المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كتاب الوجيز في اصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان - بصيغة word


ياس
2016-04-28, 03:23 AM
http://images.cooltext.com/4647157.png

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه. وبعد
الوجيز في اصول الفقه - للدكتور عبد الكريم زيدان - بصيغة word
بعد التوكل على الله تعالى وتوفيق منه نبدأ بنقل كتاب (الوجيز في اصول الفقة-للدكتور عبد الكريم زيدان رحمه الله)بصيغة word وهذه الصغة غير متوفرة حاليا في الانترنت!وما موجود الان صيغة pdf والتي يصعب على طالب العلم النسخ منها ،ومن اجل اتمام الفائدة ونشر العلم،وبعد استشارة الشيخ الفهداوي حفظه الله،وبعض الاخوة في منتديات اهل السنة في العراق (http://www.sunnti.com/vb/) باركوا لنا هذه الخطوة وشجعونا عليها،،مما اعطانا حافزا للشروع بها، ملتزمين الامانة العلمية بالنقل ، والكتاب حقيقة من افضل ما قرأت في اصول الفقه والقواعد الفقهية لغير المختصين، كتاب واضح وسهل ، والقواعد الفقهية (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=10519) موضحة بالأمثلة..سيكون ترقيم الصفحات موافقا لما موجود في الطبعة السادسة ،داري النشر (مؤسسة قرطبة)،(ومؤسسة الرسالة)،والله الموفق لارب سواه...


:111:ترجمة مختصرة للشيخ الدكتور عبد الكريم زيدان:

ولد الدكتور عبد الكريم زيدان بهيج العاني ببغداد سنة: (1917م) ونشأ فيها وتدرج. تعلم قراءة القرآن الكريم في كتاتيب تعليم القرآن الأهلية، أكمل دراستة الأولية في بغداد، دخل دار المعلمين الابتدائية وبعد تخرجه منها أصبح معلماً في المدارس الابتدائية ، ثم دخل كلية الحقوق ببغداد وتخرج منها. ثم التحق بمعهد الشريعة الإسلامية في جامعة القاهرة ونال درجة الماجستير بتقدير: (امتياز) وحصل على شهادة الدكتوراه من جامعة القاهرة سنة: (1962م) برتبة: الشرف الأولى ، تخصص: الفقه الإسلامي.
الأستاذ الدكتور عبد الكريم زيدان ، أستاذ الشريعة الإسلامية ورئيس قسمها في كلية الحقوق بجامعة بغداد سابقا ، وأستاذ الشريعة ورئيس قسم الدين بكلية الآداب بجامعة بغداد سابقا ، وأستاذ الشريعة بكلية الدراسات الإسلامية وعميدها سابقا ، وأستاذ متمرس في جامعة بغداد ،رحل إلى اليمن لضيق في العيش وقلة في الأجر، وعمل أستاذا للفقه المقارن بقسم الدراسات الإسلامية ،ودارسة الماجستير بكلية الآداب ،جامعة صنعاء ، وهو معروف بالعلمية الواسعة والنظرة الثاقبة في أحكام الشريعة الإسلامية.. توفي رحمه الله يوم الاثنين ( 26 ربيع الأول 1435 ه ) ، الموافق ( 27 / 1 / 2014م ) , في العاصمة اليمنية صنعاء عن عمر ناهز 97 عاماً ، بعد حياة حافلة بالعطاء الفكري والتربوي والتأليف والتدريس. ودفن في بغداد بمقبرة الشيخ معروف الكرخي. رحمه الله واسكنه فسيح جناته..

ملاحظات مهمة

1-غير مسموح بطباعة الكتاب او الأستنساخ الورقي لان الكتاب مقيد بحقوق طبع ونشر وهو غير مجاني.. ولا أجعله في حلٍّ ممن يفعل ذلك! فقط يسمح لطلبة العلم من النسخ والتداول في المنتديات والمواقع من أجل الفائدة مع ذكر مصدر النقل والشروط..لانه جهد حصري بمنتديات اهل السنة في العراق..وللزائر الكريم عليه اولا ان يسجل في المنتدى (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=148582#post148582) والفائدة تكون اكثر بإبداء الرأي والمقترحات..
2-المجال مفتوح للاخوة ..(الاعظاء ،والزوار) لمن يرغب بالمساعدة والمشاركة في الاجر والثواب ..فقط يتصل بنا كي نعلمه بما يكتب من الصفحات .
3-عدد صفحات الكتاب 434...ولتحميل الكتاب بصيغة pdf _الحجم: 10 ميجا: اضغط هنـا (http://www.archive.org/download/wfofaz/wfof.pdf)

https://images.cooltext.com/4667580.png

https://images.cooltext.com/4667582.png
#ff0000
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمه الطبعه السادسه الحمد لله رب العالمين و الصلاه و السلام على سيدنا محمد و على اله وصحبه اجمعين و بعد :
فان فقهاء الشريعه الاسلاميه ،رحمهم الله تعالى، وضعوا لنا علماً جليل القدر عظيم الفائده لا مثيل له عندامم الارض قاطبه لا في القديم ولا في الحديث ،ذلك هو علم اصول الفقه . وكان الغرض من وضعه وبناء صرحه وتوضيح معالمه وجوانبه و معانيه خدمة الاسلام عن طريق فهم كتاب الله وسنه رسوله صلى الله عليه و سلم و استنباط الاحكام من نصوصهما من المصادر المعتبرة في ضوء قواعد و معاني هذا العلم علم اصول الفقه .وقد كتبت قبل سنين مذكرات في هذا العالم الجليل لطلبه الصف الرابع في كليه الحقوق بجامعه بغداد .وقد جمعتها في كتاب سميته ((الوجيز في اصول الفقه (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=148582#post148582) ))وقد اجريت في طبعاته السابقه ما رايته مفيد من التنقيح والتهذيب بالزيادة والتنقيص والتعديل والتمثيل ..وهكذا شأن الانسان في ما يكتبه :فهو لا يا كاد يكتب شيئاً في يومه الاّ ويرى نقصا فيه في غده،و هذا من اكبر علامات نقص الانسان و قصوره، وتفرد الله وحده بالكمال المطلق ولكن اكثر الناس لا يعلمون. ومن الزيادات التي رايت اضافتها في طبعاته السابقه ،بعض الأمثله من القوانين الوضعيه قواعد اصول الفقه المتعلقه بتفسير النصوص ،لان هذه القواعد الاصوليه موازين لفهم العباره العربية وصحة تفسيرها ومعرفة المراد منها، وما دام القانون مكتوبه باللغه العربية،فهو،بالضروره يخضع في تفسيره لهذه القواعد كما


-5-
#ff0000

سنذكره في ما بعد .
واخيرا فإني لأرجو في هذا العمل البسيط المتواضع قد سهلت على طلبتنا الاعزاء سبيل تفهم ماتمس اليه الحاجة من ابحاث هذا العلم، والله اسال ان يوفقني واياهم لخدمة الشريعة واعلاء كلمته انه سميع للدعاء مجيب.



المؤلف
بغداد في 9 شوال 1396 هجريه
22 تشرين اول 1976 ميلادي

-6-
#ff0000

المقدمة
1-استنباط الاحكام الشرعية (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=148582#post148582) من مصادرها المعتبرة شرعا،لايكون عن هوى وكيفما اتفق،بل لابد من مسالك معينة يسلكها المجتهد،وقواعد يَسْتَرْشِدُ بها،وضوابط يَلْتَزِمُ بمقتضاها ،وبهذا يكون اجتهاده مقبولا،ووصوله الى الاحكام الصحيحة مُمكناً ميسوراً.
2-والعلم الذي يُعنى ببحث مصادر الاحكام وحُجِّيِّتها ومراتبها والاستدلال بها،وشروط هذا الاستدلال ،ويرسم مناهج الاستنباط،ويستخرج القواعد المعينة على ذلك،والتي يلتزم بها المجتهد عند تعرفه على الاحكام من أدلتها التفصيلية،هو علم اصول الفقه،ولهذا كان هذا العلم،كما قال العلامة ابن خلدون:من اعظم العلوم الشرعية،وأجلها قدراً،واكثرها فائدة(1).
3-وحقيقه اصول الفقه لا تخرج عما بينَّاه،ولكن الاصوليين يذكرون له تعريفاً اصطلاحياً باعتباره لقباً و اسما ًلعلم مخصوص من علوم الشريعه ،ويمهدون لهذا التعريف بيان معناه ،باعتباره مركبا اضافيا مكونا من كلمه ((أصول (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=148582#post148582) ))و هي المضاف ،وكلمة ((الفقه (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=148582#post148582))) وهي المضاف اليه.
والحق : أن هذا السلك يفيد الطالب المبتدىء من جهة تعريفه باصطلاحات
القوم وأهل هذا الفن ، فلا يستوحش منها إذا رجع الى كتبهم ، ولهذا فقد آثرنا أن نجاريهم في هذا النهج ، فنذكرتعريف ((أصول الفقه)). باعتباره مركبا اضافيا، ثم تعريفه باعتباره لقباً على العلم الخاص ، الذي نحن بسبيل دراسته
4- تعريف اصول الفقه باعتباره مركباً اضافيا
وتعريفه بهذا الاعتبار يستلزم تعريف جزئيه: اصول ، الفقه

____________________

(1)مقدمة ابن خلدون ص452

-7-
#ff0000


فالاصول:جمع أصل ، وهو في اللغة:ما يُبتنى عليه غيره، سواء كان الايتناء
حسيا او عقلياً، وفي عرف العلماء واستعمالاتهم ، يراد بكلمة « الاصل (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=148582#post148582))) ، عدة معان منها(1):
أ_ الدليل:فيقال أصل هذه المسالة الإجماع ، أي دليلها الإجماع . وبهذا
المعنى قيل: أصول الفقه ، أي أدلته ، لأن الفقه ينبني على الادلة ابتِنَاءً عقلياً.
ب _ الراجح: مثل قولهم : الأصل في الكلام الحقيقة ، اي الراجع في الكلام
حمله على الحقيقة ، لا المجاز ومنه : الكتاب أصل بالنسية إلى القياس ، أي الراجع هو الكتاب .
ج-القاعده :فيقال :إباحة المَيْتَةِ للمضطرِّ على خلاف الأصل خلاف القاعدة العامة وقولهم الأصل ان الفاعل مرفوع ، أي أن القاعده العامه المستمرة: هي رفع الفاعل، أو أن رفع الفاعل من قواعد علم النحو.
د- المستصحب: فيقال :الأصل براءة الذِّمَّة، أي يستصحب خلو الذمة من الانشغال بشئ حتى يَثْبُتَ خلافُه.

اما (الفقه (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=148582#post148582))، فهو في اللغة:العلم بالشيء والفهم له ، ولكن استعماله في
القرآن الكريم يرشد إلى أن المراد منه ليس مطلق العلم ، بل دقَّة الفهم ، ولطف الادراك ، ومعرفة غرض المتكلم ، ومنه قوله تعالى :
«قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ»[هود:91] وقوله تعالى:«فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا»[النساء:78].
أما الفقه في اصطلاح العلماء : فهو «العلم بالآحكام الشرعية العملية المكتسبة من ادلتها التفصيلية«2) ، اوهوهذه الأحكام نفسها .
___________________
(1)الإسنوي،في((نهاية السول شرح منهاج الاصول))ص7،((لطائف الاشارات))للشيخ عبد الحميد بن محمد علي
قدس على تسهيل الطرقات لنظم الورقات ص8.
(2)البيضاوي في((منهاج الاصول))ص22،والإحكام في اصول الاحكام للامدي ج1 ص7،ارشاد الفحول للشوكاني ص3 لطائف الاشارات ص8.

-8-
#ff0000

ياس
2016-04-28, 06:40 AM
والاحكام: جمع حكم،وهوإثبات أمر لآخر،إيجابا او سلبا،مثل قولنا:
الشمس مشرقة او غير مشرقة،والماء ساخن أو غير ساخن.
والمراد بالاحكام هنا:مايثبت لأفعال المكلفين من وجوب،أو ندب،أو حرمة ،أو كراهة،أو إباحة،أو صحة ،أو فساد،أو بطلان(1).
ولايشترط العلم بجميع الاحكام الشرعية لصحة إطلاقه كلمة الفقه (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=148620#post148620)،فالعلم بجملة منها يسمّى فقهاً،كما تسمّى هذه الجملة فقهاً ايضاً،ويسمى صاحبها فقيهاً مادامت عنده مَلَكَةُ الاستنباط.
وقيدت الاحكام بكونها شرعيةً،للدلالة على أنها منسوبة الى الشرع،أي
مأخوذة منه رأساً أو بالواسطة،فلا تدخل في التعريف الاحكام العقلية كالعلم بأن الكل أكبر من الجزء،وأن الواحد نصف الاثنين،وأن العالم حادث، ولا الأحكام الحسية:أي الثابتة بطريق الحس،كعلمنا أن النار محرقة،ولا الأحكام الثابتة بطريق التجربة:كالعلم بأن السم قاتل، ولا الأحكام الوضعية:أي الثابتة بالوضع،كالعلم بأن كان واخواتها ترفع المبتدأ وتنصب الخبر.
ويُشْتَرط في هذه الاحكام الشرعية أن تكون ((عملية (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=148620#post148620)))،أي متعلقة بأفعال المكلفين:كصلاتهم، وبيوعهم، وأشربتهم، وجناياتهم، أي ماكان منها من العبادات أو المعاملات،فلايدخل فيها مايتعلق بالعقيدة، وهي الأحكام الاعتقادية:كالإيمان بالله واليوم الآخر،ولا مايتعلق منها بالأخلاق وهي الأحكام الاخلاقية:كوجوب الصدق وحرمة الكذب.فهذه أو تلك لا تُبْحَث في علم الفقه،وإنما تُبحث في علم التوحيد،أو الكلام،إن كانت أحكاماً اعتقاديةً،وفي علم الأخلاق أو التصوف،إن كانت أحكاماً أخلاقيةً.
ويُشْتَرط في هذه الاحكام الشرعية العملية أن تكون مكتسبة، أي مستفادة من الأدلة التفصيلية بطريق النظر والاستدلال.
_____________________
(1) لطائف الأشارات ص8 مباحث الحكم لاستاذنا محمد سلام مدكور ص5

