المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سجود الملائكة لآدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام وثمرات الإيمان بالملائكة


عبدالله الأحد
2015-11-14, 01:52 PM
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله


سجود الملائكة لآدم عليه السلام


من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله عز وجل لما أمر الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام سجدوا له جميعاً بلا استثناء، ملائكة الأرض، وملائكة السماء، لقوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [ص: 72].
(ومن قال إنه لم يسجد له جميع الملائكة بل ملائكة الأرض؛ فقد رد القرآن بالكذب والبهتان، وهذا القول ونحوه ليس من أقوال المسلمين واليهود والنصارى، وإنما هو من أقوال الملاحدة المتفلسفة الذين يجعلون الملائكة قوى النفس الصالحة، والشياطين قوى النفس الخبيثة، ويجعلون سجود الملائكة طاعة القوى للعقل، وامتناع الشياطين عصيان القوى الخبيثة للعقل) (1) .
وكانت سجود الملائكة لآدم عليه السلام عبادة وطاعة لله، وقربة يتقربون بها إليه وهو لآدم تشريف وتكريم وتعظيم (2) ... نقل شيخ الإسلام رحمه الله إجماع أهل الملل على سجود الملائكة لآدم عليه السلام وذلك في معرض رده على الفلاسفة الذين يزعمون أن الملائكة هي التي أبدعت جميع المصنوعات حيث قال:
(ولأن ما اتفق عليه أهل الملل من أن الملائكة سجدوا لآدم عليه السلام يبطل قول هؤلاء: إن أضعف العقول – التي هي الملائكة عندهم – هو مبدع جميع البشر، ورب كل ما تحت فلك القمر) (3) .
وقد بين رحمه الله أن هذا السجود كان لآدم عليه السلام على الحقيقة فقال: (السجود كان لآدم بأمر الله وفرضه بإجماع من يسمع قوله) (4) .
وذلك للرد على من زعم أن السجود كان لله، وإنما جعل آدم عليه السلام قبله للملائكة يسجدون إليه كما يسجد إلى الكعبة، وليس في هذا تفضيل له عليهم؛ كما أن السجود إلى الكعبة ليس فيه تفضيل للكعبة على المؤمن عند الله.
ثم ذكر رحمه الله الأدلة على صحة ما ذهب إليه، وفساد قول هؤلاء وذلك من عدة وجوه:
أحدها: أن الله سبحانه وتعالى قال: اسْجُدُواْ لآدَمَ [البقرة: 34]، ولم يقل: إلى آدم.
وكل حرف له معنى، ومن التمييز في اللسان أن يقال: سجدت له، وسجدت إليه، كما قال تعالى: لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [فصلت: 37]، وقوله: وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [الرعد: 15]، وأيضاً فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى عنزة، ولا يقال لعنزة، وإلى عمود وشجرة، ولا يقال لعمود، ولا لشجرة.
والساجد للشيء يخضع له بقلبه، ويخشع له بفؤاده، وأما الساجد إليه فإنما يولي وجهه وبدنه إليه ظاهراً، كما يولي وجهه إلى بعض النواحي إذا أمه، كما قال تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة: 144].
الثاني: أن آدم عليه السلام لو كان قبلة لم يمتنع إبليس من السجود، أو يزعم أنه خير منه، فإن القبلة قد تكون أحجاراً؛ وليس في ذلك تفضيل لها على المصلين إليها، وقد يصلي الرجل إلى عَنَزَة وبعير، وإلى رجل؛ ولا يتوهم أنه مفضل بذلك، فمن أي شيء فر الشيطان؟ هذا هو العجب العجيب.
الثالث: أنه لو جعل آدم قبلة في سجدة واحدة؛ لكانت القبلة وبيت المقدس أفضل منه بآلاف كثيرة، إذ جعلت قبلة دائمة في جميع أنواع الصلوات، فهذه القصة الطويلة التي هي من أفضل النعم عليه، والتي رفعه الله بها، وامتن بها عليه؛ ليس فيها أكثر من أنه جعله كالكعبة في بعض الأوقات، مع أن بعض ما أوتيه من الإيمان والعلم، والقرب من الرحمن أفضل بكثير من الكعبة؛ والكعبة إنما وضعت له ولذريته؛ أفيجعل من جسيم النعيم عليه أو يشبه به في شيء نزر قليل جداً؟. هذا مالا يقوله عاقل (5) .
وهذا السجود كان من جميع الملائكة؛ ملائكة السماء، وملائكة الأرض، وهذا ما قرره رحمه الله عندما سئل: هل سجد ملائكة السماء والأرض، أم ملائكة الأرض خاصة؟.
فأجاب رحمه الله: (بل أسجد له جميع الملائكة كما نطق بذلك القرآن في قوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [ص: 73]، فهذه ثلاث صيغ مقررة للعموم وللاستغراق؛ فإن قوله: الْمَلَائِكَةُ يقتضي جميع الملائكة؛ فإن اسم الجمع المعرف بالألف واللام يقتضي العموم؛ فهو رب جميع الملائكة.
