المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بين منهجين (1) :مبنى الحكم على الرجال هل هو اجتهادي أو نصيّ ؟.( لابو العباس )


ابو الزبير الموصلي
2013-03-18, 07:30 AM
بين منهجين (1) :مبنى الحكم على الرجال هل هو اجتهادي أو نصيّ ؟.


لا يختلف اثنان من المشتغلين بالعلم الشرعي –عموما- وعلم الحديث ورجاله على جهة الخصوص , أن أحكام الأئمة النقاد في رجال الحديث ونقلته جرحا وتعديلا مبناها على استفراغ الوسع , وبذل الجهد , والبحث والنظر في أحوال هؤلاء الرجال , ومعرفة أحوالهم من جهة وصف العدالة الجامع للسلامة من موجبات الفسق , وخوارم المروءة , وكذلك من جهة ضبطهم لما ينقلونه من أخبار من خلال مقارنة مروياتهم بمرويات غيرهم , ومروياتهم بعضها بالبعض الآخر , فينشأ عن دقة النظر –هذا- , مع ما يشترطه الناقد من شروط التوثيق إصدار أحكام التعديل والتجريح في حق الرواة والرجال .

وعلى قدر التفاوت في دقة الشروط الموضوعة , والاطلاع على أحوال الرواة ؛ يكون تفاوت الحكم عليهم قوة وضعفا .
قال بن طاهر : (سألت سعد بن علي الزنجاني عن رجل فوثقه ؛ فقلت : قد ضعفه النسائي ؛ فقال : يا بني إن لأبي عبد الرحمن شرطا في الرجال أشد من شرط البخاري ومسلم) . تذكرة الحفاظ (2\700) .

ولهذا يعلم من له أدنى نظر في كتب الجرح والتعديل مقدار التفاوت الكبير بين أحكام أئمة هذا الفن في الرجال , حالهم في ذلك حال اختلاف أئمة الفقه في مسائله كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على البكري (1\72) : "وكلام يحيى بن معين والبخاري ومسلم وأبي حاتم وأبي زرعة والنسائي وأبي أحمد بن عدي و الدارقطني وأمثالهم في الرجال وصحيح الحديث وضعيفه هو مثل كلام مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأمثالهم في الأحكام ومعرفة الحلال من الحرام" .
وما هذه المثلية , إلا بسبب الاشتراك في مصدر الحكم ألأ وهو الاجتهاد , فالحكم على الرجال يكون مبناه إما على النص أو على الاجتهاد :
فأما النص فكما في حكمه (صلى الله عليه وسلم) على جم غفير من الصحابة –بأعيانهم- أنهم من أهل الجنة كالعشرة المبشرة ؛ وفي غيرهم أنهم كذا وكذا وكذا من أوصاف المدح والثناء والخيرية , كما في أنس بن مالك قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : [أرحم أمتي بأمتي أبو بكر , وأشدهم في أمر الله عمر , وأصدقهم حياء عثمان , وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل , وأفرضهم زيد بن ثابت , وأقرؤهم أبي , ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح] .
وضده كذلك حكمه (صلى الله عليه وسلم) في أناس بأعيانهم أنهم منافقون –كما أخبر بأسمائهم حذيفة بن اليمان- ؛ ونحو ذلك .

أما وقد انتفى النص بموت النبي (صلى الله عليه وسلم) فلم يبقى سوى الاجتهاد مصدرا في الحكم على الرجال , ولهذا فقد أطبقت كلمة علماء الأمة في فن النقد على أن مبنى الحكم على الرجال داخل في باب الاجتهاد :

قال أبو عيسى الترمذي –رحمه الله- كما في ملحق العلل الصغير (5\756) : "اختلف الأئمة من أهل العلم في تضعيف الرجال كما اختلفوا فيما سوى ذلك من العلم". وانظر : رسالة في الجرح والتعديل -للمنذري- (ص\35) , والنكت على مقدمة ابن الصلاح –لجمال الدين بن بهادر-.

قال أبو الحسين القرشي في غرر الفوائد (ص\170) : "عبد الرحمن بن خالد هذا ليس من شرط مسلم فلا يلزمه إخراج حديثه , وإن كان ثقة قد أخرج له البخاري في صحيحه واحتج بحديثه إلا أن لكل واحد منهما اجتهادا يرجع إليه وانتقادا في الرجال يعول عليه" .