-9-
#ff0000
ويترتب على هذا الشرط: أن علم الله بالأحكام،أو علم الرسول بها،أوعلم المقلدين بها، كل ذلك لايعتبر في الاصطلاح فقهاً،ولا يسمى صاحبها
فقيهاً،فعلم الله لازم لذاته وهو يعلم الحكم والدليل،وعلم الرسول مستفاد من
الوحي لا مكتسب من الأدلة،وعلم المقلد مأخوذ بطريق التقليد لا بطرق النظر
والاجتهاد(1).
و الادلةالتفصيلية (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=148620#post148620): هي الادلة الجزئية التي كل منها بمسالة خاصة، وينص على حكم معين: لها، مثل:
أ- قوله تعالى:«حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ »[النساء:23] فهذا دليل تفصيلي، أي دليل جزئي يتعلق بمسألة خاصة: و هي النكاح الامهات، ويدل على حكم معين: هو حرمة نكاح الامهات.
ب- قوله تعالى «وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً »[الاسراء :32]، دليل جزئي يخص مسالة معينة:وهي الزنى، ويدل على حكم خاص بها: وهو حرمة الزنى.
ج- قوله تعالى:«وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ »[الانفال: 60] دليل جزئي يتعلق بمساله معينه: هي إعداد القوه من قِبَلِ الجماعة ويدل على حكم معين خاص بها: وهو وجوب إعداد القوة من قبل الجماعة لارهاب العدو.
د- قوله عليه الصلاه و السلام:العَمَدُ قَوَد))دليل جزئي يتعلق بمسالة


___________________

1-ويلاحظ هنا: ان المقلد اذا علم جملة من الاحكام الشرعية بادلتها،لايُسمى فقيهاً أيضاً، لان الفقيه في صطلاح الاصوليين: من قامت فيه ملكة استنباط الاحكام وتحصيلها من ادلتها، سواء اجتهد بالفعل واستنباط الأحكام،أم لم يجتهد ولم يستنبط الأحكام. فالفقيه إذن:من صار الفقه سجيةً له ،فهو بمعنى المجتهد.ولكن حصل تغيُّرفي هذا المعنى،فصارت كلمة (الفقه) تطلق على مسائل الفقه ،سواء اكتسبها الشخص بطريق النظر والاستدلال،أم بطريق التفهم لأقوال المجتهدين،أم بطريق التقليد والحفظ،كما أن من يحصل على هذه المسائل بهذه الطرق يسمى:فقيهاً،وهذا المعنى الجديد شاع عند أهل الفقه دون الأصوليين:مذكرات في تاريخ الفقه))لشيخنا فرج السنهوري ص4



-10-
#ff0000

خاصة : هي القتل العمد ، ويدل على حكمها :وهو وجود القصاص.
ه- الإجماع على أن ميراث الجدة السدس ، دليل جزئي ينص مسألة معينة :هي ميراث الجدة ، ويدل على حكمها ؛ وهو وجوب إعطاء الجدة السدس .
فالأدلة التفصيلية (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=148620#post148620): هي التي تدلنا على حكم كل مسألة ،ومن ثَمَّ فهي موضوع بحث الفقيه ليتعرَّف على الأحكام التي جاءت بها ، مستعينا على ذلك بما قرَّره علم الأصول من قواعد للاستنباط ومناهج للاستدلال ، أما الأصولي فلا يبحث في هذه الأدلة ، وانما يبحث في الأدلة الإجمالية ، أي الكلية ، ليتعرف عل ما فيها من أحكام كلية ، ليضع القواعد التي يطبقها الفقيه على الأدلة الجزئية حتى يصل الى معرفة الحكم الشرعي .
5- تعريف أصول الفقه (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=148620#post148620) اصطلاحاً:
أما تعريفه اللَّقبى ، أي باعتباره لقباًعلى علم مخصوص: فهو العلم بالقواعد والأدلة الاجمالية ، التى يتوصل بها إلى استنباط الققه(1) كما يطلق على هذه القواعد والأدلة الإجمالية .
والقواعد : قضايا كلية ينطبق حكمها على الجزئيات التي تندرج تحتها فنعرف بها حكم هذه الجزئيات (2) ومن أمثلة ذلك :
قاعدة ، «الأمر يفيد الوجوب ، إلّا إذا صرفته قرينة عن ذلك»، فهذه القاعدة
ينطبق حكمها على جميع النصوص الجزئية التي تندرج تحت هذه القاعدة ، مثل قوله
تعالى :«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»[المائدة :1]، وقوله تعالى: «وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ»[النور :56] ،فجميع صيغ الأمر المجردة



________________________________
1- «فتح الغفاربشرح المنار» لابن نجيم ص 7 ،و «وتسهيل الوصول إلى علم الأصول» للمحلاوي ص7
«ارشاد الفحول» ص3 ٠
٢- وقد يطلق عل هذه القواعد الأدلة الكلية ، وما تشتمل عليه من أحكام الأحكام الكلية ، فالأمر دليل كلي، والحكم الذي يدل عليه ، وهو الايجاب :حكم كلي ، والنصوص الآمرة :أدلة جزئية ، وأحكامها أحكام جزئية.

-11-
#ff0000

تندرج تحت هذه القاعدة ، ويعرف بذلك وجوب ما تعلقت به صيغة الأمر :كوجوب الوفاء بالعقود، ووجوب( الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الرسول.
ومثل قاعدة : النهي يفيد التحريم، إلا إذا وُجِدَت قرينة تصرفه عن التحريم)) ، فهذه القاعدة تنطبق على النصوص الناهية المجردة ، ويعرف بهذا الانطباق حرمة ما تعلقت به صبغ النهي ، مثل قوله تعالى :«وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا»[الإسراء:32] وقوله تعالى :«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ»[النساء :]29، فيكون حكم الزنى الحرمة ، وحكم أكل أموال الناس بالباطل الحرمةَ أيضاً.
وبهذه القواعد: يتوصل المجتهد إلى استنباط الفقه ، أي إلى استنباط الأحكام
الشرعية من أدلتها التفصيلية ، فإذا أراد المجتهد مثلاً أن يعرف حكم الصلاة ، قرأ قوله تعالى:«أقِيمُوا الصَّلاَةَ» فيقول:«اقيموا»:صيغة أمر مجردة، وقاعدة :الأمر للوجوب إلا لقرينة صارقة)) تنطبق عليها ، فينتج عن ذلك : أن القيام بالصلاة واجب .
اما الأدلة الإجمالية : فهي مصادر الأحكام الشرعية ، كالكتاب والسنة (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=148620#post148620)والاجماع والقياس ، والعلم بها يكون من حيث العلم بحجِّتِها ومنزلتها في الاستدلال بها ، ووجوه دلالة النص حسب اختلاف أحوال هذه الدلالة ، ومعنى الإجماع وشروطه ، وأنواع القياس وعلته ، وطرق التعرف على هذه العلة ، و غير ذلك من الأبحاث المتعلقة بالقياس وبسائر الأدلة الإجمالية .
فالأصولى : يبحث عن الأدلة الإجمالية ، من حيث دلالتها على الاحكام الشرعية من أدلتها الجزئية.
‎ ‏ والفقيه:يبحث في الأدلة الجزئية،ليستنبط الإحكام الجزئية منها،مستعيناً بالقواعد الأصولية،والإحاطة بالأدلة الإجمالية ومباحثها.
6-الغرض من دراسة أصول الفقه،ومدى الحاجة اليه:
يتضح مما قلنا سابقا:أن الغرض من وضع أصول الفقه،هو الوصول إلى


-12-

#ff0000



‎ ‏
‎ ‏الأحكام الشرعية العملية ،بوضع القواعد والمناهج الموصلة اليها ، على وجه
يسلم به المجتهد عن الخطأ والعثار فالفقه والاصول :يتفقان على أن غرضهما التوصل إلى الأحكام الشرعية ، إلا أن الأصول: نبين مناهج الوصول وطرق
الاستنباط ، والفقه (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=148620#post148620): يستنبط الاحكام فعلاً على ضوء المناهج التي رسمها علم الأصول ، وبتطبيق القواعد التي قررها .
ولا يقال : لم تعد هناك حاجة إلى هذا العلم بعد القول بسد باب الاجتهاد
لأننا نقول :إن الاجتهاد. باقٍ إلى يوم القيامة ، ولكن بشروطه ، ومن افتى بسد باب الاجتهاد ، قاله اجتهاداً عندما رأى جرأة الجهال على شرع الله ، وتشريع الأحكام بالهوى ، وادعاء الاجتهاد من قبل أناس لا يعرفون منه إلا الاسم.
ومن لم يصل إلى مرتبة الاجتهاد. فهو بحاجة أيضاً إلى معرفة هذا العلم والوقوف على قواعده، حتى يعرف مآخذ أقوال الأئمَّة ، وأساس مذاهبهم ، وقد يستطيع المقارنة والترجيح بين هذه الأقوال. وتخريج الأحكام على ضوء مناهج الأئمة ، التي اتبعوها في تقرير الأحكام واستنباطها .
وكما أن المعنى بالأحكام الشرعية لا غنى له عن هذا العلم،فإن المعني بالقوانين الوضعية ، من محام أو قاض أو مدرس ، يحتاح هو اللآخر إلى هذا العلم،لان القواعد والأصول التي قررها علم الأصول ، مثل : القياس وأصوله ، والقواعدالأصولية لتفسير النصوص ، وطرق دلالة الألفاظ والعبارات على معانيها ، ووجوه هذه الدلالة ، وقواعد الترجيح بين الأدلة ، كل ذلك وغيره تَلْزَمْ الإحاطة به من قِبَلِ من يتصدى للقوانين الوضعية ، ويريد الوصول الى تفسيرها ومعرفة ما انطوت عليه من أحكام ، ولهذا فقد اعتنت كليات الشريعة والحقوق في العراق والشام ومصر وغيرها- قديماً وحديثاً- بتدريس هذا العلم لطلابها.

7- نشأة علم أصول الفقه (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=148620#post148620):
أصول الفقه وجد منذ أن وجد الفقه ، فما دام هناك فقه لزم حتماً وجود أصول


‎ ‏
‎ ‏-13-

#ff0000

ياس
2016-04-28, 06:54 PM
وضوابط وقواعد له ، وهذه هي مقومات علم الأصول (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=148620#post148620) وحقيقته ، ولكن الفقه سبق علم الأصول في التدوين وإن قارنه في الوجود ، بمعنى ان الققه دون ، وهذبت مسائله ، وأرسيت قواعده ، ونظمت أبوابه قبل تدوين قواعد أصول الفقه،وتشذيبها وتمييزها عن غيرها ، وهذا لا يعني أنه ينشأ إلا منذ تدوينه ، وانه لم يكن موجوداً قبل نلك ، أو أن الفقهاء ما كانوا يجرون في استنباطهم للأحكام على قواعد معينة ، ومناهج ثابته ، فالواقع أن قواعد هذا العلم
ومناهجه كانت مستقرة في نفوس المجتهدين ،وكانوا يسيرون فيه ضوئها وإن لم يصرحوا بها ،فعبد الله بن مسعود الصحابي الفقيه عندها كان يقول : إن الحامل المتوفي عنها زوجها ، تنقضي عدتها بوضع حملها ، لقوله تعالى: «وَأُلَاتِ الأَحْمَال أجَلَهُنَّ نْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ»[الطلاق:4] ويستدل بأن سورة الطلاق التي فيها هذه الآية ، نزلت بعد سورة البقرة التي فيها قوله تعالى :« والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزوْاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً» [البقرة:234]إنما كان يشير بهذا الاستدلال إلى قاعدة من قواعد
الأصول (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=148620#post148620) ، وهي : إن النص اللاحق ينسخ النص السابق ، وإن لم يصرح بذلك(1)، كما أن العادة أن الشئ يوجد ثم يدون ، فالتدوين كاشف عن وجوده لا منشىء له كما في علم النحو والمنطق ، فما زالت العرب ترفع الفاعل ، وتنصب المفعول في كلامها ، وتجري على هذه القاعدة وغيرها من قواعد النحو قبل تدوين علم النحو،والعقلاء كانوا يتناقشون ويستدلون بالبديهيات قبل أن يدون علم المنطق، وتوضع قواعده.
فأصول الفقه (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=148620#post148620)، إذن: صاحب الفقه ولازمه منذ نشأته، بل كان موجوداً قبل نشأة الفقه، لأنه قوانين للأستنباط ،وموازين للآراء، ولكن لم تظهر الحاجة إلى تدوينه أولاً،ففي زمان النبي صلى الله عليه وسلم ما كانت هناك حاجة للكلام عن قواعد هذا العلم فضلاً عن تدوينه،لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان هو مرجع الفتيا وبيان الأحكام،فما كان هناك من داعٍ للاجتهاد والفقه، وحيث لا اجتهاد،فلا مناهج للاستنباط،ولا حاجة الى قواعده.


