المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التقريرات السلفية لأحكام المسائل الاجتهادية وكيفية التعامل معها . ( لابو العباس )


ابو الزبير الموصلي
2013-03-18, 07:36 AM
التقريرات السلفية لأحكام المسائل الاجتهادية وكيفية التعامل معها .


الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين , وبعد :
فالواجب على من أراد الكلام في مسائل الشرع أن يكون متصورا لها ملما بأطرافها وأقوال العلماء فيها وأدلتهم وأوجه ترجيحاتهم , معطيا لها حقها من الخلاف من غير إفراط فيها ولا تفريط في توصيفها والتعامل معها ؛ وهذا هو أحسن ما يكون في مسائل الخلاف , كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (13\368) : "أحسن ما يكون في حكاية الخلاف : أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام وأن ينبه على الصحيح منها ويبطل الباطل وتذكر فائدة الخلاف وثمرته ؛ لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته فيشتغل به عن الأهم .
فأما من حكى خلافا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص ؛ إذ قد يكون الصواب في الذي تركه أو يحكي الخلاف ويطلقه ولا ينبه على الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضا فإن صحح غير الصحيح عامدا فقد تعمد الكذب أو جاهلا فقد أخطأ كذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته أو حكى أقوالا متعددة لفظا ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنى فقد ضيع الزمان وتكثر بما ليس بصحيح فهو كلابس ثوبي زور والله الموفق للصواب" .
وهذه هي طريقة طلاب الحق , لا طريقة المقلدة المتعصبة لآراء الرجال , كما قرر ذلك ابن القيم –رحمه الله- في إعلام الموقعين (2\288) : "طريق أهل العلم فإن طريقهم طلب أقوال العلماء وضبطها والنظر فيها وعرضها على القرآن والسنن الثابتة عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأقوال خلفائه الراشدين فما وافق ذلك منهم قبلوه ودانوا الله به وقضوا به وأفتوا به وما خالف ذلك منها لم يلتفتوا إليه وردوه , وما لم يتبين لهم كان عندهم من مسائل الاجتهاد التي غايتها أن تكون سائغة الاتباع لا واجبة الاتباع من غير أن يلزمها بها أحدا ولا يقولوا إنها الحق دون ما خالفها هذه طريقة أهل العلم سلفا وخلفا" .

[حد مسائل الاجتهاد]
ولا يخفى على كل من أوتي حظا من العلم أن المسائل الشرعية على نوعين مسائل قطعية ومسائل اجتهادية , كما قال أبو المعالي الجويني في رسالة الاجتهاد (ص\23) : "اعلم وفقك الله أن ما يجري فيه كلام العلماء ينقسم إلى : المسائل القطعية , والى المسائل الاجتهادية العارية عن أدلة القطع" .
فأما المسائل القطعية الشرعية فهي –كما قال الجويني في رسالة الاجتهاد (ص\24) : "كل مسألة تنطوي على حكم من أحكام التكليف مدلول عليها بدلالة قاطعة من نص أو إجماع" .
وما سواها من المسائل يعد من قبيل مسائل الاجتهاد سواء كانت منصوصا عليها لكن دلالتها ظنية غير قطعية , أو معارضة بغيرها من الأدلة أو غير منصوص عليها ولا مجمع عليها , كما قال ابن القيم –رحمه الله- في إعلام الموقعين (3\288-289) : " إن مسائل الاجتهاد : ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوبا ظاهرا مثل : حديث صحيح لا معارض له من جنسه ؛ فيسوغ فيها -إذا عدم فيها الدليل الظاهر الذي يجب العمل به- الاجتهاد لتعارض الأدلة , أو لخفاء الأدلة فيها .
وليس في قول العالم إن هذه المسألة قطعية أو يقينية ولا يسوغ فيها الاجتهاد طعن على من خالفها , ولا نسبة له إلى تعمد خلاف الضوابط" .

