المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عقيدة أهل السنة في كلام الله عز وجل


عبدالله الأحد
2016-02-16, 08:41 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم, الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد..
تعتبرصفة الكلام لله تعالى من الصفات المثبتة عند جمهور أهل السنة والجماعة لذا سوف نتحدث في هذة المقالة عن عدة عناصر جاءت في شرح العلماء هي :
- إثبات صفة الكلام لله تعالى .
- دلالة العقل والنقل على ثبوت صفة الكلام لله تعالى .
- عقيدة أهل السنة والجماعة في صفة الكلام .
- كلام الله تعالى قديم النوع حادث الآحاد .
- بيان أن كلام الله تعالى بحرف وصوت .
-ذكر الطوائف المخالفة لأهل السنة في إثبات صفة الكلام لله تعالى والرد عليهم
فضيلة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى:
الكَلامُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللهِ الثَّابِتَةِ لَهُ بالكِتابِ والسنَّةِ وإِجْمَاعِ السَّلَفِ.
قَالَ اللهُ تَعالَى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النِّساء: } [ 164مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ} [البقرة: 253]، وقَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يُوحِيَ بأَمْرِهِ تَكَلَّمَ بِالْوَحْيِ)) أَخْرجَهُ ابنُ خُزَيْمَةَ، وابنُ جَرِيرٍ، وابنُ أَبي حَاتَمٍ
وأَجمَعَ السَّلَفُ علَى ثُبُوتِ الكَلامِ للهِ ، فَيَجِبُ إِثْبَاتُهُ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولاَ تَعْطِيلٍ، ولاَ تَكْيِيفٍ ولاَ تَمْثِيلٍ.
وهُوَ كَلامٌ حَقِيقيٌّ يَلِيقُ باللهِ، يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتهِ بِحُرُوفٍ وأَصوَاتٍ مَسْمُوعَةٍ.والدَّلِيلُ علَى أَنَّهُ بِمشيئَتِهِ:قَوْلُهُ تَعالَى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} [الأعراف: 143] فَالتَّكْلِيمُ حَصَلَ بَعْدَ مَجيءِ مُوسَى؛ فَدَلَّ علَى أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بمشيئتِهِ تَعالَى.
المُخالِفونَ لأِهْلِ السُّنَّةِ فِي كَلامِ اللهِ تَعَالَى:
خَالَفَ أَهلَ السُّنَّةِ فِي كَلامِ اللهِ طَوَائِفُ، نَذْكُرُ مِنهُمْ طَائِفَتيْنِ:
الطَّائِفَةُ الأُولَى: الجَهْمِيَّةُ، قَالُوا: لَيسَ الْكَلامُ مِنَ صِفَاتِ اللهِ ، وإِنَّما هُو خَلْقٌ مِنْ مَخلُوقَاتِ اللهِ ، يَخْلُقُهُ اللهُ فِي الهَواءِ ، أَوْ فِي المَحَلِّ الْذِي يُسْمَعُ مِنْهُ ، وإضَافَتُهُ إلى اللهِ إضَافَةُ خَلْقٍ أَو تَشْريفٍ ، مِثلُ: ناقَةُ اللهِ، وبَيْتُ اللهِ ، ونَرُدُّ عَليهمْ بما يَلِي:
1-أَنَّهُ خِلاَفُ إِجْمَاعِ السَّلَفِ.
2-خِلافُ الَمَعْقُولِ ؛ لأَنَّ الكَلامَ صِفَةٌ لِلمُتكَلِّمِ ولَيسَ شِيئًا قائِمًا بنِفْسِهِ، مُنْفصِلاً عَن الُمتَكَلِّمِ.
3-أَنَّ مُوسَى سَمِعَ اللهَ يَقُولُ: {إِنَّنِي أَنَا اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي} [طه: 14] ، ومُحَالٌ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ أَحدٌ إِلاَّ اللهَ سُبحانَهُ وتَعالَى.
الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ: الأَشْعَرِيَّةُ، قَالوا: كَلامُ اللهِ مَعنًى قَائِمٌ بِنَفْسِهِ لاَ يَتَعلَّقُ بِمشِيئَتِهِ ، وهَذهِ الحُروفُ والأَصْواتُ الَمَسْمُوعةُ مَخْلوقَةٌ لِلتَّعبيرِ عَن المَعنَى القَائمِ بِنفْسِ اللهِ.
ونَرُدُّ عَلَيهِمْ بِمَا يَلِي:
1-أَنَّهُ خِلاَفُ إِجماعِ السَّلَفِ.
