على محل النزاع بين الرسل وأقوامهم بقوله: وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا [الإسراء: 46]. أي أنهم يولون مدبرين عند طلب عبادة الله وحده دون غيره، ويوضحه كذلك قوله: ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [غافر: 12].
ولذلك بعث الله رسله بالتوحيد وترك الشرك فقال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: 25].
وعلى هذا يكون تقرير هذه الحجة بأمرين:
الأول: لو لم يكن الإقرار بالله تعالى وبربوبيته فطرياً لدعاهم إليه أولاً – إذ الأمر بتوحيده في عبادته فرع الإقرار به وبربوبيته فيكون بعده (6) .
الثاني: لو لم يكن الإقرار بالله تعالى وبربوبيته فطرياً لساغ لمعارضي الرسل عند دعوتهم لهم بقول الله تعالى: فَاعْبُدُونِ أن يقولوا: نحن لم نعرفه أصلاً فكيف يأمرنا، فلما لم يحدث ذلك دل على أن المعرفة كانت مستقرة في فطرهم (7) .
ويؤيده الدليل الثالث الذي سيأتي ذكره إن شاء الله. ولم يعرف من ينكر وجوده من أقوام الرسل إلا ما كان من فرعون، ومع هذا فإنكاره كان تظاهراً ولم يكن باطناً كما قال تعالى: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ [الإسراء: 102] وقال: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل: 14].
3) إلزام المشركين بتوحيد الربوبية ليقروا بتوحيد الألوهية (8) :
.....ووجه الدلالة: إن المشركين لو لم يكونوا مقرين بربوبية الله تعالى لما قررهم به، ولهذا كانت تقول الرسل لقومها: أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى [إبراهيم: 10].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فدل ذلك على أنه ليس في الله شك عند الخلق المخاطبين، وهذا يبين أنهم مفطورون على الإقرار) (9) اهـ.
4) التصريح بأن الفطرة مقتضية للإقرار بالرب وتوحيده وحبه في الأدلة السمعية:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه)) (10) والصوب أن الفطرة هنا هي فطرة الإسلام، وهي السلامة من الاعتقادات الباطلة والقبول للعقائد الصحيحة، وليس المراد أن الإنسان حين يخرج من بطن أمه يعلم هذا الدين موحداً لله فإن الله تعالى يقول: وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا [النحل: 78] وإنما المراد أن فطرته مقتضية وموجبة لدين الإسلام ولمعرفة الخالق والإقرار به ومحبته. ومقتضيات هذه الفطرة وموجباتها تحصل شيئاً بعد شيء وذلك بحسب كمال الفطرة وسلامتها من الموانع (11) .
والأدلة القاضية بصحة هذا التفسير كثيرة منها:
أولاً: ورود روايات لهذا الحديث تفسر الفطرة منها قوله صلى الله عليه وسلم: ((على هذه الملة)) (12) .
ثانياً: إن الصحابة فهموا من الحديث أن المراد بالفطرة: الإسلام، ولذلك سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عقب ذلك عن أطفال المشركين لوجود ما يغير تلك الفطرة السليمة وإلا لما سألوا عنهم وأيضاً فإن أبا هريرة – رضي الله عنه – تلا قوله تعالى: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم: 30] عقب هذا الحديث. مما يدل أنه فهم أن المراد من الفطرة: الإسلام.
ثالثاً: إن هذا الحديث يؤيده ظاهر القرآن، وهو قوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم: 30] فقد عم الله كل الناس بهذه الفطرة في قوله النَّاسَ وأضافها إليه إضافة مدح لا إضافة ذم لأنها منصوبة على المصدرية التي دل عليها الفعل أَقِمْ فيكون المعنى: إن إقامة الوجه للدين حنيفاً هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها (13) . وتفسير الآية بهذا المعنى منقول عن عامة السلف (14) .
رابعا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه ((خلقت عبادي حنفاء كلهم فاجتالتهم الشياطين...)) (15) والحنيفية: الإسلام.
خامساً: لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم لموجب الفطرة ومقتضاها شرطاً، بل ذكر ما يمنع موجبها حيث قال: ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه)) (16) ومع ذلك لم يذكر عند تغيرها بمؤثر خارجي: أو يسلمانه، مما يدل على أن المراد بالفطرة معرفة الله والإقرار به، بمعنى أن ذلك هو مقتضى فطرتهم، وأن حصولها لا يتوقف على وجود شرط وإنما على انتفاء الموانع (17) .