[مسائل الاجتهاد داخلة في عموم مسائل الشرع]
ولما كانت مسائل الاجتهاد على التوصيف السابق , وهي : كل مسألة ليس عليها دليل ظاهر من الكتاب والسنة , ولم ينعقد عليها الإجماع المعتبر , وذلك يعم الاجتهاد في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية , كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (20\33-37) : "والخطأ المغفور في الاجتهاد هو في نوعي المسائل الخبرية والعلمية كما قد بسط في غير موضع كمن اعتقد ثبوت شيء لدلالة آية أو حديث , وكان لذلك ما يعارضه , ويبين المراد , ولم يعرفه مثل من اعتقد أن الذبيح إسحاق لحديث اعتقد ثبوته أو اعتقد أن الله لا يرى ؛ لقوله : {لا تدركه الأبصار} ولقوله : {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب} كما احتجت عائشة بهاتين الآيتين على انتفاء الرؤية في حق النبي (صلى الله عليه وسلم) وإنما يدلان بطريق العموم ؛ وكما نقل عن بعض التابعين أن الله لا يرى وفسروا قوله : {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} بأنها تنتظر ثواب ربها كما نقل عن مجاهد وأبي صالح .
أو من اعتقد أن الميت لا يعذب ببكاء الحي ؛ لاعتقاده أن قوله : {ولا تزر وازرة وزر أخرى} يدل على ذلك ؛ وأن ذلك يقدم على رواية الراوي لأن السمع يغلط كما اعتقد ذلك طائفة من السلف والخلف .
أو اعتقد أن الميت لا يسمع خطاب الحي ؛ لاعتقاده أن قوله : {فإنك لا تسمع الموتى} يدل على ذلك .
أو اعتقد أن الله لا يعجب كما اعتقد ذلك شريح ؛ لاعتقاده أن العجب إنما يكون من جهل السبب والله منزه عن الجهل .
أو اعتقد أن عليا أفضل الصحابة ؛ لاعتقاده صحة حديث الطير ؛ وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [اللهم ائتني بأحب الخلق إليك ؛ يأكل معي من هذا الطائر] .
أو اعتقد أن من جس للعدو وأعلمهم بغزو النبي صلى الله عليه وسلم فهو منافق : كما اعتقد ذلك عمر في حاطب وقال : دعني أضرب عنق هذا المنافق .
أو اعتقد أن من غضب لبعض المنافقين غضبة فهو منافق ؛ كما اعتقد ذلك أسيد بن حضير في سعد بن عبادة وقال : إنك منافق تجادل عن المنافقين .
أو اعتقد أن بعض الكلمات أو الآيات أنها ليست من القرآن ؛ لأن ذلك لم يثبت عنده بالنقل الثابت كما نقل عن غير واحد من السلف أنهم أنكروا ألفاظا من القرآن كإنكار بعضهم : {وقضى ربك} وقال : إنما هي ووصى ربك .
وإنكار بعضهم قوله : {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين} وقال : إنما هو ميثاق بني إسرائيل وكذلك هي في قراءة عبد الله .
وإنكار بعضهم {أفلم ييأس الذين آمنوا} إنما هي أولم يتبين الذين آمنوا .
وكما أنكر عمر على هشام بن الحكم لما رآه يقرأ سورة الفرقان على غير ما قرأها .
وكما أنكر طائفة من السلف على بعض القراء بحروف لم يعرفوها حتى جمعهم عثمان على المصحف الإمام .
وكما أنكر طائفة من السلف والخلف أن الله يريد المعاصي ؛ لاعتقادهم أن معناه أن الله يحب ذلك ويرضاه ويأمر به .
وأنكر طائفة من السلف والخلف أن الله يريد المعاصي ؛ لكونهم ظنوا أن الإرادة لا تكون إلا بمعنى المشيئة لخلقها وقد علموا أن الله خالق كل شيء ؛ وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن والقرآن قد جاء بلفظ الإرادة بهذا المعنى وبهذا المعنى لكن كل طائفة عرفت أحد المعنيين وأنكرت الآخر .
وكالذي قال لأهله : إذا أنا مت فأحرقوني : ثم ذروني في اليم فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين . وكما قد ذكره طائفة من السلف في قوله : {أيحسب أن لن يقدر عليه أحد} وفي قول الحواريين : {هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء} ؛ وكالصحابة الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فلم يكونوا يعلمون أنهم يرونه ؛ وكثير من الناس لا يعلم ذلك ؛ إما لأنه لم تبلغه الأحاديث وإما لأنه ظن أنه كذب وغلط".