2-خِلاَفُ الأَدِلَّةِ؛ لأَنَّها تَدُلُّ علَى أَنَّ كَلامَ اللهِ يُسْمَعُ، ولاَ يُسْمَعُ إِلاَّ الصَّوتُ، لاَ يُسْمَعُ المَعنَى القَائِمُ بِالنَّفْسِ.
3-خِلاَفُ المَعهُودِ؛ لأَنَّ الكَلامَ المَعهُودَ هُو ما يَنطِقُ بِهِ المُتَكَلِّمُ، لاَ مَا يُضْمِرُهُ فِي نَفسِهِ.
والدَّلِيلُ علَى أَنَّهُ حُرُوفٌ:
قَولُهُ تعَالَى: {يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ} [طه: 11، 12] ، فَإِنَّ هذِهِ الكَلمَاتِ حُرُوفٌ ، وهِيَ كَلامُ اللهِ.
والدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ بِصَوْتٍ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} [مريم: 52[
والنِّداءُ والمُنَاجاةُ لا تَكُونُ إِلاَّ بِصَوْتٍ.
ورَوَى عَبدُ اللهِ بنُ أُنَيْسٍ، عَن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ((يَحْشُرُ اللهُ الخَلاَئِقَ فَيِنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ، يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ))، عَلَّقَهُ البُّخاريُّ بِصِيغَةِ التَّمريِضِ ، قَالَ فِي (الفَتحِ) : وأَخْرَجَهُ المُصَنِّفُ فِي (الأَدَبِ المُفْرَدِ)، وأَحمدُ، وأَبو يَعْلَى فِي مُسندَيْهِما وذَكَرَ لَهُ طَرِيقَيْنِ آخرَيْنِ.
وكلامُ اللهِ تعالَى قديمُ النوعِ ، حادثُ الآحادِ ؛ ومعنَى (قديمُ النوعِ): أنَّ اللهَ لم يَزَلْ وَلا يزالُ مُتَكَلِّمًا، لَيْسَ الكلامُ حَادِثًا منهُ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، ومَعْنَى (حادِثُ الآحادِ): أنَّ آحَادَ كلامِهِ - أي: الكلامَ المُعَيَّنَ المخصوصَ ؛ لأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بمَشِيئَتِهِ، مَتى شَاءَ تَكَلَّمَ بمَا شاءَ كيفَ شاءَ.
تعليقٌ على كَلامِ المؤَلِّفِ في فَصْلِ الكلامِ:
قولُهُ : (مُتَكَلِّمٌ بكلامٍ قَدِيمٍ): يعنِي: قَدِيمِ النوعِ ، حَادِثِ الآحادِ ، لا يَصْلُحُ إلاَّ هذا المَعْنَى على مَذْهَبِ أَهْلِ السنَّةِ والجَمَاعَةِ، وإنْ كَانَ ظَاهِرُ كلامِهِ أنَّهُ قديمُ النوعِ والآحَادِ.
قولُهُ: (سَمِعَهُ مُوسَى مِنْ غيرِ واسِطَةٍ): لقولِهِ تَعَالى: {وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى}[طَه: 13[
قولُهُ: (وسَمِعَهُ جِبْرِيلُ): لقولِهِ تَعَالَى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِنْ رَّبِّكَ} [النحل: 102[
قولُهُ: (وَمَنْ أَذِنَ لَهُ مِنْ مَلاَئِكَتِهِ ورُسُلِهِ(:أمَّا الملائِكَةُ: فلِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:((وَلَكِنَّ رَبَّنَا إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، ثمَّ يُسَبِّحُ أَهْلُ السَّماءِ الَّذين يَلُونَهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ أَهْلَ السَّمَاءِ الدُّنيَا، فيقولُ الَّذِينَ يَلُونَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ: "مَاذَا قَالَ رَبُّكُمُ" [سَبَأ: 23 [فَيُخْبِرُونَهُمْ)) الحديثَ، رَوَاهُ مسلِمٌ.
وأمَّا الرُّسُلُ: فقدْ ثَبَتَ أنَّ اللهَ كَلَّمَ محمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ المِعْرَاجِ.
قولُهُ: (وإنَّهُ سُبْحَانَهُ يُكَلِّمُ المؤمنينَ ويُكَلِّمُونَهُ): لحديثِ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((يَقُولُ اللهُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ)) الحديثَ، مُتَّفَقٌ عليهِ.
قولُهُ: (ويَأْذَنُ لَهُمْ فيَزُورُونَهُ): لحديثِ أَبي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: ((إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا دَخَلُوا فِيهَا نَزَلُوا بِفَضْلِ أَعْمَالِهِمْ، ثُمَّ يُؤْذَنُ لَهُمْ فِي مِقْدَارِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ أَيَّامِ الدَّنْيا فَيَزُورُونَ رَبَّهُمْ...)) الحديثَ، رواهُ ابنُ مَاجَه، والتِّرْمِذِيُّ وقال: غَريبٌ، وضَعَّفَهُ الأَلْبَانيُّ.
