المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من ترك الحق اشتغل بضده من الباطل ولا بد


ابو العبدين البصري
2013-03-19, 03:13 PM
من ترك الحق اشتغل بضده من الباطل ولا بد

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على إمام الموحدين وعلى آله وصحبه والتابعين.
وبعد: فقد قال الحق سبحانه واصفا طائفة من عباده محذرا لنا سلوك طريقهم:{وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ}.

فكانت النتيجة:{وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ }.{البقرة:101- 103}. فمن ترك المقدور وسعى لما هو عاجزٌ عنه ضيع الأمرين معا. فهم تركوا المقدور عليه شرعا ونبذوه وراء ظهورهم فكان العقاب لهم أنهم وقعوا في الكفر جزاءً على أعراضهم." ولما كان من العوائد القدرية والحكمة الإلهية أن من ترك ما ينفعه، وأمكنه الانتفاع به فلم ينتفع، ابتلي بالاشتغال بما يضره، فمن ترك عبادة الرحمن، ابتلي بعبادة الأوثان، ومن ترك محبة الله وخوفه ورجاءه، ابتلي بمحبة غير الله وخوفه ورجائه، ومن لم ينفق ماله في طاعة الله أنفقه في طاعة الشيطان، ومن ترك الذل لربه، ابتلي بالذل للعبيد، ومن ترك الحق ابتلي بالباطل" تفسير السعدي:[ص:61].

ومن ترك نفسه وانشغل بعيب غيره ابتلي بنفسه لا محالة. ومن هنا برز الصحابة على غيرهم حيث كانوا اعلم الناس ( بواجب الوقت ) وتقديم ( الأهم على المهم ) وتقديم ( أعلى المصلحتين على أدناهما ) و ( درء أعلى المفسدتين والعمل بأقلهما ضررا ) فاستحقوا السبق لأنهم كانوا أعلم الخلق بمراد الحق وأحب الأمور إليه جل جلاله وأكثرهم معرفة بعيوب أنفسهم حتى سمت أرواحهم فصاروا إذا أردت:" أن تعيبهم بشيء لا تجد إلا أنهم دون الملائكة " قاله ابن القيم.

وهكذا كلما ترك العبد حظا مما أمر به علما وعملا ابتلي بمثله من الاشتغال بضده ومن هذا الترك ترك النظر في عيوب النفس وآفاتها وذنوبها والتركيز في عيوب الآخرين مما أوجب لصاحب هذا الخلق أن يوصف (بالحماقة) و (الجهل) و (الظلم)

ومنها نشأ التبديع والتضليل والتكفير والتفسيق بسبب هذا الداء العضال.

قال ابن قدامة المقدسي واصفا من كان هذا حاله قائلاً:" فكن أحدَ رجلين: إما مشغولاً بنفسك، وإما متفرغاً لغيرك بعد الفراغ من نفسك.

وإياك أن تشتغل بما يصلح غيرك قبل إصلاح نفسك، واشتعل بإصلاح باطنك وتطهيره من الصفات الذميمة، كالحرص، والحسد، والرياء، والعجب، قبل إصلاح ظاهرك، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى فى ربع المهلكات .
فان لم تتفرغ من ذلك فلا تشتغل بفروض الكفايات، فان فى الخلق كثيراً يقومون بذلك، فإن مهلك نفسه فى طلب صلاح غيره سفيه،ومثله مثل من دخلت العقارب تحت ثيابه وهو يذب الذباب عن غيره فابتدأ بكتاب الله عز وجل، ثم بسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم بعلوم القرآن: من التفسير، ومن ناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه، إلى غير ذلك وكذلك فى السنة، ثم اشتغل بالفروع، وأصول الفقه وهكذا بقية العلوم على ما يتسع العمر ويساعد فيه الوقت. ولا تستغرق عمرك فى فن واحد منها طلباً للاستقصاء، فان العلم كثير، والعمر قصير، وهذه العلوم آلات يراد بها غيرها، وكل شىء يطلب لغيره فلا ينبغي أن ينسى فيه المطلوب " مختصر منهاج القاصدين : (ص36 ).