[فرق بين مسائل الاجتهاد ومسائل الخلاف]
وليس كل ما وقع فيه الاختلاف من المسائل الشرعية تناولته أحكام الخلاف في مسائل الاجتهاد , فالخلاف قد يكون في ما هو قطعي معلوم بالاضطرار عند أهل العلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كالأحاديث الثابتة بل المتواترة عندهم في شفاعته وحوضه وخروج أهل الكبائر من النار والأحاديث الثابتة عندهم : في الصفات والقدر والعلو والرؤية وغير ذلك من الأصول التي اتفق عليها أهل العلم بسنته كما تواترت عندهم عنه ؛ فيخالف فيها من يجهل فلا يقول بإثبات الاعتقاد ببخر الواحد , أو يتطلب لها أنواعا من التأويلات المرجوحة , كما هو صنيع أهل البدع والأهواء , فهؤلاء خالفوا في مسائل دلت عليها النصوص الشرعية دلالة ظاهرة , وأجمع عليها سلف الأمة , فلا يعد خلافهم لها داخل في باب الخلاف في المسائل الاجتهادية , لان ما خالفوا فيه لا مجال فيه للاجتهاد بل النص قد قضى به , والإجماع الأول منعقد على ما دلت عليه النصوص , فلا اعتبار بمخالفة أهل البدع والأهواء له ؛ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (13\25-26) : "وأما المتأخرون الذين لم يتحروا متابعتهم وسلوك سبيلهم ولا لهم خبرة بأقوالهم وأفعالهم بل هم في كثير مما يتكلمون به في العلم ويعملون به لا يعرفون طريق الصحابة والتابعين في ذلك من أهل الكلام والرأي والزهد والتصوف . فهؤلاء تجد عمدتهم في كثير من الأمور المهمة في الدين إنما هو عما يظنونه من الإجماع وهم لا يعرفون في ذلك أقوال السلف ألبتة أو عرفوا بعضها ولم يعرفوا سائرها فتارة يحكون الإجماع ولا يعلمون إلا قولهم وقول من ينازعهم من الطوائف المتأخرين ؛ طائفة أو طائفتين أو ثلاث وتارة عرفوا أقوال بعض السلف ، والأول كثير في " مسائل أصول الدين وفروعه " كما تجد كتب أهل الكلام مشحونة بذلك يحكون إجماعا ونزاعا ولا يعرفون ما قال السلف في ذلك ألبتة ؛ بل قد يكون قول السلف خارجا عن أقوالهم كما تجد ذلك في مسائل أقوال الله وأفعاله وصفاته ؛ مثل مسألة القرآن والرؤية والقدر وغير ذلك . وهم إذا ذكروا إجماع المسلمين لم يكن لهم علم بهذا الإجماع فإنه لو أمكن العلم بإجماع المسلمين لم يكن هؤلاء من أهل العلم به ؛ لعدم علمهم بأقوال السلف فكيف إذا كان المسلمون يتعذر القطع ؛ بإجماعهم في مسائل النزاع بخلاف السلف فإنه يمكن العلم بإجماعهم كثيرا . وإذا ذكروا نزاع المتأخرين لم يكن بمجرد ذلك أن يجعل هذه من مسائل الاجتهاد التي يكون كل قول من تلك الأقوال سائغا لم يخالف إجماعا ؛ لأن كثيرا من أصول المتأخرين محدث مبتدع في الإسلام مسبوق بإجماع السلف على خلافه والنزاع الحادث بعد إجماع السلف خطأ قطعا كخلاف الخوارج والرافضة والقدرية والمرجئة ممن قد اشتهرت لهم أقوال خالفوا فيها النصوص المستفيضة المعلومة وإجماع الصحابة".
ومن خالف ما دلت عليه النصوص الشرعية دلالة ظاهرة , او انعقد عليه إجماع سلف الأمة كان منازعها من أهل البدع والاهواء , بخلاف من خالف في مسائل الاجتهاد كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (4\425) : "وهذا كسائر الأمور المعلومة بالاضطرار عند أهل العلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان غيرهم يشك فيها أو ينفيها : كالأحاديث المتواترة عندهم في شفاعته وحوضه وخروج أهل الكبائر من النار والأحاديث المتواترة عندهم : في الصفات والقدر والعلو والرؤية وغير ذلك من الأصول التي اتفق عليها أهل العلم بسنته كما تواترت عندهم عنه ؛ وإن كان غيرهم لا يعلم ذلك كما تواتر عند الخاصة - من أهل العلم عنه - الحكم بالشفعة , وتحليف المدعى عليه , ورجم الزاني المحصن , واعتبار النصاب في السرقة , وأمثال ذلك من الأحكام التي ينازعهم فيها بعض أهل البدع ؛ ولهذا كان أئمة الإسلام متفقين على تبديع من خالف في مثل هذه الأصول .
بخلاف من نازع في مسائل الاجتهاد التي لم تبلغ هذا المبلغ في تواتر السنن عنه : كالتنازع بينهم في الحكم بشاهد ويمين , وفي القسامة , والقرعة وغير ذلك من الأمور التي لم تبلغ هذا المبلغ" .

