المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وجوب طاعة ولي الأمر وتحريم الخروج عليه إلا أن يرى كفر بواح


عبدالله الأحد
2015-12-13, 02:41 PM
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله

طاعة ولي الأمر

الحمد لله الذي خلق آدم من سلالة من طين، وجعل نسله من ماء مهين، وأشهد ألاَّ إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الصادق الأمين، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:
فيا أيها الناس: اتقوا الله تعالى وأطيعوه، وراقبوا أمره ولا تعصوه، واشكروه على جميع نعمه ﴿ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ [1].

عباد الله: اعتصموا بحبل الله تعالى جميعا ولا تفرقوا، واجتهدوا في إصلاح ذات البين؛ فإن فساد ذات البين هي الحالقة للدين، واحذروا النزاع وأسباب التفرق: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾[2].

ومن أسباب التفرق وتمزيق القلوب:
الحسد، والتباغض، والتدابر، وفعل ما يسخط الآخر كالنجش، وهو: أن يزيد في ثمن السلعة بعد أن يرضى صاحبها ببيعها للسائم الأول، أما ما دامت في السوق وصاحبها يطلب الزيادة فلا بأس، وبيعه على بيع أخيه، وشرائه على شراء أخيه، فاحذروا أسباب التفرق؛ لأنه من أمور الجاهلية.

واعلموا أن الله تعالى أمر ولاة أمور المسلمين بأن يؤدوا ما بأعناقهم من الأمانة للرعية، وأن يحكموا بالعدل فيقيموا الحدود والتعزيرات، ويردعوا العصاة عن المعاصي، وأن يرفقوا بالرعية، فلا يكلفوهم ما يشق عليهم؛ قال تعالى: ﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾[3]، وأمر الرعية بأن يسمعوا لهم ويطيعوهم فيما أمروهم أو نهوهم مالم يكن في معصية الخالق؛ قال تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾[4].

فوجوب طاعة ولي أمر المسلمين عقيدة دينية يدين بها المسلم لربه، فإن أمره أميره أو مديره بأمر وجب عليه تنفيذه ما لم يكن معصية لله تعالى، وإن نهاه عن فعل شيء وجب الانتهاء عنه، وولاة الأمور هم العلماء والأمراء، فطاعة هؤلاء فيها مصلحة الدين والدنيا، ومخالفتهم فيها فساد الدين والدنيا، فولي الأمر جُنة: أي: ستر وحجاب، ونعمة على المجتمع الإسلامي يقودهم للجهاد في سبيل الله تعالى، والدفاع عن الأعراض والأموال، ويقودهم من له الولاية على الحرمين في الحج، ويولي من هو أهل للولاية على مصالح المسلمين، ويعزل من ليس أهلاً، ويحمي سبيل المسلمين عن من يحاول قطع الطريق والتعرض للمسلمين، ويأخذ أموالهم، أو يقتلهم، أو ينتهك أعراضهم، ويضرب على يد من يريد الإخلال بالأمن.

فلهذه المصالح وغيرها قال العلماء: تجب طاعة الأمير ولو كان فاسقا بنفسه، فإن صلى بالناس إماماً وجب أن يصلوا معه.

وكما تجب طاعة ولاة الأمور يجب النصح لهم، وإظهار محاسنهم وإخفاء مساوئهم، ويحرم الكلام بما يوقع بغضهم في القلوب أو ينفر عنهم، ومن لم يقدر على النصح دعا لهم.

ويروى عن الإمام أحمد، والفضيل بن عياض: «لو أعلم أن لي دعوة مستجابة لصرفتها لولي الأمر؛ لأن في صلاح ولي الأمر صلاح الرعية»، وهذا من فقههما رحمهما الله تعالى؛ ففي الحديث: (إن الله تعالى يرضى لكم ثلاثاً أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وأن تجتمعوا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم).