وقولُهُ: وقالَ ابنُ مَسْعُودٍ: (إذا تَكَلَّمَ اللهُ بالوَحْيِ سَمِعَ صَوْتَهُ أَهَلُ السماءِ، وَرُوِيَ ذلكَ عَن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): أَثرُ ابنِ مَسْعُودٍ لم أَجِدْهُ بهذا اللَّفْظِ، وذَكَرَ ابنُ خُزَيْمَةَ طُرُقَهُ في (كتابِ التوحيدِ) بأَلفاظٍ مِنْها: (سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ لِلسَّمَاوَاتِ صَلْصَلة)
وأَمَّا المَرْوِيُّ عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فهوَ مِنْ حديثِ النَّوَّاسِ بنِ سَمْعَانَ مَرْفُرعًا: ((إِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يُوحِيَ بأَمْرِهِ تَكَلَّمَ بِالْوَحْيِ، فَإذَا تكلَّمَ أَخَذَتِ السَّمَاوَاتِ مِنْهُ رَجْفَةٌ - أَوْ قَالَ: رِعْدَةٌ - شَدِيدةٌ مِنْ خَوْفِ اللهِ، فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ صَعِقُوا...)) الحديثَ، رَوَاهُ ابنُ خُزَيْمَةَ، وابنُ أَبي حَاتِمٍ.
فضيلة الشيخ صالح آل الشيخ:
وَمِنْ صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى: أَنَّهُ مُتَكَلِّمٌ بِكَلاَمٍ قَدِيمٍ غير مخلوق ، يَسْمَعُهُ مِنْهُ مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، سَمِعَهُ مُوسَى صلى الله عليه وسلم مِنْهُ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ ، وَسَمِعَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، ومَنْ أَذِنَ لَهُ مِنْ مَلاَئِكتِهِ وَرُسُلِهِ.
وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُكَلِّمُ المُؤْمِنينَ في الآخِرَةِ ويُكَلِّمُونَهُ ، وَيَأْذَنُ لَهُمْ فَيَزُورُونَهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى:{وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164.[
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {يا مُوسَى إِنـِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النَّاسِ بِرِسالاتي وَبِكَلاَمي} [الأعراف: 144
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {مِنْهُم مَّنْ كَلَّمَ اللهُ} [البقرة: 253].
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَمَا كانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلـِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيـًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ} [الشورى: 51[.
وَقَالَ تعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ} [طه: 11، 12[.
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {إِنَّنِي أَنَا اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْني} [طه: 14[.
وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَقُولَ هَذَا أَحَدٌ غَيْرُ اللهِ.
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: (إِذَا تَكَلَّمَ اللهُ بالوَحْي، سَمِع صَوتَهُ أَهْلُ السَّماءِ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَرَوَى عَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ((يَحْشُرُ اللهُ الخَلائِقَ يَوْمَ القِيَامَةِ عُرَاةً حُفَاةً غُرْلاً بُهمًا، فَيُنَادِيهِم بِصَوتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُب: أَنا المَلِكُ، أَنَا الدَّيَانُ)). رَوَاهُ الأَئِمَّةُ واسْتشْهَدَ بِهِ البُخَارِيُّ.
وَفِي بَعْضِ الآثارِ: (أَنَّ مُوسَى صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ رَأَى النَّارَ فَهَالَتْهُ وَفَزِعَ مِنْهَا، نَادَاهُ رَبُّهُ: "يَا مُوسَى"، فَأَجَابَ سَرِيعًا اسْتِئْنَاسًا بِالصَّوْتِ، فَقَالَ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، أَسْمَعُ صَوْتَكَ وَلاَ أَرَى مَكَانَكَ، فَأَيْنَ أَنْتَ ؟ قَالَ: "أَنَا فَوْقَكَ وَأَمَامَكَ وورائك وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ"، فَعَلِمَ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ لاَ تَنْبَغي إلاَّ للهِ تَعَالَى، قَالَ: كَذَلِكَ أَنْتَ يَا إِلَهي، أَفَكَلاَمُكَ أَسْمَعُ، أَمْ كَلاَمُ رَسُولِكَ؟ قَالَ: "بَلْ كَلاَمِي يَا مُوسَى").