[أحكام مسائل الاجتهاد ]
وبعد أن عرفنا حد مسائل الاجتهاد , والفرق بينها وبين مسائل القطع في التوصيف , وفي حكم المخالف فيها ؛ نشرع في إيضاح أهم الأحكام المتعلقة بمسائل الاجتهاد , ومنها :

أولا : إن مسائل الاجتهاد دائرة بين الراجح والمرجوح , ومن ترجح لديه شيء تكلم به , كما قال أبو المعالي الجويني في رسالة الاجتهاد (ص\50) : "إن الصحابة ومن بعدهم من التابعين ما زالوا يتكلمون في مسائل الاجتهاد , وكل منهم يزعم ان كل مجتهد متبع لاجتهاده , ولا يسوغ له الإضراب عنه , وكان كل واحد منهم لا يقطع بأن الذي تمسك به هو الحق , والكل مدعوون إليه فان لم يصل إليه فقد أخطأ الحق , وأكثر ما كان يدعيه المجتهد منهم غلبة الظن وترجيح الإمارات وأما القطع فلم يصر إليه احد منهم وكذلك كل علم" .
وقال العلائي في إجمال الإصابة (ص\27) : "ثم العادة جارية في كل عصر بأن من كان عنده خلاف في شيء من مسائل الاجتهاد أبداه ولم يسكت" .
ونص شيخ الإسلام على أن من ترجح لديه حكم في مسألة تعين عليه أن يقول به فهذا هو غاية ما يستطيعه , كما قال في مجموع الفتاوى (3\314) : "فإذا كان كثير مما تنازعت فيه الأمة - من هذه المسائل الدقيقة - فقد يكون عند كثير من الناس مشتبهًا لا يقدر فيه دليل يفيد اليقين، لا شرعي ولا غيره، لم يجب على مثل هذا في ذلك مالا يقدر عليه، وليس عليه أن يترك ما يقدر عليه من اعتقاد قوي غلب على ظنه لعجزه عن تمام اليقين، بل ذلك الذي يقدر عليه، لا سيما إذا كان مطابقًا للحق فالاعتقاد المطابق للحق ينفع صاحبه ويثاب عليه ويسقط به الفرض إذا لم يقدر على أكثر منه" .