______________________________
1-(شرح التوضيح للتنقيح)ج1 ص39



-14-
#ff0000

‎ ‏
‎ ‏
‎ ‏8- وبعد وفاة النبي الكريم ظهرت وقائع وأحداث كان لا بد من مواجهتها
بالاجتهاد وأستنباط أحكامها من الكتاب أو السنة (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=148620#post148620) ، إلا أن فقهاء الصحابة لم يشعروا بالحاجة إلى الكلام عن قواعد الاجتهاد ومسالك الاستدلال والاستنباط. لمعرفتهم باللغة للعربية ، وأساليبها ، ووجوه دلالة ألفاظها وعباراتها على معانيها ، ولإحاطتهم بأسرار التشريع وحكمته ، وعلمهم بأسباب نزول القرآن وورود السنة . (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=148620#post148620)
وكان نهجهم في الاستنباط : أتهم كانوا إذا وردت عليهم الواقعة التمسوا
حكمها في كتاب الله ، فإن لم يجدوا الحكم فيه رجعوا إلى السنة ، فإن لم يجدوه في السنة (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=148620#post148620) اجتهدوا في ضوء ما عرفوا من مقاصد الشريعة ، وما تومىء إليه نصوصها أوتشير، ولم يجدوا عسراً في الاجتهاد ، رلا حاجةً لتدوين قواعده ، وقد ساعدهم. ذلك ما كان عندهم من ذوق ققهي اكتسبوه من طول صحبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم وملازمتهم له، وما امتازوا به من حدة الذهن ، وصفاء النفس ، وجودة الإدراك.
‎وهكذا انقضى عصر الصحابة ولم تدون قواعد هذا العلم ،وكذلك فعل
التابعون ، فقد ساروا على نهج الصحابة في الاستنباط ، ولم يحسوا بالحاجة إلى تدوين أصول استخراج الاحكام من أدلتها ، لقرب عهدهم من عصر النبوة ، ولتفقههم على الصحابة وأخذهم العلم منهم.
9- إلا أنه بعد انقراض عصر التابعين اتسعت البلاد الإسلامية ، وجدت حوادث ووقائع كثيرة ، واختلط العجم بالعرب على نحو لم يعد بسببه اللسان العربي على سلامته الأولى ، وكثر الاجتهاد والمجتهدون ، وتعددت طرقهم في الاستنباط، واتسع النقاش والجدل ، وكثرت الاشتباهات والاحتمالات ، قكان من أجل ذلك كله أن أحسن الفقهاء بالحاجة إلى وضع قواعد وأصول وضوابط للاجتهاد، يرجع إليها المجتهدون عند الاختلاف،وتكون موازين للفقه وللرأي الصواب.
وقد استمدت تلك القواعد من أساليب اللغة العربية،ومبادئها،ومما عرف
من مقاصد الشريعة وأسرارها، ومراعاتها للمصالح ،وما كان عليه الصحابة من

‎ ‏


‎ ‏-15-
#ff0000

‎ ‏
‎ ‏
‎ ‏نهج في الاستدلال ، ومن مجموع هذه القواعد والبحوث تكون علم أصول (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=148620#post148620) الفقه .
10-وقد بدأ هذا العلم ، بصورته المدونة ، وليداً عل شكل قواعد متناثرة في ثنايا كلام الفقهاءوبيانهم للأحكام ، فقد كان الفقيه يذكر الحكم ، ودليله ووجه الاستدلال يه . كما أن الخلاف بين الفقهاء كان يعضد بقواعد أصولية يعتمد عليها كل فقيه لتقوية وجهة نظره ، وتعزيز مذهبه وبيان مأخذه في الاجتهاد .
11-وقد قيل: إن أول من كتب في أصول الفقه (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=148620#post148620) هوابو يوسف ، صاحب أبي حنيفة، ولكن لم يصل الينا شيء من كتبه.
والشائع عند العلماء :أن أول من دون هذا العلم ، وكتب فيه بصورة مستقلة ، هوالإمام محمد بن إدريس الشافعي المتوفى سنة 204 ه (1)
فقد ألف فيه رسالته الأصولية المشهورة. وتكلم فيها عن القرآن ، وبيانه للأحكام. وبيان السنة للقرآن ، والاجماع والقياس، والناسخ والمنسوخ، والأمر والنهي. والاحتجاج يخبر الواحد، ونحو ذلك من الأبحاث الأصولية .
وكان نهجه في هذه الرسالة يتسم بالدقة، والعمق، واقامة الدليل على ما يقول، ومناقشة آراء المخالف بأسلوب علمي رائع رصين .
وبعد الشافعي ، كتب أحمد بن حنبل كتاباً في طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وآخر في الناسخ والمنسوخ، وثالثاً في العلل، ثم تتابع العلماء في الكتاية، وأخذوا ينظمون أبحاث هذا العلم، ويوسعونه، ويزيدون عليه .
12-مسالك العلماء في بحث أصول الفقه :
ولم يسلك العلماء في أبحاث أصول الفقه طريقاً واحداً، فمنهم من سلك

________________________________
ا - ويقول العلامة محمود الشهابي الخراساني في مقدمته في كتاب «فوائد الأصول من تقريرات الحجة
النائيني للعلامة الشيخ محمد علي الكاظمي الخراساني ، ص د- ه : (وقد صرح جمع من الجهابذة : كابن
خلكان ، وابن خلدون ، وصاحب (كشف الظنون): بأن أول من صنف في أصول الفقه محمد بن ادريس
الشاقعى ..لكن لست على يقين من ذلك ،بل من المحتمل عندي أن يكون يوسفبن يعقوب بن إبراهيم،
وهو أول من لُقِّب بقاضي القضاة ، سابقاً على الشافعي بتأليف الأصول).

-16-
#ff0000


مسلك تقرير القواعد الأصولية ، مدعومة بالأدلة والبراهين دون التفات إلى موافقة أو مخالفة هذه القواعد للفروع الفقهية المنقولة عن الأئمة المجتهدين ، فهو اتجاه نظري،غايته : تقرير قواعد هذا العلم كما يدل عليها الدليل ، وجعلها موازين لضبط الاستدلال. وحاكمة على اجتهادات المجتهدين لا خادمة لفروع المذهبي وهذا المسلك عرف بمسلك المتكلمين أو طريقة المتكلمين ،وقد اتبعه المعتزلة والشافعية
والمالكية ،كما اتبعه علماء الجعفرية في أول تدوينهم لعلم أصول الفقه ،وإن جنحوا بعد ذلك إلى مزج هذه الطريقة بالطريقة الآخرى وهي :تقرير القواعد الأصولية على ضوع فروع المذهب(1)
وتمتاز هذء الطريقة - طريقة المتكلمين- بالجنوح الى الاستدلال العقلي ، وعدم التعصب للمذاهب ، والإقلال من ذكر الفروع الفقهية ، وإن ذكرت ، كان ذلك عرضا على سبيل التمثيل فقط.
13-ومن العلماء من سلك مسلكاً آخر، يقوم على تقريرالقواعد الأصولية على مقتضى ما نقل عن الآثمة من فروع فقهية ، بمعنى : أن هؤلاء العلماء وضعوا القواعد التي رأوا أن أئمتهم لاحظوها في اجتهاداتهم ، واستنباطهم للأحكام على
ضوء ما ورد عنهم من فروع فقهية ، وقد اشتهرعلماء الحنفية باتباع هذا المسلك ، حتى عرفت هذه الطريقة بطريقة الحنفية.
ويمتاز هذا المسلك بالطابع العملي،فهو دراسة عملية تطبيقية للفروع الفقهية المنقولة عن أئمة المذهب،واستخراج القوانين والقواعد والضوابط الأصولية ،التي لاحظها واعتبرها أولئك الأئمة في استنباطهم،ومن ثم فإن هذه الطريقة تقرر القواعد الخادمة لفروع المذهب
،وتدافع عن مسلك أئمة هذا المذهب في الاجتهاد، كما إن هذه الطريقة، وهذا هو نهجها ،أليق بالفروع وأمس بالفقه كما يقول العلامة ابن خلدون(2)

____________________
1-(محاضرات في أصول الفقه)لأستاذنا الشيخ محمد أبي زهرة‎ ‏ص22
2-(مقدمة ابن خلدون)ص455


-17-
#ff0000

ياس
2016-04-29, 09:35 PM
14-وقد وجدت طريقة ثالثة في البحث،تقوم على الجمع بين الطريقتين،والظفر بمزايا المسلكين،فتعنى بتقرير القواعد الأصولية المجردة التي يسندها الدليل،لتكون موازين
للاستنباط ،وحاكمة على كل رأي واجتهاد،مع التفات إلى المنقول عن الأئمة من الفروع الفقهية،وبيان الأصول التي قامت عليها تلك الفروع ،وتطبيق القواعد عليها،وربطها بها،
وجعلها خادمة لها،وقد اتبع هذه الطريقة علماء من مختلف المذاهب:كالشافعية، والمالكية، والحنابلة، والجعفرية، والحنفية.
15-ومن الكتب المؤلفة على طريقة المتكلمين:كتاب(( البرهان))لإمام الحرمين عبد الملك بن عبدالله الجويني الشافعي المتوفي سنة 413ه
،وكتاب ((المستصفى))لإبي حامد محمد بن محمد الغزالي الشافعي المتوفي سنة 505ه،وكتاب ((المعتمد))لأبي الحسين محمد بن علي البصري المعتزلي المتوفي سنة 413ه.
وقد لخص هذه الكتب الثلاثة فخر الدين الرازي الشافعي المتوفى سنة 606ه.
كما لخصها أيضاً وزاد عليها الإمام سيف الدين الآمدي الشافعي المتوفى سنة 631ه في كتابه ((الإحكام في أصول الأحكام)).
أما الكتب المؤلفةالمؤلفة على طريقة الحنفية فمن أهمها،كتاب((الأصول))لأبي بكر أحمد بن علي المعروف بالجصاص المتوفى سنة 370ه
،وكتاب ((الأصول))لأبي زيد عبدالله بن عمر الدبوسي المتوفى سنة 430ه،وكتاب ((الأصول)) لفخر الإسلام علي بن محمد البزدوي المتوفى سنة 482ه،وشرحه المسمى :كشف الاسرار)) لعبد العزيز بن أحمد البخاري المتوفى سنة 730ه.
ومن الكتب المؤلفة على الجمع بين الطريقتين كتاب((بديع النظام))الجامع بين كتابي البزدوي والإحكام،للإمام مظفر الدين احمد بن علي الساعاتي الحنفي المتوفى سنة 649ه ،وكتاب ((التنقيح))،وشرحه((التوضيح))لصدر الشريعة عبدالله بن مسعود الحنفي المتوفى سنة 747ه.
و((شرح التوضيح))للشيخ سعد الدين مسعود


-18-
#ff0000

ابن عمر التفتزاني الشافعي المتوفى سنة 792ه وكتاب((جمع الجوامع))لتاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي الشافعي المتوفى سنة 771ه ،وكتاب(( التحرير))لابن الهمام الحنفي المتوفى سنة 861ه، وشرحه ((التقرير والتحبير))لتلميذ المؤلف محمد ابن محمد أمير الحاج الحلبي المتوفى سنة 879ه، وكتاب ((مسلم الثبوت)) لمحب الله ابن عبد الشكور المتوفى سنة 1119ه،و((شرحه)) للعلامة عبدالعلي محمد بن نظام
الدين الأنصاري ، وغيرها من الكتب .
ومن كتب الأصول المهمة عند علماء الجعفرية ، كتاب ((الذريعة إلى اصولالشريعة)) للسيد الشريف المرتضى المتوفى سنة 336ه، وكتاب ((عدة الأصول)) للشيخ ابي جعفر محمد ين حسين بن علي الطوسي المتوفى سنة 460ه(1) .
ومن كتب متأخريهم كتاب ((القوانين)) لأبي الحسن الجيلاني الذي فرغ من تأليفه سنة 1205ه، ومن الكتب الحديثة كتاب ((العناوين)) للشيخ محمد مهدي الخالصي الكاظمي ، وقد فرغ من تأليفه سنة1341ه.
16-منهج البحث:
موضوعات علم الأصول : هي الحكم الشرعي ، ودليله ، وطرق استنباطه والمستنبط نفسه ، أي المجتهد من حيث شروط الأهلية للاجتهاد .
وعلى هذا سنقسم ابحاث هذا الكتاب على النحو التالي :

الباب الأول :في مباحث الحكم
الباب الثاني : في أدلة الأحكام
الباب الثالث : طرق استنباط الأحكام ، وقواعده ، وما يلحق بهذا كله من
قواعد الترجيح ، والناسخ والمنسوخ.
الباب الرابع : الاجتهاد وشروطه ، والمجتهد ، والتقليد ومعناه.


__________________________________

1-فوائد الاصول ص5.


