المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التفاضل بين البشر والملائكة وواجبنا تجاههم


عبدالله الأحد
2015-11-13, 04:34 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
فقد جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج، وخلق آدم مما وصف لكم. وذلك في قوله تعالى: إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ وأصل العنصر الذي خلق منه الشيء لا يدل على التعظيم أو التفضيل وإنما الأمر في التفضيل إلى الله سبحانه وتعالى، ورد ذلك إلى العنصر قياس فاسد، وهو الذي جعل إبليس عليه لعنة الله يتكبر ويأبى عن السجود مع الملائكة لآدم عندما أمرهم الله تعالى بذلك فقال: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ

قال شيخ الإسلام في الفتاوى: وليس تفضيل بعض المخلوقات على بعض باعتبار ما خلقت منه فقط، بل قد يخلق المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن.. وآدم خلقه الله من طين فلما سواه ونفخ فيه من روحه وأسجد له الملائكة وفضله عليهم بتعليمه أسماء كل شيء وبأنه خلقه بيده وبغير ذلك فهو وصالحوا ذريته أفضل من الملائكة وإن كان هؤلاء مخلوقين من طين وهؤلاء مخلوقين من نور.

وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم فقال بعضهم بتفضيل الملائكة، وقال بعضهم بتفضيل بني آدم، واستدلوا لذلك بأدلة كثيرة يطول ذكرها، تجدها مفصلة في فتح الباري وفي القرطبي، وقد عقب القرطبي على الخلاف فقال: قال بعض العلماء: لا طريق إلى القطع بأن الأنبياء أفضل من الملائكة أو أن الملائكة أفضل من الأنبياء، لأن طريق ذلك خبر الله تعالى أو خبر رسوله صلى الله عليه وسلم أو الإجماع، وليس ههنا شيء من ذلك،

وأمر الله الملائكة بالسجود لآدم ليس حجة قاطعة لأن المؤمن مأمور بالسجود إلى الكعبة وهو أفضل منها بالاتفاق، ومذهب أهل السنة وهو الراجح أن الأنبياء أفضل من الملائكة، وأما بقية البشر فلعل الأسلم التوقف في أمرهم.

