المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وجوب إحسان الظن بالله عز وجل


عبدالله الأحد
2015-11-15, 02:21 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


حسن الظن بالله
خالد بن سعود البليهد


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد:
فإن حسن الظن بالله عمل قلبي عظيم المنزلة والأثر في الدين وله عاقبة حسنة. والعبد مفتقر إليه في سيره لربه ومكابدته لأمور معاشه وتعامله مع صنوف الخلق. قال الله تعالى: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين). قال سفيان الثوري: (أي أحسنوا بالله تعالى الظن). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: (أنا عند ظن عبدي بي إن ظن خيرا فله وإن ظن شرا فله). رواه أحمد. وكان سعيد بن جبير يقول : (اللهم إني أسألك صدق التوكل عليك وحسن الظن بك). ويروى في مسند البزار: (إن أفضل العبادة انتظار الفرج).

وحسن الظن بالله حقيقته أن يظن العبد بالله خيرا ورحمة وإحسانا في معاملته ومكافئته ومجازاته أحسن الجزاء في الدنيا والآخرة وهذا يتحقق في مقامات:

الأول: إذا دعا ربه أن يقبل ربه دعائه. كما جاء في الحديث: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة). رواه الترمذي.

الثاني: إذا تقرب إلى الله بعمل صالح أن يتقبل الله عمله ويرفعه. قال تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ).

الثالث: أن يقبل توبته إذا أذنب وتاب فأناب. وقد تضافرت النصوص بهذه الحقيقة. قال تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ).

الرابع: أن يوقن بوعد الله ونعيمه الذي أعده الله لعباده الصالحين المستقيمين على طاعته وشرعه. وقد تواترت النصوص بذلك. قال تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ).

الخامس: أن يوقن بحسن لقاء الله وستره وتجاوزه عنه وهو في سياق موته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله). رواه مسلم. وقال ابن عباس: (إذا رأيتم الرجل قد نزل به الموت فبشروه حتى يلقى ربه وهو حسن الظن بالله تعالى وإن كان حيا فخوفوه بربه واذكروا له شدة عقابه).

السادس: عند نزول البلاء وضيق الحال. قال بعض السلف: (استعمل في كل بلية تطرقك حسن الظن بالله عز وجل في كشفها فإن ذلك أقرب بك إلى الفرج).

وحسن الظن يكون صحيحا مقبولا من المؤمن إذا كان العبد منيبا إلى الله مقبلا على طاعته محسنا في عمله أما إذا كان العبد مسيئا في عمله متجاوزا لحدود الله في سائر حاله فهذا سيء الظن بالله وإن تظاهر بحسن الظن لأن حسن الظن يحمل على حسن العمل وسوء الظن يحمل على سوء العمل. قال الحسن البصري: (إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل وأن الفاجر أساء الظن بربه فأساء العمل). ولهذا جاء في الخبر: (حسن الظن من حسن العبادة). رواه أحمد. وقال الخطابي: (إنما يحسن بالله الظن من حسن عمله فكأنه قال أحسنوا أعمالكم يحسن ظنكم بالله فإن من ساء عمله ساء ظنه. وقد يكون أيضا حسن الظن بالله من ناحية الرجاء وتأميل العفو والله جواد كريم لا آخذنا الله بسوء أفعالنا ولا وكلنا إلى حسن أعمالنا برحمته).

وأما الفاجر الذي يغشى الكبائر واستوحش قلبه بالظلمات ولم يتب فقد أساء الظن بريه وهرب من إحسان الله وعمل بأسباب مقته وعذابه في الآخرة فإن عوتب في حاله فتحجج برحمة الله وإحسانه فهو كاذب في دعواه ولا يسمى عمله حسن ظن بل غرور لأنه طلب الإحسان بالتمني وعمله يكذب قوله وظنه.

وكذلك الكافر قد أساء الظن بربه وأفعاله وصفاته فعطل الله عن جماله وجلاله وألحد في أسمائه وصفاته وأشرك معه غيره من المخلوقين وادعى له الولد وجعل الملائكة بنات الله وكذب بنعيمه وعذابه في اليوم الآخر وجحد رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وادعى أنه لم يبعث أو بعث للعرب خاصة وظن به غير ذلك من مساوئ الظنون. كما قال تعالى: (وَذَلِكُمُ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُم أَردَاكُم فَأَصبَحتُم مِنَ الخَاسِرِينَ). وقال تعالى فيهم: (أئِفكاً ءَالِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ العَالَمِينَ).

