المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم


عبدالله الأحد
2015-11-10, 02:51 PM
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله

الأول، والآخر، والظاهر، والباطن


قال تعالى: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد: 3].
وهذه الأسماء فسرها النبي صلى الله عليه وسلم تفسيراً كاملاً واضحاً فقال: ((أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء)) (1) إلى آخر الحديث. ففسر كل اسم بكل معناه، ونفى عنه كل ما يضاده وينافيه فمهما قدر المقدرون وفرض الفارضون من الأوقات السابقة المتسلسلة إلى غير نهاية فالله قبل ذلك، وكل وقت لاحق مهما قدر وفرض الله بعد ذلك. (19)
قال ابن جرير: هو (الأول) قبل كل شيء بغير حد، و(الآخر) بعد كل شيء بغير نهاية، وإنما قيل ذلك كذلك، لأنه كان ولا شيء موجوداً سواه، وهو كائن بعد فناء الأشياء كلها، كما قال جل ثناؤه كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: 88] (2) .
وقال الزجاج: (الأول) هو موضوع التقدم والسبق. ومعنى وصفنا الله تعالى بأنه أول: هو متقدم للحوادث بأوقات لا نهاية لها، فالأشياء كلها وجدت بعده، وقد سبقها كلها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: ((أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء)) (3) (4) .
وقال الخطابي: (الأول) هو السابق للأشياء كلها، الكائن الذي لم يزل قبل وجود الخلق، فاستحق الأولية إذ كان موجوداً ولا شيء قبله ولا معه. ثم ذكر الحديث (5) .
وقال الحليمي: (الأول): الذي لا قبل له، والآخر هو الذي لا بعد له، (وهذا لأن) (قبل وبعد) نهايتان، فقبل نهاية الموجود من قبل ابتدائه، وبعد غايته من قبل انتهائه، فإذا لم يكن له ابتداء ولا انتهاء لم يكن للموجود قبل ولا بعد، فكان هو الأول والآخر (6) .
وقال البيهقي: (الأول) هو الذي لا ابتداء لوجوده (7) . (20)
الآخر:
قال الزجاج: (الآخر) هو المتأخر عن الأشياء كلها، ويبقى بعدها (8) .
وقال الخطابي: (الآخر): هو الباقي بعد فناء الخلق، وليس معنى الآخر ما له ، كما ليس معنى الأول ما له الابتداء، فهو الأول والآخر وليس لكونه أول ولا آخر (9) .
قال البيهقي: (الآخر) هو الذي لا انتهاء لوجوده (10) . (21)
وقال السعدي: فالأول: يدل على أن كل ما سواه حادث كائن بعد أن لم يكن، ويوجب للعبد أن يلحظ فضل ربه في كل نعمة دينية أو دنيوية، إذ السبب والمسبب منه تعالى.
والآخر: يدل على أنه هو الغاية، والصمد الذي تصمد إليه المخلوقات بتأهلها، ورغبتها، ورهبتها، وجميع مطالبها (22)
الظاهر:
قال ابن جرير الطبري: (وقوله: (والظاهر) يقول: وهو الظاهر على كل شيء دونه، وهو العالي فوق كل شيء فلا شيء أعلى منه) (11) .
ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "اسمه (الظاهر) من لوازمه أن لا يكون فوقه شيء كما في الصحيح: ((وأنت الظاهر فليس فوقك شيء)) (12) بل هو سبحانه فوق كل شيء فمن جحد فوقيته سبحانه فقد جحد لوازم اسمه (الظاهر).
ولا يصح أن يكون (الظاهر) هو من له فوقية القدر فقط، كما يقال: الذهب فوق الفضة؛ والجوهر فوق الزجاج؛ لأن هذه الفوقية تتعلق بالظهور، بل قد يكون المفوَّق أظهر من الفائق فيها، ولا يصح أن يكون ظهور القهر والغلبة فقط، وإن كان سبحانه ظاهرا بالقهر والغلبة لمقابلة الاسم (الباطن) وهو: الذي ليس دونه شيء، كما قابل (الأول) الذي ليس قبله شيء؛ بـ (الآخر) الذي ليس بعده شيء) (13) .
ويقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: (و(الظاهر): يدل على عظمة صفاته واضمحلال كل شيء عند عظمته من ذوات وصفات، ويدل على علوه) (14) . (23)
الباطن:
قال ابن جرير: و(الباطن) يقول: وهو الباطن لجميع الأشياء فلا شيء أقرب إلى شيء منه، كما قال: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق: 16] (15) .
وقال الزجاج: (الباطن) هو العالم ببطانة الشيء، يقال: بطنت فلاناً وخبرته: إذا عرفت باطنه وظاهره.
والله تعالى عارف ببواطن الأمور وظواهرها، فهو ذو الظاهر وذو الباطن (16) .
وقال الخطابي: (الباطن) هو المحتجب عن أبصار الخلق، وهو الذي لا يستولي عليه توهم الكيفية، وقد يكون معنى الظهور والبطون احتجابه عن أبصار الناظرين، وتجليه لبصائر المتفكرين. ويكون معناه: العالم بما ظهر من الأمور، والمطلع على ما بطن من الغيوب (17) .
وقال الحليمي: (الباطن) وهو الذي لا يحس، وإنما يدرك بآثاره وأفعاله (18) .

