المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مراتب القدر


عبدالله الأحد
2015-11-06, 04:28 PM
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

مراتب القضاء والقدر
التي من لم يؤمن بها لم يؤمن بالقضاء والقدر

مراتب القضاء والقدر:
هي المراحل التي يمر بها المخلوق من كونه معلومة في علم التقدير إلى أن يكون مخلوقًا واقعًا بقدرة القدير ومشيئته[1].

وهي أربع مراتب:
المرتبة الأولى: علم الرب - سبحانه - بالأشياء قبل كونها.
المرتبة الثانية: كتابته لها قبل كونها.
المرتبة الثالثة: مشيئته لها.
المرتبة الرابعة: خلقه لها.

فأما المرتبة الأولى:
وهي العلم السابق فقد اتفق عليه الرسل من أولهم إلى خاتمهم واتفق عليه جميع الصحابة ومن تبعهم من الأمة.

المرتبة الثانية:
وهي مرتبة الكتابة؛ قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾ [الأنبياء: 105، 106]، فربنا - تبارك وتعالى - أخبر أن هذا مكتوب مسطور في كتبه، والزبور هنا جميع الكتب المنزلة من السماء لا تختص بزبور داود، والذكر أم الكتاب الذي عند الله والأرض الدنيا وعباده الصالحون أمة محمد - صلى الله تعالى عليه وسلم - هذا أصح الأقوال في هذه الآية، وهي علم من أعلام نبوة رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم[2].

المرتبة الثالثة من مراتب القضاء والقدر:
وهي مرتبة المشيئة[3]، وهذه المرتبة قد دل عليها إجماع الرسل من أولهم إلى آخرهم، وجميع الكتب المنزلة من عند الله والفطرة التي فطر الله عليها خلقه، وأدلة العقول والعيان، وليس في الوجود موجب ومقتض إلا مشيئة الله وحده، فما شاء كان وما لم يشأ، لم يكن هذا عموم التوحيد الذي لا يقوم إلا به والمسلمون من أولهم إلى آخرهم مجمعون على أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

المرتبة الرابعة من مراتب القضاء والقدر:
وهي خلق الله تعالى لأفعال المكلفين ودخولها تحت قدرته ومشيئته؛ كما دخلت تحت علمه وكتابه؛ قال تعالى: ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ [الزمر: 62]، وهذا عام محفوظ لا يخرج عنه شيء من العالم أعيانه وأفعاله وحركاته وسكناته، وليس مخصوصًا بذاته وصفاته، فإنه الخالق بذاته وصفاته وما سواه مخلوق له) [4].

ارتباط مراتب القضاء والقدر بتوحيد الربوبية:
فالمرتبة الأولى: مرتبة العلم الأزلي المحيط بكل شيء، وأنَّ الله تعالى علم أحوالَ عباده، وأرزاقَهم، وآجالهم، وأعمالهم، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَعْلَمُ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، وَمَا لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ يَكُونُ، لا يخفى عليه شيء: ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [العنكبوت: 62]، ﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ [الطلاق: 12].

والمرتبة الثانية:
مرتبة الكتابة لكل شيء في اللوح المحفوظ؛ قال تعالى: ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ﴾ [يس: 12]، وقال - سبحانه -: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [الحج: 70]، وقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة )[5].

والمرتبة الثالثة:
مرتبة الارادة والمشيئة النافذة التي لا يخرج عنها أحد، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ [التكوير: 29]، وقال - سبحانه -: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [يس: 82].

أي: إن كل ما يجري في هذا الكون فهو بإرادة الله ومشيئته الدائرة بين الرحمة والحكمة، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته، لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته وسلطانه، وهم يسألون، وما وقع من ذلك؛ فإنه مطابق لعلمه السابق المكتوب في اللوح المحفوظ، فمشيئة الله نافذة، وقدرته شاملة، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن؛ فلا يخرج عن إرادته شيء.