-19-
#ff0000

ياس
2016-04-30, 12:32 AM
الباب الاول
مباحث الاحكام

الفصل الأول
الحكم وأقسامه
المبحث الأول
التعريف بالحكم واقسامه الأصلية

17- معرفة الحكم الشرعي ، هو الغاية من علم الفقه (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=148745#post148745) وأصوله ، ولكن علم
الأصول ينظر إليه من جهة وضع القواعد والمناهج الموصلة إليه ، وعلم الفقه ينظر إليه باعتبار استنباطه فعلا ، بتطبيق ما وضعه علم الأصول للتعرف عليه .
والحكم عند الأصوليين هو: خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء
أو التخيير، أو الوضع (1).
والمقصود بخطاب الله: كلامه مباشرة وهو القرآن ، أو بالواسطة: وهو ما
يريرجع ألى كلامه من سُنَّة ، اوإجماع ، وسائر الأدلة الشرعية التي نصبها الشارع لمعرفة حكمه .
فالسُّنَّة (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=148745#post148745): وهي ما يصدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم على وجه التشريع ، راجعة إلى كلامه لأنها مبينة له ، وهي وحي الله إليه ، قال تعالى «وَمَا يَنَطِقُ عَنِ الهوى إنْ هُوَ إلَّا وَحْيّ يُوحَى»[النجم:3].
____________________
1-(فواتح الرحموت بشرح مُسلَّم الثبوت)ج1ص54،ومؤلف (مُسلَّم الثبوت)محب الله بن عبد الشكور، والشارح هو عبدالعلي بن نظام الدين
الأنصاري ،و(إرشاد الفحول)للشوكانيص5

-23-
#ff0000

والإجماع لا بد له من دليل من الكتاب والسنة (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=148745#post148745)، فكان راجعاً إلى كلام الله بهذا الاعتبار.
وهكذا سائر الأدلة الشرعية، كلها كاشفة لخطاب الله ، ومظهرة للحكم الشرعي لا مثبتة له .
والمقصود ( بالاقتضاء): الطلب ، سواء أكان طلب فعل أم تركه ، وسواء أكان هذا الطلب بنوعيه على سبيل الإلزام ،أم كان على سبيل الترجيح.
والمراد (بالتخيير): التسوية بين فعل الشيئ وتركه ، يدون ترجيح أحدها على الآخر،واباحة كل منهما للمكلف.
والمراد (بالوضع): جعل شيء سبباً لآخر أو شرطأً له ، أو مانعاً منه(١) فقوله تعالى:« يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» [المائدة:1]،حكم شرعي : لانه خطاب من الله تعالى تعلق يفعل من أفعال المكلفين(2)،وهو الإيفاء بالعقود على جهة الطلب له .
وقوله تعالى :«وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً »[الإسراء]، حكم شرعي : لأنه خطاب من الشارع ، طلب به الكف عن فعل، وهو الزنى.
وقوله تعالى :«وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا»[المائدة:2] حكم شرعي : لأنه
خطاب من الشارع بإباحة الاصطياد بعد التحلل من الإحرام.
وقوله تعالى:«فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ»[الجمعة:10]، حكم شرعي لأنه خطاب من الشارع بإباحة الانتشار في الأرض بعد الفراغ من الصلاة .
وقوله تعالى :«وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ‎ ‏»[آل عمران:97]،حكم شرعي (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=148745#post148745):لأنه خطاب من الشارع بوجوب الحج للمكلفين.

________________________
1-ويلحق بهذا وصف الشئ بكونه صحيحاً أو باطلاًأو فاسداً،كما سيأتي بيانه في موضعه.
2-المكلف:هو البالغ العاقل،ويُسمّى المحكوم عليه،كما سيأتي بيانه فيما بعد.



-24-
#ff0000

‎ ‏وقوله تعالى :« وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا»[المائدة:38]، حكم شرعي (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=148745#post148745) ؛ لأنه خطاب عن الشارع يجعل السرقة سبباً لوجوب قطع يد السارق أو السارقة .
وقوله تعالى:« أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ...»[الإسراء:78]، حكم شرعي :لانه خطاب من الشارع يجعل دلوك الشمس سبباً لوجوب الصلا(1).
وقول النبي صلى الله عليه وسلم« رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ. وعن الصبي حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يفيق» ، خطاب من الشارع يجعل العوم والصغر والجنون أموراً مانعةً من التكليف .
18-ومن تعريف الحكم عند الأصوليين (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=148745#post148745) يعرف أمران :
الأول : ان خطاب الله تعالى المتعلق بغير أفعال المكلفين ، لا يسمى حكماً عند الأصوليين ، مثل خطابه تعالى المتعلق بذاته وصفاته ، كقوله تعالى :«والله بِكُل شَئ عَلِيمٍ»، وخطابه المتعلق بما خلقه من جمادات كقوله تعالى :« وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ»[الأعراف:54]، وقوله تعالى: « أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً * وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً »[النبأ:6]،وكذلك خطابه المتعلق بأقعال المكلفين ، ولكن لا على سبيل الطلب والتخيير والوضع ، كما في القصص القرآني كقوله تعالى :«الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ...»[ الروم:1،2]،وكما في إخباره عن خلقه للمخلوقات،مثل قوله تعالى:«والله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ»[الصافات:96]
الثاني : ان الحكم عند الأصوليين هو نفس خطاب الله ، أي نفس النصوص
الشرعية ، اما عند الفقهاء (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=148745#post148745) ، فالحكم : هو أثر هذا الخطاب ، أي ما يتضمنه هذا الخطاب،فقوله تعالى:«وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى» هو الحكم عند الأصوليي (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=148745#post148745)ن :أما عند الفقهاء: فهو أثر هذا الخطاب،أي ماتضمنه هذا النص الشرعي، وهو حرمة الزنى.
‎ ‏

‎ ‏
_________________
1- الدُّلوك:تحول الشمس في كبد السماء،وميلها نحو جهة الغرب

‎ ‏
‎ ‏-25-
#ff0000

19- أقسام الحكم الشرعي:
ينقسم الحكم عند الاصوليين الى قسمين(1):
الأول : الحكم التكليفي : وهو ما يقتضي طلب الفعل ، أو الكف عنه ، أو التخيير بين الفعل والترك.
وإنما سمي هذا النوع بالحكم التكليفي :لان فيه كلفة على الإنسان ، وهذا ظاهر فيما طلب فيه الفعل أو الترك ، أما ما فيه تخيير فقد جعل ايضاً من الحكم التكليفي على سبيل التسامح والتغليب ، او الاصطلاع ، ولا مشاحة في الاصطلاح .

أو يقال : إن اعتبار المباح من أقسام أحكام التكليف ، بمعنى ؛ أنه مختص بالمكلمف أي أن الإباحة ، أو التخيير بين الفعل والترك لا يكون إلا لمن يصح إلزامه بالفعل والترك ، فهذا وجه اعتبار الإباحة من أحكام التكليف ، لا بمعنى أن المباح مكلف به (2).
الثاني : الحكم الوضعي : وهو ما يقتضي جعل شيء سببا لشيء آخر أو شرطاً أو مانعاً منه .
وسمي هذا النوع بالحكم الوضعي : لأنه ربط بين شيئين بالسببية ، أو الشرطية ، او المانعية بوضع من الشارع ،أي بجعل منه ، أي إن الشارع هو الذي جعل هذا سبباً لهذا ، او شرطاً له ، أو مانعاً منه ، وقد مرت الأمثلة لهذين النوعين .

_____________________________________
1-يقسم بعض الأصوليين الحكم إلى ثلاثة أقسام:
أ-حكم اقتضائي:وهو مايقتضي طلب الفعل أو تركه.
ب-وحكم تخييري:وهو مايقتضي التخيير بين الفعل والترك.
ج-وحكم وضعي:وهو جعل شئ سبباً لآخر،أو شرطاً له،أو مانعاً منه:الآمدي ج1ص137،وهذا التقسيم هو الأدق
وما يقتضيه التعريف،ولكنا أخذنا بالتقسيم الثنائي جرياً مع أكثر الأصوليين،لأنه هو الشائع المألوف عندهم.
2-(المُسَوَّدة في أصول الفقه)لآل تيمية ص36.

-26-
#ff0000

ياس
2016-05-01, 04:52 PM
20-الفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي:
أ- الحكم التكليقي : يتطلب فعل شئ، أوتركه ، أوإباحة الفعل والترك للمكلف.
أما الحكم الوضعي ، فلا يفيد شيئاً من ذلك ، إذ لا يقصد به إلا بيان ما جعله الشارع سبياً لوجود شئ، أوشرطاً له، أومانعاً منه، ليعرف المكلف متى يثبت الحكم الشرعي، ومتى ينتفي فيكون على بينة من أمره.
ب - المكلف به في الحكم التكلفي ، أمريستطيع المكلف فعله وتركه ، فهوداخل في حدود قدرته واستطاعته ، لأن الغرض من التكليف: متثال المكلف ما كلف به ، فإذا كان خارجاً عن استطاعته كان التكليف به عبثاً ينزه عنه الشارع الحكيم، ولهذا كان من القواعد في الشريعة الإسلامية : لا تكليف إلا بمقدور).
أما في الحكم الوضعي ، قلا يشترط في موضوعه أن يكون في قدرة المكلف ،ومن ثم كان منه المقدور للمكلف، ومنه الخارج عن قدرته ، ولكن مع هذا إذا وجد ترتب عليه أثره.
فمن الحكم الوضعي المقدور للمكلف: السرقة والزنى وسائر الجرائم ، فقد جعلها الشارع أسباباً لمسبباتها ،فالسرقة مثلاً: سبب لقطع يد السارق ،والزنى: لجلد الزاني أو لرجمه ، وهكذا بقية الجرائم.
وكذلك سائر العقود والتصرفات، فهي أسباب لآثارها الشرعية، فالبيع سبب لنقله الملكية، والنكاح : سبب للحل بيين الزوجين. وترتب الحقوق على الطرفين وإحضار الشاهدين : شرط لصحة النكاح، والوضوء :شرط لصحة الصلاة، فلا يصح نكاح بلا شهود، ولا تصح صلاة بلا وضوء، وقتل الوارث لمورثه:مانع من الإرث،وكذا قتل الموصى له للموصي:مانع من نفاذ الوصية.
ومن الحكم الوضعي غير المقدور للمكلف: حلول شهر رمضان فهو سبب لوجوب الصيام،ودلوك:الشمس:سبب لوجوب الصلاة،والقرابة: سبب لميراث، وهذه الأسباب كلها غير مقدورة للمكلف،وبلوغ الحلم :شرط لانتهاء


-27-
#ff0000


الولاية على النفس،وبلوغ الإنسان الرشد:شرط لنفاذ بعض التصرفات،وكل من البلوغ
والرشد غير مقدور للمكلف،والأبوة: مانعة من قتل الأب إذا قتل ابنه عمداً، والجنون:مانع من تكليف المجنون ،
من انعقاد عقوده، وكون الموصى له وارثاً: مانع من نفاذ الوصية على رأي أكثر الفقهاء ،وهذه الموانع كلها غير مقدورة للمكلف.






-28-
#ff0000

المبحث الثاني
اقسام الحكم التكليفي

21- يقسم معظم الأصوليين(1) الحكم التكليف إلى خمسة أقسام ، وهي:
أولاً: الإيجاب : وهو طلب الشارع الفعل على سبيل الحتم والالزام ، وأثره في فعل المكلف : الوجوب ، والفعل المطلوب على هذا الوجه : الواجب .
ثانياً: الندب: وهو طلب الشارع الغعل عل سبيل الترجيح لا الإلزام ، وأثره في فعل المكلف الندب : أيضاً ، والقعل المطلوب على هذه الصفة : هو المندوب ٠
ثالثاً : التحريم : وهو طلب الشارع الكف عن الفعل عل سبيل الجزم والالزام ، وأثر في فعل المكلف : الحرمة ، والفعل المطلوب تركه : هو الحرام أو المحرم .
رابعاً: الكراهة : وهي طلب الشارع الكف عن الفعل على سبيل الترجيح لا الحتم والإلزام ، وأثر في فعل المكلف : الكراهة أيضاً ، والفعل المطلوب تركه على هذا الوجه :هوالمكروه.
خامساً :الإباحة: وهي تخيير الشارع للمكلق بين الفعل والترك ، دون ترجيح لأحدهما على الآخر واثره في فعل المكلف : الإباحة ، والفعل الذي خير فيه المكلف : هو المباح .
ومن هذا يتبين لنا أن المطلوب إيجاده نوعان :- الواجب والمندوب ، وأن الفعل

___________________________
1-والحنفية يقسمونه إلى سبعة أقسام :الافتراض، والإيجاب ، والندب ، والتحريم ، والكراهة تحريماً ،والكراهة تنزيهاً، . والإباحة .



-29-

#ff0000

المطلوب تركه نوعان أيضا :المحرم والمكروه،وأن الفعل المخير بين فعله وتركه
نوع واحد: هو المباح.
ونتكلم فيما يلي عن كل نوع من هذه الأنواع في مطلب على حده.




-30-
#ff0000

المطلب الأول
الواجب

22- الواجب شرعاً : هو ما طلب الشارع فعله على وجه اللزوم ، بحيث:
يذم تاركه ومع الذم العقاب ، ويمدح فاعله ومع المدح الثواب(1)
وتحتم الفعل أو لزومه ، يستفاد من صيغة الطلب ، كصيغة الأمر المجردة
فهي تدل على الوجوب ، اومن ترتيب العقاب عل ترك الفعل : فإقامة الصلاة، وبر الوالدين ، والوفاء بالعقود ، ونحوذلك ، كلها من الأفعال الواجبة التي ألزم الشارع المكلف بها ، ورتب العقاب على تركها ٠
والواجب:هو الفرض عند الجمهور ، فهما سواء لا يختلفان في الحكم ولا في
المعنى ، فهما يطلقان على ما يلزم فعله ويعاقب عل تركه (2).
أما الحنفية فانهم يفرقون بينهما من جهة الدليل الذي ثبت به لزوم الفعل،
فإذا كان الدليل ظنياً لا قطعياً : كخبر الآحاد الثابت به وجوب الأضحي فالفعل هو الواجب، وإذا كان الدليل قطعياً لا ظنياً : كنصوص القرآن في لزوم الصلاة على ا لمكلف، فالفعل هوالفرض.
فالحنفية نظروا إلى دليل لزوم الفعل ، فقالوا بالواجب والفرض .


_________________________________________
ا -(الاحكام ) لابن حزم ٣ج ص321.
2-(الُمسوَّدة في أصول الفقه)وحكى ابن عقد الحنبلي رواية عن الإمام أحمد:إن الفرض ما لزم بالقرآن، والواجب ما كان بالسنة . وعلى هذه الرواية يقترب الحنابلة جداً من رأى الحنفية ، إن لم يكونوا مثلهم في الفرق بين الفرض والواجب.