درر

تفسير قوله تعالى : ( هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) والرد على من يحتج به على وحدة الوجود .
السؤال:
ما تفسير هذه الآية من سورة الحديد : (هو الأول والآخر والظاهر والباطن )؟ لأني رأيت بعض الناس يفسرها ويربطها بوحدة الوجود. وما تفسير قولنا " لا إله إلا الله " ؟ وهل صحيح أن لهذه العبارة ثلاثة معانٍ منها أن "لا موجود إلا الله " ؟

الجواب:
الحمد لله
أولا :
سبق في الفتوى رقم : (147639) بيان عقيدة وحدة الوجود وأنها من أعظم الكفر والإلحاد بالله تعالى .
ثانيا :
تفسير كلمة التوحيد : (لا إله إلا الله) بمعنى : (لا موجود إلا الله) تفسير باطل ، لا يدل عليه لغة ولا شرع . وهذا التفسير الباطل هو قول أهل وحدة الوجود . لأنه يعني: أن كل موجود فهو الله . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّالِثُ: مِمَّا قَدْ يُسَمَّى فَنَاءً: فَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ أَنْ لَا مَوْجُودَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ وُجُودَ الْخَالِقِ هُوَ وُجُودُ الْمَخْلُوقِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّبِّ وَالْعَبْدِ فَهَذَا فَنَاءُ أَهْلِ الضَّلَالِ وَالْإِلْحَادِ الْوَاقِعِينَ فِي الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ" انتهى من " مجموع الفتاوى " (10/222) .
وكلمة التوحيد : ( لا إله إلا الله ) ليس لها إلا معنى واحد ، وهو أنه لا معبود بحق إلا الله .
قال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء :
" معنى (لا إله إلا الله) : لا معبود بحق إلا الله ، وهي نفي وإثبات. (لا إله) نافيا جميع العبادة لغير الله ، (إلا الله) مثبتا جميع العبادة لله وحده لا شريك له " .
انتهى من "فتاوى اللجنة الدائمة" (1/ 86).
ثالثا:
أما قوله تعالى : ( هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) الحديد/ 3 ، فيخبر تعالى أنه كان قبل كل شيء ، وهو الباقي بعد فناء كل شيء، وأنه قد أحاط بكل شيء علما ، وأنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء،
قال الشوكاني رحمه الله :
" هُوَ الْأَوَّلُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ ، وَالْآخِرُ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ ، أَيِ: الْبَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ خَلْقِهِ ، وَالظَّاهِرُ الْعَالِي الْغَالِبُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، أَوِ الظَّاهِرُ وَجُودُهُ بِالْأَدِلَّةِ الْوَاضِحَةِ، وَالْباطِنُ أَيِ: الْعَالِمُ بِمَا بَطَنَ، مِنْ قَوْلِهِمْ: فُلَانٌ يُبْطِنُ أَمْرَ فُلَانٍ، أَيْ: يَعْلَمُ دَاخِلَةَ أَمْرِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الْمُحْتَجِبُ عَنِ الْأَبْصَارِ وَالْعُقُولِ، وَقَدْ فَسَّرَ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ الْأَرْبَعَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَى ذَلِكَ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ لَا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ مِنَ الْمَعْلُومَاتِ " .
انتهى من "فتح القدير" (5/ 199) .
وفُسِّر الباطن أيضا بالقريب ، قال ابن جرير : " فلا شيء أقرب إلى شيء منه ، كما قال : (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد)" انتهى من " تفسير ابن جرير الطبري " (22/385) .
وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم : ( اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنْ الْفَقْرِ) رواه مسلم (2713) .
فهذه الآية تدل على وحدانية الله تعالى وكمال علمه ، فكيف تكون دالة على وحدة الوجود ؟!

وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى تأويل ملاحدة الوجودية والاتحادية ، لهذه الآية وأمثالها على مذهبهم الباطل ، ثم قال :
" إِلَى أَمْثَال ذَلِك من هَذَا الْكَلَام الَّذِي يُسَمِّيه أَصْحَاب مَذْهَب الْوحدَة وَيَقُولُونَ : إِن الْوُجُود واحد كما يَقُوله ابْن عَرَبِيّ صَاحب الفتوحات وَابْن سبعين وَابْن الفارض والتلمساني وأمثالهم عَلَيْهِم من الله مَا يستحقونه ، فَإِنَّهُم لَا يجْعَلُونَ للخالق سُبْحَانَهُ وجودا مباينا لوُجُود الْمَخْلُوق ، وَهُوَ جَامع كل شَرّ فِي الْعَالم ، ومبدأ ضلالهم من حَيْثُ لم يثبتوا للخالق وجودا مباينا لوُجُود الْمَخْلُوق ، وهم يَأْخُذُونَ من كَلَام الفلاسفة شَيْئا ، وَمن الْكَلَام الْفساد من كَلَام المتصوفة والمتكلمين شَيْئا ، وَمن كَلَام القرامطة والباطنية شَيْئا ، فيطوفون على أَبْوَاب الْمذَاهب ويفوزون بأخس المطالب .." .
انتهى من "جامع الرسائل" (1/167) .
وقال أيضا :
" وفى النصوص ما يبين نقيض قولهم فإنه قال : (سبح لله ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم ) فكل من في السموات والأرض يسبح ، والمسبِّح غير المسبَّح ، ثم قال : (له ملك السموات ) فبين أن الملك له ثم قال : (هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم) وفى الصحيح : (أنت الاول فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء) فإذا كان هو الأول كان هناك ما يكون بعده ، وإذا كان آخرا كان هناك ما الرب بعده ، وإذا كان ظاهرا ليس فوقه شيء كان هناك ما الرب ظاهر عليه ، وإذا كان باطنا ليس دونه شيء كان هناك أشياء نفى عنها أن تكون دونه" انتهى من "مجموع الفتاوى" (5/228) .
فتبين بذلك أن الآية تبطل قول القائلين بوحدة الوجود ، لأنها تدل على أن وجود الله تعالى له من الصفات ما هو خاص بالله عز وجل ولا يليق إلا به ، وأن هناك وجودا آخر يختلف عن وجود الله ، وهو وجود المخلوقين .
والله أعلم .

موقع الإسلام سؤال وجواب