5) برهان عقلي:
وهو أنه إذا فرض جدلاً أن معرفة الله تعالى نظرية وطلب إقامة الأدلة على الإقرار به وبربوبيته، فإنه لابد من وجود علوم ضرورية فطرية أولية تنتهي إليها العلوم النظرية، ولا يمكن إثباتها بعلوم نظرية كذلك لما يلزم من الدور القبلي والتسلسل في المؤثرات. وهذه العلوم الضرورية شرط وجودها صحة الفطرة وسلامتها، فبالفطرة السليمة مع حسن النظر يحصل المطلوب من العلم (18) .
ويوضح هذا أن الذي يستدل لإثبات الرب سبحانه لابد أن ينقدح في نفسه أن الدليل الذي يستدل به هو بعينه يؤدي إلى مطلوبه الذي شعر به أولاً، فهاهنا أمران: الشعور بمطلوبه، والدليل المؤدي إليه (19) ، وبهذا يتضح أنه لولا ما في القلوب من الاستعداد لمعرفة الحقائق لما قام نظر ولا استدلال (20) ، والحقيقة المطلوبة هنا: معرفة وجود الله. ويوضحه كذلك: أن مجرد التعليم والتحضيض لا يحصل به العلم والإرادة لولا وجود قوة في النفس قابلة لذلك التعليم وتلك الإرادة، فإن البهائم والجمادات لو علمت وحضضت بوسائل تعليمية كالتي لبني آدم لما حصل لها ما يحصل لبني آدم مع أن الوسائل متفقة، مما يدل على أن القوابل مختلفة، والقابل هو مقتضى الفطرة.
اعتراضات على دليل الفطرة:
الاعتراض الأول: لو كانت المعرفة فطرية فكيف أُثر عن بعض الخلق إنكار وجود الله تعالى؟
والجواب:
أولاً: إن الإقرار بالخالق يكون فطرياً في حق من سلمت فطرته، كما هو نص الحديث السابق.
ثانياً: إن من أثر عنه إنكار الخالق في البشر قليلون جداً مقارنة مع من يثبت وجوده، وهم على قسمين:
قسم ينكره ظاهراً فقط كما تقدم في شأن فرعون.
قسم آخر هو في الحقيقة معترف في قرارة نفسه بوجود مدبر وصانع، ويحيل ذلك إلى الطبيعة أو غيرها!. مما يدل على وجود علوم أولية فطرية، وإنما حصل ما حصل بسبب المؤثر الخارجي.
الاعتراض الثاني (21) :
لو كانت معرفته فطرية ضرورية فكيف ينكر ذلك كثير من النظار ويدعون أنهم يقيمون الأدلة على وجوده؟
والجواب:
أولاً: إن من أنكر هذه المعرفة الفطرية الضرورية هم أهل الكلام المذموم الذين ذمهم السلف، ولم يؤثر هذا الإنكار عن علماء المسلمين، بل إنهم نصوا على خلاف هذا كما صح عن الإمام الزهري (22) ، فهؤلاء المتكلمون تأثروا بمؤثر خارجي.
ثانياً: إن الإنسان قد يقوم بنفسه من العلوم والإرادات وغيرها من الصفات ما لا يعلم أنه قائم بنفسه. فهاهنا أمور وهي: علم الإنسان بعلم ما، وعلمه بأنه يعلم هذا العلم، وطلبه الدليل على هذا العلم، وكل إنسان يشعر من نفسه الفرق بين هذه الأمور، فالعلم بشيء قد يكون قائماً بإنسان وإن كان غائباً عنه علمه بأنه يعلم ذلك الشيء، ولكن إذا ذكر له تذكر، وأحس من نفسه بالمعرفة. وقد تقدم أنه لولا وجود علوم ضرورية فطرية لما صح نظر ولا استدلال ولا تم وقام.
الاعتراض الثالث (23) :
قالوا: إن المعرفة لا تحصل مبتدأة في النفس، بل لابد لها من طريق.
الجواب:
أولاً: إن هذا من موارد النزاع وهو هل المعرفة نظرية أو فطرية، وعليه فلا يصلح إيرادها قضية مسلماً بها، وقد دللنا سابقاً على صحة القول بأنها فطرية.
ثانياً: أن يقابل هذا القول بالمعارضة فيقال: إنها قد تحصل في النفس مبتدأة ولا يمكنهم حينئذ أن يقيموا دليلاً على نفي ذلك، وإن أقاموه فباستقراء يكون إما فاسداً وإما ناقصاً.