ويشترط لنصح ولي الأمر: صلاح نية الناصح، وصدقها، ويعرف ذلك بألاَّ يرى منه الافتخار بأنه يصل إلى الأمراء والحكام، بل يخفي نصيحته؛ فإن صادفت قبولا كان دالا على الخير، والدال على الخير كفاعله، وإن صادفت ردا فقد برئت ذمته، ففي احترام ولاة الأمور من الأمراء والعلماء عز المجتمع؛ لأن ذلك سبب لوحدة الكلمة، ووحدة الكلمة لها روعتها ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ [5].

فلا يوقع بهم الكلام لا سيما مع الصغار والعوام، والذين لا يعرفون العواقب؛ فالكتاب والسنة مملوءان بهذا المعنى، وإليكم أقوال بعض العلماء في تفسير الآية الكريم: أطيعوا السلطان في ضرب الدراهم، والدنانير، والمكاييل، والموازين، والأحكام، والحج، والجمعة، والعيدين، والجهاد.

قال بعض المفسرين: لو نهى السلطان العالم عن الفتوى فليس له أن يفتي؛ فإن أفتى فهو عاصٍ؛ لأن الفتوى علاج للقلوب، فلا بد أن ينظر السلطان في طبيب القلوب؛ فهو أولى بالنظر من طبيب الأجسام ومثله المعلم.

ومن أمثلة ما يطاعون به:
سائر الأنظمة التي فيها مصلحة للمجتمع، ولا تخالف نصا من الكتاب والسنة، وكما تجب الطاعة لولاة الأمور من المواطنين فيه تجب أيضاً على المقيمين والزائرين فيجب عليهم أن ينفذوا ما التزموا به من شروط وضعتها الدولة فلا يعيثون في الأرض فسادا، ولا يبثون كلاما مسموما ولا يغشون في أعمالهم؛ فمن خالف ما التزم به من الشروط، أو أعان على المخالفة فهو عاص لولاة الأمور، ففي الحديث الشريف: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني ومن عصاه فقد عصاني). وفي الحديث الآخر: إن سلمة بن يزيد سأل رسول الله - صـلى الله عليه وسلم - قال: (يا نبي الله، أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألون حقهم ويمنعونا حقنا فما تأمرنا؟ فأعرض عنه حتى سأله الثانية والثالثة فجذبه الأشعث بن قيس، فقال: (اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم).

وفي الحديث الآخر: (إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها). قالوا: يارسول الله، كيف تأمر من أدرك ذلك منا؟ قال: (تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم). وفي رواية: (وتسألون لهم الهداية).

وفي الحديث الآخر: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم). قالوا: يارسول الله، ألا ننابذهم؟ عند ذلك قال: (لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، لا، ما أقاموا فيكم الصلاة). وفي الحديث الآخر: (ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يداً من طاعة). وفي الحديث الآخر: (على المرء السمع والطاعة فيما أحب أو كره إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة). أي: لا ينفذ ما أمر به من المعصية، أما ما أمر به من الطاعات فعليه تنفيذه، ولهذه النصوص ولغيرها قال بعض العلماء: لا يزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء؛ فإذا عظموا هذين أصلح الله دنياهم وأخراهم، ومن تعظيم العلماء والحكام ألاَّ ينشر الإنسان أو يذيع أمرا أو حدثا رآه، بل يرد لهاتين الفئتين؛ قال تعالى: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾[6].

قال القرطبي رحمه الله في أحكام القرآن: «والمعنى أنهم إذا سمعوا شيئا من الأمور فيه أمن نحو ظفر المسلمين وقتل عدوهم، ﴿ أَوِ الْخَوْفِ ﴾ وهو ضد هذا ﴿ أَذَاعُوا بِهِ ﴾،أي: أفشوه وأظهروه وتحدثوا به قبل أن يقفوا على حقيقته؛ ولا يصدر هذا من أقوياء المسلمين وأهل العقول السليمة، ولهذا قال بعض المفسرين: إنه يصدر من ضعفة المسلمين؛ لأنهم كانوا يفشون أمر النبي صـلى الله عليه وسلم ويظنون أنهم لاشيء عليهم في ذلك»[7].