والمرتبة الرابعة: مرتبة الخلق وأنه تعالى خالق كل شيء , وما سواه كله مخلوق، ويدخل في ذلك العباد وأفعالهم؛ قال تعالى: ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ [الأنعام: 102]، وقال سبحانه: ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ [الزمر: 62]، وقال سبحانه: ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾ [غافر: 62]، وقال سبحانه: ﴿ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الصافات: 95، 96].

[1] الدكتور محمود الرضواتي / دورة منة القدير بميت الرخا غربية - المحاضرة الثامنة، عنوان المحاضرة: المرتبة الأولى من مراتب القدر العلم. موقع دار العقيدة المصرية..
[2] قلت: وهذه المرتبة شاملة للكتابة الشرعية والقدرية.
[3] قلت: الارادة والمشيئة أو الإرادة الكونية والمشيئة الكونية: أي أن كل ما يقع في هذا الكون، فهو بمشيئته - تبارك وتعالى - فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا يخرج شيء عن مشيئته مهما كان، فمشيئة الله شاملة نافذة عامة في كل ما يقع في هذا الكون.
[4] شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل / الشيخ محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ) الناشر دار المعرفة، بيروت، لبنان، الطبعة 1398هـ/1978م. ص29-49 باختصار.
[5] صحيح مسلم - كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى / 2653، من حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما.

كلمات في القضاء والقدر وأفعال العباد
والكسب والجبر والاختيار



الحمدُ لله المبدِيء المعيد، الفعّال لما يريد، خلقَ الخَلقَ بعِلمه، وقدّر لهم أقدارًا، وضرَب لهم آجالًا، لا يستأخِرون عنها ساعةً ولا يستقدِمون، قدّر مقاديرَ الخلائق قبل أن يخلقَ السموات والأرضَ بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء، علِم ما كان وما سيكون، وكلّ شيء يجري بتقديره ومشيئته، ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [لقمان: 34]، أحمدُه سبحانه على القدَر خيرِه وشرِّه، وأشكرُه على القضاءِ حُلوِه ومرِّه، وأستعين به في الشدة والرخاء، وأتوكل عليه فيما أجراه من القدر والقضاء.



وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الآياتُ الباهرة، وأشهد أن نبينا محمّدًا عبده ورسوله وصفيّه وخليله وخيرته من خلقه، جاهَد في الله حقَّ جهادِه، صلوات ربّي وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما جادَ السحاب بقطرِه، وطلّ الرَّبيع بزهرِه.



أما بعد:

قال تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ﴾ [البقرة: 177]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ [القمر: 49].



وقال - صلى الله عليه وسلم -: "الإِيمَانُ: أَنْ تُؤْمِنَ بالله، وَمَلاَئِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَالْقَدَرِ كُلِّهِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ"[1].



فدلت هذه النصوص من الكتاب والسنة أنه يجب على كل مسلم أن يؤمن بهذه الأركان الستة، وهي: الإيمان بالله، والملائكة، والكتب السماوية، والرسل والأنبياء، واليوم الآخر، والقضاء خيره وشره.



كما دلت نصوص الكتاب والسنة على كفر من أنكر هذه الأركان، أو أنكر ركنًا واحدًا منها، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾ [النساء: 136].



وفي هذه الرسالة المختصرة؛ سوف أتحدث عن الركن الخامس من هذه الأركان، وهو الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره حلوه مره، وعن خَلْقِ أفعال العباد، والكسب، والجبر، والاختيار، وذلك لأهمية هذا الركن الذي ضلت فيه طوائف كثيرة، وأخطأ فيه أناس كثيرون أفراد وجماعات.



وقد نقلتها من عدد من مصنفات أهل العلم المعتبرين من القدامى والمعاصرين، وأكثر ما نقلت من مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ حيث أنه بحث هذا الموضوع في مواضع كثيرة من مصنفاته، وأيضًا نقلت عن تلميذه البار ابن قيم الجوزية رحمه الله وغيرهم من العلماء.