ثانيا : لا إلزام بمسائل الاجتهاد .
ليس معنى تكلم المجتهد بما ترجح عنده أو –حتى- تيقن منه في مسائل الاجتهاد أنه يسوغ له أن يلزم غيره به , إذا لا إلزام في موارد الاجتهاد كما قال شيخ الإسلام مقررا مذهب أهل السنة والجماعة قاطبة في هذا الباب كما في الفتاوى الكبرى (6\339) : "ولهذا كان أئمة أهل السنة والجماعة، لا يلزمون الناس بما يقولونه من موارد الاجتهاد، ولا يكرهون أحدا عليه".
وقال –كذلك- في مجموع الفتاوى (10\383-384) : "وما من الأئمة إلا من له أقوال وأفعال لا يتبع عليها مع أنه لا يذم عليها , وأما الأقوال والأفعال التي لم يعلم قطعا مخالفتها للكتاب والسنة بل هي من موارد الاجتهاد التي تنازع فيها أهل العلم والإيمان ؛ فهذه الأمور قد تكون قطعية عند بعض من بين الله له الحق فيها ؛ لكنه لا يمكنه أن يلزم الناس بما بان له ولم يبن لهم فيلتحق من وجه بالقسم الأول . ومن وجه بالقسم الثاني .
وقد تكون اجتهادية عنده أيضا فهذه تسلم لكل مجتهد ومن قلده طريقهم تسليما نوعيا بحيث لا ينكر ذلك عليهم كما سلم في القسم الأول تسليما شخصيا" .
قال –أيضا- في مجموع الفتاوى (27\300) : "لو كان أحدهم عارفا بمذهبه لم يكن له أن يلزم علماء المسلمين بمذهبه ولا يقول : يجب عليكم أنكم تفتون بمذهبي وأنه أي مذهب خالف مذهبي كان باطلا ؛ من غير استدلال على مذهبه بالكتاب والسنة , ولو قال : من خالف مذهبي فقوله مردود ويجب منع المفتي به وحبسه لكان مردودا عليه وكان مستحقا العقوبة على ذلك بالإجماع" .
فكما أنه ليس للمجتهد أن يلزم بقوله فكذلك من باب أولى من قلده فليس له أن يبطل قولا ولا أن يلزم بقول , كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (33\143-144) : "فالمقلد لا ينكر القول الذي يخالف متبوعه إنكار من يقول هو باطل فإنه لا يعلم أنه باطل ؛ فضلا عن أن يحرم القول به ويوجب القول بقول سلفه .
والمجتهد ينظر ويناظر وهو مع ظهور قوله لا يسوغ قول منازعيه الذي ساغ فيه الاجتهاد وهو ما لم يظهر أنه خالف نصا ولا إجماعا ؛ فمن خرج عن حد التقليد السائغ والاجتهاد كان فيه شبه من الذين {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا} وكان من اتبع هواه بغير هدى من الله" .
ولا يسوغ إلزام طالب العلم بل ولا الجندي ولا العامي إذا كان لهم نوع نظر وبحث واستدلال بخلاف ما ترجح عندهم , كما قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (35\378-379) : "وقد فرض الله على ولاة أمر المسلمين اتباع الشرع الذي هو الكتاب والسنة ؛ وإذا تنازع بعض المسلمين في شيء من مسائل الدين ولو كان المنازع من آحاد طلبة العلم لم يكن لولاة الأمور أن يلزموه باتباع حكم حاكم ؛ بل عليهم أن يبينوا له الحق كما يبين الحق للجاهل المتعلم فإن تبين له الحق الذي بعث الله به رسوله وظهر وعانده بعد هذا استحق العقاب .
وأما من يقول : إن الذي قلته هو قولي أو قول طائفة من العلماء المسلمين ؛ وقد قلته اجتهادا أو تقليدا : فهذا باتفاق المسلمين لا تجوز عقوبته ولو كان قد أخطأ خطأ مخالفا للكتاب والسنة ولو عوقب هذا لعوقب جميع المسلمين فإنه ما منهم من أحد إلا وله أقوال اجتهد فيها أو قلد فيها وهو مخطئ فيها ؛ فلو عاقب الله المخطئ لعاقب جميع الخلق ؛ بل قد قال الله تعالى في القرآن : { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير , لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين } وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم [أن الله استجاب هذا الدعاء ولما قال المؤمنون : { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } قال الله : قد فعلت] وكذلك في سائر الدعاء وقال النبي صلى الله عليه وسلم { : إن الله تجاوز لأمتي عن الخطإ والنسيان وما استكرهوا عليه } .
فالمفتي والجندي والعامي إذا تكلموا بالشيء بحسب اجتهادهم اجتهادا أو تقليدا قاصدين لاتباع الرسول بمبلغ علمهم لا يستحقون العقوبة بإجماع المسلمين وإن كانوا قد أخطئوا خطأ مجمعا عليه .
وإذا قالوا إنا قلنا الحق واحتجوا بالأدلة الشرعية : لم يكن لأحد من الحكام أن يلزمهم بمجرد قوله ولا يحكم بأن الذي قاله هو الحق دون قولهم بل يحكم بينه وبينهم الكتاب والسنة , والحق الذي بعث الله به رسوله لا يغطى بل يظهر ؛ فإن ظهر رجع الجميع إليه وإن لم يظهر سكت هذا عن هذا وسكت هذا عن هذا ؛ كالمسائل التي تقع يتنازع فيها أهل المذاهب " .