الشيخ:صفةُ الكلامِ ثابتةٌ للهِ -جلَّ وعلا- بالعقلِ وبالسَّمعِ ، ولهذا الَّذين يثبتون الصِّفاتِ السَّبعَ أو الثَّمانِ ، يجعلون صفةَ الكلامِ من تلك الصِّفاتِ الَّتي يثبتونها ؛ لأنَّهُ دلَّ عليها العقلُ ، كما أنَّهُ دلَّ عليها النَّقلُ.
(1)أمَّا دليلُ العقلِ على هذه الصّفةِ:
فهو أنَّهُ -جلَّ وعلا- ذكرَ الآلهةَ الَّتي ادُّعِيَت ، وجعلَ عدمَ كلامِهَا دليلاً على عجزِهَا، وأنَّهَا لا تصلح آلهةً، قال جلَّ وعلا: {أفلا يروْنَ ألاَّ يرجِعُ إليهم قولاً ولا يملِكُ لهم ضرّاً ولا نفعاً{.
وكذلك في قولِهِ جلَّ وعلا: {فَاسْأَلُوهُمْ إن كانُوا ينطِقُون} وذلك أنَّ الفارقَ بين الحيِّ ومن ليست فيه حياةٌ هو الكلامُ ، فإذا كان متكلِّماً كان هذا أكملَ ، بل كان هذا من صفاتِ الكمالِ ، فالكلامُ من صفاتِ الكمالِ ، وعدمُ الكلامِ من صفاتِ النَّقصِ ، ولهذا كانَ هذا يصلحُ دليلاً عقليّاً.
(2)أنَّ السَّمعَ أثبتَ صفةَ الكلامِ ، فنصوصُ الكتابِ والسّنَّةِ:
ظاهرةٌ في الدِّلالةِ على صفةِ الكلامِ ؛ قال -جلَّ وعلا-: {وكلّمَ اللهُ موسى تكليماً} وقال -جلَّ وعلا-: {ولمَّا جاءَ موسَى لميقاتِنَا وكلَّمَهُ ربُّهُ{
وقد سألَ بعضُ أهلِ البدعِ أحدَ أئمَّةِ اللغةِ عن قولِهِ تعالى: {وكلَّمَ اللهُ موسى تكليماً} سألَهُ أن يقرأَها بنصبِ لفظِ الجلالةِ، يعني: (وكلَّمَ اللهَ موسى تكليماً) يعني: أن يجعلَ المتكلِّمَ هو موسى، وأن يجعلَ اللهَ -جلَّ وعلا- هو المُكلَّم ، رغبةً منه أن ينفيَ الصِّفةَ ، صفةَ الكلامِ للهِ جلَّ وعلا ، وذلك الرَّجلُ هو أحدُ رؤوسِ المعتزلةِ أظنه عَمرو بنَ عبيدٍ ، فقالَ هذا الإمامُ: (هَبْنِي قرأتُهَا كذلك ، فما تصنعُ بقولِ اللهِ جلَّ وعلا:}ولمَّا جاء موسى لميقاتِنَا وكلَّمَهُ ربُّهُ}؟).
وهذا يدلُّكَ على أنَّ أهلَ البدعِ لهم رغبةٌ في نفي ما دلَّ عليه الكتابُ والسّنَّةُ ، فصفةُ الكلامِ ثابتةٌ للهِ جلَّ وعلا.
فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن صالح المحمود:
بدأ الشيخ يتكلم عن إثبات صفة الكلام لله سبحانه وتعالى فقال :
"ومن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم"
إطلاق لفظ القديم على الله وقع فيه خلاف, فبعض العلماء يرى أن الله سبحانه وتعالى لم يرد وصفه بالقدم؛ لأن القديم في اللغة العربية هو المتقدم على غيره ومن ثم قالوا :إن الأولى وصفه تعالى بالاسم الشرعي الوارد الذي ليس قبله شيء, ولكن ورد في حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو في سنن أبي داود أنه كان يقول حين يدخل المسجد : ((أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم , وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم )) فهذا يدل على أن القديم قد يستعمل أحياناً بمعنى الأزلي فقول الشيخ : "أنه متكلم بكلام قديم"
أي )) أزلي )), وأهل السنة والجماعة يثبتون لله سبحانه وتعالى صفة الكلام على ما يليق بجلاله وعظمته , لكنهم يقولون : إن كلامه تبارك وتعالى قديم النوع حادث الآحاد؛ لأن الكلام من صفات الأفعال , أي أنه تبارك وتعالى يتكلم فموسى إذن سمع كلام الله مباشرة, وهو بجانب الطور في هذا الوقت , كما دلت الأدلة الأخرى على أن جبريل عليه السلام سمع كلام الله , وكذلك من أذن لـه من ملائكته ورسله, وقد ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة ومنه ما رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه : (( ولكن ربنا إذا قضى أمراً سبح حملة العر ش, ثم يسبح أهل السماء الذين يلونهم , حتى يبلغ التسبيح أهل السماء الدنيا,فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش : ماذا قال ربكم ؟ فيخبرونهم )) .
