المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عالم الملائكة


عبدالله الأحد
2015-11-14, 01:46 PM
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله

عالم الملائكة

تعريف الملائكة والإيمان بهم:
تعريف الملائكة في اللغة: الملائكة جمع مفرده "ملك" أو "ملاك" مأخوذ من "ألك" أي أرسل والألوكة بمعنى الرسالة[1]، يقول تعالى: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ ﴾ [فاطر: 1]، ويقول سبحانه: ﴿ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ... ﴾ [الحج: 75].

وفي الاصطلاح: الملائكة عالم غيبي غير محسوس لا يعلم حقيقته إلا الله تعالى وإن كان البعض قد قام بتعريفهم بأنهم:
"مخلوقات لطيفة نورانية، قادرة على التشكل بأشكال مختلفة، في أشكال حسنة، شأنها الطاعة التامة والتسبيح الدائم[2]" فهم ﴿ ... لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ [التحريم: 6]، وهم ﴿ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ ﴾ [الأنبياء: 20].

الإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان الستة، بل إنه هو الركن الثاني بعد الإيمان بالله عز وجل، وذلك من خلال آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم يقول تعالى: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ... ﴾ [البقرة: 285]، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل المشهور حينما سأله عن الإيمان: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره"[3].

وهذا يدل على عظم منزلة الإيمان بهم، ومكانتهم ضمن الأركان الستة، فالإيمان بهم ثابت بالقرآن الكريم، والسنة النبوية والإجماع، ولذلك فإن منكر وجود الملائكة كافر بالإجماع، يقول تعالى: ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً ﴾ [النساء: 136].

خلق الملائكة:
خلق الله الملائكة من نور، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم"[4].

ومن خلال آيات القرآن الكريم، يتبين لنا أن الله عز وجل قد خلقهم قبل أن يخلق الإنسان، حيث يقول تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ... ﴾ [البقرة: 30]، ويقول سبحانه: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴾ [الحجر: 28-29].

ومعنى ذلك أنهم كانوا موجودين قبل أن يخلق الله الإنسان، لأنه سبحانه خاطبهم بشأن خلقه، فهم إذن متقدمون في الخلق على خلق الإنسان.

طبيعتهم وكثرتهم:
طبيعة الملائكة:
تختلف طبيعة الملائكة عن طبائع الإنسان والجن، فهم مطهرون من الشهوات الحيوانية، ومبرؤون من الميول النفسية، ومنزهون عن الآثام والخطايا، وهم أيضاً لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناكحون ولا يتناسلون، ومن أجل ذلك فإنهم لا يوصفون بذكورة أو أنوثة، ومن وصفهم بالأنوثة فقد كفر لأنه قال بقول الكفار الذين يقول سبحانه وتعالى عنهم: ﴿ وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ﴾ [الزخرف: 19].

ويقول تعالى: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ ﴾ [النحل: 57].

ومن وصفهم بالذكورة فقد فسق لأنه قال فيهم قولا ًبغير علم.

أما قوله تعالى: ﴿ وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً ﴾ [المرسلات: 1]، ﴿ وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً ﴾ [النازعـات: 1]، وغيرها فالتاء هنا لتأنيث الجمع، بمعنى الفرق والطوائف والجماعات.

كثرتهم: يقول تعالى: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ ﴾ [المدثر: 31]، فلا يعلم عدد الملائكة إلا الله عز وجل، ولكن وردت أحاديث تبين مدى كثرتهم، حيث يقول صلى الله عليه وسلم "أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله"[5]. وجاء في حديث الإسراء المطول والمخرج في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بعد أن عرج به إلى السماء السابعة: "فإذا أنا بإبراهيم مسنداً ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه"[6].

أصناف الملائكة ووظائفهم:
دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة، وأنها موكلة بأصناف المخلوقات، وأنه سبحانه وكل بالجبال ملائكة، ووكل بالسحاب والمطر ملائكة، ووكل بالرحم ملائكة تدبر أمر النطفة حتى يتم خلقها، ثم وكل بالعبد ملائكة لحفظ ما يعمله وإحصائه وكتابته، ووكل بالموت ملائكة، ووكل بالسؤال في القبر ملائكة، ووكل بالأفلاك ملائكة يحركونها، ووكل بالشمس والقمر ملائكة ووكل بالنار وإيقادها وتعذيب أهلها وعمارتها ملائكة، ووكل بالجنة وعمارتها وغراسها وعمل آلاتها ملائكة.