الثاني: (كلهم) وهذا من أبلغ العموم، الثالث: قوله: أَجْمَعُونَ وهذا توكيد للعموم.) (6) .
ذكر من نقل الإجماع أو نص على المسألة ممن سبق شيخ الإسلام: اتفقت كلمة العلماء رحمهم الله تعالى على أن الملائكة عليهم السلام سجدوا لآدم عليه السلام.
والذي يدل على ذلك ما نقوله من الإجماع على أن سجود الملائكة لآدم عليه السلام لم يكن سجود عبادة.
قال أبو بكر بن العربي رحمه الله: (اتفقت الأمة على أن السجود لآدم عليه السلام لم يكن سجود عبادة) (7) .
وقال الفخر الرازي رحمه الله: (أجمع المسلمون على أن ذلك السجود ليس سجود عبادة) (8) .
وقرر ذلك القرطبي رحمه الله بقوله: (واختلف الناس في كيفية سجود الملائكة لآدم بعد اتفاقهم على أنه لم يكن سجود عبادة) (9) .
قلت: وفي إجماعهم على أن السجود لم يكن سجود عبادة، يؤخذ منه أنهم مجمعون على وقوع هذا السجود لآدم عليه السلام، وهو ما نقل عليه الإجماع شيخ الإسلام رحمه الله.
وقد بين الطبري رحمه الله أن السجود وقع من جميع الملائكة لا من بعضهم حيث قال: (... فلما سوى الله خلق ذلك البشر وهو آدم، ونفخ فيه من روحه، سجد له الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [ص: 73]، يعني بذلك الملائكة الذين هم في السموات والأرض) (10) .
وهذا السجود كان لآدم عليه السلام على الحقيقة، خلافاً لمن زعم أن السجود كان لله وإنما جعل آدم عليه السلام قبلة، فقد أخرج الطبري عن قتادة رحمهما الله في تفسير قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ [البقرة: 34] أنه قال: (فكانت الطاعة لله والسجدة لآدم، أكرم الله آدم أن أسجد له ملائكته) (11) .
وقال البغوي رحمه الله: اسْجُدُواْ فيه قولان: الأصح أن السجود كان لآدم على الحقيقة، وتضمن معنى الطاعة لله عز وجل بامتثال أمره، وكان ذلك سجود تعظيم وتحية لا سجود عبادة) (12) .
مستند الإجماع في المسألة: الأدلة على سجود الملائكة لآدم عليه السلام كثيرة، وقد ذكر المولى تبارك وتعالى ذلك في سبعة مواضع من الكتاب العزيز.
قال الله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة: 34].
وقال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ [الأعراف: 11].
وقال تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا [الإسراء: 61].
وقال الله سبحانه وتعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا [الكهف: 50].
وقال الله عز وجل: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى [طه: 116].
وقال الله تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [الحجر: 28-30].
وقال المولى عز وجل: إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [ص: 71-73].
فهذه الأدلة جميعاً دلت دلالة قاطعة على أن الملائكة سجدوا لآدم عليه السلام على الحقيقة؛ امتثالاً وطاعة لربهم عز وجل.
أما أدلة السنة على ذلك فما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((احتج آدم وموسى عليهما السلام عند ربهما، فحج آدم موسى. قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض؟. فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء، وقربك نجيا، فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عاما. قال آدم: فهل وجدت فيها: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [طه: 121]؟. قال: نعم قال: أفتلومني على أن عملت عملا كتبه الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فحج آدم موسى)). (13) .
والشاهد في قوله موسى عليه السلام: (وأسجد لك ملائكته). فهذا إثبات من موسى عليه السلام، وإقرار من محمد صلى الله عليه وسلم على سجود الملائكة لآدم عليه السلام.
وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا، يأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء فاشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا...)) (14) .
وفي هذا إثبات من النبي صلى الله عليه وسلم – الذي لا ينطق عن الهوى – على سجود الملائكة لآدم عليه السلام.