-31-
#ff0000




والجمهور نظروا إلى كون الفعل لازما على المكلف ، بغض النظر عن دليله من جهة قطعية او ظنية ، فلم يفرقوا بين الواجب والفرض، وجعلوها اسمين
لمسمى واحد ٠
ولهذا الفرق اثره عند الحنفية ، فإن اللزوم في الواجب أقل منه في الفرض ،ومت ثم فإن عقاب ترك الواجب أدنى من عقاب ترك الفرض ، كما أن منكر الفرض يكفر ، ومنكر الواجب لا يكفر ٠
والظاهر لنا : أن الخلاف لفضي لا حقيقي ، فالحنفية يتفقون مع الجمهور يأن الفرض كالواجب : كلاهما مطلوب فعله صلى وجه الحتم والألزام ، وإن تاركه يستحق الذم والعقاب
والجمهور يتفقون مع الحنفية على أن المطلوب فعله طلباً جازماً، قد يكون دليله قطعياً ، وقد يكون دليله ظنياً(1) وأن الأول يكفر منكره.
ولكن مع هذا فالجمهور يسوون بين الواجب والفرض ، لأن كلا منهما لازم على المكلف ، ويستوجب الذم والعقاب على تركه ، وهذا القدر كاف لأن يكونا شيئاً واحداً .
أما النظر الى الدليل وقوة الإلزام وشدة العقاب وكفر المنكر لأحدهما دون الآخر فهذه أمور خارجة عن ماهية وحقيقة الفعل الذي ألزم المكلف به ، وسمي
بالواجب، واتفق الجميع على أنه مقتضى خطاب الشارع الذي اقتضى طلب الفعل على وجه الحتم والإلزام.
فالخلاف إذن لفظي ، يرجع إلى ((الدليل التفصيلي ، فهو اعتبار فقهي وليس خلافا بين الأصوليين ولا خلافاً حقيقاً بين الفقهاء(2)
23- اقسام الواجب :
يقسم الواجب الى أقسام متعددة ، باعتبارات مختلفة ، فهناك تقسيم له : باعتبار وقت أدائه ، وآخر :باعتبار تقديره وعدم تقديره، وثالث : باعتبار تعييته

__________________________
1 - ((المستصفى ))، للغزالي ج 1 ص 66.
2-((سلم الوصول)) للعلامة محمد بخبت المطيعي ج 1ص76.


-32-

#ff0000

ياس
2016-05-02, 01:11 AM
وعدم تعيينه ، ورابع : باعتبار المطالب بأدائه
ونتكلم فيما يلي عن كل قسم من هذه التقسيمات:

24- الواجب بالنظر إلى وقت أدائه :
وهو بهذا الاعتبار: واجب مطلق ، وواجب مقيد (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=149385#post149385).
فالواجب المطلق : هوما طلب الشارع فعله ، دون أن يقيد اداءه بوقت معين فللمكلف أن يفعله في أي وقت شاء ، وتبرأ ذمته بهذا الأداء ، ولاإثم عليه في التأخير. ولكن ينبغي له المبادرة إلى الأداء ، لان الآجال مجهولة ولا يعلم الإنسان متىى تحل به مصيبة الموت.
ومن هذا النوع : قضاء رمضان لمن أفطر بعذر مشروع فله أن يقضيه متى شاء ، دون تقيد بعام مخصوص على ما ذهب إليه فريق من الفقهاء ، كالحنفية ، خلافاً لغيرهم ٠
وكالكفارة الواجبة (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=149385#post149385)على من حنث في يمينه ؛ لله أن يكفر بعد الحنث مباشرةً، أو بعد ذلك بحين.
وكالحج: فهو واجب على المستطيع على التراخي ، لا الفور :فله أداؤه في أي عام شاء من سني عمره.
والواجب المقيد : هو ما طلب الشارع فعله وعين لأدائه وقتاً محدداً : كالصلوارت الخمس ، وصوم رمضان ، فلا يجوز أداؤه قبل وقته المحدد ، ويأثم بتأخيره بعد وقته من غيرعذر مشروع .
فالإلزام في الواجب المقيد (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=149385#post149385) : منصب على الفعل وعلى وقت معين .
والإلزام في الواجب المطلق : منصب على الفعل فقط دون وقت معين .
هذا وإن المكلف إذا أدى الواجب في وقته بصورة صحيحة كاملة ، سمي :فعله إداء،وإذا فعله في الوقت المعين ناقصاً، ثم أعاده كاملاً في هذا الوقت، سمي



-33-
#ff0000

فعله الثاني :إعادة، وإذا أداه بعد الوقت، سمي فعله: قضاء(1)

25- الواجب بالنظر إلى تقديره وعدم تقديره :
ينقسم الواجب (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=149385#post149385) باعتبار المقدار المطلوب منه إلى : واجب محدد ، وواجب غير محدد .
فالواجب المحدد : هو ما عين الشارع منه مقداراً محدداً : كالزكاة ، واثمان المشتريات والمبيعات ، والديات ، ونحو ذلك.
وهذا النوع يتعلق بلذمة ، وتصح المطالبة به من غير توقف عله قضاء أو تراضٍ، لأنه محدد بنفسه، ولا تبرأ ذمة المكلف منه إلا بأدائه على الوجه الذي ،حدده الشارع،وثبت في ذمته.
والواجب (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=149385#post149385) غير المحدد ، هو الذي لم يحدد الشارع مقداره : كالإنفاق في سبيل الله(في غير الزكاة) فهذا ليس له حد محدود ، وإنما يتحدد بمقدار حاجة المحتاج وقدرة المنفق ، فمن تعين عليه سد حاجة فقير، لزمه واجب غير محدد ، فعليه ان ينفق على هذا الفقير بمقدار ماتندقع به حاجته.
ومنه أيضاً : التعاون عل البر، فهو واجب غير محدد، وإنما الذي يحدده نوعية البر الذي يلزم المكلف التعاون على إيجاده .
وهذا النوع من الواجب لا يثبت ديناً في الذمة ؛ لأن الشأن فيما يثبت في الذمة أن يكون محدداً، وعلى هذا لا تثبت النفقة للزوجة في ذمة الزوج قبل الحكم بها ، أو التراضي عليها عند بعض الفقهاء (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=149385#post149385) ، كالحنفية ، لأنها قبل هاتين الحالتين لا تكون محددة ، فلا تثبت في الذمة ،وبالتالي لا تصح المطالبة بها عن مدة سابقة لحكم القاضي أو التراضي . وعند البعض الآخر من الفقهاء. كالشافعية وغيرهم : تثبت نفقة
الزوجة ديناً في ذمة الزوج ، من حين امتناعه عن النفقة ، لأن هذه النفقة عندهم واجب محدد ، فمقدارها محدد بحال الزوج ، ومن ثم فللزوجة الطالبة بها عن المدة
‎ ‏
______________________
‏1- (( تنقيح الأصول إلى علم الاصول )) للعلامة الحلي ، و((تسهيل الوصول إلى علم الأصول)) ، للشيخ محمد عبد الرحمن المحلاوي ص276.

-34-
#ff0000
السابقة لحكم القاضي لو التراضي ، اي من حين امتناع الزوج عن النفقة،وبهذا
اخذ قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 88 لسنة 1959(1).
26- الواجب (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=149385#post149385)بالنظر الى تعين المطلوب وعدم تعينه :
وهو بهذا الاعتبار :واجب معين ، وواجب غير معين .
فالواجب المعين.. هوما طلبه الشارع بعينه من غيرتخييرللمكلف بين أمور مختلفة : كالصلاة والصيام ورد المغصوب إن كان قائما ، وحكم هذا النوع عدم براءة الذمة إلا بفعله بعينه .
والواجب غير المعين : هو ما طلبه الشارع لا بعينه ، ولكن ضمن أمور معلومة ، وللمكلف أن يختار واحداً منها لأداء هذا الواجب (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=149385#post149385) .
وقد يكون هذا الواجب واحداً من اثنين وللمكلف أن يختار أحدهما، كما
في قوله تعالى في أسرى الحرب «حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ»[محمد:4] فللإمام أن يمن على
الأسرى، أويفاديهم بغيرهم .
وقد يكون الواجب غير المعين واحداً من ثلاثة أمور ومثله : كفارة اليمين (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=149385#post149385)
فإن الواجب فيها عل الحانث واحد من ثلاثة أشياء : إطعام عشرة مساكين ، أو كسوتهم ، أو عتق رقبة ، وهذا عند الاستطاعة والمقدرة ، أما عند عدمها فالواجب معين: وهوصيام ثلاثة أيام . وسمى البعض هذا ألواجب: بالواجب المخير، لأن فيه تخييراً للمكلف(2).
27- الواجب بالظر إلى المطالب به :
الواجب بهذا الاعتبار : واجب عيني (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=149385#post149385) ، وواجب على الكفاية(3).

_________________________________________
1- الفقرة الرابعة من المادة 24 ، تعتبر نفقة الزوجة غيرالناشز دَيْناً في ذمة زوجها من وقت امتناع الزوج عن الإنفاق
2- ((فواتح الرحموت شرح مُسلَّم الثبوت)) ج1 ص66.
3- وأضاف البعض قسمأ ثالثاً : وهو الواجب المقصود حصوله من ذات معينة ، كالمفروض على النبي صلى الله عليه وسلم دون سواه،كفرض التهجد عليه:المحلاوي ص269


-35-
#ff0000

Perwer90
2016-05-02, 02:42 PM
شكرا .....

ياس
2016-05-02, 10:40 PM
شكرا .....

العفو أخي
جزاكم الله خيرا

ياس
2016-05-05, 07:34 PM
فالواجب العيني:هو ما توجه فيه الطلب اللازم إلى كل مكلف،أي هو ماطلب الشارع حصوله من كل واحد من المكلفين،فلا يكفي فيه قيام البعض دون البعض الآخر، ولا تبرأ ذمة المكلف منه إلا بأدائه،لأن قصد الشارع في هذا الواجب،لا يتحقق، إلا إذا إذا فعله مكلف، ومن ثم يأثم تاركه ويلحقه العذاب،ولا يغني عنه قيام غيره به.فالمنظور إليه في هذا الواجب (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=31344):الفعل نفسه والفاعل نفسه،ومثاله:الصلاة ،والصيام، ولوفاء
بالعقود،وإعطاء كل ذي حق حقه. والواجب على الكفاية،أو الكفائي:هو ماطلب الشارع حصوله من جماعة المكلفين،لا من كل فرد منهم،لأن مقصود الشارع حصوله في الجماعة،أي إيجاد الفعل لا ابتلاء المكلف(1)،فإذا فعله البعض سقط الفرض عن الباقين(2)،لأن فعل البعض يقوم مقام فعل البعض الآخر،فكان التارك بهذا الاعتبار فاعلاً،وإذا لم يقم به أحد أثم جميع القادرين.فالطلب في هذا الواجب (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=31344) منصب على إيجاد الفعل لا على فاعل معين،أما في الواجب العيني فالمقصود به تحصيل الفعل ولكن من كل مكلف.ومن أمثلة الواجي الكفائي:الجهاد،القضاء،ولإفتاء،والتفقه في الدين،وأداء الشهادة،والأمر بالمعروف،والنهي عن المنكر،وإيجاد الصناعات والحرف والعلوم التي تحتاجها الأمة،وإعداد القوة بأنواعها،ونحو ذلك مما يحقق مصلحة عامة،لأن فروض الكفاية تهدف غالباً إلى مصلحة عامة للأمة.وإنما يأثم الجميع إذا لم يحصل الواجب الكفائي،لأن مطلوب من مجموع الأمة،
فالقادر على الفعل عليه أن يفعله،والعاجز عنه عليه أن يحث القادر،ويحمله على فعله،فإذا لم يحصل الواجب كان ذلك تقصيراً من الجميع:من القادر،لأنه لم يفعله،ومن العاجز،لأنه لم يحمل القادر على فعله ويحثه عليه،قال الإمام الشافعي في الفرض الكفائي:ولو ضيعوه معاً ،خفت أن لايخرج واحد منهم مطيق فيه المآثم))(3).

_______________________________
1-((تيسير التحرير))ج2 ص363-364.
2-((المسوَّدة))ص31.
3-وعلى هذا((الرسالة))للإمام الشافعي ص366.

-36-
#ff0000


وعلى هذا التصور للواجب وجب على الأمة مراقبة الحكومة،حملها على القيام بالواجبات الكفائية ،أو تهيئة الأسباب اللازمة لأدائها ،لأن الحكومة نائبة عن الأمة في تحقيق المصالح العامة،وقادرة على القيام بأعباء الفروض الكفائية،فإذا قصرت في
ذلك أثمت الأمة كلها بما فيها السلطة التنفيذية (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=31344):الأمة لعدم حملها الحكومة على تهيئة ماتقام به الفروض الكفائية،والحكومة لعدم قيامها بالواجب الكفائي مع القدرة عليه.
وقد يصير الواجب الكفائي واجباً عينياً (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=31344)،كما في الجهاد:إذ لم يحصل المقصود به، صار فرضاً عينياًعلى كل مكلف قادر على محاربة العدو بأي نوع من أنواع المحاربة.
ومثله أيضا:إذا شهد المكلف القادر دون غيره منكراً،فعليه إنكاره بقدرة استطاعته.ومثله ايضا:الطبيب في القرية إذا لم يكن غيره تعين عليه إسعاف المرضى،وهكذا.