فالملائكة أعظم جنود الله، ومنهم: المرسلات عرفاً، والناشرات نشراً، والفارقات فرقاً، والملقيات ذكراً، ومنهم: النازعات غرقاً، والناشطات نشطاً، والسابحات سبحاً، فالسابقات سبقاً، ومنهم: الصافات صفاً، فالزاجرات زجراً، فالتاليات ذكراً، ومنهم: ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، وملائكة قد وكلوا بحمل العرش، وملائكة قد وكلوا بعمارة السماوات، والصلاة والتسبيح والتقديس، إلى غير ذلك من أصناف الملائكة التي لا يحصيها إلا الله تعالى[7].

• رؤساء الملائكة:
أما رؤساؤهم فهم كما يقول شارح الطحاوية الأملاك الثلاثة: جبريل وميكائيل وإسرافيل الموكلون بالحياة، فجبريل موكل بالوحي الذي هو حياة القلوب والأرواح، وميكائيل موكل بالقطر الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور الذي به حياة الخلق بعد مماتهم[8].

• أوصاف جبريل عليه السلام:
لكن جبريل عليه السلام رئيس الملائكة، قد خصه عز وجل بمنزلة خاصة حيث ورد ذكره بعد ذكر الملائكة ﴿ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا ﴾ [القدر: 4]، من باب عطف الخاص على العام؛ لأهميته وعلو منزلته وورد ذكره باسمه في أكثر من آية من آيات القرآن الكريم: ﴿ قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ ﴾ [البقرة: 97]، ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ [التحريم: 4]، ووصفه الله بالأمانة والطهر فقال تعالى: ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ﴾ [الشعراء: 193]، وقال سبحانه ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ﴾ [النحل: 102]، ووصفه بعدة أوصاف فقال تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ﴾ [التكوير: 19-21].

وقال سبحانه: ﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى ﴾ [النجم: 5-6]، ورآه رسول الله صلى الله عليه وسلم بصورته الملائكية فقال: "فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض"[9]، وفي رواية أخرى في الصحيحين أنه "رأى جبريل له ستمئة جناح"[10].

وكان يتنزل عليه في صورة بشرية مثلما ورد في حديث جبريل في الصحيحين: "طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد...".

وأحياناً أخرى في صورة دحية الكلبي، مثلما كان يتنزل على الأنبياء السابقين، حيث نزل ومعه ملكان على الخليل إبراهيم عليه السلام كرجال ظنهم الخليل أنهم ضيوف فقدم لهم الطعام، لكنهم لم يأكلوا ولم يشربوا كما ورد في قصة ضيف إبراهيم في القرآن الكريم، وتنزل على نبي الله لوط عليه السلام كذلك، مثلما تنزل على الصديقة مريم عليها السلام. يقول تعالى: ﴿ فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً ﴾ [مريم: 17].
من كتاب الثقافة الإسلامية

[1] راجع المفردات في غريب القرآن للأصفهاني، ص82، دار القلم، بدمشق 1997.
[2] راجع شرح المقاصد للتفتازاني، ج5، ص62، تحقيق د. عبدالرحمن عميرة، عالم الكتب بيروت وشرح الجوهرة للبيجوري، ص162.
[3] متفق عليه، رواه البخاري، رقم (50)، واللفظ لمسلم، رقم (8) باب من الإيمان والإسلام .. 1/36.
[4] رواه مسلم عن أم المؤمنين عائشة، رقم (2996)، باب في أحاديث متفرقة 4/2294.
[5] أخرجه الترمذي وحسنه (2312) باب في قول النبي لو تعلمون ما أعلم 4/556، وابن ماجة (4190).
[6] متفق عليه، البخاري (3035)، ومسلم (162) واللفظ له، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم 1/145.
[7] راجع شرح العقيدة الطحاوية، ج2، ص459-460، مؤسسة الرسالة - بيروت.
[8] راجع المصدر السابق، ص461.
[9] رواه البخاري في صحيحه، انظر الحديث رقم (4) باب كيف كان بدء الوحي، 1/5.
[10] متفق عليه، البخاري (3060)، ومسلم (174) عن ابن مسعود باب في ذكر سدرة المنتهى 1/158.

الحمد لله، خلق فأبدع، وحكم فشرّع، وخفض من خلقه من شاء ورفع، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أكرمُ من أعطى وأحكم من منع، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الشافع المشفع، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه السجَّد الركع، ومن تبعهم بإحسان وإفضال إلى يوم معاذير الظالمين فيه لا تنفع.

