المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سوسيولوجيا عاشوراء / صادق الطائي


نبيل
2015-11-04, 01:40 PM
سوسيولوجيا عاشوراء

صادق الطائي

مع مفتتح كل عام هجري جديد يتجدد جدل قديم حديث حول طقوس عاشوراء لدى الشيعة في البلدان التي يشكلون فيها حضورا واضحا، وتنهال الاتهامات المصحوبة بالاستنكار الذي يصل حد التكفير من جهات تعارض ما يقوم به بعض الشيعة من طقوس، بالمقابل يرد عليهم بتشنج وتماه مع بعض الطقوس الغريبة المتمثلة بايذاء الجسد، عدد ممن يعتبرون الدفاع عن هذه الطقوس دفاعا عن المذهب الشيعي الإمامي، وهكذا يتجدد الجدل والخلاف والصراع الذي كثيرا ما يصل إلى حد سفك الدماء.

يركز الباحثون في علم اجتماع الأديان على نقطة مهمة في الطقوس الدينية، وهي أن من المميزات الخاصّة التي تعطي للطقس فرادته أنّه يتمّ وفق مميّزات يمكن تحديدها في ثلاث نقاط؛ أولاها التقعيد بحيث يخضع الطقس لقواعد منتظمة متعارف عليها لدى أفراد الجماعة، وثانيتها التكرار حيث يعاد إنجاز الطقس في مناسبات تتكرر في أوقات مضبوطة من حياة الجماعة، وحسب تكرار زمني مضبوط، وثالثتها الشحنة الرمزيّة التي تتّخذها، ممّا يعطي الممارسات دفقها وفعاليتها الرمزيّة الخاصّة. ويرى عالم الاجتماع الفرنسي اميل دوركايم أن الدين هو الشكل المنظم، والمؤسساتي للمقدس، من جهة، وهو نمط لإنتاج المعايير الجماعية والوعي الاجتماعي، من جهة ثانية، وهو بالتالي يضمن ويحقق الاندماج الاجتماعي. من هنا أهمية الطقوس الدينية، التي تبقي على الوعي الجمعي في حالة صحو دائمة. ومن علماء الانثروبولوجيا المهمين ممن درسوا الطقوس ورمزيتها عالم الانثروبولوجيا فان جينيب الذي طرح رؤيته بنظرية «طقوس العبور» التي طورها لاحقا عالم الانثروبولوجيا الاسكتلندي فيكتور تيرنر عبر تأكيده على طقوس الحداد الدينية في كتابه المهم «طبول الحزن: دراسة في الممارسات الدينية لشعب ندامبو» وقد درس إحدى قبائل زامبيا، واشار إلى أن طقوس الحداد في قبائل ندامبو تمر بثلاث مراحل، المرحلة الاولى هي مرحلة الفصل حيث يتم فصل المشارك عن دوره الطبيعي في بنيته الاجتماعية. والمرحلة الثانية هي الهامشية وهي مرحلة غموض وتشوش في سلوك المشاركين في الطقس. اما المرحلة الثالثة فهي إعادة التجميع حيث يعود المشاركون اكثر تماسكا وتكاملا مع احساس بتقوية الهوية الاجتماعية.

اما فيما يخص طقوس عاشوراء فقد أشار عدد من الباحثين إلى الدور الذي لعبته هذه الطقوس في نشر التشيع بين القبائل السنية البدوية، التي دخلت العراق قادمة من شبه الجزيرة العربية، والتي استوطنت جنوب وغرب العراق في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وقد اهتم مراجع الشيعة بهذا الامر عبر إرسالهم الطلبة النابهين من الحوزة الدينية في النجف في شهر محرم لقراءة التعزية الحسينية، ولتفقيه القبائل في المناطق الريفية النائية في العراق، ما دفع برجال القبائل حديثة التشيع إلى الالتفاف حول مراجع الشيعة، مشكلين قاعدة اقتصادية واجتماعية شعبية خلقت نفوذ رجال الدين الكبير في العراق.