كما نقل عن الضحاك قال: «هو في المنافقين، فنهوا عن ذلك؛ لما يلحقهم من الكذب في الإرجاف».

وقال القرطبي رحمه الله أيضا في قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ ﴾: «أي: لم يحدِّثوا به ولم يفشوه حتى يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الذي يحدث به ويفشيه، أو أولوا الأمر وهم: أهل العلم والفقه».

كما نقل عن بعض التابعين أن المراد بولي الأمر: الولاة، وقيل: أمراء السرايا، ولا يمنع أن تشمل الآية العلماء والولاة المؤمنين العاملين بشرع الله تعالى.

ولا مانع أن يكون الإخبار للمسئول المباشر أو المسئول العام حسب الحال والمصلحة، وقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [8]. قال القرطبي: «أي: لعلموا ما ينبغي أن يفشى منهم، وما ينبغي أن يكتم، فلو تأدب المسلمون بآداب القرآن وتخلقوا بأخلاقه لسلمت صدورهم، واجتمعت كلمتهم، وانتصروا على عدوهم».

ولولاة الأمور والرعايا الأسوة الحسنة في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه حينما جاءه خبر بني قريظة ونقضهم للعهد بعد انهزام الأحزاب في غزوة الخندق، حيث بعث إليهم بعض الصحابة؛ ليتثبت عن نقض بني قريظة، ثم قال لهم رسول الله صـلى الله عليه وسلم كلاماً معناه: إذا وجدتهم لم ينقضوا فارفع صوتك بالخبر إذا أقبلت علينا، وإن وجدتهم قد نقضوا فأعطني الإشارة من دون أن يسمع الصحابة[9]، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - أراد منه أن يرفع صوته عند عدم نقضهم العهد؛ لما في ذلك من تقوية لنفوس المسلمين ورفع لمعنوياتهم.

وكذا الإشارة حال نقضهم العهد؛ لما في ذلك من تشجيع للمنافقين وليكون الإخبار من جهة الرسول - صلى الله عليه وسلم - حسب الطريقة التي يراها.

ولهذا خطب الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالصحابة بعد صلاة الظهر وأمرهم ألاَّ يصلوا العصر إلا في بني قريظة، فما كان منهم إلا السمع والطاعة.

فالمسلم حقا يعمل بما سمع من كتاب الله تعالى وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ولو خالفهما الكثير من الناس؛ قال تعالى: ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾[10]، وقال: ﴿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾[11].

فالعبرة أيها المسلمون، بمن نجا كيف نجا وليس العبرة بمن هلك كيف هلك.

فلا تستوحشوا من الطريق لقلة السالكين، ولا تغتروا بكثرة الهالكين.

نسأل الله تعالى العفو والعافية في الدنيا والآخرة، كما نسأله السلامة من حقوق خلقه والإعانة على أداء حقه، وأن يجعلنا من المتعاونين مع ولاة أمورنا على البر والتقوى وألاَّ يجعلنا من المتعاونين على الإثم والعدوان.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [12].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين والمسلمات من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

[1] سورة الزمر، الآية [7].
[2] سورة الأنفال، الآية [46].
[3] سورة الشعراء، الآية [215].
[4] سورة النساء، الآية [59].
[5] سورة آل عمران، الآية [103].
[6] سورة النساء، الآية [83].
[7] أحكام القرآن (5/291).
[8] سورة النساء، الآية [83].
[9] انظر: البداية والنهاية للحافظ ابن كثير 6/37، تحقيق التركي.
[10] سورة الأنعام، الآية [116].
[11] سورة سبأ، الآية [13].
[12] سورة النساء، الآية [59].منقول موقع الألوكة