فهذا يدل على أن جبريل والملائكة يسمعون كلام الله سبحانه وتعالى . إذن هو تبارك وتعالى يتكلم بكلام مسموع . وكذلك فإن رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم سمعوا كلامه كما في قصة موسى, وكما في قصة محمد صلى الله عليه وسلم , فإن الله كلمه كفاحاً ليلة المعراج , وهذا ثابت في الصحيحين وغيرهما .
ثم قال : "وأنه سبحانه يكلم المؤمنين في الآخرة" وهذا أيضاً ورد في الصحيحين وغيرهما حيث وردت في ذلك, أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم , منها أن الله عزوجل يقول لأهل الجنة : ((يا أهل الجنة , فيقولون : لبيك وسعديك )) .إلى آخر الحديث .
فهذا نص صريح في أن الله يخاطب أهل الجنة ويكلمهم ويكلمونه, وهي أحاديث صحيحة صريحة, دالة دلالة قاطعة على هذه الصفة .
فضيلة الشيخ ابن جبرين:
(1)هذهِ من الأدلَّةِ على أنَّ اللهَ تَعَالَى مُتَكَلِّمٌ وَيَتَكَلَّمُ إذا شَاءَ:
والدَّليلُ قولُهُ تَعَالَى: }وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} ، واضحٌ في أنَّ اللهَ كَلَّمَ مُوسَى وأنَّهُ أَسْمَعَهُ كَلاَمَهُ.
وكذلكَ قولُهُ تَعَالَى: {مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ} ، يَعْنِي: مُوسَى، أوْ يَعْنِي: من الرُّسلِ مَنْ كَلَّمَهُ اللهُ.
وكذلكَ قولُهُ تَعَالَى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} [الأعراف: 143]، إلى قولِهِ تَعَالَى: {إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي} [الأعراف: 144]، واضحٌ في أنَّ اللهَ كَلَّمَهُ ، وأنَّهُ اصْطَفَاهُ وَاخْتَصَّهُ بِرِسَالَتِهِ ، وَبِتَكْلِيمِهِ لهُ ، وأنَّ اللهَ أَسْمَعَهُ الكلامَ.
وقدْ ذُكِرَ أنَّ أَحَدَ الجَهْمِيَّةِ جاءَ إلى أبي عَمْرِو بنِ العلاءِ ؛ أَحَدُ القُرَّاءِ السَّبعةِ في العراقِ ، وقالَ: أُرِيدُ منكَ أنْ تَقْرَأَ هذهِ الآيَةَ: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النِّساء: 164] بِنَصْبِ (اللهَ)، وَقَصْدُهُ أنْ يَكُونَ مُوسَى هوَ الَّذي كَلَّمَ رَبَّهُ ، لاَ أَنَّ اللهَ هوَ الَّذي كَلَّمَ مُوسَى ، يُرِيدُ بذلكَ نَفْيَ كلامِ اللهِ لِمُوسَى ، ولكنَّ أَبَا عَمْرٍو رَحِمَهُ اللهُ قالَ لهُ: هَبْ أَنِّي قَرَأْتُ أَنَا أوْ أَنْتَ هذهِ الآيَةَ هكذا، فكيفَ تَفْعَلُ بقولِ اللهِ تَعَالَى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ}، هلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُغَيِّرَهَا ؟ هلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُقَدِّمَ فيها أوْ تُؤَخِّرَ ؟ فَتَحَيَّرَ ذلكَ الجَهْمِيُّ ، وَعَرَفَ أنَّهُ لا حِيلَةَ لهُ في تَغْيِيرِ هذهِ الكلمةِ.
فَعُرِفَ بذلكَ أنَّ التَّكليمَ هوَ الكلامُ؛ ولهذا قالَ تَعَالَى: {أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} [الشُّورى:51[، يَعْنِي: أوْ يُكَلِّمَهُ منْ وراءِ حجابٍ كما حَصَلَ لِمُوسَى.
(2)مِن الأَدِلَّةِ أيضًا آياتُ النداءِ ؛ فالنِّداءُ لا يُعْرَفُ إلاَّ بالكلامِ.