لقد مرت طقوس عاشوراء بالكثير من التغير على مر التاريخ، فقد كانت في بدايتها التاريخية عبارة عن مجالس عزاء، يتم فيها استذكار من استشهد من اهل الحسين (رض) واصحابه، ويشير المؤرخون إلى أن الظهور الاقوى لطقوس عاشوراء كان ابان سيطرة البويهيين على الخلافة العباسية في القرن الرابع الهجري، لانهم كانوا يتبعون المذهب الشيعي، ففي عام 352هـ دشن معز الدولة البويهي طقس عاشوراء الذي ستكون له ابعاد تأسيسية في التحويل النهائي للانشقاق السياسي الشيعي إلى انشقاق ديني يؤطر هوية اجتماعية قائمة على أبعاد دينية – سياسية، فيذكر ابن الاثير في كتابه «الكامل في التاريخ»، «في العاشر من محرم سنة 352هـ أمر معز الدولة أن يغلقوا دكاكينهم ويبطلوا الاسواق والبيع والشراء، وان يظـــهروا النياحة ويلبسوا قبابا عملوها بالمسوح وان تخرج النساء منشرات الشعور مسودات الوجوه قد شققن ثيابهن يدرن في البلد بالنوائح ويلطمن وجوههن على الحسين بن علي، ففعل الناس ذلك ولم يكن للسنيين قدرة على المنع لكثرة الشيعة ولان السلطان معهم»، ولما استمرت سيطرة البويهيين على بغداد مركز الخلافة اكثر من قرن ترسخت هذه الطقوس، ومما تجدر ملاحظته أن سنة العراق قد لمسوا دور هذه الطقوس في بلورة الهوية الاجتماعية ـ السياسية ، فعمدوا إلى سلوك مشابه، حيث يذكر ابن كثير في كتابه «البداية والنهاية» في حوادث سنة 389هـ: «لما كان الشيعة يصنعون في يوم عاشوراء مأتما يظهرون فيه الحزن على الحسين، قابلتهم طائفة اخرى من جهة اهل السنة فادعوا أنه في اليوم الثاني عشر من المحرم قتل مصعب بن الزبير ، فعملوا له مأتما كما تعمل الشيعة للحسين، وزاروا قبره كما تزورالشيعة قبر الحسين وهذا من باب مقابلة البدعة ببدعة مثلها».