-37-
#ff0000

المطلب الثاني
المندوب

28-الندب:الدعاء إلى الأمر المهم ، والمندوب : المدعو إليه ، ومنه قول
الشاعر:
لاَ يَسْأَلُونَ أَخَاهم حينَ يَندُبُهم للنَّائِبَاتِ على ما قَالَ بُرهَانا
وفي الاصطلاح : هوما طلب الشارع فعله من غيرإلزام ، بحيث يمدح فاعله
ويثاب ، ولا يذم تاركه ولا يعاقب(1) ، وقد يلحقه اللوم والعتاب على ترك يعض
أنواع المندوب ٠
ويدل عل كون الفعل مندوباً صيغة الطلب ، إذا اقترن بها ما يدل على ارادة
الندب لا الإلزام ، سواء كانت هذه القرينة نصاً أو غيره.
فقوله تعالى:«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ»[البقرة:282] لا يدل هذا الطلب على الحتم والإلزام ، بقرينة ما ورد في
‎ ‏ سياق الآية وهو قوله تعالى:« فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ»[البقرة:183]فهذا النص يدل على أن طلب كتابة الدين:إنما يراد به الندب لا اللزوم،فهو من قبيل الإرشاد للعباد لما يحفظون به حقوقهم من الضياع،فإذا لم يأخذوا بهذا الإرشاد تحملوا هم نتيجة إهمالهم.
وقوله تعالى:«فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً»[النور:33]،لايدل على وجوب (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=31344)المكاتبة،بقرينة القاعدة الشرعية:إن المالك حر في التصرف في ملكه)).

_______________________
1-((المسوَّدة))ص576،((الإحكام))لابن حزم ج1 ص40،ج3 ص321.

-38-
#ff0000


وقوله عليه الصلاة والسلام :يا معشر الشباب ، من استطاع منكم الباءة
فليتزوج( 1) لا يدل على وجوب النكاح (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=31344) على كل مكلف ،بقرينة ما عرف بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم :أنه لم يلزم كل مكلف بالنكاح ، ولو مع قدرته عليه.
29- والمندوب، يسمى أيضاً: السنة ، والناقلة ، والمستحب، والتطوع،
والإحسان ، والفضيلة ، وكلها الفاظ متقاربة المعنى تشير الى معنى المندوب : وهو كونه راجع الفعل من غير إلزام(2)
والمندوب ليس نوعاً واحداً ،بل هو على مراتب:
فأعلاها: ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتركه إلا نادراً،ومنه:صلاة ركعتين قبل فريضة الفجر ،فهذه تسمى : سنة مؤكدة ، يلام تاركها ولا يعاقب،ومنها أيضا : النكاح في حالة الاعتدال بالنسبة للقادر عليه ، والأذان فهومن شعائر الإسلام المتعلقة بمصلحة دينية عامة، فلا يحوز التهاون به،ولهذا إذا تواطأ أهل قرية على تركه حملوا عليه قسراً.
ويلي هذه المرتبة، ما يسمى : بالسُّنَّة غير المؤكدة : وهي التي لم يداوم عليها
النبي صلى الله عليه وسلم، كصلاة أربع ركعات قبل الظهر ،وكصدقة التطوع بالنسبة للقدر عليه ،إذا لم يكن من يتصدق عليه في حالة الاضطرار والحاجة الشديدة .
وتلي هذه المرتبة من النسب ، ما يسمى بالفضيلة والأدب وسنة الزوائد
كالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في شؤونه الاعتيادية التي صدرت منه بصفته إنساناً ، كآداب الأكل والشرب والنوم ، فالاقتداء به عليه الصلاة
والسلام في هذه الأمور مستحب (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=31344)،ويدل على تعلق المقتدي به - عليه الصلاة والسلام -، ولكن تاركها لا يستحق لوماً

________________________
1- الباءة: هي القدرة على النكاح والقيام بأعبائه.
2- سُمي المندوب بهذا الاسم : لأن الشارع دعا إليه، وسُمي بالمستحب :لأن الشارع يحبه ، ويالنقل :
لأنه زائد على الفرض ، ويزيد في الثواب ، وبالتطوع : لأن فاعله يأتي به تبرعاً، وفضيلة : لأن فعله يفضل تركه . ((رد المختار))لابن عابدين ج1 ص91 وما بعدها .



-39-
#ff0000‏

ولا عتاباً لأنها ليست من أمور الدين ، ولم تجر مجرى العبادات ، ولكن مجرى العادات .
30- ويلاحظ هنا أمران :
الأول : إن المندوب بجملته يعتبر كمقدمة للواجب (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=31344)، ويذكربه ويسهل على المكلف أداءه لأن المكلف بأدائه المندوبات ودوامه عليه ، يسهل عليه أداء الواجبات ويعتادها، وفي هذا يقول الإمام الشاطبي : ((المندوب إذا اعتبرته اعتباراً أعم وجدته خادمأ للواجب، لأنه إما مقدمةٌ له ، او تذكارٌ به سواء أكان من جنسه واجب أم لا))(1)
الثاني: إن المندوب وإن كان غير لازم باعتبار جزئه، إلا أنه لازم باعتبار الكل ، بمعنى أنه لا يصبح للمكلف أن يترك المندوبات جملة واحدة ، فهذا قادح في عدالته ، ويستحق عليه التأديب والزجر ،ولهذا هم النبىي عليه الصلاة والسلام أن يحرق بيوت المداومين على ترك الصلاة جماعةً
فالأذان وصلاة الجماعة وصدقة التطوع وسنة الفجر ،كلها مندوبة من حيث الجزء ، لازمة من حيث الكل، فلا يصحّ تركها جملةٍ.
ومنه أيضاً : النكاح ، فلا يصبح تركه من قِبَل الأمة كلها ، لأن في هذا الترك فناءها ، فهو مندوب من حيث الجزء ، أي بالنسبة للآحاد ، واجب بالنسبة للجماعة ، فهو كأنه فرض كفاية (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=31344) ، ((فترك المندوبات كلها مؤثر في أوضاع للدين إذا كان الترك دائماً،أما إذا كان في بعض الأوقات فلا تأثير له))(2)




____________________________________________
1-((الموافقات))للشاطبي ج1ص151
2-((الموافقات))للشاطبي ج1ص132-133.



-40-
#ff0000

ياس
2016-05-07, 01:41 AM
المطلب الثالث
الحرام أو المحرم


31- الحرام : هو ما طلب الشارع الكف عنه على وجه الحتم والالزام ،فيكون تاركه مأجوراً مطيعاً ، وقاعله آثماً عاصياً(1)، سواء كان دليله قطعياً لا شبهة فيه : كحرمة الزنى ، أم كان ظنياً : كالمحرمات بالسنة (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=31344) الآحادية .
وعند الحنفية لا يطلق الحرام إلا على ما كان دليله قطعياً فإن كان ظنياً سمي
بالكروه تحريماً.
ويستفاد التحريم من استعمال لفظ يدل على التحريم بمادته : كلفظ الحرمة ، أو نفي الحل ، كقوله تعالى :« حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ »[النساء :23]،وقوله عليه الصلاة والسلام : «لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيب من نقسه»(2)
أويستفاد التحريم (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=31344) من صيغة النهي المقترنة بما يدل على الحتم ، أومن ترتيب
العقوبة على الفعل .
فمن الأول : قوله تعالى: «فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ»[الحج:30] ، وقوله تعالى «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ »[المائدة:90].

___________________________
1-(( الإحكام )) لابن حزم ج3 ص321.
2-ولا يَتَوهم أحد أن مال الذمي ((غير المسلم)) حلال ، لأن ذكر المسلم في الحديث الشريف لا يدل على هذا الوهم ، والحقيقة أن الذمي كالمسلم في لزوم احترام ماله وعدم أخذه إلا برضى منه ، لأن القاعدة :أن الذميين لهم ما لنا وعليهم ما علينا ، وقال علي (رض): إنما قبلوا عقد الذمة لتكون دماُؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا. انظر الكاساني في ((بدائع الصنائع)) ج6 ص111و«سنن الدار قطني»ج2 ص350 و((شرح السير الكبير))ج3ص250



-41-
#ff0000

ومن الثاني:قوله تعالة:« وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً »[النور:4]،وقوله تعالى:« إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا».
أقسام الحرام (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=149909#post149909):
الثابت هن استقراء أحكام الشريعة : أن الشارع لم يحرم شيئاً الا لمفسدته
الخالصة أو الغالبة ، وهذه المفسدة إما أن ترجع الى ذات الفعل الحرم وهذا هو المحرم لذاته أو لعينه ، وأما أن ترجع لا إلى ذات الفعل بل إلى أمر اتصل به ، وهذا هو المحرم لغير.
33- فالمحرم لذاته (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=149909#post149909) : هو ما حرمه الشارع ابتداءً لما ليه من الأضرار والمفاسد
الذاتية التي لا تنفك عنه : كالزنى ، وتزوج المحارم ، وأكل الميتة وبيعها ، والسرقة وقتل النفس بغير الحق ، ونحو ذلك مما حرم لذاته وعينه.
وحكم هذا النوع : أنه غيرمشروع أصلاً، ولا يحل للمكلف فعله ،وإذا فعله
لحقه الذم والعقاب ، ولا يصلح ان يكون سبباً شرعياً تترتب عليه أحكامه ، وإذا كان محلاً للعقد بطل العقد ، ولم يترتب عليه اثره الشرعي.
فأكل الميتة محظور على المكلف ، لا يحل له فعله ، والسرقة لا تكون سبباً شرعياً لثبوت الملك ، والزنى لا يصلح سبباًشرعياً لثبوت النسب والتوارث ، والميتة إذا كانت وحلاً لعقد البيع بطل العقد، ولم يترتب عليه ما يترتب على البيع الصحيح المشروع ،وعقد النكاح إذا كان محله أحد المحارم مع العلم بذلك، كان العقد باطلاً، ولم يترتب عليه شيء مما يترتب على عقد النكاح الصحيح : من ثبوت النسب والتوارث والحقوق بين الطرفين والحل بينهما ، بل يعتبر الدخول زنى .
‎ ‏ 34-ولكن قد يباح بعض أنواع المحارم لذاته عند الضرورة،لأن تحريمه كان بسبب مفاسده الذاتية المعارضة لحفظ الضروريات الخمس:وهي حفظ الدين (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=149909#post149909)والنفس والعقل والعرض والمال،فالميتة يحل أكلها عند خوف الهلاك،والخمر يحل
‎ ‏
‎ ‏-42-

#ff0000


شربها دفعاً لهلاك النفس،لأن حفظ النفس ضروري،فكان لابد من تحصيله بإباحة المحرم.
35-المحرم لغيره: (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=149909#post149909)
وهو ما كان مشروعاً في الأصل، إذ لا ضرر فيه ولا مفسدة، أو أن منفعته هي
الغالية، ولكنه اقترن بما اقتضى تحريمه: كالصلاة فى الأرض المغصوبة والبيع وقت نداء الجمعة ، والنكاح المقصود به تحليل المطلقة ثلاثاً لمطلقها ، والنكاح مع الخطبة على خطبة الغير، والطلاق البدعي ، وبيوع الآجال ،أو ما يسمى ببيوع العينة التي يقصد بها الربا ونحو ذلك مما عرض له التحريم لأمر خارج عن ذات الفعل ،فليس التحريم لذات الفعل :لأن الفعل بنفسه خال من المفسدة والضرر ، ولكن اتصل به ما جعل فيه مفسدةً وضرراً.
فالصلاة بذاتها مشروعة ، فهي واجبة (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=149909#post149909)، ولكن لما اتصل بها محرم وهو الغصب جاء النهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة .

والبيع بذاته مباح ، ولكن وقوعه وقت النداء للجمعة جعل فيه مفسدة التعويق عن السعى الى أداء فريضة الجمعة ، فجاء النهي عنه .

والنكاح بذاته مشروع ، فهو مباح أو مندوب (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=149909#post149909) ، ولكن وقوعه مع الخطبة على خطة الغير جعل فيه مفسدة إيذاء الغير وما ينتج عنه من عداوة وبغضاء ، فنهى الشارع عنه .

والنكاح لغرض التحليل ، فيه مفسدة، التلاعب بلأسباب الشرعية واستعمالها في غير ما وضعت له ، قكان منهياً عنه لهذا السبب .

36- وحكم هذا النوع من المحرم يقوم على أساس نظرتنا إليه ٠ فالمحرم لغير. مشروع من جهة أصله وذاته ، وغيرمشروع من جهة ما اتصل به من أمر محرم .
فمن الفقهاء من غلب جهة مشروعية أصله على حرمة ما اتصل به ، فقال : إنه يصلح سبباً شرعياً (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=149909#post149909)، وتترتب عليه آثاره ، وإن كان منهياً عنه ياعتبار ما اتصل به،


-43-
#ff0000

ولهذا يلحق فاعله الاثم من هذه الجهة لا من جهة إتيانه الفعل نفسه .

وعلى هذا النظر تكون الصلاة في الأرض المغصوبة صحيحةٌ مجزئةٌ، وتبرأ ذمة المكلف منها وهو آثم بالغضب. والبيع وقت النداء صحيح مع الإثم ، لإيقاعه في هذا الوقت وهكذا .

ومن الفقهاء (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=149909#post149909) من غلب جهة فساد ما اتصل بالفعل على مشروعية أصله فقال يفساد الفعل ، وعدم ترتب أثره الشرعي عليه ، ولحوق الإثم بفاعله ، لأن جهة الفساد في نظرهم لا تبقي أثراً لمشروعية أصله.

وعلى هذا الأساس قال هذا الفريق من الفقهاء (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?p=149909#post149909) ببطلان الصلات في الأرض المغصوية ، والنكاح المقصود به التحليل ، والطلاق البدعي ، ونحو ذلك(1).








__________________________________________________
1- سيأتي زيادة إيضاح لهذه المسألة إن شاء الله في مبحث الصحة والفساد وفي مبحث النهي.


-44-
#ff0000

المطلب الرابع
المكروه



37- المكروه: هوما كان تركه أولى من فعله(1)، أوهو ما طلب الشارع من
المكلف تركه ، لا على وجه الحتم والإلزام كما لو كانت الصيغة بنفسها دالة على الكراهة ، أو كانت الصيغة من صيغ النهي ، وقامت القرينة على صرفها من التحريم إلى الكراهة.