ثالثا : لا إنكار في مسائل الاجتهاد .
ولا يسوغ الإنكار على من تكلم بما ترجح عنده مما اجتهد فيه ولو كان مجتهد مسألة فضلا عن أن يكون مجتهد مذهب فكيف بالمجتهد المطلق ؛ فما لم يكن من الاجتهاد مخالفا للكتاب والسنة مخالفة ظاهرة , او مخالفا لما انعقد عليه الإجماع المعتبر لم يكن يسوغ الإنكار على القائل به , ولكن يعارض الاجتهاد بالحجج العلمية , كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (30\80) : "وكذلك قال غير مالك من الأئمة : ليس للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه , ولهذا قال العلماء المصنفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي وغيره : إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها ؛ ولكن يتكلم فيها بالحجج العلمية فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه ومن قلد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه" .
وليس معنى أنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد أنه لا يسوغ الإنكار في مسائل الخلاف , ففرق بين نوعي المسألتين –كما تقدم- , وقد قرر مشروعية الإنكار على مسائل الخلاف التي لا تدخل ضمن باب الاجتهاد شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- عندما قرر حرمة التحايل ووجوب إنكاره مع وجود من خالف فيه من العلماء فقال في الفتاوى الكبرى (6\96) : "وقولهم مسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح فإن الإنكار، إما أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل .
أما الأول : فإذا كان القول يخالف سنة، أو إجماعا قديما وجب إنكاره وفاقا .
وإن لم يكن كذلك فإنه ينكر بمعنى بيان ضعفه عند من يقول المصيب واحد وهم عامة السلف والفقهاء .
وأما العمل : فإذا كان على خلاف سنة، أو إجماع وجب إنكاره أيضا بحسب درجات الإنكار كما ذكرناه من حديث شارب النبيذ المختلف فيه، وكما ينقض حكم الحاكم إذا خالف سنة، وإن كان قد اتبع بعض العلماء.
وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ [فلا] ينكر على من عمل بها مجتهدا، أو مقلدا" .
وقال ابن القيم –رحمه الله- في إعلام الموقعين (3\288) : "وقولهم إن مسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح فإن الانكار إما ان يتوجه الى : القول , والفتوى , او العمل .
أما الأول : فإذا كان القول يخالف سنة أو إجماعا شائعا وجب إنكاره اتفاقا إن لم يكن كذلك فإن بيان ضعفه ومخالفته للدليل إنكار مثله .
وأما العمل فإذا كان على خلاف سنة او اجماع وجب إنكاره بحسب درجات الانكار وكيف يقول فقيه لا إنكار في المسائل المختلف فيها والفقهاء من سائر الطوائف قد صرحوا بنقص حكم الحاكم إذا خالف كتابا او سنة وإن كان قد وافق فيه بعض العلماء وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ لم تنكر على من عمل بها مجتهدا أو مقلدا .
وإنما دخل هذا اللبس من جهة ان القائل يعتقد ان مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد كما اعتقد ذلك طوائف من الناس ممن ليس لهم تحقيق في العلم".

رابعا : لا طعن على من خالف الراجح في مسائل الاجتهاد , كما قال ابن القيم في إعلام الموقعين (3\288-289) : "إن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوبا ظاهرا مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه فيسوغ فيها إذا عدم فيها الدليل الظاهر الذي يجب العمل به الاجتهاد لتعارض الأدلة أو لخفاء الأدلة فيها وليس في قول العالم إن هذه المسألة قطعية أو يقينية ولا يسوغ فيها الاجتهاد طعن على من خالفها ولا نسبة له الى تعمد خلاف الصواب .
والمسائل التي اختلف فيها السلف والخلف -وقد تيقنا صحة احد القولين فيها كثير- مثل :
كون الحامل تعتد بوضع الحمل , وان إصابة الزوج الثاني شرط في حلها للأول , وان الغسل يجب بمجرد الإيلاج وان لم ينزل , وان ربا الفضل حرام , وان المتعة حرام , وان النبيذ المسكر حرام , وان المسلم لا يقتل بكافر , وان المسح على الخفين جائز حضرا وسفرا , وان السنة في الركوع وضع اليدين على الركبتين دون التطبيق , وأن رفع اليدين عند الركوع والرفع منه سنة , وان الشفعة ثابتة في الارض والعقار , وان الوقف صحيح لازم , وأن دية الاصابع سواء , وأن يد السارق تقطع في ثلاثة دراهم , وان الخاتم من حديد يجوز أن يكون صداقا , وأن التيمم الى الكوعين بضربة واحدة جائز , وان صيام الولي عن الميت يجزيء عنه , وان الحاج يلبي حتى يرمي جمرة العقبة , وان المحرم له استدامة الطيب دون ابتدائه , وان السنة ان يسلم في الصلاة عن يمينه وعن يساره السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله , وان خيار المجلس ثابت في البيع , وان المصراة يرد معها عوض اللبن صاعا من تمر , وأن صلاة الكسوف بركوعين في كل ركعة , وان القضاء جائز بشاهد ويمين , الى أضعاف أضعاف ذلك من المسائل , ولهذا صرح الأئمة بنقض حكم من حكم بخلاف كثير من هذه المسائل من غير طعن منهم على من قال بها" .