الخروج عن طاعة أولي الأمر (العلماء والأمراء)


لقد أمر الله عز وجل بطاعة أولي الأمر، وعد ذلك من طاعته كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ [ النساء: 59] ، واختلف في المراد بـ " أُوْلِي الأَمْرِ" هنا: فقيل: إنهم الأمراء، وقيل إنهم العلماء والفقهاء (1) . والظاهر أن الآية عامة في كل أولي الأمر من الأمراء والعلماء (2) .
يقول ابن قيم الجوزية مرجحا أن المراد بأولي الأمر: العلماء والأمراء: والقولان ثابتان عن الصحابة في تفسير الآية، والصحيح أنها متناولة للصنفين جميعا، فإن العلماء والأمراء ولاة الأمر الذي بعث الله به رسوله، فإن العلماء، ولاته حفظا وبيانا وذبا عنه، وردا على من ألحد فيه وزاغ عنه.
والأمراء ولاته قياما وعناية وجهادا وإلزاما للناس به، وأخذهم على يد من خرج عنه. وهذان الصنفان هما الناس، وسائر النوع الإنساني تبع لهما ورعية" (3) .
نعم، إن هؤلاء هما الناس، وسائر النوع الإنساني تبع لهما ورعية، ومتى ما اختل هذا الميزان وقعت الفرقة في الأمة، ودب الضعف في كيانها.
إن تنحية العلماء عن منصب الولاية والقيادة (4) ، والخروج عن قولهم ورأيهم خطر عظيم، وأمارة من أمارات الساعة، ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. قال : كيف إضاعتها يا رسول الله ؟ قال: إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)) (5) .
والمراد بـ " الأمر " : هو جنس الأمور التي تتعلق بالدين كالخلافة والإمارة والقضاء، والإفتاء وغير ذلك (6) .
ومعنى الحديث : " أن الأئمة قد ائتمنهم الله على عباده وفرض عليهم النصيحة لهم، فينبغي لهم تولية أهل الدين، فإذا قلدوا غير أهل الدين فقد ضيعوا الأمانة التي قلدهم الله تعالى إياها " (7) .
وقد يغفل بعض الناس عن أهمية طاعة العلماء، ويقللون من خطر الخروج عن مشورتهم، فنجد كثيرا من يتحدث عن وجوب طاعة الأمراء، وأهميته في تحقق الجماعة واستتباب الأمن في المجتمع، وهذا حق . . ولكنهم يغفلون عن أهمية طاعة العلماء، وحاجة الأمة كلها رؤساء وأمراء وعامة إليهم.
إن الخروج عن طاعة العلماء الربانيين، وترك مشورتهم مفسد للدنيا والآخرة، ولا يعني هذا تقديسهم أو التعصب لأقوال الرجال، ليس هذا إطلاقا، بل متى ما عارض قولهم قول الله ورسوله رد ولم يقبل، فقولهم معتبر ورأيهم متبع لأنهم يتبعون ما جاء من ربهم ويبينونه للناس، يقول الإمام أحمد بن حنبل واصفا العلماء: " الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم.
ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدع، وأطلقوا عقال الفتنة " (8) .
أما أولي الأمر من الأمراء فطاعتهم واجبة ما دام أنهم يحكمون بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فالله سبحانه قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ [ النساء: 59] ، فلم يقل وأطيعوا أولي الأمر بل عطف طاعتهم على طاعة الرسول إذ أنه لا تجب طاعة أحدهم إلا إذا اندرجت تحت طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم (9) .
فطاعة أولي الأمر إذاً ليست طاعة مفردة مستقلة، بل طاعتهم طاعة مستثناة فيما لهم وعليهم، واجبة لهم ما دام أنهم يحكمون بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم (10) . ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: ((اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة)) (11) .
وقال أيضا: ((السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)) (12) . وقال: ((إنما الطاعة في المعروف)) (13) .