وقدْ ذَكَرَ اللهُ النداءَ في عِدَّةِ آياتٍ، فَفِي سُورَةِ القصصِ ذَكَرَهُ في ثلاثِ آياتٍ، قالَ تَعَالَى:{وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} [القصص: 62]، {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 65[، فالنِّدَاءُ لا يكونُ إلاَّ بصوتٍ وبكلامٍ مسموعٍ، قالَ اللهُ تَعَالَى} :وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ{ ]الشُّعراء: 10]، وقالَ تَعَالَى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} [النَّازعات: 15 –16[، وفي هذهِ الآيَةِ: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} إلى قولِهِ تَعَالَى: {إِنَّنِي أَنَا اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي} [طه: 11- 14]، وكذلكَ قولُهُ تَعَالَى: {وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} [مريم: 52[.
فلا شَكَّ أنَّ النِّداءَ كَلاَمٌ مسموعٌ ، فلا بُدَّ أنْ يَكُونَ كلامُ اللهِ الَّذي تَكَلَّمَ بهِ من الكلامِ المسموعِ الَّذي فَهِمَهُ مُوسَى ؛ ولهذا لَمَّا سَمِعَ كلامَ اللهِ سَأَلَ النَّظَرَ إليهِ وقالَ: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143] الآيَةَ ، فَدَلَّ على أنَّهُ سَمِعَ كلامَ اللهِ.
ولا شَكَّ أنَّ مُوسَى سَمِعَ قولَ اللهِ تَعَالَى: {إِنَّنِي أَنَا اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا نَهُ الَّذي نَادَاهُ.
(3)يَكْفِينَا أنَّهُ رُوِيَ عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقدْ ذُكِرَ في (كتابِ التوحيدِ) في بابِ قولِهِ تَعَالَى: {حَتَّى إذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} [سبأ: 23] ، حديثِ النَّوَّاسِ بنِ سَمْعَانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يُوحِيَ بِالأَمْرِ تَكَلَّمَ بِالْوَحْيِ، أَخَذَتِ السَّمَاوَاتِ مِنْهُ رَجْفَةٌ - أَوْ قَالَ: رِعْدَةٌ شَدِيدَةٌ، خَوْفًا مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ- فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ صُعِقُوا وَخَرُّوا للهِ سُجَّدًا، فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جِبْرِيلُ، فَيُكَلِّمُهُ اللهُ - وهذا صريحٌ في أنَّهُ يُكَلِّمُهُ اللهُ منْ وَحْيِهِ بِمَا يَشَاءُ - فَيَنْتَهِي جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ إِلَى حَيْثُ أَمَرَهُ اللهُ.((
وفي هذا دليلٌ واضحٌ على أنَّ مُوسَى وجبريلَ عَلَيْهِمَا السَّلامُ كُلاًّ مِنْهُمَا سَمِعَ كلامَ اللهِ، وَلاَ بُدَّ أنْ يَكُونَ المَسْمُوعُ مَفْهُومًا لِكُلِّ مَنْ سَمِعَه
وقدْ وَرَدَ في حديثٍ آخَرَ: ((فَيُنَادِي آدَمَ بِصَوْتٍ: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ))، فهذا وَنَحْوُهُ دليلٌ واضحٌ على أنَّ كلامَ اللهِ تَعَالَى مَسْمُوعٌ ، يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ وَيَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ.
فضيلة الشيخ صالح الفوزان:

المتن:
(ومن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم ,يسمعه منه من شاء من خلقه).
الشرح:
لما تكلم عن بعض الصفات فيما سبق , أفرد صفة الكلام بفصل خاص؛ وذلك لأهمية هذه المسألة , وكثرة ما وقع فيها من الضلال والانحراف ,فهو أفردها بفصل عما قبلها؛ وصفة الكلام لله عز وجل كسائر الصفات ,الله موصوف ,بأنه يتكلم كيف شاء سبحانه , ومتى شاء، فكلامه من الصفات الفعلية التي يفعلها متى شاء سبحانه وتعالى، تكلم في الماضي ,ويتكلم في المستقبل ,ويتكلم في يوم القيامة متى شاء سبحانه وتعالى ,أن يتكلم؛فإنه يتكلم ,وكلام الله,قديم النوع حادث الآحاد يعني: صفة الكلام من حيث هي قديمة , فالله ما زال يتكلم؛ لأنه سبحانه بصفاته قديم أزلي ,لا بداية له سبحانه وتعالى ,ولا بداية لأسمائه وصفاته وأفعاله سبحانه وتعالى وأما آحاد الكلام فإنها تتجدد وتحدث شيئاً فشيئاً ,يتكلم متى شاء سبحانه وتعالى كسائر صفاته الفعلية فالكلام صفة ذاتية فعليه.
وهذا هو اعتقاد أهل السنة والجماعة، والآيات والأحاديث
في هذا كثير
المتن:
(ومن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم).