خامسا : الاجتهاد لا ينقض ولا يقرر باجتهاد .
وهي قاعدة فقهية معلومة مجمع عليها كما قال السيوطي في الأشباه والنظائر (ص\101) : "الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد : الأصل في ذلك إجماع الصحابة رضي الله عنهم نقله ابن الصباغ وأن أبا بكر حكم في مسائل خالفه عمر فيها ولم ينقض حكمه ، وحكم عمر في المشركة بعدم المشاركة ثم بالمشاركة وقال ذلك على ما قضينا وهذا على ما قضينا ، وقضى في الجد قضايا مختلفة .
وعلته أنه ليس الاجتهاد الثاني بأقوى من الأول فإنه يؤدي إلى أنه لا يستقر حكم وفي ذلك مشقة شديدة فإنه إذا نقض هذا الحكم نقض ذلك النقض وهلم جرا".
وقال العلامة الأسنوي –رحمه الله- في نهاية السول شرح منهاج الوصول (2\323) : "الاتفاق على أن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد".
ووجه هذه القاعدة ما ذكره الإمام الزركشي بقوله في البحر المحيط في أصول الفقه (4\551) : "ولا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد , وإلا يؤدي إلى نقض النقض ويتسلسل فتضطرب الأحكام ولا يوثق فيها" .
ومعنى هذه القاعدة كما قال السيوطي في الأشباه والنظائر (ص\103) : "معنى قولهم " الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد " أي في الماضي ولكن بغير الحكم في المستقبل لانتفاء الترجيح الآن ولهذا يعمل بالاجتهاد الثاني في القبلة ولا ينقض ما مضى" .
فليس لمجتهد أن يحكم بنقض حكم مجتهد آخر أو بإبطال قوله في نفس الأمر بمحض اجتهاده , كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة النبوية (6\98) : "أن الناس إنما نقلوا عن عمر في فريضة واحدة قضاءين قضى في المشركة فروى عنه بالإسناد المذكور في كتب أهل العلم أنه قضى فيها مرة بعدم التشريك وهذا قول علي وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل في المشهور عنه , وقضى في نظيرها في العام الثاني بالتشريك وقال ذلك على ما قضينا وهذا على ما نقضى وهذا قول زيد وهو قول مالك والشافعي فإنهما وغيرهما مقلدان لزيد في الفرائض وهي رواية حرب عن أحمد ابن حنبل ؛ وهذا مما استدل به الفقهاء على أن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد" .
لكن يتعين على من ترجح لديه اجتهاد مخالف لما كان يتبناه أن يقول به ويعمل بمقتضاه –وهذا معنى النقض عند من قال به- كما قال العلامة الزركشي في المنثور في القواعد (1\93-96) : "الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد ؛ لأنه لو نقض به لنقض النقض أيضا أنه ما من اجتهاد إلا ويجوز أن يتغير ويتسلسل فيؤدي إلى أنه لا تستقر الأحكام .
ومن ثم اتفق العلماء على أنه لا ينقض حكم الحاكم في المسائل المجتهد فيها وإن قلنا المصيب واحد لأنه غير متعين ولو حكم القاضي باجتهاده ثم تغير باجتهاد آخر لا ينقض الأول وإن كان الثاني أقوى منه غير أنه إذا تجدد له لا يعمل إلا بالثاني بخلاف ما لو بان له الخطأ باليقين فإنه ينقض .... .
[و]اعلم أن هذه العبارة اشتهرت في كلامهم وتحقيقها : أن النقض الممتنع إنما هو في الأحكام الماضية وإنما تغير الحكم في المستقبل لانتفاء الترجيح الآن وهذا كالمجتهد في القبلة وغيرها إذا غلب على ظنه دليل فأخذ به ثم عارضه دليل آخر بعد ذلك فإنه يعمل بالثاني في المستقبل ولا ينقض ما مضى ... .
[و] المراد لا ينقض باجتهاد مثله فإنه ليس بأولى من الآخر وينقض باجتهاد أجلى وأوضح منه ومن طريق أولى أن يتيقن الخطأ".
ولهذا فالاجتهاد لا يحرم الاجتهاد ولا يحكم ببطلان قول المجتهد أو عمله لمخالفته اجتهاد غيره من المجتهدين , كما قال ابن القيم في إعلام الموقعين (3\169) : "الاجتهاد لا يحرم الاجتهاد , ولا يحكم ببطلان عمل المسلم المجتهد بمخالفته لاجتهاد نظيره" .

سادسا : مسائل الاجتهاد لا يجري فيها التأثيم .وعلى هذا إجماع العلماء كما قال الإمام الجويني في رسالة الاجتهاد (ص\57-58) : "اجمع أهل العصر قاطبة على أن مسائل الاجتهاد لا يجري فيها التأثيم وإنما يجري التأثيم في أن يخالف الرجل موجب اجتهاده".