فمن الأولى : قوله عليه السلام (( إن الله يكَره لكم قِيلَ وقَالَ وكَثْرَةِ السُّؤالِ وإضاعةِ المالِ)) ، وقوله عليه الصلاة والسلام((أبغض الحلال ِعند الله الطلاقُ))
ومن الثانية : ((يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ))[المائدة:110] ، والقرينة الصارفة عن التحريم إلى الكراهة ، ما جاء بنفس الآية وهو قوله تعالى : ((وَإنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا الله عَنْهَا واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)).
وحكم المكروه : أن فاعله لا يأثم ، وإن كان ملوماً ، وأن تاركه يمدح ويثاب،إذا كان تركه لله.
38- ما قدمناه في المكروه هو على رأي الجمهور واصطلاحهم ، فالمكروه
عندهم نوع واحد ، وهوما ذكرناه ٠

أما الحنفية، فعندهم المكروه نوعان :

_______________________
المحلاوي ص250

-45-
#ff0000

ياس
2016-05-09, 07:37 PM
الأول : المكروه تحريمأ (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=31344) : وهوما طلب الشارع من المكلف الكف عنه حتماً،
بدليل ظنيٍّ لا قطعيٍّ:كالخطبة على خطبة الغير ،والبيع على بيع الغير، فقد وبث كل منهما بخبر الآحاد، وهو دليل ظنيٍّ.
وهذا النوع من المكروه يقابل الواجب عند الأحناف ٠
وحكمه حكم المحرم عند الجمهور اي يستحق فاعله العقاب وإن كان لايكفر منكره ، لأن دليله ظني .
الثاني : المكروه تنزيهاً: وهو ما طلب الشارع الكف عنه طلباً غير مُلزم للمكلف ، مثل : أكل لحوم الخيل للحاجة إليها في الحروب ، والوضوء عن سؤر سباع الطير.
وحكم هذا المكروه :أن فاعله لا يذم ولا يعاقب، وإن كان فعله خلاف الأولى والأفضل ٠
فهذا الخلاف يين الحنفية وبين الجمهور كخلافهم في الفرض والواجب (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=31344)
فالحنقية: نظروا إلى دليل طلب الكف الإلزامي من الفعل ، فإن كان الدليل قطعياً :فهو المحرم عندهم ، وإن كان الدليل ظنياً : فهو المكروه تحريماً ، وإن كان الكف غير إلزامي : فهو المكروه تنزيهاً .
اما الجمهور : فلم ينظروا إلى الدليل من جهة قطعيته وظنيته ، وإنما نظروا
إلى طبيعة طلب الكف عن الفعل ، فإن كان إلزامياً : فهوالمحرم عندهم ، سواء أكان دليله قطعياً أم ظنياً ، وان كان طلب الكف غير إلزامي :
فهوالمكروه عندهم ، وهوما يقابل المكروه تنزيهاً عند الحنفية ٠


-46-
#ff0000




المطلب الخامس
المباح


39- المباح : هوما خير الشارع المكلف بين فعله وتركه ، ولا مدح ولا ذم على
الفعل والترك ، ويقال له : الحلال(1) ٠
وتعرف الإباحة (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=31344) بأمور ، منها :
أ- النص من الشارع بحل الشيء ، مثل قوله تعالى : ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ﴾[المائدة:5]
ب - النص من الشارع على نفي الإثم أو الجناح أو الحرج.
فمن الأول ن قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾[البقرة:173]. ومن الثاني: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ﴾[البقرة:235]. ومن الثالث : ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾[النور:61].
ج- التعبير بصيغة الأمر مع وجود القرينة الصارفة عن الوجوب إلى الإباحة،مثل قوله تعالى: ﴿وَإذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:2]،إي إذا تحللتم من إحرام الحج، فالصيد مباح لكم.
د- استصحاب الإباحة الأصلية للأشياء، بناء على أن الأصل فيها الأباحة (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=31344)،
كما


_________________________
1- الشوكاني ص6،الشاطبي ج1 ص40.
‎ ‏
‎ ‏
‎ ‏-47-
#ff0000

‎ ‏
سيأتي تفصيل ذلك - إن شاء الله- في مبحث الاستصحاب كدليل من أدلة الاحكام.
وعلى هذا فالأفعال من عقود وتصرفات ، والأشياء من جماد أو حيوان أو نيات ، الأصل فيها الإباحة (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=31344) ، فما لم يرد دليل من الشارع يدل على حكمها صراحةً ، فحكمها الإباحة استصحاباً للإباحة الأصلية.
هذا وإن حكم المباح : أنه لا ثواب فيه ولا عقاب ، ولكن قد يثاب عليه بالنية والقصد ، كمن يمارس أنواع الرياضة البدنية بنية تقوية جسمه ، ليقوى على محاربة الأعداء.
40- ومما تجب ملاحظته : أن المباح (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=31344) على ما فسرناه إنما هو بالنسبة للجزم ، واما بالنسبة للكل فهو إما مطلوب الفعل او الترك ، فالإباحة تتجه إلى الجزئيات ،لا إلى الكليات ، وإلى بعض الأوقات ، لا إلى جميع الأزمان .
كالأكل : فهو مباح ، بمعنى :أن للمكلف أن يتخير أنواع المطعومات المباحة، فيأخذ منها ما يشاء ويترك ما يشاء ، كما له ان يترك الأكل في وقت من الاوقات ، ولكن أصل الأكل مطلوب فعله من حيث الجملة ، لأن فيه حياة الأنسان وحفظ الحياة مطلوب من الكلف.
والتمتع بالطيبات من مأكل ومشرب وملبس : مباح من حيث الجزء ، وفي بعض الحالات ، فللمكلف أن يتمع أو لا يتمتع بهذا الجزئي من الطيبات ، ماكولأ كان ،أو مشروباً ، او ملبوساً ، حنى لو تركه في بعض الأوقات مع القدرة عليه لا حرج عليه، ولكن لو تركه جملةً لكان على خلاف المندوب شرعاً ،ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : ((إنَّ الله يُحبُّ أن يَرَى أثَرَ نِعْمَته على عَبْدِه))،وفي الحديث أيضاً: (( إذا أَوْسَعَ اللهُ عليكم فأوْسِعُوا على أنفسكم))،فترك الطيبات بالجملة مكروه (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=31344)،وأخذها من حيث الجملة مندوب،والتخير في جزئياتها فعلاً وتركاً ووقتاً دون وقت مباح حلال.
واللهو البرئ كالتنزه في البساتين واللعب المباح والسماع المباح ونحو ذلك:
مباح بالجزء ،بمعنى: لو فعله المكلف في بعض الأوقات ،وفي بعض الحالات،فلا
‎ ‏


-48-
#ff0000


‎ ‏حرج فيه ، ولكن لو اتخذ اللهو عادةً له ، وقضى أوقاته فيه ، كان ذلك خلاف محاسن
العادات ، ومن ثم يصير مكروهاً ، فالكراهة (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=31344)هنا منصبة عل الدوام والاستمرار باللهو
وقضاء الوقت فيه، لا عليه باعتبار الجزء ، أي باعتبار مباشرته في بعض الأوقات لا على وجه العادة والاستمرار.

ووطء الأزواج زوجاتهم :مباح ، ولكن تركه بالكلية وعلى وجه الدوام
والاستمرار حرام ، لما قيمه من الإضرار بالزوجة والتفويت لمقاصد النكاح ، فالإباحة في الوطء منصبة على جزئياته وأوقاته ، والحرمة منصبه على تركه جملة (1).




____________________
1- الشاطبي ج1 ص130 وما بعدها.


-49-
#ff0000

‎ ‏
‎ ‏
‎ ‏
‎ ‏
‎ ‏
‎ ‏
‎ ‏
‎ ‏

ياسمين الجزائر
2016-05-13, 01:47 AM
جزاكم الله خيرا استاذ ياس على اختيارك للموضوع القيّم و على فكرة نقله بصيغة word
و يشرفنا أن يكون منتدانا هو الأول من يٌقدم على هذه الخطوة المباركة.
و أشكرك جزيل الشكر لأنك جعلتنا نشاركك العمل و نتقاسم معك الأجر باذن الله
فأسأل الله ان يكتب أجرك و يتقبل منّا جميعا و أن يوفقنا و إياك الى كل خير و بر.
بارك الله فيكم

ياسمين الجزائر
2016-05-13, 01:58 AM
المطلب السادس

العزيمة و الرخصة


41- العزيمة و الرخصة من أقسام الحكم التكليفي، لأن الأول: اسم لما طلبه الشارع أو أباحه على وجه العموم، و الرخصة: اسم لما أباحه الشارع عند الضرورة تخفيفاً عن المكلفين، و دفعاً للحرج عنهم، و الطلب و الإباحة من أقسام الحكم التكليفي.
و ذهب البعض الى أن العزيمة و الرخصة من أقسام الحكم الوضعي، باعتبار أن العزيمة ترجع الى أن الشارع جعل الأحوال العادية للمكلفين سبباً لبقاء الأحكام الأصلية و استمرارها، و أن الرخصة ترجع الى جعل الشارع الأحوال الطارئة غير الاعتيادية سبباً للتخفيف عن المكلفين، و السبب من أقسام الحكم الوضعي.
و لكن ما ذهب إليه الأولون هو الاظهر، و هذا ما جرينا عليه، فالعزيمة و الرخصة: من أقسام الحكم التكليفي.
42- و العزيمة في اللغة: القصد على وجه التأكيد، و منه قوله تعالى: »فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا « [طه: ١١٥]، أي لم يكن ما آدم عليه السلام قصد مؤكد على عصيان أمر ربه.
أما في الاصطلاح: فمعناها هو ما ذكرناه آنفاً.
و قد عرفها البعض: بأنها اسم لما هو أصل من الأحكام غير متعلق





-50-
#ff0000
بالعوارض(1)، و معنى هذا: أن العزيمة تطلق على الأحكام الشرعية التي شرعت لعموم المكلفين، دون نظر إلى ما قد يطرأ عليهم من أعذار، فهي أحكام أصلية، شرعت ابتداءً لتكون قانوناً عاماً لجميع المكلفين في أحوالهم العادية، و لم ينظر في تشريعها إلى ضرورة أو عذر كالصلاة و سائر العبادات. وهي تتنوع إلى أنواع الحكم التكليفي: من وجوب و ندب و كراهة و إباحة، و لا تطلق عند المحققين إلا إذا قابلتها رخصة.

43- و الرخصة في اللغة: السهولة و اليسر، و في الاصطلاح: ما ذكرناه.

و عرفها البعض، بقوله: هي ما وسع للمكلف في فعله لعذر و عجز عنه، مع قيام السبب المحرم(2) ، أو هي ما شرع من الأحكام لعذر مع قيام المحرم، لولا العذر لثبتت الحرمة(3) .

و معنى هذا الكلام، هو ما قلناه أوّلاً، فالرخصة: هي الأحكام التي شرّعها الشارع، بناءً على أعذار المكلفين، و لولاها لبقي الحكم الأصلي، فهي حكم استثنائي من أصل كليّ، و سبب الاستثناء ملاحظة الضرورات و الأعذار دفعاً للحرج عن المكلف، وهي في أكثر الأحوال تنقل الحكم الأصلي من مرتبة اللزوم إلى مرتبة الإباحة، و قد تنقله إلى مرتبة الندب أو الوجوب كما سيأتي.

44- أنواع الرخص:

اولاً- اباحة المحرم عند الضرورة: كالتلفظ بكلمة الكفر مع اطمئنان القلب إذا أكره على ذلك بالقتل، قال تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ﴾ ]النحل:106 [و مثله: أكل الميتة و شرب الخمر، لأن حفظ الحياة ضروري، فاباح الشارع الحكيم أكل الميتة عند الجوع الشديد الذي يخاف فيه تلف النفس، و كذا شرب الخمر عند الظمأ الشديد الذي يخشى فيه

________________________________
(1) ((التلويح )) ج 2 ص 127
(2) ((المستصفى)) ج 1ص 98، الأمدي ج 1ص 188 .
(3) ((التلويح )) ج 2 ص 127، الأمدي ج 1ص 188 .
-51-

ياسمين الجزائر
2016-05-14, 12:12 AM
الهلاك، ومنه أيضاً: إتلاف مال الغير عند الإكراه عليه إكراهاً يؤدي الى تَلَف النفس أو عضو منها.
ثانياً: إباحة ترك الواجب، مثل : الفطر في رمضان للمسافر والمريض دفعاً للمشقة، ومنه أيضاً : ترك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إذا كان الحاكم طاغية ظالماً يقتل من يأمره و ينهاه.
ثالثاً- تصحيح بعض العقود التي يحتاجها الناس، وإن لم تجر على القواعد العامة، مثل: بيع المسلم، فقد أباحه الشارع الحكيم بع أنه بيع معدوم، وبيع المعدوم باطل ، ولكن أجازه الشارع استثناءً من القواعد العامة في البيوع، تخفيفاً وتيسيراً على المكلفين. ومنها أيضاً: عقد الاستصناع، أباحه الشارع مع أنه بيع معدوم لحاجة الناس إليه، وفي منعهم منه حرج وضيق .
45- حكم الرخصة :
الأصل في الرخصة، الإباحة، فهي تنقل الحكم الأصلي من اللزوم إلى التخيير بين الفعل والترك، لأن مبنى الرخصة ملاحظة عذر المكلف، ورفع المشقة عنه، ولا يتأتى تحصيل هذا المقصود إلا بإباحة فعل المحظور وترك المأمور به، ومثل هذا : الفطر في رمضان للمسافر والمريض، فلكل منها الإفطار عملاً بالرخصة، والصيام عملاً بالعزيمة إذا لم يضرهما الصوم، وهذه هي رخصة الترفيه على اصطلاح الحنفية : لأن الحكم الأصلي باقٍ لم ينعدم، ولكن رخص للمكلف تركه ترفيهاً و تخفيفاً عنه .
وقد يكون الأخذ بالعزيمة أولى مع إباحة الأخذ بالرخصة، ومن هذا النوع : إباحة إجراء لفظ الكفر على اللسان، مع اطمئنان القلب، عند الإكراه عليه بالقتل أو تلف العضو، ولكن الأولى : الأخذ بالعزيمة، لما في ذلك من إظهار الاعتزاز بالدين، والصلابة بالحق، وإغاظة الكافرين، وإضعاف نفوسهم، وتقوية معنويات المؤمنين ، يدل على ذلك : أن بعض أعوان مسيلمة الكذاب أخذوا رجلين مسلمين، وذهبوا بهما اليه، فسأل أحدهما : ما تقول في محمد؟ قال : هو رسول الله ، قال : فما
- 52 -
#ff0000