وهذا الكلام يعرفه غالب الخلق وخصوصا منهم المنشغل بالعلم الشرعي لكن سبب الوقوع في هذا الداء إما النظر :

_: بأن هذا الكلام لا يعنيني وأني قد تجاوزت هذه المرحلة ! وهذه آفة أخرى ناشئة من تزكية النفس الذي أصله العجب والكبر وعلاجهما بـ:{إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}. فأن التفكر في هذه الآية يقتل ( الكبر والعجب ) الذي في القلب والذي نشأ منه ازدراء العباد والنظر لعيبوهم والنظر للنفس بأنها مبرأة مطهرة!

وهذا الصنف من الناس من ابغض الخلق لله جل وعلا كما قال العلامة ابن القيم:" وأكثر الناس من المتنزهين عن الكبائر الحسية والقاذروات: في الكبائر مثلها أو أعظم منها أو دونها ولا يخطر بقلوبهم أنها ذنوب ليتوبوا منها فعندهم من الإزراء على أهل الكبائر واحتقارهم وصولة طاعاتهم ومنتهم على الخلق بلسان الحال واقتضاء بواطنهم لتعظيم الخلق لهم على طاعاتهم اقتضاء لا يخفى على أحد غيرهم وتوابع ذلك ما هو أبغض إلى الله وأبعد لهم عن بابه من كبائر أولئك فإن تدارك الله أحدهم بقاذورة أو كبيرة يوقعه فيها ليكسر بها نفسه ويعرفه قدره ويذله بها ويخرج بها صولة الطاعة من قلبه فهي رحمة في حقه كما أنه إذا تدارك أصحاب الكبائر بتوبة نصوح وإقبال بقلوبهم إليه فهو رحمة في حقهم وإلا فكلاهما على خطر" المدارج : (ج1_ص348).

_: وأما من صعوبة مواجهة النفس بهذا الداء العضال فيقع في الرياء فيظهر للناس شيئا يرائيهم به فيخدع بذلك نفسه والناس. وهذه آفة أخرى ناشئة من تعظيم الخلق والحرص على بقاء منزلته في عيونهم ! وعلاجها بـ:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ}. وحاصل هاتين المقدمتين هو معرفة أن ما يقع فيه العباد من تضييع للواجب وانشغال بعيوب الغير ناشئ عن جهل بحق الرب سبحانه وتعالى ولهذا كان من الحكمة تكرار الفاتحة في اليوم بهذا العدد حيث اشتملت على علاج الدائين.

قال ابن القيم _رحمه الله تعالى_:" ثم إن القلب يعرض له مرضان عظيمان إن لم يتداركهما العبد تراميا به إلى التلف ولا بد وهما الرياء والكبر فدواء الرياء بـ:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ودواء الكبر بـ:{وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}.
وكثيرا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} تدفع الرياء {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} تدفع الكبرياء.

فإذا عوفى من مرض الرياء بـ:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ومن مرض الكبرياء والعجب بـ:{وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ومن مرض الضلال والجهل بـ:{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} عوفى من أمراضه وأسقامه ورفل في أثواب العافية وتمت عليه النعمة وكان من المنعم عليهم:{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} وهم أهل فساد القصد الذين عرفوا الحق وعدلوا عنه:{وَلا الضَّالِّينَ} وهم أهل فساد العلم الذين جهلوا الحق ولم يعرفوه.". مدارج السالكين: (ج1_ص127).

والعبد في منزلتين في سيره لربه لا ثالث لهما فهو إما أن يتقدم وإما أن يتأخر والواقف مكانه متأخر في حقيقة الأمر نسبة للمتقدم وإن لم يشعر بتقدم غيره عليه وهذا الواقف لا يشعر بحقيقة تأخره إلا بعد مضي زمن بعيد وتقدم غيره عليه بمسافات شاسعة فهو في هذه الحالة بين مرتبتين : إما أن يسارع ويبادر بالتوبة من تركٍ للواجب وفعل المحظور. وأما أن ينشغل بهذا المتقدم عليه كي يؤخره ويجعله في منزلته حسدا منه وبغيا وعدواناً ! كما قال تعالى: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً}(النساء:89).

والموفق هو من يعمل بالمرتبة الأولى والخذلان أن يكلك المولى لنفسك.

قال العلامة ابن القيم قال تعالى:{إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ - نَذِيرًا لِلْبَشَرِ - لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ} [المدثر: 35 - 37]. ولم يذكر واقفا إذ لا منزل بين الجنة والنار ولا طريق لسالك إلى غير الدارين ألبتة فمن لم يتقدم إلى هذه الأعمال الصالحة فهو متأخر إلى تلك بالأعمال السيئة.