سابعا : لا حجة في قول مجتهد على مجتهد آخر .قال شعبة بن الحجاج وغيره : (أقوال التابعين في الفروع ليست حجة فكيف تكون حجة في التفسير؟!) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في معنى هذا الأثر في مجموع الفتاوى (13\370) : " يعني : أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم وهذا صحيح".
وكذلك فقد اجمع العلماء على أن مذهب الصحابي في مسائل الاجتهاد لا يكون حجة على غيره من الصحابة المجتهدين , كما قال الآمدي في الأحكام (4\149) : "اتفق الكل على أن مذهب الصحابي في مسائل الاجتهاد لا يكون حجة على غيره من الصحابة المجتهدين، إماما كان أو حاكما أو مفتيا". ولهذا فلا يترك المجتهد قوله الذي غلب على ظنه لقول مجتهد أعلم منه وأفقه , كما قال ابن الحاج في التقرير والتحبير (2\382) : "التحقيق لا يترك اجتهاد لاجتهاد الأفقه" .

ثامنا : لا ينسب لله تعالى حكم في مسائل الاجتهاد .والأصل في هذه القاعدة قول النبي (صلى الله عليه وسلم) من حديث بريدة بن الحصيب أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال : [وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا] .
ولهذا قال ابن القيم في أحكام أهل الذمة (ص\114) : "وقوله [فإن سألوك على أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا] فيه حجة ظاهرة على أنه لا إطلاق حكم الله على ما لا يعلم العبد أن الله حكم به يقينا من مسائل الاجتهاد , كما قال بعض السلف : (ليتق أحدكم أن يقول أحل الله كذا أو حرم كذا فيقول الله له كذبت لم أحل كذا ولم أحرمه)" .
ةقال –أيضا- في زاد المعاد (2\) : "ومن الألفاظ المكروهة الإفصاح عن الأشياء التي ينبغي الكناية عنها بأسمائها الصريحة ومنها : أن يقول : أطال الله بقاءك ؟ وأدام أيامك وعشت ألف سنة ونحو ذلك ... , ومنها : أن يقول المفتي : أحل الله كذا وحرم الله كذا في المسائل الاجتهادية وإنما يقوله فيما ورد النص بتحريمه" .

تاسعا : مسائل الاجتهاد لا يخير فيها المجتهد .وهذه القاعدة أجمعت عليها الأمة , وحكى الإجماع على هذا ابن الخطاب كما في المسودة (\397) : " وذكر أبو الخطاب أن الأمة مجمعة أن مسائل الاجتهاد ليس المجتهد مخيرا فيها" .
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين (4\128) : "مسائل الاجتهاد لا يتخير الرجل فيها بين القولين" .

عاشرا : الخلاف في مسائل الاجتهاد لا يزيل الألفة .
قال السمعاني في قواطع الأدلة (4\86) : "والضرب الآخر من الاختلاف : لا يزيل الألفة ولا يوجب الوحشة ولا يوجب البراءة ولا يقطع موافقة الإسلام وهو الاختلاف الواقع في النوازل التي عدمت فيها النصوص في الفروع وغمضت فيها الأدلة فيرجع في معرفة أحكامها إلى الاجتهاد ويشبه أن يكون إنما غمضت أدلتها وصعب الوصول إلى عين المراد منها امتحانا من الله سبحانه وتعالى لعباده لتفاضل في درجات العلم ومراتب الكرامة كما قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الذينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالذينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] وقال: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: 76]" .
وأما أن تضخم مسائل الخلاف , وتعقد عليها راية التعصب والولاء , فهذا من شعار أهل الفرقة والاختلاف , كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (22\405) : "أما صفة الصلاة ومن شعائرها مسألة البسملة فإن الناس اضطربوا فيها نفيا وإثباتا في كونها آية من القرآن وفي قراءتها وصنفت من الطرفين مصنفات يظهر في بعض كلامها نوع جهل وظلم مع أن الخطب فيها يسير . وأما التعصب لهذه المسائل ونحوها فمن شعائر الفرقة والاختلاف الذي نهينا عنها ؛ إذ الداعي لذلك هو ترجيح الشعائر المفترقة بين الأمة ؛ وإلا فهذه المسائل من أخف مسائل الخلاف جدا لولا ما يدعو إليه الشيطان من إظهار شعار الفرقة" .

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين

بنت الحواء
2013-03-18, 07:08 PM
جزاك الله خيرا
في ميزان حسناتك