وأما المنافق المستتر بنفاقه فيظن أن الغلبة للكفر وأهله والخسارة ودائرة السوء لحزب الإيمان وأن الباطل منتصر على الحق فيظن بالله ظن السوء وقد عاب الله على المنافقين وذمهم حين تركوا محمدا صلى الله عليه وسلم وصحبه في غزوة أحد بقوله: (وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ). وقال تعالى فيهم: (الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ. وكل منتسب لأمة محمد يظن أن الغلبة للكفار في هذا الزمان ويظن أن المؤمنين خاسرون مغلوبون في سائر الأوقات والأحوال ولو عملوا بأسباب النصر أو يظن أن هذا الدين لن تقوم له قائمة فقد أساء الظن بربه وشابه المنافقين في اعتقادهم وبات قلبه على شعبة من شعب النفاق.

ومن سوء الظن بالله أن ييأس العبد ويقنط من رحمة الله ويغلب عذاب الله. ومن سوء الظن أن يعتقد بأن الله يخلف وعده في إثابة المطيع وقبول عمله.ومن سوء الظن أن يعتقد أن ربه يعامل الصالحين معاملة المسيئين فلا يعدل مع العباد. ومن سوء ظنه بريه أنه لا يقبل من دعاه وأناب إليه ولاذ ببابه وارتجى كرمه وستره. فكل ذلك من سوء الظن الذي ينزه عنه الله جل جلاله وتباركت ذاته وتقدست أسماؤه وصفاته. وبالجملة فكل ظن سيء لا يجوز لقلب المؤمن أن يعتقده وأن يستقر فيه بحال من الأحوال.

ومن سوء الظن بالله أن يدع الداعي ربه كثيرا فلا يجاب له فيسيء الظن بربه وينقطع عن الدعاء ولو علم أن الله ربما منع عنه شرا في الدنيا أو ادخر له خيرا في الآخرة بدعائه لما تعجل في الظن. ففي مسند أحمد من حديث أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل). قالوا: يا نبي الله وكيف يستعجل قال: (يقول: قد دعوت ربي فلم يستجب لي). ومن سوء الظن بحكمة الله أن يعمل الرجل بالتقوى واتباع الشرع فيبتلى ويمنع من الدنيا ويرى أهل المعصية قد بسط لهم في الرزق وعجلت لهم طيباتهم فيسيء الظن بربه ويترك العمل الصالح ويطيع الشيطان ولو علم أن الله قضى عليه ذلك لحكمة وأنه لا تلازم بين التقوى وبسط الرزق وأن الله اختار لنبيه الفقر وأن عطاء الله في الآخرة أعظم لما أساء الظن بربه. ومن سوء الظن بقدر الله المنتشر في الناس أن يقول العبد إذا أصابته ضراء يارب حرام تصيبني بذلك أو أنا ماذا عملت أنا لا أستحق هذا البلاء ونحو ذلك من عبارات التسخط والاعتراض على القدر والعياذ بالله ولو علم هذا المسكين سر القدر في الخلق لما اعترض عليه.

ويجب على المؤمن أن يفتش في قلبه عن سوء الظن بالله بجميع شعبه وصوره وأن يتخلص منه إن وجده ويعالج قلبه بدواء الإيمان ويملأ قلبه بحسن الظن بالله والرجاء واليقين والتوكل لأن كثيرا من الخلق مبتلى بسوء الظن بالله بصورة خفية كامنة تظهر وتقدح في فلتات اللسان وعمل الجوارح عند المحن والمضايق ونزول البلاء.

والتفاؤل بالأسماء والأحوال الحسنة من حسن الظن بالله والتشاؤم بالأسماء والأحوال السيئة من سوء الظن بالله ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل). متفق عليه.