وقال العلامة كمال الدين السيواسي في شرح فتح القدير (1\455) : "وقد أخرج مسلم عن كثير في كتابه ممن لم يسلم من غوائل الجرح وكذا في البخاري جماعة تكلم فيهم فدار الأمر في الرواة على اجتهاد العلماء فيهم وكذا في الشروط حتى أن من اعتبر شرطا وألغاه آخر يكون ما رواه الآخر مما ليس فيه ذلك الشرط عنده مكافئا لمعارضة المشتمل على ذلك الشرط وكذا فيمن ضعف راويا ووثقه الآخر
نعم تسكن نفس غير المجتهد ومن لم يخبر أمر الراوي بنفسه إلى ما اجتمع عليه الأكثر أما المجتهد في اعتبار الشرط وعدمه والذي خبر الراوي فلا يرجع إلا إلى رأي نفسه".

قال الحافظ الذهبي في الموقظة : "هذا الدين مؤيد محفوظ من الله تعالى ، لم يجتمع علماؤه على ضلالة ، لا عمدا ولا خطأ ، فلا يجتمع اثنان على توثيق ضعيف ، ولا على تضعيف ثقة ، وإنما يقع اختلافهم في مراتب القوة أو مراتب الضعف ؛ والحاكم منهم يتكلم بحسب اجتهاده وقوة معارفه ، فإن قدر خطؤه في نقده ، فله أجر واحد" .
وقال في رسالة ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل : "فمن أئمة الجرح والتعديل بعد من قدمنا يحيى بن معين ؛ وقد سأله عن الرجال عباس الدوري وعثمان الدرامي وأبو حاتم وطائفة ؛ وأجاب كل واحد منهم بحسب اجتهادات الفقهاء المجتهدين , وصارت لهم في المسألة أقوال".

وقال العلامة بدر الدين بن بهادر في النكت على مقدمة ابن الصلاح (3\341-342) : "فلا شك أن في الجرح والتعديل ضربين من الاجتهاد ؛ وأئمة النقل يختلفون في الأكثر فبعضهم يوثق الرجل إلى الغاية وبعضهم يوهنه إلى الغاية وهما إمامان إليهما المرجع في هذا الشأن".

وقال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان (1\3) : "أقام الله طائفة كثيرة من هذه الأمة للذب عن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم فتكلموا في الرواة على قصد النصيحة ؛ ولم يعد ذلك من الغيبة المذمومة بل كان ذلك واجبا عليهم وجوب كفاية ثم ألف الحفاظ في أسماء المجروحين كتبا كثيرة كل منهم على مبلغ علمه ومقدار ما وصل اليه اجتهاده" .

وقال السخاوي في فتح المغيث (3\352) : "وولاة الجرح والتعديل بعد من ذكرنا يحيى بن معين , وقد سأله عن الرجال غير واحد من الحفاظ , ومن ثم اختلفت آراؤه وعباراته في بعض الرجال كما اختلف اجتهاد الفقهاء وصارت لهم الأقوال والوجوه فاجتهدوا في المسائل كما اجتهد ابن معين في الرجال" .

وقال الإمام الصنعاني في إرشاد النقاد (ص\13) : "قد يختلف كلام إمامين من أئمة الحديث في الراوي الواحد، وفي الحديث الواحد، فيضعف هذا حديثا، وهذا يصححه! ويرمي هذا رجلا من الرواة بالجرح، وآخر يعدله! , وذلك مما يشعر أن التصحيح -ونحوه- من مسائل الاجتهاد التي اختلفت فيها الآراء" .

وقال الشيخ طاهر الجزائري الدمشقي في توجيه النظر إلى أصول الأثر (1\298-299) : "ثم حكمهما أو أحدهما بأن الراوي المعين مجتمع تلك الشروط مما لا يقطع فيه بمطابقة الواقع فيجوز كون الواقع خلافه وقد أخرج مسلم عن كثير ممن لم يسلم من غوائل الجرح وكذا في البخاري جماعة تكلم فيهم , فدار الأمر في الرواة على اجتهاد العلماء فيهم" .

وقال العلامة جمال الدين القاسمي في قواعد التحديث (ص\377) : "ومعرفة الرجال علم واسع ثم قد يكون المصيب من يعتقد ضعفه لاطلاعه على سبب جارح , وقد يكون الصواب مع الآخر لمعرفته أن ذلك السبب غير جارح : إما لأن جنسه غير جارح , أو لأنه كان له فيه عذر يمنع الجرح -وهذا باب واسع- , وللعلماء بالرجال وأحوالهم في ذلك من الإجماع والاختلاف مثل ما لغيرهم من سائر أهل العلم في علومهم" .