فإن قلت: كل مجد في طلب شيء لا بد أن يعرض له وقفة وفتور ثم ينهض إلى طلبه؟

قلت: لا بد من ذلك ولكن صاحب الوقفة له حالان: إما أن يقف ليجم نفسه ويعدها للسير فهذا وقفته سير ولا تضره الوقفة فإن "لكل عمل شرة ولكل شرة فترة". وإما أن يقف لداع دعاه من ورائه وجاذب جذبه من خلفه فإن أجابه أخره ولا بد فإن تداركه الله برحمته وأطلعه على سبق الركب له وعلى تأخره: نهض نهضة الغضبان الآسف على الانقطاع ووثب وجمز واشتد سعيا ليلحق الركب وإن استمر مع داعي التأخر وأصغى إليه لم يرض برده إلى حالته الأولى من الغفلة وإجابة داعي الهوى حتى يرده إلى أسوأ منها وأنزل دركا وهو بمنزلة النكسة الشديدة عقيب الإبلال من المرض فإنها أخطر منه وأصعب.

وبالجملة: فإن تدارك الله سبحانه وتعالى هذا العبد بجذبة منه من يد عدوه وتخليصه وإلا فهو في تأخر إلى الممات راجع القهقرى ناكص على عقيبه أو مول ظهره ولا قوة إلا بالله والمعصوم من عصمه الله. "مدارج السالكين: (ج1_ص479).


اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ووفقنا للعمل بطاعتك.


كتبه أبو عبد الله البصري
عفى الله عنه
7/ جمادى الأولى/ 1434هـ

بنت الحواء
2013-03-19, 10:17 PM
جزاك الله خيرا

ابو الزبير الموصلي
2013-03-19, 10:57 PM
جزاك الله خيرا

الحياة أمل
2013-03-20, 12:18 AM
[...
نسأل الله لنآ ولكم أن لآ يشغلنآ إلآ بطآعته
بآرك الرحمن في علمكم ~ وزآدكم من فضله
يسر ربي جميع أموركم
::/

ابو العبدين البصري
2013-03-20, 10:39 AM
جزاك الله خيرا
جزاك الله خيرا


[...
نسأل الله لنآ ولكم أن لآ يشغلنآ إلآ بطآعته
بآرك الرحمن في علمكم ~ وزآدكم من فضله
يسر ربي جميع أموركم
::/

بارك الله فيكم ونفع بكم .

ابو العبدين البصري
2013-03-27, 12:18 AM
قال العلامة ابن القيم : " فَكَفَى بِهَذِهِ الْآيَةِ نُورًا، وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً، وَتَجْرِيدًا لِلتَّوْحِيدِ، وَقَطْعًا لِأُصُولِ الشِّرْكِ وَمُوَدَّاهُ لِمَنْ عَقَلَهَا، وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنْ أَمْثَالِهَا وَنَظَائِرِهَا، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْعُرُونَ بِدُخُولِ الْوَاقِعِ تَحْتَهُ، وَتَضَمُّنِهِ لَهُ، وَيَظُنُّونَهُ فِي نَوْعٍ وَفِي قَوْمٍ قَدْ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يُعْقِبُوا وَارِثًا، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَحُولُ بَيْنَ الْقَلْبِ وَبَيْنَ فَهْمِ الْقُرْآنِ.

وَلَعَمْرُ اللَّهِ إِنْ كَانَ أُولَئِكَ قَدْ خَلَوْا، فَقَدْ وَرِثَهُمْ مَنْ هُوَ مِثْلُهُمْ، أَوْ شَرٌّ مِنْهُمْ، أَوْ دُونَهُمْ، وَتَنَاوُلُ الْقُرْآنِ لَهُمْ كَتَنَاوُلِهِ لِأُولَئِكَ، وَلَكِنَّ الْأَمْرَ كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّمَا تُنْقَضُ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، إِذَا نَشَأَ فِي الْإِسْلَامِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْجَاهِلِيَّةَ".

انظر مدارج السالكين : (ج1_ص601) ط_دار طيبة.

ابو العبدين البصري
2014-03-16, 03:28 PM
http://www.sunnahway.net/up/do.php?id=2773