أما بعد: فيا أيها المؤمن، خف ربَّك واخش مولاك، واقنع بما هو سبحانه أعطاك، واستعد لصالح العمل قبل أن تداهمك ساعة الموت وتفجأك، واعمل بما قد أمِرت به في القرآن وأتاك بتلك الأربع تكن عبدًا لله تقيًا، صالحًا نقيًا، الجنة إذا أتيت بذلك فهي لك لا لغيرك، {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا} [مريم:63].

أيها المسلمون، حديثنا اليوم عن عالم من عوالم الكون العظيمة، وعن جُندٍ من جنود الله العجيبة، صادق الإيمان لا يملك ـ والله ـ إلا أن يحبهم وينزلهم قدرهم ومكانهم، ناصَروا الدين وحموه، وقاموا بالحق وبذلوه، يصرف الله بهم حادثات البشر، ويسوق سبحانه بأفعالهم الحوادث والعبر، من سمع عنهم بصدق لهج لسانه بالتسبيح والتعظيم ليس لهم، بل للذي خلقهم، وبإبداع محكم سوّاهم، ولك أن تعجب إذا علمت أنهم في النار، نعم في النار لا تخف وهم في الجنة كذلك، وهم في السماء، وهم في الأرض، وهم عند النطفة في رحم المرأة، ومع الميت في قبره، وما بينهما في الحياة، هم معه لا يفارقونه، شهدت لهم أراضي الجهاد، ولأمر الله دوما في انقياد، إنهم رسل الله، قل معي: عليهم الصلاة والسلام، إنهم عالم الملائكة، فأعظم به ـ وربي ـ من عالم، عالم كريم، كله طهر وصفاء، كرام أتقياء، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.

الإيمان بوجودهم وبما صح من أعمالهم وإنزالهم منازلهم أصل أصيل من أصول الإيمان، بل لا يصح إيمان العبد ما لم يؤمن بهم، قال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} [البقرة:285].
جاء في صحيح مسلم أن خلقهم من نور وأكرِم به من نور، ما لك إلا أن تسبح وتمجّد الخالق سبحانه إذا علمتَ عن خلقهم، فهذا أمين الوحي جبريل عليه السلام جاء في وصفه في مسند الإمام أحمد بإسناده جوَّده ابن كثير عن عبد الله بن مسعود قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل وله ستمائة جناح، كل جناح منها قد سد الأفق، يسقط من جناحه التهاويل من الدرر واليواقيت. وإن كان حملة العرش ثمانية فهاك وصفًا لواحدٍ منهم، روى الطبراني في معجمه الأوسط بإسناد صححه الألباني عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أُذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش، رجلاه في الأرض السفلي ـ السابعة ـ، وعلى قرنه العرش، وبين شحمة أذنيه وعاتقه خفقان الطير سبعمائة عام، يقول ذلك الملك: سبحانك حيث كنت)).
فلا إله إلا الله سبحانه ما أعظمه! هذا خلق من خلقه، فكيف به سبحانه جل في علاه وتقدس وعظم كبرياؤه في أرضه وسماه، {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام:103].
أودع الله سبحانه فيهم قوة تغنيهم عن الطعام والشراب، فلا يأكلون ولا يشربون، وما قصة أضياف إبراهيم من الملائكة عنا ببعيد، خير شاهد على ذلك.
أما عددهم فأنى لبشر أن يعدِّدهم أو يعلم ذلك؟! {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} [المدثر:31]، كفاك أن تعرف أنه جاء في الصحيحين أن في السماء البيتَ المعمور، يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه آخر ما عليهم. فيا لله ما أعظم عددهم وأكثرهم.

جاء في آيات القرآن وكتب السنة وظائف بعضهم، فمنهم الروح الأمين جبريل عليه السلام رسول الله لرسله من البشر ومبلغ الوحي، {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ} [الشعراء:193-194]. ومنهم إسرافيل الذي ينفخ في الصور، ومالك خازن النار، {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ} [الزخرف:77]، ورضوان خازن الجنة، وملك الموت الموكل بقبض الأرواح، والملك الموكل بالقطر والمطر، وحفظة بني آدم، والكتبة للحسنات والسيئات، وملك العذاب، وملك الجبال، وغيرهم وغيرهم، عز سبحانه كيف نظمهم وعلّمهم.

ولله ما أعظم عبادتهم، ديدنهم ذكر الله، وأعظم ذكره تسبيحه، لذا وصفهم ربهم: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء:20]، وما كثرة تسبيحهم إلا لأن التسبيح أفضل الذكر، روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الذكر أفضل؟ قال: ((ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده: سبحانه الله وبحمده)).
وما أعظم تقربهم بالسجود له سبحانه، فها هي السماء تثقل بسجداتهم للعظيم سبحانه، صح في الحديث: ((أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملك ساجد)).