وقال الشيخ الألباني –رحمه الله- في سلسلة الهدى والنور (ش\778) : "ليس شرطاً أبداً أنّ مَنْ كَفَّرَ شخصاً وأقام عليه الحُجَّة ، أنْ يكون كّلَّ النَّاس معه في التَّكْفير لأنه قد يكون هو متأوِّلاً ، ويرى العالِمْ الآخِرْ أنه لا يجوز التَّكْفير ، كذلك التَّفْسيق والتَّبْديع ، فهذه الحقيقة مِنْ فِتَنْ العصر الحاضر ، ومِنْ تسرُّع بعض الشباب في إدِّعاء العِلْم سواءٌ مقصود أن هذا التَّسلْسُلْ أو هذاالإلزام هو اللازِم ابداً ، هذا بابٌ واسعْ قد يرى عالِمْ أمْراً واجباً ، ويراه الآخَرْ ليس كذلك ، كما اختلف العلماء مِنْ قبل ومِنْ بعد إلا لأنه بعض الإجتهاد لا يُلْزم الآخرين بأن يأخذوا برأيهِ ، الذي يُوجِبْ الأخذْ برأي الآخَرْ إنّما هوَ المُقَلِّدْ الذي لا علم عنده ،فهو يجب عليه أن يُقلِّدْ ، أمّا مَن كان عالماً كالذي كَفَّرَ أو فسَّقَ أو بَدَّعْ ، ولا يَرى مثل رأيهِ فلا يَلْزمُهُ أبداً أنْ يُتابِعَ ذلك العَالِمْ" .

وعلى تقرير هذا المعنى وتبنيه جاء بناء كتاب شيخنا الحلبي –وفقه الله- (منهج السلف الصالح) , فقال (ص\108-110) : "وأما الأقوال والأفعال التي لم يعلم -قطعا- مخالفتها للكتاب والسنة، بل هي من موارد الاجتهاد التي تنازع فيها أهل العلم والإيمان: فهذه الأمور قد تكون قطعية عند بعض من بين الله له الحق فيها، لكنه لا يمكنه أن يلزم الناس بما بان له ولم يبن لهم» , كما في «مجموع الفتاوى» (10/383-384).
قلت: وحتى لا يأتي معترض -أو مؤول!- فيجعل هذا الكلام العدل الحق غير شامل لباب (الجرح والتعديل)، والكلام في (الرجال): أنقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- قوله في «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» (ص7) : «وللعلماء بالرجال -وأحوالهم في ذلك- من الإجماع والاختلاف- مثل ما لغيرهم من سائر أهل العلم في علومهم».
وقال الحافظ عبد العظيم المنذري في «جواب أسئلة في الجرح والتعديل» (ص83): «واختلاف هؤلاء [المحدثين] كاختلاف الفقهاء؛ كل ذلك يقتضيه الاجتهاد، فإن الحاكم إذا شهد عنده بجرح شخص، اجتهد في: أن ذلك القدر مؤثر أم لا؟
وكذلك المحدث إذا أراد الاحتجاج بحديث شخص، ونقل إليه فيه جرح؛ اجتهد فيه: هل هو مؤثر أم لا؟
ويجري الكلام عنده فيما يكون جرحا، وفي تفسير الجرح وعدمه، وفي اشتراط العدد في ذلك -كما يجري عند الفقيه-.
ولا فرق بين أن يكون الجارح مخبرا بذلك للمحدث مشافهة، أو ناقلا له عن غيره بطريقه -والله -عز وجل- أعلم-».
قلت: ولعل أجل من هذا -وذاك- قال الإمام الترمذي في «العلل الصغير» (5/756-ملحق بـ «سننه»): «وقد اختلف الأئمة من أهل العلم في تضعيف الرجال؛ كما اختلفوا في سوى ذلك من العلم»" .

وقال –حفظه الله- (ص\195-196) : "ألف الإمام أبو حفص ابن شاهين كتابه: «ذكر من اختلف العلماء ونقاد الحديثفيه» -مطبوع- , وألف الإمام ابن حبان كتابه: «الفصل بين النقلة».
وقد تقدم (ص103) ذكر كتابي الإمام الذهبي: «الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد»، و«من تكلم فيه وهو موثق».
وفي رسالة «اختلاف أقوال النقاد في الرواة المختلف فيهم» -للدكتور سعدي الهاشمي-: تفصيل نافع؛ فلتنظر.
بل لو سألت: هل (واقع) علم الجرح والتعديل -في كتبه المشهورة المنظورة- قائم (أكثره) على (الإجماع)، أو (الخلاف)؟! , وهل مبناه على (النص)، أم على (الاجتهاد)؟! , وهل هو (فرض عين) أم (فرض كفاية)؟! , فالجواب -على كل- واضح بلا (خلاف)!" .