وما قصدت من هذه الرسالة أولًا إلا إزالة شوائب كانت تجول في نفسي، وبعد البحث والتحري ظهر لي الصواب ولله الحمد والمنة أولًا وآخرًا.



أسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به من قرأه، وأن يكتبه في ميزان عملي، وأن يجزي خيرًا كل من سعى واجتهد في طبعه ونشره وتوزيعه، إنه سميع مجيب، وصلِ الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.



من كتاب "رسالتان في القدر والربا ومقالات متنوعة" للمؤلف.



--------------------------------------------------------------------------------

[1] أخرجه البخاري برقم (50)، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه مسلم برقم (8)، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

مقتطفات من كلام العلماء في القضاء والقدر

لأهمية هذا الركن فقد بذل أهل العلم من السلف والخلف - رحمهم الله - جهودًا كبيره في الرد على منكري القدر؛ سواء الجبرية أو القدرية، بأدلة الكتاب والسنة، والحجج والبراهين الواضحة البينة، من الواقع والعقل الذي يدل على انحرافهم في هذه المسألة المهمة.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (القدر قدرة الله عز وجل، فمن كذب بالقدر، فقد جحد قدرة الله عز وجل)[1].

وعن إسحاق بن هانئ النيسابوري، قال: (كنت يومًا عند أبي عبدالله، فجاء رجل فقال: إن فلانًا قال: إن الله عز وجل أجبر العباد على الطاعة، فقال: بئس ما قال، لم يقل شيئًا غير هذا، وسئل عن القدر؟ فقال: القدر قدرة الله على العباد، فقال الرجل: إن زنى فبقدر؟ وإن سرق فبقدر؟ قال: نعم، الله قدر عليه)[2].

وقال ابن عباس أيضًا: (كل شيء بقدر حتى وضْعُكَ يَدَكَ على خدك)[3].

قال الحسن: (إن الله خلق خلقًا، فخلقهم بقدر، وقسم الآجال بقدر، وقسم أرزاقهم بقدر، والبلاء والعافية بقدر)[4].

وقال أيضًا: (من كذب بالقدر فقد كذب بالإسلام)[5].

وقال في مرضه الذي مات فيه: (إن الله قدر أجلًا، وقدر معه مرضًا، وقدر معه معافاة، فمن كذب بالقدرفقد كذب بالقرآن، ومن كذب بالقرآن فقد كذب بالحق)[6].

وقال مطرِّف بن عبدالله: (ليس لأحد أن يصعد، فيلقي نفسه من شاهق، ويقول: قدَّر لي ربي، ولكن يحذر، ويجتهد، ويتقي؛ فإن أصابه شيء علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له)[7].

وللإمام الشافعي أبيات جميلة ذكر فيها القدر وما يتعلق به، وصفها ابن عبد البر رحمه الله بقوله: (ومن شعره الذي لا يختلف فيه، وهو أصح شيء عنه)، وهي قوله:
ما شئتَ كان وإن لم أشأْ
وما شئتُ إن لم تشأْ لم يكن
خلقت العباد على ما علمتَ
ففي العلم يجري الفتى والمسن
على ذا مننتَ وهذا خذلتَ
وهذا أعنتَ وذا لم تعن
فمنهم شقي ومنهم سعيد
ومنهم قبيح ومنهم حسن[8]

من كتاب "رسالتان في القدر والربا ومقالات متنوعة" للمؤلف.

[1] انظر: الشريعة، للآجري (2/39)، والإبانة الكبرى، لابن بطه (2/131).
[2] المصدر السابق.
[3] أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد (ص26).
[4] انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، للالكائي (4/682).
[5] انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، للالكائي (4/682).
[6] انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، للالكائي (4/682).
[7] انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (4/191).
[8] أخرجه البيهقي في الاعتقاد (ص162)، وابن عبد البر في الانتقاء (ص80)، وأورده اللالكائي برقم (1304).

موقع الألوكة