وها قد سمعت آنفًا عظم خلقهم وكُبرهم، وسعة جسمهم ومع ذلك هم أمام ربهم في خشية وخضوع وذل وخنوع، قال ربهم فيهم: {وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء:28]، وجاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كالسلسة على صفوان)).
ويصف صلى الله عليه وسلم جبريل ليلة الإسراء يوم أن مرّ به كأنه ثوب بالي من خشية الله جل جلاله رواه الطبراني وصححه الألباني، فما أظلم الإنسان بعد هذا وأجهله! ما أعتاه وأطغاه! عجبًا لك من نطفة حقيرة وجسم ضعيف، الشوكة تؤذيك، والحجر يطرحك، ومع هذا تتألى على ربك، وتجاهر بمعصيته، في زهو وتكبر وتغطرس وتجبر، ألا ترى ملائكته؟! رحماك ربي بنا رحماك.

وعلاقة الملائكة بابن آدم وثيقة، من يوم أن يمرّ على النطفة في الرحم ثنتان وأربعون ليلة، والله يبعث إليها ملكًا يصورها ويخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها، وبعد أربعة أشهر يبعث الله الملك فيكتب بإذن الله عمله ورزقه وشقي أو سعيد وينفخ فيها الروح، وها هي المعقبات تلازم الإنسان من أمامه وورائه طيلة حياته لتحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام، إلا إذا جاء القدر خلَّت بينه وبينها ليصيبه ما شاء الله ذلك، وها هم واحدٌ عن اليمين يكتب الحسنات، وآخر عن الشمال يكتب السيئات، { مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق:18]، ولكأنّ حال هذين الملكين يعظان ابن آدم، صحيفتك قد بسطت لك، فالله الله املأها بالحسنات والصالحات الباقيات، وحذار من أن تلطّخ سجلاتك بالسيئات الطالحات، فكل شيء مكتوب، إما هنا أو هناك. رحمة الله على الإمام أحمد كان في مرض موته، وكان يئن من شدة حرصه على سلامة صحيفته ولو مما يكره، يأتيه من يبلغه أن طاووس رحمه الله يقول: "يكتب الملك كلّ شيء حتى الأنين"، فلم يئن أحمد بعدها حتى مات رحمه الله.

وها هي الملائكة تحضر يومَ موتك ورحيلك، ولها معك شأن أيما شأن، فملائكة تقبض الروح بإذن ربها وباريها، {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ} [الأنعام:61]، وملائكة تنزل عليه تبشره وتثبته، {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} [فصلت:30، 31]، الله أكبر تتنزل ومعها كفن من الجنة وحنوط من الجنة، بيض الوجوه، حسان المنظر، ما إن يراهم المؤمن عند الموت إلا ويفرح ويُسرّ، وملائكة أخرى تتنزل على الكفار والمجرمين، لتبشرهم بالنار وغضب الجبار، وتقول لهـم: {أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} [الأنعام:93]، ينزلون ومعهم كفن من النار، سود الوجوه، وما إن يذهب الإنسان إلى قبره حتى يأتيانه فيسألانه تلك الأسئلة الثلاث، فاز بها من أجاب، وخاب من تاه لسانه عن الجواب، فالمؤمن الموفّق يفرشون له من الجنة، ويفتحون له بابًا إلى الجنة، والكافر يفرش له من النار، ويفتح له بابٌ إلى النار، نسأل الكريم سبحانه من فضله، ونعوذ به من عذابه.

العلاقة بين الملائكة وبين عباد الله المؤمنين وثيقة، فالملائكة تحبّ المؤمنين، في الصحيحين من حديث أبي هريرة يقول صلى الله عليه وسلم: ((إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل: إن الله يحب فلانًا فأحبّه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض)).
وأنت راءٍ هذا في الأرض بين الناس، من الناس من تحبه الناس وتألفه، وهو لم يعطها يومًا درهما، وقد لا يعرفهم، لكنها محبة السماء ومحبة الأرض، نسأل الكريم من جوده وبره.

والملائكة تصلي علينا، {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [الأحزاب:43]، وصلاتها بمعنى الدعاء للناس والاستغفار لهم، فصح عند الترمذي أنها تصلي على معلم الناس الخير، وهي تصلي على المبكرين للمساجد المنتظرين للجماعة كما في مسلم وتقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه. وتصلى على الصفوف الأول منها كما صح عند أبي داود.
وروى أبو داود في سننه وصححه الألباني عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من رجل يعود مريضًا ممسيًا إلا خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة، ومن أتاه مصبحًا خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يمسي، وكان له خريف في الجنة)).