وقد استمرت طقوس عاشوراء بين مد وجزر اعتمادا على موقف الدول او الحكام منها، فهي تنشط عندما تجد جوا عاما مرحبا بها، وتختفي أو تمارس في السر في فترات التشدد تجاهها، حتى بلغت أوج ازدهارها إبان حكم الدولة الصفوية في ايران. والسلالة الصفوية تتحدر من صفي الدين الاردبيلي الذي عاش في القرن الخامس عشر في اذربيجان، وهو قطب صوفي شافعي المذهب، يرجح الكثير من المؤرخين اصوله التركمانية، وقد كانت بلاد فارس ذات الغالبية السنية قد مزقتها حروب القبائل التركمانية (القره قوينللو والاق قوينللو) بعد اجتياح تيمورلنك لها، وقد أسس الدولة الجديدة اسماعيل شاه الصفوي الذي وحد بلاد فارس تحت حكم سلالتة الملكية في عام 1502 بعد انتصاراته على القبائل المتنازعة وطرد الاوزبك من خراسان شرق ايران وتفرغه للصراع الاهم مع الدولة العثمانية، وهنا ظهرت نزعة سياسية – دينية عمل عليها اسماعيل شاه لبلورة هوية قومية لايران تميزهم عن اقرانهم الاتراك العثمانيين، مما دفعه إلى تبني المذهب الشيعي وفرضه بالقسوة المفرطة على البلاد، واعتمد على كبار رجال الدين الشيعة الذين انتقلوا من جبل عامل في لبنان إلى ايران لنشر المذهب، حيث انتقل اكثر من تسعين مرجعا من كبار مراجع الشيعة اللبنانيين إلى ايران ابان حكم الصفويين، وفي هذه الحقبة ظهر الغلو في طقوس عاشوراء، ودخل عليها الكثير من التغيرات مثل جلد الظهور بالسلاسل الحديدية، أو ضرب الرؤوس بالسيوف وغيرها من الطقوس التي ربما دخلت إلى إيران من الاديان الاسيوية المجاورة، لكن كثيرين من كتاب اليوم يرجعون إلى ما كتبه المفكر الايراني د.علي شريعتي في هجومه الذي شنه على الصفويين في كتابه «التشيع العلوي والتشيع الصفوي» الذي يذكر فيه دون اشارة إلى مراجع او مصادر معلوماته «استُحدث منصب وزاري جديد باسم (وزير الشعائر الحسينية) وقد قام هذا الوزير بجلب أول هدايا الغرب لإيران، وذلك في غضون القرنين السادس عشر والسابع عشر، وكان هذا أول تماس حضاري بين إيران والغرب، فقد ذهب وزير الشعائر الحسينية إلى أوروبا الشرقية، وكانت تربطها بالدولة الصفوية روابط حميمة يكتنفها الغموض، وأجرى هناك تحقيقات ودراسات واسعة حول المراسيم الدينية والطقوس المذهبية والمحافل الاجتماعية المسيحية وأساليب إحياء ذكرى شهداء المسيحية والمسائل المتبعة في ذلك، حتى أنماط الديكورات التي كانت تزين بها الكنائس في تلك المناسبات، واقتبس تلك المراسيم والطقوس وجاء بها إلى ايران، حيث استعان ببعض الملالي لاجراء بعض التعديلات عليها لكي تصبح صالحة لاستخدامها في المناسبات الشيعية وبما ينسجم مع الأعراف والتقاليد الوطنية والمذهبية في إيران».

إن أي دارس لتاريخ ايران الصفوية يعلم أن العلاقات التي ربطت الدولة الصفوية باوروبا كان وراءها هدف سياسي – اقتصادي، ويشير المفكر الايراني نصر الله فلسفي في كتابه «ايران وعلاقاتها الخارجية في العصر الصفوي» إلى أن الشاه عباس الصفوي طلب عبر سفراء ارسلهم إلى ملوك اوروبا عقد معاهدات لشن حرب على الدولة العثمانية من الشرق والغرب في آن، لان الدولة العثمانية العدو الاساس للدولة الصفوية قطعت طرق تجارة اسيا الوسطى مع اوروبا الممثلة بالحرير والسجاد والتوابل، التي كانت تنقل عبر ما يعرف بطريق الحرير، كما أنه لم يكن هنالك منصب وزير الشعائر الحسينية في الدولة الصفوية، بل اصبحت سنة الملوك الصفويين تعيين رجال الدين الشيعة من جبل عامل في ادارة القضاء والإشراف على العديد من امور الدولة الدينية، وتكمن مهاجمة د. شريعتي للدولة الصفوية لكون الحركة القومية الايرانية التي نشطت في الخمسينيات والستينيات كانت تعتبر الدولة الصفوية ملهمها ورائدها في مشروعها القومي القائل إن الدولة الصفوية هي اول استعادة لحكم ايران من قبل الايرانيين منذ الفتح العربي، وكما هو معروف أن الحركة القومية الايرانية كانت من ألد اعداء الإسلام السياسي الذي يتبنى افكاره الدكتور شريعتي.

لقد اصبحت طقوس عاشوراليوم فضاء دينيا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا في العديد من الدول، ويعمل العديد من كبار علماء الشيعة على تنقيتها من العديد من السلوكيات المرفوضة، كما هو حاصل اليوم في ايران التي تعد المعقل الاساس للتشيع في العالم، اذ تفرض العقوبات الشديدة التي تصل إلى السجن على من يمارس طقوس ايذاء الجسد بحجة التقرب إلى الحسين بن علي (رض).

عن القدس العربي