لماذا أمر الله الملائكة أن تسجد لآدم ؟
درر

السؤال :
لماذا أمر الله الملائكة أن تسجد لآدم ؟ ولماذا سجد إخوة يوسف ليوسف ؟ أعرف أن السجود يجب أن يكون لله.

الجواب :
الحمد لله
السجود يكون على وجهين :
* يكون تعظيماً وتقرباً إلى من سُجِدَ لهُ ، وهذا سُجود عبادة ولا يكون إِلاَّّ لله وحده في جميع الشرائع .
* النوع الثاني من السجود ، سُجود تحيَّة وتكريم وهذا هو السُّجود الذي أَمَر الله الملائكة به لآدم فسجدوا له تكريماً ، وهو منهم عبادة لله سبحانه بطاعتهم له إذْ أمرهم بالسجود .
وأمّا سجود أَبَويْ يُوسُف وإخوته له فكذلك هو من سجود التحية والتكريم ، وقد كان جائزاً في شريعتهم ، وأمّا في الشريعة التي جاء بها خاتم النبيين محمدٌ صلى الله عليه وسلّم فلا يجوز السجود فيها لغير الله مطلقاً ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام " لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد ، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها " . ونهى النبي عليه الصلاة والسلام معاذاً عن السجود له لمّا ذكر أن أهل الكتاب يسجدون لعظمائهم ، وذكر الحديث المتقدم ، وتحريم السجود لغير الله مطلقاً في هذه الشريعة هو من كمالها في تحقيق التوحيد وهي الشريعة الكاملة في كُلِّ ما اشتملت عليه من الأحكام ، قال تعالى : ( اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) .
صيد الفوائد

ثمرات الإيمان بالملائكة

ثمرات الإيمان بالملائكة
سبق بيان ركن الإيمان بالملائكة وأنه أحد أركان الإيمان الستة التي لا إيمان لمن لم يؤمن بها.

والإيمان بالملائكة له ثمرات عاجلة في الدنيا؛ وثمرات في الدار الآخرة.

فمن ثمرات الإيمان بالملائكة:

1- الاستجابة لله تعالى في أمره بالإيمان بهم.

2- العلم بعظمة خالقهم -عز وجل- وكمال قدرته وسلطانه.

3- شكر الله تعالى على لطفه وعنايته بعباده حيث وكل بهم من هؤلاء الملائكة من يقوم بحفظهم وكتابة أعمالهم وغير ذلك مما تتحقق به مصالحهم في الدنيا والآخرة.

4- محبة الملائكة على ما هداهم الله إليه من تحقيق عبادة الله على الوجه الأكمل ونصرتهم للمؤمنين واستغفارهم لهم.

5- طمأنينة المسلم التي يورثها الإيمان بالملائكة وأن لله عبادًا أقدرهم على حفظه ورعايته بعد حفظ الله له.

موقع الإسلام