ومن كان له صبيان صغار وليس له دنيا تكفيهم فلا يخف من المستقبل وليحسن الظن بربه ويوقن أن الله سيكفيهم رزقهم ويتكفل تربيتهم ويصونهم من الشرور إذا أصلح قصده وعمله وتعاهدهم بالدعاء فصلاح الوالد يعود على الولد بالصلاح والبركة واليمن كما جاء في قصة الولدين الذين ترك لهم أبوهم كنزا فتولاهما الله وحرسهما. قال تعالى: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ). قال الحسن البصري في بيان الكنز: (لوح من ذهب مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح وعجبت لمن يعرف الدنيا ومقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها لا إله إلا الله محمد رسول الله). وقال ابن كثير: (فيه دليل على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة بشفاعته فيهم ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة لتقر عينه بهم كما جاء في القرآن ووردت به السنة). فلا ينبغي لك أيها المؤمن التأثر بطريقة أهل العصر الماديين الذين يبالغون في الخوف على مستقبل أولادهم و ينتابهم القلق والوساوس ويؤمنون على حياتهم ويتلاعب بهم الشيطان بل توكل على ربك واطمأن ونم قرير العين.

ومن حسن الظن أن ينفق المسلم ماله في سبيل الله ولا يخش القلة والفقر بل يوقن أن الله سيخلف عليه خيرا وينمي ماله ويبارك فيه فإذا كان العبد محسنا الظن بربه لم يخف الإقلال لأن الله تعالى يقول: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ). وفي صحيح البخاري: أن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال: (قال الله عز وجل ‏ ‏أنفق أنفق عليك وقال يد الله ملأى لا ‏ ‏تغيضها ‏ ‏نفقة سحاء الليل والنهار وقال أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماء والأرض فإنه لم ‏ ‏يغض ‏ ‏ما في يده وكان عرشه على الماء وبيده الميزان يخفض ويرفع). ومن خشي الإقلال فقد أساء الظن بربه.‏

ومن أعظم ما يعين المؤمن على حسن الظن بربه معرفته بواسع رحمة الله وكرمه وجوده وعظيم إحسانه بالخلق مهما أذنبوا وقصروا في طاعته كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: (يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي). رواه الترمذي. ومما يعين أيضا النظر في قصص الفرج بعد الشدة ومعية الله ومعونته ونصرته وتوليه لأهل الحسن بالظن بالله. وقد وقع للسلف الصالح في هذا الباب قصص مدهشة فيها عبرة وعظة لمن كان قلبه حاضر ويقينه شاهد ورجاؤه متحقق.

والواجب على المؤمن أن يحسن الظن بأخيه المؤمن ويحمل أقواله وأفعاله على أحسن المحامل ما استطاع إلى ذلك سبيلا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث). رواه مسلم. فلا يظن فيه إلا خيرا إن ظهر منه تقصير أو تفريط بحقه ولا يظن به سوءا وهذا محله إذا كان أخوه ظاهر حاله السلامة والخير. قال جعفر بن محمد: (ذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره فالتمس له عذرا واحدا إلى سبعين عذرا فإن أصبته وإلا قل لعل له عذرا لا أعرفه). أما إذا كان ظاهر حاله الفسق والمجاهرة بالفواحش والتخلف عن الفرائض ومصاحبة الأشرار أو إظهار البدع فالمشروع في حقه سوء الظن وأخذ الحذر منه ولا يليق أن يظن به خيرا لأنه ليس أهلا لذلك. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم عن رجلين من المنافقين: (ما أظن أن هذين يعرفان من ديننا شيئا). رواه البخاري. وقال ابن هبيرة الوزير: (لا يحل والله أن يحسن الظن بمن ترفض ولا بمن يخالف الشرع في حال).

فينبغي للمؤمن أن يكون حسن الظن بالله عظيم الرجاء به موقنا بحسن جزائه وعطائه وإحسانه وموافاته بالآخرة يسوقه حسن ظنه إلى حسن عمله والاستكثار من العمل بأسباب الرحمة والإحسان والبعد عن معصيته وأسباب مقته وليكن وثوقه بحسن ظنه أعظم من الوثوق بحسن عمله لأنه سيقدم على رب كريم رحيم ودود بعباده واسع العطاء عظيم الصفح والتجاوز رحمته سبقت عذابه ورضاه سبق سخطه. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (والله الذي لا إله غيره ما أعطي عبد مؤمن شيئا خير من حسن الظن بالله ولا يحسن عبد الظن بالله عز وجل إلا أعطاه الله ظنه). وقال سفيان الثوري يقول : (ما أحب أن حسابي علي والدي أحب أن حسابي علي ربي فإن الله أرحم بي من أبي).