والله أعلم.
الشبكة الإسلامية

التفاضل بين الملائكة والبشر


هذه مسألة كثر الكلام فيها في كتب المتأخرين من أهل العلم أخذاً ورداً، وطال طولاً أخرجها عن فائدتها وحدها، وخلاصة ما قيل فيها أن الناس فيها على مذاهب ثلاثة (1) :
الأول: تفضيل الملائكة على البشر مطلقاً، وإليه ذهبت المعتزلة, وبعض الأشعرية, وابن حزم, ومال إليه بعض أهل السنة, وبعض الصوفية, واستدلوا بأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لها وجهها في الدلالة على قولهم, كقوله سبحانه في بني آدم: وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً [الإسراء: 70]. فقال على كثير ولم يقل على كل, ومن عساه أن يكون الخارج من هذا الكثير إلا الملائكة، وبقوله سبحانه: لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ [النساء: 172]. ومثل هذا دال لغة على أن المعطوف أفضل من المعطوف عليه، وبقوله سبحانه: قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ [ الأنعام: 50]. والمعنى عندهم أني لا أدعي فوق منزلتي، وبقوله صلى الله عليه وسلم: ((يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه)) (2) . وهو نص في الأفضلية، وهي أدلة على ما ترى من الدلالة، إلا أن المخالفين ردوا على الاستدلال بها ورد هؤلاء على ردودهم.
الثاني: تفضيل الأنبياء وصالحي البشر على الملائكة: وهو مذهب جمهور أهل السنة والجماعة وكذا جمهور أصحاب الأشعري واستدلوا بأدلة ظاهرة الدلالة على قولهم، كقوله سبحانه: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ، والفاضل لا يسجد للمفضول، وقوله سبحانه: وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [ الدخان: 32]. وقوله: إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ [آل عمران: 33]. هذه في الأنبياء، أما في صالح البشر فكقوله سبحانه:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ [ البينة: 7]. وهي أدلة في القوة على ما ترى، إلا أن المخالفين ردوا على الاستدلال بها و على الرد رد، ورأى قوم أن الأدلة متكافئة فكان قول ثالث وهو التوقف والسكوت عن التفضيل. وإنا إن ذهبنا نتتبع الأدلة والردود ورد الردود لخرج بنا الموضوع عن حده وطال طولاً لا نستطيع الوقوف عند حد له. وهي مسألة – كما ذكرت – كثر فيها الاختلاف, وتشعبت فيها الاستدلالات, وتشابكت وعظم فيها الجدال حتى خرج بها بعضهم مخرج المنافرة والمفاخرة فأخذ يقول: منا الأنبياء ومنا الأولياء، فرد عليه بأن للملائكة أن تقول: أليس منكم فرعون وهامان؟ أليس منكم من ادعى الربوبية؟ (3) وأساء بعضهم الأدب فقال: كان الملك خادماً للنبي صلى الله عليه وسلم, أو أن بعض الملائكة خدموا بني آدم (4) . وهذه المسألة قد قال فيها ابن تيمية رحمه الله: (المسألة على هذا الوجه لست أعلم فيها مقالة سابقة مفسرة، وربما ناظر بعض الناس على تفضيل الملك، وبعضهم على تفضيل البشر، وربما اشتبهت هذه المسألة بمسألة التفضيل بين الصالح وغيره) (5) .
وقال ابن كثير: (أكثر ما توجد هذه المسألة في كتب المتكلمين والخلاف فيها مع المعتزلة ومن وافقهم) قال: (أقدم كلام رأيته في هذه المسألة ما ذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخه في ترجمة أمية بن سعيد بن العاص أنه حضر مجلساً لعمر بن عبد العزيز وعنده جماعة فقال عمر: ما أحد أكرم على الله من كريم بني آدم) وذكر بقية الواقعة وفيها معارضة أحدهم بتفضيل الملائكة واستدلال كل (6) .
ولقد نزع جماعة من أهل العلم إلى أن هذه من فضول المسائل، قال البيهقي في التفاضل بين الملائكة والبشر: (والأمر فيه سهل، وليس فيه من الفائدة إلا معرفة الشيء على ما هو به) (7) . وقال شارح الطحاوية: (وكنت ترددت في الكلام على هذه المسألة لقلة ثمرتها, وأنها قريب مما لا يعني, ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) (8) .
وقال: (وحاصل الكلام أن هذه المسألة من فضول المسائل ولهذا لم يتعرض لها كثير من أهل الأصول) (9) .
ونقل عن تاج الدين الفزاري من كتاب له في تفضيل البشر على الملك ما نصه: (اعلم أن هذه المسألة من بدع الكلام التي لم يتكلم فيها الصدر الأول من الأمة ولا من بعدهم من أعلام الأئمة، ولا يتوقف عليها أصل من أصول العقائد, ولا يتعلق بها من الأمور الدينية كبير المقاصد، ولهذا خلا عنها طائفة من مصنفات هذا الشأن، وامتنع عن الكلام فيها جماعة من الأعيان، وكل متكلم فيها من علماء الظاهر بعلمه لم يخل كلامه من ضعف واضطراب) (10) .
ولم تكن المسألة عند السلف موضع نظر وأخذ ورد, ولم تكن لهم بها عناية فائقة بحيث ينصبونها موضوعاً للنظر والاستدلال, ولم يقع بينهم فيها كلام وخلاف، وقد رويت عن الصحابة أحاديث موقوفة ومرفوعة فيها ذكر لهذه المسألة في بعضها تفضيل المؤمن على الملائكة, وبعضها تفضيل المؤمن على بعض الملائكة, وبعضها تفضيل بني آدم على الملائكة, ولكنها أحاديث إما ضعيفة أو موضوعة مثل حديث: ((المؤمن أكرم على الله عز وجل من بعض الملائكة)) (11) . وحديث: ((أن الملائكة قالت: يا ربنا أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون ويلبسون ونحن نسبح بحمدك ولا نأكل ولا نلهو, فكما جعلت لهم الدنيا فأجعل لنا الآخرة فقال: لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان)) (12) . وحديث: ((ما من شيء أكرم على الله يوم القيامة من بني آدم، قيل: يا رسول الله, ولا الملائكة؟ قال: الملائكة مجبورون بمنزلة الشمس والقمر)) (13) . وكلها ضعيف وموضوع.
وقال ابن تيمية بعد ذكر بعض هذه الأحاديث: (وأقل ما في هذه الآثار أن السلف الأولين كانوا يتناقلون بينهم أن صالحي البشر أفضل من الملائكة من غير نكير منهم لذلك، ولم يخالف أحد منهم في ذلك، إنما ظهر الخلاف بعد تشتت الأهواء بأهلها, وتفرق الآراء, فقد كان ذلك المستقر عندهم) (14) . وقال: (قد كان السلف يحدثون الأحاديث المتضمنة فضل صالح البشر على الملائكة, وتروى على رؤوس الناس ولو كان هذا منكراً لأنكروه فدل على اعتقادهم ذلك) (15) .
وقد جاء عن الإمام أحمد أنه كان يفضل صالحي المؤمنين على الملائكة, ويخطئ من يفضل الملائكة على بني آدم (16) .
وقد فصل ابن تيمية في هذه المسألة تفصيلاً طويلاً, قرر فيه مذهب أهل السنة تفضيل صالح البشر على الملائكة (17) . ونقل عنه ابن القيم: (أنه سئل عن صالحي بني آدم والملائكة أيهما أفضل؟ فأجاب بأن صالحي البشر أفضل باعتبار كمال النهاية, والملائكة أفضل باعتبار البداية، فإن الملائكة الآن في الرفيق الأعلى منزهين عما يلابسه بنو آدم, مستغرقون في عبادة الرب, ولا ريب أن هذه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر, وأما يوم القيامة بعد دخول الجنة فيصير حال صالحي البشر أكمل من حال الملائكة) قال: (وبهذا التفصيل يتبين سر التفضيل, وتتفق أدلة الفريقين, ويصالح كل منهم على حقه) (18) .
واجب المؤمنين تجاه الملائكة