الشرح:
بكلام قديم النوع ,فلا يقال , قديم مطلق كذا ,يقال: قديم النوع حادث الآحاد، يعني: جنس الكلام قديم , وأما أنواعه فهي تتجدد وتحدث متى شاء الله سبحانه وتعالى.
المتن:
(يسمعه منه من شاء من خلقه).
الشرح:
يسمعه منه من شاء من خلقه، يسمعه جبريل عليه السلام , فيحمله ويبلغه إلى أنبيائه، وسمعه موسى عليه الصلاة والسلام.فيوحي بإذنه ما يشاء ,وهذا بواسطة الملك.
فإذن تكليم الله إما أن يكون إلهاماً ,وإما أن يكون تكليماً من وراء حجاب ,وإما أن يكون تكليماً بواسطة الملك ,وأما أن يكلم الله جل وعلا أحداً من خلقه في الدنيا من غير حجاب ,ويرى ربه رؤية عيان , فهذا لم يحصل لأحد , وإنما هذا في الآخرة للمؤمنين خاصة.
فالشاهد من الآية أن الله أثبت لنفسه الكلام ,وأنه يكلم من يشاء من وراء حجاب ,أو بالوحي ,أو بواسطة الملك.
فضيلة الشيخ الغفيص:
يعتقد أهل السنة والجماعة أن الله تعالى موصوف بصفة الكلام كما دل على ذلك الكتاب والسنة وأقوال السلف، وأنه سبحانه يتكلم بحرف وصوت مسموع، وأن كلامه متعلق بإرادته ومشيئته، فهو يتكلم بما شاء وكيف شاء و متى شاء، ويعتقدون أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.
قال الموفق رحمه الله:
]ومن صفات الله تعالى: أنه متكلم بكلام قديم .[
أهل السنة يقولون: إن الله سبحانه وتعالى موصوف بهذه الصفة، وأنه يتكلم بحرف وصوت مسموع، وأن كلامه متعلق بمشيئته وإرادته، فهو يتكلم متى شاء بما شاء كيف شاء، كما يعتقد أهل السنة أن القرآن كلام الله حقيقةً وليس مجازاً. كما أن دلائل اتصاف الرب سبحانه وتعالى بالكلام متواترة في القرآن. فإن قيل: كيف يحصلون هذا؟ قيل: لأن كل آية نداء في القرآن يجعلونها دليلاً على إثبات الكلام؛ وذلك لأن المنادي لا بد أن يكون متكلماً، فقوله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا{، }يَا أَهْلَ الْكِتَابِ{ ، }يَا أَيُّهَا النَّاسُ{ هذه الآيات نداء، فيجعلونها من أدلة إثبات الكلام، وكذلك آيات القول: }وَقَالَ رَبُّكُمْ{ فإذا أضيف القول إليه سبحانه دل على أنه متكلم .
فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك:
وقوله -تعالى-: }وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا{
وقوله: }وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلً{
وقوله -تعالى-: }وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ{
وقوله: }وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا{
وقوله: }وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا{
وقوله: }مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ{
وقوله: }وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ{
وقوله: }وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا{
وقوله: }وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ{
وقوله: }وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ{
وقوله: }وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ{
وقوله: }وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ{
وقوله:} وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ{
وقوله: }يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ{
وقوله: }وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ{
وقوله: }إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ{
فهذه الآيات ساقها الإمام ابن تيمية -رحمه الله- للاستدلال بها على إثبات كلام الله، وأن الله يتكلم، ويكلم، وقال: والنصوص في هذا -كما سمعنا- كثيرة، النصوص القرآنية الدالة على إثبات صفة الكلام لله كثيرة جدا.
وأهل السنة يؤمنون بما دلت عليه هذه النصوص، يؤمنون بأنه -تعالى- يتكلم ويكلم من شاء كيف شاء، بل إنه -تعالى- لم يزل متكلما إذا شاء بما شاء وكيف شاء، لم يزل متكلما إذا شاء لم يحدث له الكلام، بعد أن كان غير متكلم، بل لم يزل يتكلم إذا شاء بما شاء، فيوصف بأنه بالقول يقول، وبأنه يتكلم -سبحانه وتعالى- وأنه ينادي ويوصف بأنه ينادي بالمناداة، ويناجي أيضا، فهو -سبحانه وتعالى- يتكلم كلاما يسمعه من شاء من عباده.