صيد الفوائد

معنى " حسن الظن بالله " وذِكر أبرز مواضعه
يقول تعالى في الحديث القدسي ( أنا عند ظن عبدي بي .. ) فهل يعني هذا أن الشخص إذا ظن بالله أن رحمته أوسع من عقوبته فإن هذا العبد سيُعامل بالرحمة أكثر من العقوبة ، والعكس بالعكس ؟ وما هي الموازنة التي يجب على الشخص أن يأخذ بها عندما يتعلق الأمر بالعمل بهذا الحديث ؟ .
الجواب :
الحمد لله
أولاً:
حسن الظن بالله تعالى عبادة قلبية جليلة ، ولم يفهمها حق فهمها كثير من الناس ، ونحن نبيِّن معتقد أهل السنَّة والجماعة في هذه العبادة ، ونبيِّن فهم السلف القولي والعملي لها ، فنقول :
إن حسن الظن بالله تعالى يعني اعتقاد ما يليق بالله تعالى من أسماء وصفات وأفعال ، واعتقاد ما تقتضيه من آثار جليلة ، كاعتقاد أن الله تعالى يرحم عباده المستحقين ، ويعفو عنهم إن هم تابوا وأنابوا ، ويقبل منهم طاعاتهم وعبادتهم ، واعتقاد أن له تعالى الحِكَم الجليلة فيما قدَّره وقضاه .
ومن ظنَّ أن حسن الظن بالله تعالى ليس معه عمل : فهو مخطئ ولم يفهم هذه العبادة على وجهها الصحيح ، ولا يكون حسن الظن مع ترك الواجبات ، ولا مع فعل المعاصي ، ومن ظنَّ ذلك فقد وقع في الغرور ، والرجاء المذموم ، والإرجاء المبتدع ، والأمن من مكر الله ، وكلها طوام ومهالك .
قال ابن القيم – رحمه الله - :
وقد تبين الفرق بين حسن الظن والغرور ، وأن حسن الظن إن حمَل على العمل وحث عليه وساعده وساق إليه : فهو صحيح ، وإن دعا إلى البطالة والانهماك في المعاصي : فهو غرور ، وحسن الظن هو الرجاء ، فمن كان رجاؤه جاذباً له على الطاعة زاجراً له عن المعصية : فهو رجاء صحيح ، ومن كانت بطالته رجاء ورجاؤه بطالة وتفريطاً : فهو المغرور .
" الجواب الكافي " ( ص 24 ) .
وقال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله - :
وإحسان الظن بالله لابد معه من تجنب المعاصي وإلا كان أمنًا من مكر الله ، فحسن الظن بالله مع فعل الأسباب الجالبة للخير وترك الأسباب الجالبة للشر : هو الرجاء المحمود .
وأما حسن الظن بالله مع ترك الواجبات وفعل المحرمات : فهو الرجاء المذموم ، وهو الأمن من مكر الله .
" المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان " ( 2 / 269 ) .
ثانياً:
الأصل في المسلم أن يكون دائماً حسن الظنَّ بربه تعالى ، وأكثر ما يتعيَّن على المسلم حسن الظن بربِّه تعالى في موضعين :
الأول : عند قيامه بالطاعات .
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم ( يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَىَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَىَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ) . رواه البخاري ( 7405 ) ومسلم ( 2675 ) .