ثالثاً: إن أهل الكلام أثبتوا علوماً ضرورية، منها علم الإنسان بوجود نفسه، فإذا كان هذا ضروريًّا، فالعلم بربوبية الخالق أولى أن يكون ضروريًّا في حق من سلمت فطرته، وإن زعم المتكلم أن ذلك يحتاج إلى طريق. (32)

هذا وإن من فضل الله ورحمته أن فطر كل إنسان على توحيده وابتغاء وجهه بحيث يكون ذلك أصلاً يولد عليه كل مولود وهذا هو معنى حديث الفطرة وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)) (24) فالفطرة هي الإسلام الذي أصله توحيد الله بالإرادة والمحبة، وأما الأديان المحرفة فهي مخالفة للفطرة، وانحراف عن الأصل الذي هو الإسلام ولهذا فإن القلب لا يمكن أن يطمئن ويستقر إلا إلى ما فطره الله عليه من إرادته ومحبته وحده وكل إرادة ومحبة لغير الله فهي عذاب وصرف للفطرة عن أصلها، مهما يكن المراد المحبوب وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش)) (25) مع أنه دعاء بالتعاسة والانتكاس لمن كان عبداً للدينار فإنه أيضاً تقرير لواقع حاصل، وهو أن كل من كان معبوده المال فلابد أن يكون حاله من تعاسة إلى تعاسة، ومن انتكاس إلى انتكاس، لمخالفته لحقيقة فطرته بحب الله وإرادة وجهه وحده (33)
قال ابن كثير رحمه الله تعالى، في تفسير قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ الأعراف : 172
وذهب طائفة من السلف والخلف أن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد, كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل مولود يولد على الفطرة - وفي رواية - على هذه الملة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء)) (26) أخرجاه وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم)) (27) وعن الأسود بن سريع من بني سعد قال ((غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع غزوات قال فتناول القوم الذرية بعدما قتلوا المقاتلة فبلغ ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فاشتد عليه ثم قال: ما بال قوم يتناولون الذرية فقال رجل يا رسول الله أليسوا أبناء المشركين؟ فقال: إن خياركم أبناء المشركين ألا إنها ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة فما تزال عليها حتى يبين عنها لسانها فأبواها يهودانها وينصرانها)) (28)
قال الحسن: ولقد قال الله تعالى في كتابه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِيَّتَهُمْ [الأعراف:172] قالوا ولهذا قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ولم يقل من آدم مِنْ ظُهُورِهِمْ ولم يقل من ظهره ذُرِيَّتَهُمْ أي جعل نسلهم جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن كقوله تعالى: وَهُوَ الذِّي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فيِ الأَرْض [الأنعام:165] وقال: وَيَجْعَلَكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْض [النمل:62] وقال تعالى: كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَةِ قَوْمٍ آخَرِين [الأنعام:133] ثم قال تعالى: وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى أي أوجدهم شاهدين بذلك قائلين له حالا, قال الشهادة تكون بالقول كقوله تعالى: قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا [الأنعام:130] الآية وتارة تكون حالا كقوله تعالى: مَا كَانَ للمُشْرِكِينَ أَنْ يُعَمِّرُوا مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالكُفْر [التوبة: 17] أي حالهم شاهد عليهم بذلك لا أنهم قائلون ذلك, وكذا قوله تعالى: وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيد [العاديات: 7] كما أن السؤال تارة يكون بالمقال, وتارة يكون بالحال كقوله تعالى: وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوه [إبراهيم: 34] (34)

وقال ابن تيمية رحمه الله في معرض كلامه على إقرار الناس بفطرهم على وجود الخالق سبحانه وتعالى: ولهذا كان أكثر الناس على أن الإقرار بالصانع ضروري فطري وذلك أن اضطرار النفوس إلى ذلك أعظم من اضطرارها إلى ما لا تتعلق به حاجتها ألا ترى أن الناس يعرفون من أحوال من تتعلق به منافعهم ومضارهم كولاة أمورهم ومماليكهم وأصدقائهم وأعدائهم مالا يعلمونه من أحوال من لا يرجونه ولا يخافونه ولا شيء أحوج إلى شيء من المخلوق إلى خالقه فهم يحتاجون إليه من جهة ربوبيته إذ كان هو الذي خلقهم وهو الذي يأتيهم بالمنافع ويدفع عنهم المضار: وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ [النحل: 53]