فشيخنا -بحمد الله- قد بنى كتابه على ما اتفق عليه أئمة المسلمين في مختلف العصور من أن مبنى الحكم على الرجال مرده إلى الاجتهاد ومبناه عليه , فهو متبدع لأقوال السلف غير مبتدع -كما يزعمه أهل البهت والعدوان- .

وبالتالي فإذا ثبت أن مبنى الحكم على الرجال مرده –فيما لا نص فيه- على الاجتهاد , أفادنا ذلك جملة من الأحكام منها :
أولا : إن مسائل الاجتهاد دائرة بين الراجح والمرجوح , ومن ترجح لديه شيء تكلم به ,
ثانيا : لا إلزام بمسائل الاجتهاد , ولا يسوغ إلزام طالب العلم بل ولا ولا العامي إذا كان لهم نوع نظر وبحث واستدلال بخلاف ما ترجح عندهم
ثالثا : لا إنكار في مسائل الاجتهاد .
رابعا : لا طعن على من خالف الراجح في مسائل الاجتهاد
خامسا : الاجتهاد لا ينقض ولا يقرر باجتهاد .
سادسا : مسائل الاجتهاد لا يجري فيها التأثيم .
سابعا : لا حجة في قول مجتهد على مجتهد آخر .
ثامنا : لا ينسب لله تعالى حكم في مسائل الاجتهاد .
تاسعا : مسائل الاجتهاد لا يخير فيها المجتهد .
عاشرا : الخلاف في مسائل الاجتهاد لا يزيل الألفة .
وينظر لزاما في تفصيل أحكام مسائل الاجتهاد في مقالنا : التقريرات السلفية لأحكام المسائل الاجتهادية وكيفية التعامل معها .

http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=2973 (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=2973)

وقد أدرك بعض المعاصرين (1) من الممتهنين لتصنيف الناس عموما والسلفيين خصوصا خطورة ما تقدم تقريره من دخول أحكام الجرح والتعديل في باب الاجتهاد , ومعاملتها كما تعامل سائر المسائل الاجتهادية , بما قد يفضي إلى إبطال كثير من أحكامهم وإلزاماتهم , وبالتالي تعطيل وإسقاط ما ترتب على تلك الأحكام والإلزامات من مواقف وتجاوزات , فأحدث بعضهم -دفاعا عن نفسه - زعمين أحدهما أبطل من الآخر :

أما الزعم الأول : أن أحكام أحد هؤلاء المعاصرين الممتهنين لتصنيف الناس والسلفيين ليست مبنية على الاجتهاد لأنها قائمة على دراسة مستفيضة لأقوال من يتم نقدهم من المخالفين.
قلت : ويكفي لمعرفة بطلان هذا القول –على جهة الإجمال- مجرد حكايته , وأما إثبات بطلانه على جهة التفصيل فمن وجوه :
الأول : إن هذا الزعم يدل على جهل المتكلم بمعنى الاجتهاد , ذلك أن حقيقة الاجتهاد : هو بذل الوسع واستفراغ الجهد بالجمع والتتبع والاستقراء لمعرفة الحكم , ويدخل تحت هذا المعنى –بلا ريب- دراسة حال الراوي من حيث العدالة والضبط دراسة تدفع إلى الاطمئنان إلى عدالته وضبطه ؛ ثم إصدار الأحكام عليهم , وهذه الدراسة داخلة في معنى الاجتهاد الذي معناه : استفراغ الوسع في طلب العلم , فعجيب الزعم أن هذه الدراسة لا تدخل في باب الاجتهاد !!.

الوجه الثاني : ما تقدم حكايته من أقوال علماء الأمة –المتقدمين والمتأخرين- الدالة على أن أحكام نقد الرجال مردها إلى الاجتهاد المحض , وعدم وجود ما يناقضها من قول ينسب لعالم معتبر يفيد أن أحكام نقد الرجال ليست مبنية على الاجتهاد , وما هذا الحم منهم إلا لأنهم أدركوا أن الحكم على الرجال مبناه على بدذل الجهد واستفراغ الوسع في دراسة حال الراوي من حيث العدالة والضبط حتى اطمأنوا إلى عدالته وضبطه ؛ ثم أصدروا أحكامهم ؛ فكانوا يدرسون مرويات الرجل ويقارنونها بمرويات غيره من أهل الثقة والحفظ والضبط , فإذا توصل الإمام منهم -الدارس الناقد- إلى نتيجة لهذه الدراسة الواعية المنصفة أعلنها بما أداه إليه اجتهاده.