فيلاحظ في الحديث علاقة حسن الظن بالعمل أوضح ما يكون ، فقد أعقبه بالترغيب بذِكره عز وجل والتقرب إليه بالطاعات ، فمن حسُن ظنه بربه تعالى دفعه ذلك لإحسان عمله .
قال الحسن البصري رحمه الله : " إن المؤمن أحسنَ الظنّ بربّه فأحسن العملَ ، وإنّ الفاجر أساءَ الظنّ بربّه فأساءَ العمل .
رواه أحمد في " الزهد " ( ص 402 ) .
وقال ابن القيم - رحمه الله - :
ومن تأمل هذا الموضع حق التأمل علِم أن حُسن الظن بالله هو حُسن العمل نفسه ؛ فإن العبد إنما يحمله على حسن العمل ظنه بربه أنه يجازيه على أعماله ويثيبه عليها ، ويتقبلها منه ، فالذي حمله على العمل حسن الظن ، فكلما حسُن ظنُّه حسُنَ عمله ، وإلا فحُسن الظن مع اتباع الهوى : عجْز ... .
وبالجملة : فحُسن الظن إنما يكون مع انعقاد أسباب النجاة ، وأما مع انعقاد أسباب الهلاك : فلا يتأتي إحسان الظن .
" الجواب الكافي " ( ص 13 - 15 ) مختصراً .
وقال أبو العباس القرطبي – رحمه الله - :
قيل : معناه : ظنّ الإجابة عند الدعاء ، وظنّ القبول عند التوبة ، وظن المغفرة عند الاستغفار ، وظن قبول الأعمال عند فعلِها على شروطها ؛ تمسُّكًا بصادق وعْده ، وجزيل فضلِه .
قلت : ويؤيدهُ قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم : ( ادْعوا الله وأنتم موقِنون بالإجابة ) – رواه الترمذي بإسناد صحيح - ، وكذلك ينبغي للتَّائب والمستغفر ، وللعامل أن يَجتهد في القيام بِما عليه من ذلك ، موقنًا أنَّ الله تعالى يقبل عملَه ، ويغفِر ذنبه ؛ فإنَّ الله تعالى قد وعد بقبول التَّوبة الصادقة ، والأعمال الصالحة ، فأمَّا لو عمل هذه الأعمال وهو يعتقد أو يظنُّ أنَّ الله تعالى لا يقبلُها ، وأنَّها لا تنفعُه : فذلك هو القنوط من رحْمة الله ، واليأس من رَوْح الله ، وهو من أعظمِ الكبائر ، ومَن مات على ذلك : وصل إلى ما ظنَّ منه .
فأمَّا ظن المغفرة والرحمة مع الإصرار على المعصية : فذلك محض الجهل والغرة ، وهو يجر إلى مذهب المرجئة .
" المفهم شرح مسلم " ( 7 / 5 ، 6 ) .
الثاني : عند المصائب ، وعند حضور الموت .
عَنْ جَابِرٍ رضِيَ الله عَنْه قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ وَفَاتِهِ بِثَلاَثٍ يقولُ ( لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللَّهِ الظَّنَّ ) . رواه مسلم ( 2877 ) .

وفي " الموسوعة الفقهية " ( 10 / 220 ) :
يجب على المؤمن أن يُحسن الظنَّ بالله تعالى ، وأكثر ما يجب أن يكون إحساناً للظن بالله : عند نزول المصائب ، وعند الموت ، قال الحطاب : ندب للمحتضر تحسين الظن بالله تعالى ، وتحسين الظن بالله وإن كان يتأكد عند الموت وفي المرض ، إلا أنه ينبغي للمكلف أن يكون دائماً حسن الظن بالله .
انتهى .
وينظر : " شرح مسلم " ، للنووي ( 17 / 10 ) .

فتبين مما سبق أن حسن الظن بالله تعالى لا يكون معه ترك واجب ولا فعل معصية ، ومن اعتقد ذلك نافعاً له فهو لم يثبت لله تعالى ما يليق به من أسماء وصفات وأفعال على الوجه الصحيح ، وقد أوقع نفسه بذلك في مزالق الردى ، وأما المؤمنون العالِمون بربهم فإنهم أحسنوا العمل وأحسنوا الظن بربهم أنه يقبل منهم ، وأحسنوا الظن بربهم عند موتهم أنه يعفو عنهم ويرحمهم ولو كان عندهم تقصير ، فيُرجى لهم تحقيق ذلك منه تعالى كما وعدهم .
والله أعلم

الإسلام سؤال وجواب