وها هي الملائكة تبحث عن مجالس العلم وتشهدها، في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((إن لله ملائكة يطوفون في الطرق، يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم ـ قال ـ: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا)).

وها هي الملائكة الكرام تحضر يوم الجمعة وخطبتها، في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد، يكتبون الأول فالأول، فإذا خرج الإمام طووا صحفهم، وجلسوا يستمعون الذكر))، فيالله كم من سابق قد كتب في أول صحفهم، هنيئًا له والله، وكم من المحرومين التي تطوى الصحف كثيرًا ولم يدركوها بتأخرهم وتباطئهم.

والملائكة تحبّ القرآن وسماعه، ومنهم من يتنزل من السماء حين يقرأ القرآن، في صحيح مسلم عن البراء بن عازب قال: قرأ رجل سورة الكهف وفي الدار دابة، فجعلت تنفر، فإذا ضبابة أو سحابة قد غشيته، قال فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((اقرأ القرآن، فإنها السكينة تنزلت عند القرآن)).
والملائكة تقاتل مع المؤمنين وتثبتهم في الحروب، وشهودها لبدر وأحد والخندق وغيرها أثبتها القرآن وصحت بها السنة.

والملائكة تناصر الصالحين من العباد بإذن الله، ويأمرها الله بتفريج كربهم، جاء في السير أن أحد الصالحين كان في سفرٍ له، ومعه رجل قد أركبه خلفه بأجر، فلما انتهوا إلى مكان عميق ووعر غدره الراكب وسلّ سكينه وقصده، واستسلم الصالح بين يديه، وقال له: خذ الدابة وما عليها ودعني، فأبى إلا أن يقتله، قال: إذًا دعني أصلي ركعتين، فقال: عجل، قال الصالح: فقمت أصلي، فارتجّ علي القرآن ولم يحضرني منه حرف واحد، فبقيت واقفًا متحيرًا وهو يقول: عجّل، فأجرى الله على لساني: { أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ } [النمل:62]، يقول: فإذا بفارس قد أقبل من فم الوادي وبيده حربة فرمى بها الرجل فمات، فتعلقت به، وقلت: من أنت؟ فقال: أنا رسول الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.

والملائكة تشهد جنائز الصاحين، روى النسائي عن ابن عمر وصححه الألباني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في سعد بن معاذ: ((هذا الذي تحرك له العرش، وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفًا من الملائكة)).

وأخيرًا ما هو واجبنا تجاه الملائكة؟
واجبنا عدم إيذائهم، وقد شدد العلماء في سبهم، وبعضهم حكم بقتله، وعدد منهم قال بكفره. وعلينا البعد عن الذنوب والمعاصي لأنها مما تتأذى منه الملائكة، فالملائكة لا تدخل الأماكن والبيوت التي يعصى فيها الله سبحانه، أو التي يوجد فيها ما يبغض الله كالصور والكلاب، صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة ولا كلب)). ولعل قائلاً يقول: أين البيت اليوم الذي لا يخلو من صورة؟! أجاب عن ذلك الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "إن هذا مما عمت به البلوى، ويشق التحرز منه، لكن المقصود أن لا تكون بارزة ظاهرة".
وكم هي آلات اللهو والعبث التي تمتلئ بها بيوت المسلمين اليوم مما يمنع دخول الملائكة، ويجعلها مرتعًا للشياطين.

والملائكة تتأذى مما يتأذى به بنو آدم من الروائح الكريهة والأوساخ، فينبغي إكرامهم، وينبغي للمؤمن في الجملة موالاة الملائكة جميعًا ومحبتهم.
وإذا كان الملائكة يستغفرون للذين آمنوا - كما ورد في القرآن الكريم - ويحضرون مجالس الذكر، ويحفون بمجالس العلم وتلاوة القرآن الكريم ومدارسته، ويتعاقبون فينا بالليل والنهار، فإن الواجب على المؤمن أن يؤمن بهم تمام الإيمان، وأن يرعى حق صحبتهم، وحفظهم له، وتعاقبهم عليه، ومراقبتهم له، فهم يلازمون الإنسان في أدوار حياته، وبعد مماته، ومن أجل ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: "إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم إلا ثم الغائط، وحين يفضي الرجل إلى أهله، فاستحيوهم وأكرموهم"

صيد الفوائد والألوكة