الملائكة عباد الله اختارهم واصطفاهم، ولهم مكانة عند ربهم، والمؤمن الذي يعبد الله، ويتبع رضوانه لا مناص له من أن يتولى الملائكة بالحب والتوقير، ويتجنب كل ما من شأنه أن يسيء إليهم ويؤذيهم، وفي المبحث التالي نتناول شيئاً من ذلك بالبيان والتوضيح.
- البعد عن الذنوب والمعاصي:
أعظم ما يؤذي الملائكة الذنوب, والمعاصي, والكفر, والشرك، ولذا فإن أعظم ما يُهْدَى للملائكة ويرضيهم أن يخلص المرء دينه لربه، ويتجنب كل ما يغضبه. ولذا فإنَّ الملائكة لا تدخل الأماكن والبيوت التي يعصى فيها الله تعالى، أو التي يوجد فها ما يكرهه الله يبغضه، كالأنصاب, والتماثيل, والصور، ولا تقرب من تلبس بمعصية كالسكران.
قال ابن كثير (1) : (ثبت في الحديث المروي في الصحاح والمسانيد والسنن من حديث جماعة من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:((لا يدخل الملائكة بيتاً فيه صورة, ولا كلب, ولا جُنب)) (2) .
وفي رواية عن عاصم بن ضمرة عن علي: ((ولا بول)) (3) ، وفي رواية رافع عن أبي سعيد مرفوعاً: ((لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب أو تمثال)) (4) ، وفي رواية ذكوان أبي صالح السماك عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تصحب الملائكة رفقة معهم كلب أو جرس)) (5) .
وروى البزار بإسناد صحيح عن بريدة رضي الله عنه: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاث لا تقربهم الملائكة: السكران، والمتضمخ بالزعفران، والجنب)) (6) .
وفي سنن أبي داود بإسناد حسن، عن عمار بن ياسر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاثة لا تقربهم الملائكة: جيفة الكافر، والمتضمخ بالخلوق، والجنب إلا أن يتوضأ)) (7) .
- الملائكة تتأذى مما يتأذى منه ابن آدم:
ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، فهم يتأذون من الرائحة الكريهة، والأقذار, والأوساخ.
روى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ((من أكل الثوم, والبصل, والكراث، فلا يقربنّ مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم)) (8) .
وقد بلغ الأمر بالرسول صلى الله عليه وسلم أن أمر بالذي جاء إلى المسجد - ورائحة الثوم أو البصل تنبعث منه - أن يخرج إلى البقيع: - وهذا ثابت في صحيح مسلم (9) .
- النهي عن البصاق عن اليمين في الصلاة:
نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن البصاق عن اليمين في أثناء الصلاة؛ لأن المصلي إذا قام يصلي يقف عن يمينه ملك، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فلا يبصق أمامه، فإنما يناجي الله ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه؛ فإن عن يمينه ملكاً، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه فيدفنها)) (10) .
- موالاة الملائكة كلهم:
وعلى المسلم أن يحب جميع الملائكة، فلا يفرق في ذلك بين ملك وملك؛ لأنهم جميعاً عباد الله عاملون بأمره، تاركون لنهيه، وهم في هذا وحدة واحدة، لا يختلفون ولا يفترقون. وقد زعم اليهود أن لهم أولياء وأعداء من الملائكة، وزعموا أن جبريل عدو لهم، وميكائيل ولي لهم، فأكذبهم الله تعالى- في مدعاهم - وأخبر أن الملائكة لا يختلفون فيما بينهم: قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ [البقرة: 97-98].
فأخبر سبحانه أن الملائكة كلهم وحدة واحدة فمن عادى واحداً منهم، فقد عادى الله وجميع الملائكة، أمّا تولي بعض الملائكة ومعاداة بعض آخر، فهي خرافة لا يستسيغها إلا مثل هذا الفكر اليهودي المنحرف، وهذه المقولة التي حكاها القرآن عن اليهود عذر واهٍ عللوا به عدم إيمانهم، فزعموا أن جبريل عدوهم؛ لأنّه يأتي بالحرب والدمار، ولو كان الذي يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم ميكائيل لتابعوه. (11)
درر