إذن هو يتكلم بحرف وصوت، يعني: بالكلمات بكلمات بحروف، فكلامه حروف وكلمات وسور وآيات، فيجب الإيمان بذلك إثبات صفة الكلام له -سبحانه وتعالى- مع نفي مماثلته -تعالى- للمخلوقات، فكلامه وتكلمه ليس ككلام أحد من الخلق }لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ{
فضيلة الشيخ عبدالرحمن السلمي:
الأدلة على أن كلام الله بصوت
وأما كون الله عز وجل يتكلم بصوت فهذا ثابت من عدة جهات: أنه ورد في حديث الشفاعة الطويل أنه قال: (ينادي الله بصوت يسمعه من بعد كما يسمه من قرب) فقوله: (بصوت) يدل على أن الله عز وجل يتكلم بصوت. ثم النداء في قوله تعالى: }وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ{ [مريم:52[، والنداء المنسوب إلى الله عز وجل والقول في لغة العرب يكون بالصوت، ولا يسمى نداء بدون صوت. وصفة الكلام صفة ثابتة لله عز وجل، وقد كان أهل السنة في زمن الصحابة والتابعين يثبتون هذه الصفة، وليس عندهم أي إشكال فيها، والنداء في لغة العرب هو الذي يكون مشتملاً على الصوت، فإنهم لا يسمون نداءً ما كان في النفس، فلو أنك في نفسك طلبت مجيء فلان فلا يسمى هذا نداء في لغة العرب، وإنما النداء المشتمل على الصوت، وهو صوت يليق بجلاله سبحانه وتعالى. قال المؤلف رحمه الله:( وقال سبحانه: }إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي{ [طه:14]، وغير جائز أن يقول هذا أحد غير الله). وهذه من الإلزامات التي ألزم أهل السنة بها المعتزلة، فإنه قال}: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا{ [طه:14]، فلو كان القرآن مخلوقاً أو كان القائل له جبريل كما يقول الأشعرية، فإن معنى هذا أنه ينسب لنفسه الخلق، ولا يصح لمخلوق أن ينسب لنفسه أنه هو الله.
فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي:
ومن الأدلة العقلية على أن الله يتكلم: أن الوصف بالتكلم كمال وضد التكلم نقص؛ كما قال تعالى عن العجل: }وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا {[الأعراف:148]، وقال سبحانه في الآية الأخرى: } أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا { يعني العجل }وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا{ [طه:89]، فدل على أن نفي رد القول ونفي التكلم نقص يستدل به على عدم إلهية العجل، فالله تعالى بين أن هذا العجل لا يتكلم ولا يرد القول ولا يسمع ولا يملك ضراً ولا نفعاً فكيف يعبد من دون الله؟! وكيف تعبدون عجلاً لا يسمع ولا يرد القول ولا يتكلم؟! فدل على أن عدم التكلم نقص يستدل به على عدم إلهية العجل. وبنو إسرائيل الذين عبدوا العجل -مع كفرهم- هم أعرف بالله من المعتزلة في هذه المسألة؛ لأنهم لم يردوا على موسى ويقولوا: وربك لا يتكلم أيضاً، فهذا يدل على أنهم يثبتون الكلام، أما المعتزلة فقالوا: إن الله لا يتكلم، فنعوذ بالله؛ فالذين عبدوا العجل في هذه المسألة صاروا أحسن من المعتزلة.
وإنكار الكلام إنكار لأعلى نعيم يعطاه أهل الجنة الذين ما طابت لهم الجنة إلا بذلك. وأهل البدع -والعياذ بالله- أنكروا كلام الله وعلوه وأنه يُرى في الآخرة، نسأل الله السلامة والعافية.
فضيلة الشيخ عبدالكريم الخضير:
فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى- مثبتاً صفة الكلام لله -جل وعلا- مستدلاً بما جاء عنه في كتابه الكريم من الآيات؛ لأن هذا الفصل موضوع للأدلة القرآنية التي أثبت الله بها لنفسه هذه الصفات المذكورة، ومنها صفة الكلام، قال -رحمه الله-قوله: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا{[(87) سورة النساء] }وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً{ 122] سورة النساء]أي لا أحد أصدق من الله حديثاً، ولا أحد أصدق الله قيلاً، فالحديث هو الكلام، والقيل: أيضاً هو القول، والقول هو الكلام، وإن كان القول أعم عند النحاة، القول أعم من الكلام عند النحاة، لكنه هنا المراد به الكلام، والحديث يراد به الكلام، والحديث المراد به هنا كلام الله -جل وعلا- في كتابه المنزل على نبيه وعلى من قبله من الأنبياء، فهو يعم كلام الله -جل وعلا- من القرآن وغيره مما أنزله الله -جل وعلا- على رسله، وكذلك القيل والقول فهو الكلام المنزل على أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم.
منقول