وكل ما يحصل من أحد فإنما هو بخلقه وتقديره وتسبيبه وتيسيره وهذه الحاجة التي توجب رجوعهم إليه حال اضطرارهم كما يخاطبهم بذلك في كتابه وهم محتاجون إليه من جهة ألوهيته فإنه لا صلاح لهم إلا بأن يكون هو معبودهم الذي يحبونه ويعظمونه ولا يجعلون له أندادا يحبونهم كحب الله بل يكون ما يحبونه سواه كأنبيائه وصالحي عباده إنما يحبونهم لأجله كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار)) (29) ومعلوم أن السؤال والحب والذل والخوف والرجاء والتعظيم والاعتراف بالحاجة والافتقار ونحو ذلك مشروط بالشعور بالمسئول المحبوب المرجو المخوف المعبود المعظم الذي تعترف النفوس بالحاجة إليه والافتقار الذي تواضع كل شيء لعظمته واستسلم كل شيء لقدرته وذل كل شيء لعزته فإذا كانت هذه الأمور مما تحتاج النفوس إليها ولا بد لها منها بل هي ضرورية فيها كان شرطها ولازمها وهو الاعتراف بالصانع به أولى أن يكون في النفوس وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((كل مولود يولد على الفطرة)) (30) ويروي عن ربه: ((خلقت عبادي حنفاء)) (31) ونحو ذلك لا يتضمن مجرد الإقرار بالصانع فقط بل إقرارا يتبعه عبودية لله بالحب والتعظيم وإخلاص الدين له وهذا هو الحنيفية وأصل الإيمان قول القلب وعمله أي علمه بالخالق وعبوديته للخالق والقلب مفطور على هذا وهذا وإذا كان بعض الناس قد خرج عن الفطرة بما عرض له من المرض إما بجهله وإما بظلمه فجحد بآيات الله واستيقنتها نفسه ظلما وعلوا لم يمتنع أن يكون الخلق ولدوا على الفطرة

درر

وقال تعالى:((أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض))[إبراهيم:10] وقال صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {كل مولود يولد عَلَى الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه} ولا يقَالَ: إن معناه يولد ساذجاً لا يعرف توحيداً ولا شركاً -كما قاله بعضهم- لما تلونا، ولقوله صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما يروي عن ربه عَزَّ وَجَلَّ: {خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين} الحديث.
وفي الحديث المتقدم ما يدل عَلَى ذلك، حيث قَالَ: {يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه} ولم يقل: ويسلمانه. وفي رواية: {يولد عَلَى الملة} وفي أخرى: {عَلَى هذه الملة}] إهـ.
الشرح:
هذا موضوع الفطرة
قال رَسُول الله صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {كل مولود يولد عَلَى الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه} وفي رواية: {كل مولود يولد عَلَى الملة} وفي رواية أجلى وأصرح: {كل مولود يولد عَلَى هذه الملة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه} وكما في رواية الصحيح قَالَ: {كما تنتج البهيمة البهيمة جمعاء هل ترون فيها من جدعاء؟} معنى هذا الحديث أو دلالة هذا الحديث: أن الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- قد أودع في فطر النَّاس الإيمان بالله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- فكل مولود من بني آدم يولد، فهو مقر بالله ومتجهٌ بفطرته إليه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ومفطور عَلَى الإقرار والإيمان به -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بحيث لا يحتاج إِلَى أن يلقن ذلك ولا أن يعلّم، بل هو مولود عَلَى نفس هذه الملة -ملة الإسلام- التي لا يقبل الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- من أحد غيرها.

وضرب مثالاً لذلك بالبهيمة {كما تنتج البهيمة البهيمة}أي: تلد البهيمة بهيمةً جمعاء كاملة ليس فيها أثر من آثار إحداث الآدمي، كقطع الآذان أو العلامات التي توضع سمة عَلَى الإبل والبقر والغنم لتعرف، وإنما الذي يجدعها صاحبها.
وكذلك الإِنسَان يولد عَلَى التوحيد سليماً نقياً حتى يهوّد أو ينصر أو يمجس، فتجدع هذه الفطرة وتوضع عليها علامة معينة قد تكون نصرانية أو يهودية أو مجوسية.
وإن لم يوضع علامة فهو يولد عَلَى هذه الملة والدين.

قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ:
[ويُحكى عن أبي حنيفة رَحِمَهُ اللَّهُ: أن قوماً من أهل الكلام أرادوا البحث معه في تقرير توحيد الربوبية، فَقَالَ لهم: أخبروني -قبل أن نتكلم في هذه المسألة- عن سفينة في دجلة تذهب فتمتلأ من الطعام والمتاع وغيره بنفسها، وتعود بنفسها، فترسي بنفسها، وتتفرغ وترجع كل ذلك من غير أن يدبرها أحد؟!
فَقَالُوا: هذا محال لا يمكن أبداً!
فَقَالَ لهم: إذا كَانَ هذا محالاً في سفينة، فكيف في هذا العالم كله علوه وسفله؟!
وتحكى هذه الحكاية عن غير أبي حنيفة أيضاً.
فلو أقر رجل بتوحيد الربوبية الذي يقر به هَؤُلاءِ النظار، ويفنى فيه كثير من أهل التصوف، ويجعلونه غاية السالكين كما ذكره صاحب منازل السائرين وغيره، وهو مع ذلك إن لم يعبد الله وحده ويتبرأ من عبادة ما سواه كَانَ مشركاً من جنس أمثاله من الْمُشْرِكِينَ]ا.هـ.
الشرح:
يقول المُصنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ: [ويُحكى عن أبي حنيفة] كلمة "يحكى" أو "يُقال" معناها: أن الخبر فيه كلام، فليس موثوقاً،
والحقيقة أن هذه الواقعة لا تتصور أنها تصح عن الإمام أبي حنيفة لأنه لا يمكن أن يتجرأ أحد من الملاحدة في عهد الإمام أبي حنيفة وفي أوائل القرن الثاني، ويقول أنا أنكر وجود الله، ثُمَّ يؤتى به إِلَى الكوفة إلى عالم من أكبر علمائها ويقول له: أنا أريد أن أناظرك!! لأنه حتى في هذا العصر -والْحَمْدُ لِلَّهِ- عَلَى ضعف إيماننا، وعلى ضعف علمنا، لا يتجرأ الملحد أن يأتي فضلاً عن أن يبحث عن عالم من علماء الْمُسْلِمِينَ الكبار ويقول: أنا أريد أن أناظره، لأن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ضرب عليهم الذل، وعلماء الْمُسْلِمِينَ والْمُسْلِمُونَ جميعاً حتى العامة منهم يرفضون أصلاً أن يقابلوا مثل هذا الإِنسَان، أو يتحدثوا معه، فضلاً عن أن يفتحوا له الطريق ويقبلوا المناظرة، ويقولون وإذا لم نقنعك نذهب بك إِلَى الإمام أبي حنيفة نقول: هذا لا يمكن ولا يتخيل لكن هذا مما يذكره بعض المتكلمين ليبينوا أن الأئمة الأربعة وغيرهم قد عرفوا الأدلة والبراهين والحجج العقلية، ومثل ذلك ما ينقل عن الإمام أَحْمَد والإمام الشَّافِعِيّ أنهم قالوا: انظروا إِلَى هذه البيضة أو عجبت لهذه البيضة، التي ظاهرها هذا العظم وباطنها الماء، ثُمَّ يخرج منها ذلك الحيوان ثُمَّ يكون له العين والمنقار والرئتان، مع ذلك نقول أن هذه النقولات لو ثبتت فليس معنى ذلك أن دليل الإمام أَحْمَد عَلَى وجود الله، هو هذه البيضة، أو أن دليل الإمام أبي حنيفة عَلَى وجود الله وعلى توحيد الربوبية هو السفينة.
أو من قال من الأئمة: من أراد أن يعرف الله فلينظر إِلَى الإِنسَان كيف خلق من طين، ثُمَّ من ماء، هذه أمثلة وعبر، مثلهم مثل أي واحد يرى منظراً في ملكوت الله في السماء فَيَقُولُ: سُبْحانَ اللَّه كيف ينكر الله عَزَّ وَجَلَّ أحد؟!
انظر هذا دليل عَلَى ربوبية الله، فليس هذا هو دليله الوحيد الذي يقوم إيمانه ويعتمد عليه إنما هو كمثال من الأمثلة وكدليل من جملة الأدلة، فهذا الدليل دليل السفينة يذكر كذلك، ولا يعني هذا أننا لا نؤمن بالله إلا بناء عَلَى هذا الدليل، أو أن هذا هو حجتنا الوحيدة، أو أننا لا نملك عَلَى وجود الله إلا أمثال هذه الأدلة.

فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى له في كل شيء آية تدل عَلَى أنه واحد تَبَارَكَ وَتَعَالَى ووجوده أيقين في النفوس من وجود المخلوقين أنفسهم؛ لأننا نعلم أن هَؤُلاءِ المخلوقين إنما وجدوا؛ لأن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هو الذي خلقهم، فوجود الخالق الموجد سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إيمان النفس به أكثر يقيناً من يقينها بوجود بلد اسمه أمريكا أو الهند، ومع أنه قد يكون الإِنسَان ربما لم يرها قط ومع ذلك هو مؤمن بوجودها، فالإيمان بوجود الله أعظم وأكثر يقيناً من اليقين بذلك؛ لأنه تمتلأ به الفطرة والقلب قبل أن يعرضه الدين عَلَى المباحث العقلية النظرية والمصنف رَحِمَهُ اللَّهُ ذكر هذا المثال. وتفسيره واضح.

ونختتم بما ذكره مؤلف منازل السائرين، وهذا الكتاب ألفه الإمام أبو إسماعيل عبد الله الهروي والذي شرحه الإمام ابن القيم في كتابه مدارج السالكين شرح منازل السائرين وهو المذكور هنا في قوله: "ويفنى فيه كثير من أهل التصوف ويجعلونه غاية السالكين".
أما المتكلمون والنظار فقد سبق الحديث عنهم، وأما هذا الهروي صاحب منازل السائرين فإنه قد وقع -عفا الله عنه- فيما وقع فيه الصوفية من الحديث عن الفناء، حيث قالوا: إن حقيقية الفناء وحقيقة التوحيد، هو توحيد الربوبية: أن تعتقد أنه لا خالق إلا الله، وأنه لا فاعل إلا الله.
وسيأتي تفصيل هذا قريباً، كما سيأتي ذكر الأبيات التي ذكرها المُصنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ عن الهروي نفسه، وهي أبيات مردودة في موضوع التوحيد، وهذا الكلام الذي ذكره الهروي نقله صاحب حلية الأولياء عن الجنيد، وهو من كلام الصوفية حيث يعتقدون أن توحيد الربوبية هو غاية التوحيد فمن وصل عندهم إِلَى توحيد خاصة الخاصة فهو الذي يصل إِلَى اعتقاد أنه لا فاعل إلا الله، وأن كل ما في الكون إنما يتحرك بإذن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وأن الله هو الذي حركه، أي: حقيقة الفعل هذه منسوبة إِلَى الله.
فلا ترى لغير الله فعلاً ولا حركة ولا إرادة فهذا هو غاية التوحيد عندهم، أما ما دمت تثبت فعلين، فأنت لا تزال في توحيد أقل، أو في الشرك كما قال ذلك ابن سينا حيث قَالَ: القُرْآن كله شرك، والعياذ بالله، وهذا كلام الفلاسفة، وأخذه الصوفية في الأصل أخذوا عن الفلاسفة، من اليونان والهنود، لكن فلسفة هَؤُلاءِ فلسفة روحانية، وأولئك فلسفة عقلانية.
والشاهد أن دعاوى المتكلمين والنظار، ودعاوى الصوفية وأمثالهم، أن التوحيد الحقيقي هو توحيد الربوبية، وهذا مردود عليهم؛
لأن التوحيد الحقيقي هو توحيد الألوهية، فهو الذي أمر النَّاس أن يتدرجوا فيه حتى يعرفوه حق معرفته، ويقوموا به حق قيامه،
وكما سبق أن بينا أنه ليس كل الصوفية يقولون بوحدة الوجود، وليسوا جميعاً يقولون: إن التوحيد الحقيقي هو توحيد الربوبية، وإنما النَّاس دائماً درجات ومراتب في البدعة، أو في الضلالة، أو في الشرك، أو الكفر، فهم درجات ومراتب، والكلام عَلَى المنهج العام يختلف عن الكلام في الأعيان والأشخاص.
فالأشخاص فيهم من يأخذ بذلك المنهج كله، وفيهم من يأخذ منه ببعضه، وفيهم من ينتسب إليه بالاسم ويدعيه وهو لا يعرفه ولا يأخذ منه بشيء، فالشاهد هو هذا، وسوف يأتي -إن شاء الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- مزيد من الحديث عن الهروي وعن كتابه عند الحديث عن الأبيات التي ذكرها في نفس هذا الموضع فيما سيأتي.
قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ:
[ويُحكى عن أبي حنيفة رَحِمَهُ اللَّهُ: أن قوماً من أهل الكلام أرادوا البحث معه في تقرير توحيد الربوبية، فَقَالَ لهم: أخبروني -قبل أن نتكلم في هذه المسألة- عن سفينة في دجلة تذهب فتمتلأ من الطعام والمتاع وغيره بنفسها، وتعود بنفسها، فترسي بنفسها، وتتفرغ وترجع كل ذلك من غير أن يدبرها أحد؟!
فَقَالُوا: هذا محال لا يمكن أبداً!
فَقَالَ لهم: إذا كَانَ هذا محالاً في سفينة، فكيف في هذا العالم كله علوه وسفله؟!
وتحكى هذه الحكاية عن غير أبي حنيفة أيضاً.
فلو أقر رجل بتوحيد الربوبية الذي يقر به هَؤُلاءِ النظار، ويفنى فيه كثير من أهل التصوف، ويجعلونه غاية السالكين كما ذكره صاحب منازل السائرين وغيره، وهو مع ذلك إن لم يعبد الله وحده ويتبرأ من عبادة ما سواه كَانَ مشركاً من جنس أمثاله من الْمُشْرِكِينَ]ا.هـ.
الشرح:
يقول المُصنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ: [ويُحكى عن أبي حنيفة] كلمة "يحكى" أو "يُقال" معناها: أن الخبر فيه كلام، فليس موثوقاً،
والحقيقة أن هذه الواقعة لا تتصور أنها تصح عن الإمام أبي حنيفة لأنه لا يمكن أن يتجرأ أحد من الملاحدة في عهد الإمام أبي حنيفة وفي أوائل القرن الثاني، ويقول أنا أنكر وجود الله، ثُمَّ يؤتى به إِلَى الكوفة إلى عالم من أكبر علمائها ويقول له: أنا أريد أن أناظرك!! لأنه حتى في هذا العصر -والْحَمْدُ لِلَّهِ- عَلَى ضعف إيماننا، وعلى ضعف علمنا، لا يتجرأ الملحد أن يأتي فضلاً عن أن يبحث عن عالم من علماء الْمُسْلِمِينَ الكبار ويقول: أنا أريد أن أناظره، لأن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ضرب عليهم الذل، وعلماء الْمُسْلِمِينَ والْمُسْلِمُونَ جميعاً حتى العامة منهم يرفضون أصلاً أن يقابلوا مثل هذا الإِنسَان، أو يتحدثوا معه، فضلاً عن أن يفتحوا له الطريق ويقبلوا المناظرة، ويقولون وإذا لم نقنعك نذهب بك إِلَى الإمام أبي حنيفة نقول: هذا لا يمكن ولا يتخيل لكن هذا مما يذكره بعض المتكلمين ليبينوا أن الأئمة الأربعة وغيرهم قد عرفوا الأدلة والبراهين والحجج العقلية، ومثل ذلك ما ينقل عن الإمام أَحْمَد والإمام الشَّافِعِيّ أنهم قالوا: انظروا إِلَى هذه البيضة أو عجبت لهذه البيضة، التي ظاهرها هذا العظم وباطنها الماء، ثُمَّ يخرج منها ذلك الحيوان ثُمَّ يكون له العين والمنقار والرئتان، مع ذلك نقول أن هذه النقولات لو ثبتت فليس معنى ذلك أن دليل الإمام أَحْمَد عَلَى وجود الله، هو هذه البيضة، أو أن دليل الإمام أبي حنيفة عَلَى وجود الله وعلى توحيد الربوبية هو السفينة.
أو من قال من الأئمة: من أراد أن يعرف الله فلينظر إِلَى الإِنسَان كيف خلق من طين، ثُمَّ من ماء، هذه أمثلة وعبر، مثلهم مثل أي واحد يرى منظراً في ملكوت الله في السماء فَيَقُولُ: سُبْحانَ اللَّه كيف ينكر الله عَزَّ وَجَلَّ أحد؟!
انظر هذا دليل عَلَى ربوبية الله، فليس هذا هو دليله الوحيد الذي يقوم إيمانه ويعتمد عليه إنما هو كمثال من الأمثلة وكدليل من جملة الأدلة، فهذا الدليل دليل السفينة يذكر كذلك، ولا يعني هذا أننا لا نؤمن بالله إلا بناء عَلَى هذا الدليل، أو أن هذا هو حجتنا الوحيدة، أو أننا لا نملك عَلَى وجود الله إلا أمثال هذه الأدلة.

فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى له في كل شيء آية تدل عَلَى أنه واحد تَبَارَكَ وَتَعَالَى ووجوده أيقين في النفوس من وجود المخلوقين أنفسهم؛ لأننا نعلم أن هَؤُلاءِ المخلوقين إنما وجدوا؛ لأن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هو الذي خلقهم، فوجود الخالق الموجد سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إيمان النفس به أكثر يقيناً من يقينها بوجود بلد اسمه أمريكا أو الهند، ومع أنه قد يكون الإِنسَان ربما لم يرها قط ومع ذلك هو مؤمن بوجودها، فالإيمان بوجود الله أعظم وأكثر يقيناً من اليقين بذلك؛ لأنه تمتلأ به الفطرة والقلب قبل أن يعرضه الدين عَلَى المباحث العقلية النظرية والمصنف رَحِمَهُ اللَّهُ ذكر هذا المثال. وتفسيره واضح.

ونختتم بما ذكره مؤلف منازل السائرين، وهذا الكتاب ألفه الإمام أبو إسماعيل عبد الله الهروي والذي شرحه الإمام ابن القيم في كتابه مدارج السالكين شرح منازل السائرين وهو المذكور هنا في قوله: "ويفنى فيه كثير من أهل التصوف ويجعلونه غاية السالكين".
أما المتكلمون والنظار فقد سبق الحديث عنهم، وأما هذا الهروي صاحب منازل السائرين فإنه قد وقع -عفا الله عنه- فيما وقع فيه الصوفية من الحديث عن الفناء، حيث قالوا: إن حقيقية الفناء وحقيقة التوحيد، هو توحيد الربوبية: أن تعتقد أنه لا خالق إلا الله، وأنه لا فاعل إلا الله.
وسيأتي تفصيل هذا قريباً، كما سيأتي ذكر الأبيات التي ذكرها المُصنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ عن الهروي نفسه، وهي أبيات مردودة في موضوع التوحيد، وهذا الكلام الذي ذكره الهروي نقله صاحب حلية الأولياء عن الجنيد، وهو من كلام الصوفية حيث يعتقدون أن توحيد الربوبية هو غاية التوحيد فمن وصل عندهم إِلَى توحيد خاصة الخاصة فهو الذي يصل إِلَى اعتقاد أنه لا فاعل إلا الله، وأن كل ما في الكون إنما يتحرك بإذن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وأن الله هو الذي حركه، أي: حقيقة الفعل هذه منسوبة إِلَى الله.
فلا ترى لغير الله فعلاً ولا حركة ولا إرادة فهذا هو غاية التوحيد عندهم، أما ما دمت تثبت فعلين، فأنت لا تزال في توحيد أقل، أو في الشرك كما قال ذلك ابن سينا حيث قَالَ: القُرْآن كله شرك، والعياذ بالله، وهذا كلام الفلاسفة، وأخذه الصوفية في الأصل أخذوا عن الفلاسفة، من اليونان والهنود، لكن فلسفة هَؤُلاءِ فلسفة روحانية، وأولئك فلسفة عقلانية.
والشاهد أن دعاوى المتكلمين والنظار، ودعاوى الصوفية وأمثالهم، أن التوحيد الحقيقي هو توحيد الربوبية، وهذا مردود عليهم؛
لأن التوحيد الحقيقي هو توحيد الألوهية، فهو الذي أمر النَّاس أن يتدرجوا فيه حتى يعرفوه حق معرفته، ويقوموا به حق قيامه،
وكما سبق أن بينا أنه ليس كل الصوفية يقولون بوحدة الوجود، وليسوا جميعاً يقولون: إن التوحيد الحقيقي هو توحيد الربوبية، وإنما النَّاس دائماً درجات ومراتب في البدعة، أو في الضلالة، أو في الشرك، أو الكفر، فهم درجات ومراتب، والكلام عَلَى المنهج العام يختلف عن الكلام في الأعيان والأشخاص.
فالأشخاص فيهم من يأخذ بذلك المنهج كله، وفيهم من يأخذ منه ببعضه، وفيهم من ينتسب إليه بالاسم ويدعيه وهو لا يعرفه ولا يأخذ منه بشيء، فالشاهد هو هذا، وسوف يأتي -إن شاء الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- مزيد من الحديث عن الهروي وعن كتابه عند الحديث عن الأبيات التي ذكرها في نفس هذا الموضع
موقع الحوالي رحمه الله تعالى