الوجه الثالث : إن الزعم أن حكم بعض أهل العلم على الرجال ليس مبنيا على الاجتهاد , يلزم منه أنها مبنية إما على النص , أو الهوى المحض -ولا بد- ؛ فمرد الأحكام –المعتبرة- عموما إما إلى النص أو إلى الاجتهاد , فمن زعم أن أحكام شيخه غير مبنية على الاجتهاد لم يبقى إلا أن تكون مبنية على النص أو على الهوى ؛ فإن قطع أن النص منتف لم يبقى إلا الهوى محتملا .

وأما الزعم الثاني : فهو أن هؤلاء المعاصرين الممتهنين لتصنيف الناس والسلفيين لا يبدعون ولا يجرحون بأمر اجتهادي .
وعدم التبديع بالأمور الاجتهادية هو الحق الذي لا ينبغي المحيص عنه , لكن الخلاف في هذه الجزئية ليس في سلامة الدعوى –فهي حق- , وإنما الخلاف في مناقضة الزعم والدعوى للواقع والتطبيق , وهذا "التناقض واقع من كل عالم غير النبيين" كما قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (29\42) .
فكم قد رأينا من تجريح وتبدع وتسقط بمسائل هي من محض الاجتهاد ؛ بل كم من حكم بالتسقيط والتبديع قد صدر في أناس جنايتهم أنهم لم يوافقوا بعض المتصدرين لنقد السلفيين في أحكامهم النقدية الاجتهادية .

فمن الطبيعي –بعد ذلك- أن ينتج عن هذين الزعمين الفاسدين –إما تأصيلا أو تطبيقا- جملة من الآثار السلبية من أبرزها :
1- الإلزام بأحكام التجريح الصادرة من جهة أولئك النقاد الذين يشاع أنهم لا يجرحون بأمر اجتهادي , وأن أحكامهم النقدية غير مبنية على الاجتهاد , فأعطيت هالة من القدسية لأحكام أولئك بناء على هذين الزعمين الباطلين .
2- التوعد بإيقاع العقوبات من التجريح والإسقاط والتبديع لمن أعرض عن لزوم أحكام هؤلاء الممتهنين لتصنيف السلفيين , كما كان قد قيل لمن رفض تبديع الشيخ عدنان عرعور بأن يبشر بسكاكين التجريح (!!!) , وتوعد من يرفض تجريح الشيخ المغراوي بالتسقيط (!!!) , ومن لم يوافق على تبديع الشيخ أبي الحسن المأربي هدد بالتبديع (!!!)
3- عقد راية الولاء لمن وافق أحكام هؤلاء المعاصرين من النقاد , والبراءة ممن خالفهم في أحكامهم , فنجم عن هذا ما أخبر عنه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله في مجموع الفتاوى (20\8) : أن "من نصب شخصا كائنا من كان فوالى وعادى على موافقته في القول والفعل فهو {من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا}" .
فأصبحت المنتسبون إلى السلفية –وإلى الله المشتكى- اتجاهات متعددة بحسب الأحكام التي صدرت من المتصدرين لنقدهم , فصرنا نسمع بـ (سلفيتنا , وسلفيتكم) , وسلفيتكم هذه ما بين : (عرعورية , ومغراوية , ومأربية , .... إلخ) , وربما نسمع في القريب العاجل بأسماء جديدة .

وما هذا التفرق والتفريق المتقصد في إطلاق مثل هكذا أوصاف على طوائف من السلفيين إلا بسبب عدم ضبط هذا الأصل , وهو :
أن الأحكام على الرجال مبنية على الاجتهاد .
وان للمسائل المبنية على الاجتهاد أحكام لا ينبغي إغفالها , فمن أغفلها أو تجاهلها أفضى به ذلك إلى الاختلاف ومن ثم التفرق والعياذ بالله –كما هو واقع اليوم- .

فاتقوا الله معاشر الممتهنين لتصنيف السلفيين في السلفية , واتقوا الله في السلفيين , بل اتقوا الله في أنفسكم –قبل ذلك كله- .


وبعد هذا العرض الموجز , علمنا حقيقة الفرق بين المنهجين , منهج السلف الذي قرره شيخنا وسار عليه , ومنهج بعض المعاصرين الممتهنين لتصنيف المسلمين والسلفيين , وأي المنهجين هو الحادث .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــ

بنت الحواء
2013-03-18, 07:08 PM
جزاك الله خيرا
في ميزان حسناتك