وقال عليه السلام: ((من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني، وإنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به، فإن أمر بتقوى الله وعدل فإن له بذلك أجرا، وإن قال بغيره فإن عليه منه)) (14) .
وكان ما قاله عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع قوله: ((إن أمر عليكم عبد مجدع – حسبتها قالت أسود - (15) . يقودكم بكتاب الله فأسمعوا له وأطيعوا)) (16) .
وفي هذه النصوص فوائد وأحكام منها:
وجوب طاعة الإمام وأن طاعته من طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
إن من أطاع الأمراء ممتثلا أمر الله ورسوله فأجره على الله، أما إن كان لا يطيعهم إلا لما يأخذ من الولاية والمال فإن أعطوه أطاعهم، وإن منعوه عصاهم، فما له في الآخرة من خلاق (17) ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم :((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم ... وذكر منهم: " رجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنياه، إن أعطاه ما يريد وفى له؛ وإلا لم يف له)) (18) .
إن المرام بالإمام هنا: ليس مقصورا على إمامة المسلمين العامة، بل يشمل كل من ولي أمرا من أمور المسلمين وقام بأمور الناس، وكانت توليته من الإمام العام (19) . فيجري عليه الحكم.
إن طاعة الإمام ليست طاعة مطلقة أو مستقلة، بل طاعتهم تكون ما أطاعوا الله ورسوله، فالطاعة في المعروف. وبالتالي:
لا طاعة للإمام إذا أمر بمعصية الله تعالى، فيحرم على من كان قادرا على الامتناع عن طاعة الإمام إذا أمر بمعصية، تحرم عليه هذه الطاعة (20) .
إن على المؤمن أن يتقي الله، ولا تأخذه العزة بالإثم، وتأخذه الأنفة من أن يطيع وينقاد لمن ولي أمر المسلمين مهما كان شكله أو نسبه، ما دام أنه يحكم بكتاب الله تعالى.
إن وجوب طاعة الإمام ، والنهي عن الخروج عليه لا تعني المداهنة والمسايرة لهذا الإمام على حساب الدين، ولا تعني السكوت عن المنكر وتحسين فعل الإمام ، بل يجب إنكار المنكر، والأمر بالمعروف مع البقاء على الطاعة العامة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إنه يستعمل عليكم أمراء . فتعرفون وتنكرون . فمن كره فقد برئ . ومن أنكر فقد سلم . ولكن من رضى وتابع)) (21) . وقال: ((إذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله ، ولا تنزعوا يدا عن طاعة)) (22) .
فمن كره ذلك المنكر فقد برئ من إثمه وعقوبته، وهذا في حق من لا يستطيع إنكاره بيده ولا لسانه، فليكرهه بقلبه وليبرأ ولا إثم عليه، أما الإثم والعقوبة فتكون على من رضي وتابع (23) .

مسألة: متى يجوز الخروج على الإمام بالسيف وقتاله وخلعه؟
بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم متى يكون ذلك، إنها في حالة واحدة في حال الكفر بالله عز وجل، ففي الحديث عن عبادة بن الصامت قال: ((دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه . . على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان)) (24) .
و في حديث آخر لما ذكر من تغير الأمراء قالوا له:((يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صلوا)) (25) .
و في حديث آخر قوله: ((...وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم ، وتلعنونهم ويلعنونكم. قيل : يا رسول الله ألا ننابذهم بالسيف؟ فقال: لا ، ما أقاموا فيكم الصلاة)) الحديث (26) .
قال النووي رحمه الله: " لا يجوز الخروج على الخلفاء بمجرد الظلم أو الفسق ما لم يغيروا شيئا من قواعد الإسلام " (27) .
ويقول ابن حجر عن الوالي الكافر: " إنه ينعزل بالكفر إجماعا، فيجب على كل مسلم القيام في ذلك، فمن قوي على ذلك فله الثواب، ومن داهن فعليه الإثم، ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض "
منقول موقع درر