تقول في؟ قال: أنت أيضأ، فتركه ولم يمسه بسوء، ثم سأل الآخر عن محمد فقال هو رسول الله، قال فما تقول في ؟ قال أنا أصم لا أسمع، فأعاد عليه ثلاثاً، فأعاد جوابه، فقتله. فلما بلغ ذلك النبي :mohmad1[1]: قال: أما الأول: فقد أخذ برخصة الله ، وأما الثاني: فقد صدع بالحق فهنيئاً له.
وعمار بن ياسر نطق بكلمة الكفر ونال من الرسول :mohmad1[1]: ومدح آلهة المشركين تحت وطأة العذاب الشديد، ولما أخبر عمار النبي :mohmad1[1]: بما جرى، قال له : كيف وجدت قلبك؟ قال : مطمئناً، فقال عليه الصلاة والسلام ، فإن عادوا فعد.
فهذا الخبر يدل على إباحة التلفظ بالكفر عند الضرورة والإكراه، والخبر الأول يدل على أن الصبر والأخذ بالعزيمة أفضل وأولى.
ومنه أيضا: الأخذ بعزيمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو أدى الى القتل وهذا هو الأولى، يدل عليه ما جاء عن النبي :mohmad1[1]: أنه قال: سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قال كلمة حق لسلطان جائر، فقتله .
فأمر الحاكم الظالم ونهيه مع احتمال بطشه، أولى من السكوت عنه، لأن النبي :mohmad1[1]: جعله قريناً لحمزة بن عبدالمطلب في مرتبة الشهادة العالية.
ويلاحظ هنا: ان ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند خوف الضرر رخصة، كما لو كان المأمور حاكماً ظالماً يقتل من يأمره و ينهاه، وأن الأخذ بالعزيمة أولى، كما قلنا، إلا ان هذا الحكم إنما هو بالجزء، لا بالكل ، بمعنى: أنه يخص الفرد لا الأمة كلها، فلا يجوز أن تهجر الأمة كلها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوفاً من السلطان الجائر لأنه - أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- فرض على الكفاية، فيجب أن يتحقق في الأمة وإن كان فيه هلاك النفس . ألا يرى أن الجهاد فرض على الكفاية، ويجب أن تقوم به الأمة ولو أدى الى ذهاب المهج وتلف الأرواح؟ فالأمر بالمعروف في هذه الحالة ضرب من ضروب الجهاد، لا يجوز للأمة أن تتخلى عنه و لو أدى ذلك إلى قتل بعض الأفراد.
وقد يكون الأخذ بالرخصة واجباً: كما في تناول الميتة عند الضرورة، بحيث


- 53 -


#ff0000



إذا لم يأكلها المضطر مات جوعاً، فإذا لم يفعل كان آثماً لتسببه في قتل نفسه، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:29 [، ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾ [البقرة : 195[
وتعليل ذلك: ان الميتة ونحوها من المحرمات كالخمر، إنما حرمت لما فيها من
افساد النفوس والعقول، ولكن إذا تعينت سبيلاً لحفظ النفس ودفع الهلاك عنها، كان تناولها واجباً، لأنه ليس من حق الانسان أن يتلف نفسه، أو يعرضها للتلف في غير الحالات المأذون فيها شرعاً، لأن نفس الإنسان ليست ملكه حقيقةً، وإنما هي ملك خالقها وهو الله جل جلاله وقد أودعها عند الإنسان، وليس من حق الوديع أن يتصرف في الوديعة بغير إذن مالكها، وهذا النوع من الرخصة: أي ما كان الأخذ بها واجباً، هوما سماه الحنفية برخصة الإسقاط، لأن الحكم الأصلي سقط في هذه الحالة، ولم يبق في المسألة إلا حكم واحد: هو الاخذ بالرخصة.



- 54-






#ff0000

المبحث الثالث

اقسام الحكم الوضعي

المطلب الأول

السبب









46- السبب في اللغة : ما يتوصل به الى مقصود ما .
وفي الاصطلاح: ما جعله الشرع معرفاً لحكم شرعي ، بحيث يوجد هذا الحكم عند ، وجوده و ينعدم عند عدمه(1).
وعلى هذا يمكن تعريف السبب في الاصطلاح: بأنه كل أمر جعل الشارع وجوده علامةً على وجود الحكم، وعدمه علامةً عل عدمه، كالزنا لوجوب الحد، والجنون لوجوب الحجر، والغصب لوجوب رد المغصوب إن كان قائماً ومثله، أو قيمته إن كان هالكاً. فإذا انتفى الزنا والجنون والغضب: انتفى وجوب الحد (العقوبة) والحجر والرد أو الضمان.
47- أقسام السبب :
السبب باعتباره فعلاً للمكلف، أو ليس فعلاً له، ينقسم إلى قسمين :
القسم الأول : سبب ليس فعلاً للمكلف ولا مقدوراً له، ومع هذا إذا وجد، وجد الحكم ، لأن الشارع ربط الحكم به وجوداً وعدماً ، فهو إمارة لوجود الحكم وعلامة لظهوره. كدلوك الشمس لوجوب الصلاة، وشهر رمضان لوجوب الصيام، والاضطرار لإباحة الميتة ، والجنون والصغر لوجوب الحجر.


_______________________________________


(1) المستصفي للغزالي ج 1 ص 93- 94 ، الآمدي ج 1 ص 11 و ما بعدها.


- 55 –

ياسمين الجزائر
2016-05-16, 09:35 PM
القسم الثاني: سبب هو فعل للمكلف وفي قدرته، كالسفر لإباحة الفطر، والقتل العمد العدوان لوجوب القصاص، والعقود والتصرفات المختلفة لترتب آثارها: كالبيع لملك المبيع من قبل المشتري، وإباحة الانتفاع له به .
وهذا القسم من السبب، أي ما كان فعلاً للمكلف، ننظر إليه نظرين:
الأول: باعتباره فعلاً للمكلف، فيكون داخلاً في خطاب التكليف، وتجري عليه أحكامه، فيكون مطلوباً فعله، أو مطلوباً تركه، أو مخيراً فيه .
الثاني: باعتبار ما رتب عليه الشارع من أحكام أخرى، فيعد من أقسام الحكم الوضعي(1).
فالنكاح يكون واجباً عند خوف الوقوع في الزنى، والقدرة على تكاليف النكاح، والوجوب حكم تكليفي . ويكون سبباً، فتترتب عليه جميع الآثار الشرعية من وجوب المهر والنفقة والتوارث، والسببية حكم وضعي.
والقتل العمد العدوان مطلوب الترك جزماً، وهذا حكم تكليفي، وهو سبب وجوب القصاص. وهذا حكم وضعي .
والبيع مباح وهذا حكم تكليفي، وهو سبب لثبوت ملك البائع للثمن، والمشتري للمبيع وهذا حكم وضعي .
48- وينقسم السبب أيضاً باعتبار ما يترتب عليه، الى قسمين :
الأول : سبب لحكم تكليفي: كالسفر لإباحة الفطر، وملك النصاب لوجوب الزكاة.
الثاني : سبب لحكم هو أثر لفعل المكلف، كالبيع لملك المبيع من قبل المشتري، و الوقف لإزالة الملك من الواقف، والنكاح سبب للحل بين الزوجين، والطلاق لإزالة الحل بينهما .




- 56 -



_______________________________

(1) الشاطبي ج1 ص 188.

#ff0000

49- ربط الأسباب بالمسببات :
المسببات تترتب على أسبابها إذا وجدت هذه الأسباب، وتحققت شرعاً لترتب
الأحكام عليها، فالقرابة سبب للإرث، وشرطه: موت المورِّث، وتحقق حياة الوارث حقيقةً، أو حكماً، والمانع: هو القتل العمد العدوان، أو اختلاف الدين، فإذا وجد السبب، وتحققت شروطه ، وانتفت الموانع ترتب عليه أثره وهو الميراث، واذا انتفى الشرط ، أو وجد المانع فإن السبب لا يكون سبباً منتجاً أثره .
وترتب المسببات عل أسبابها الشرعية، يكون بحكم الشارع، ولا دخل في ذلك لرضا المكلف أو عدم رضاه ، فالشارع هو الذي جعل الأسباب مفضيةً الى مسبباتها، سواء أرادها المكلف أم لم يردها، رضي بها أو لم يرض بها ، فالأبن يرث أباه : لأن البنوة سبب الميراث بحكم الشارع و وضعه، ولو لم يرده المورث أو رده الوارث، والذي يعقد النكاح على أن لا مهر للزوجة أو لا نفقة لها أو لا توارث بينهما، كان ما اشترطه لغواً لا قيمة له: لأن الشارع هو الذي حكم بترتب هذه الآثار و غيرها على عقد النكاح، ، فيجب المهر للزوجة وتثبت النفقة لها ويجري التوارث بينهما .
وهكذا بقية الأسباب، تفضى إلى آثارها المقررة لها شرعاً ولولم يردها المكلف
50- السبب والعلة :
ما جعله الشارع علامةً على الحكم وجوداً وعدماً، إما أن يكون مؤثراً في الحكم، بمعنى : أن العقل يدرك وجه المناسبة بينه وبين الحكم، وإما أن تكون مناسبته للحكم خفيةً لا يدركها العقل، فإن كان الأول : سمي علةً كما يسمى سبباً .
وإن كان الثاني : سمي سبباً فقط، ولم يسم علةً، وهذا عل رأي فريق من الأصوليين .
ومثال الأول : السفر لإباحة الفطر، والإسكار لتحريم الخمر، والصغر للولاية على الصغير، ففي هذه المسائل يدرك العقل وجه المناسبة بين السبب والحكم ، فالسفر مظنة المشقة فيناسبه الترخيص، والإسكار : يفسد العقول فيناسبه الحكم بتحريم الخمر، حفظاً للعقول من الفساد، و الصغر. والصغر . من شأنه عدم اهتداء الصغير إلى ما ينفعه من التصرفات فيناسبه الحكم بالولاية عليه تحقيقاً.



- 57 -


#ff0000


لمصلحته و دفعاً للضرر عنه .
ففي هذه المسائل يعتبر كل من السفر والإسكار والصغر، سبباً وعلةً للأحكام
المربوطة بها.
ومن الثاني- أي ما لم تعرف مناسبته للحكم - : شهود رمضان لوجوب الصيام ، فان العقل لا يدرك وجه المناسبة بين السبب: وهو شهود رمضان – و بين وجوب الصيام ، وكذلك غروب الشمس سبب لوجوب صلاة المغرب، ولكن العقل لا يدرك وجه المناسبة بين هذا السبب وبين تشريع الحكم بوجوب صلاة المغرب .
وعلى هذا يسمى كل من شهود رمضان وغروب الشمس : سببا فقط ، ولا يسمى علة، فكل علة سبب وليس كل سبب علة .
ويرى فريق آخر من الأصوليين قصر اسم العلة على ما عرفت مناسبته للحكم، وقصر اسم السبب عل ما لم تعرف مناسبته للحكم، فالعلة لا تسمى سبباً، والسبب لا يسمى علة .
والحق أن الخلاف هين، فالأولون وهم القائلون بدخول العلة في معنى السبب، يجمعون بينهما باسم السبب باعتبار أن كلاً منهما علامة للحكم ، ويفرقون بينهما باعتبار المناسبة للحكم ، فيسمون المناسبة علةً، ولا يسمون غير المناسب علة،
وإن بقي الاثنان يحملان اسم السبب.



- 58 -




#ff0000


المطلب الثاني
الشرط
51- الشرط في اللغة: العلامة اللازمة.
و في الاصطلاح: ما يتوقف وجود الشيء على وجوده، و كان خارجاً عن حقيقته، و لا يلزم من وجوده وجود الشيء، و لكن يلزم من عدمه عدم ذلك الشيء(1).
والمراد بوجود الشيء : وجوده الشرعي الذي تترتب عليه آثاره الشرعية :
كالوضوء للصلاة، وحضور الشاهدين لعقد النكاح .
فالوضوء شرط لوجود الصلاة الشرعية التي تترتب عليها آثارها من كونها
صحيحةً مجزِئَةً مبرِئَةً للذمة، وليس الوضوء جزءً من حقيقة الصلاة، وقد يوجد
الوضوء و لا توجد الصلاة .
وحضور الشاهدين في عقد النكاح شرط لوجوده الشرعي، بحيث يستتبع أحكامه وتترتب عليه آثاره، ولكن ليس حضور الشاهدين جزءً من حقيقة عقد النكاح وماهيته، وقد يحضر الشاهدان ولا ينعقد النكاح .
52- الشرط والركن:
يتفق الشرط والركن من جهة أن كلاً منهما يتوقف عليه وجود الشيء وجوداً شرعياً، ويختلفان في أن الشرط أمر خارج عن حقيقته وماهيته، أما الركن فهو جزء من حقيقة الشيء و ماهيته: كالركوع في الصلاة، فهو ركن فيها إذ هو جزء من حقيقتها ، ولا يتحقق وجودها الشرعي بدونه، والوضوء شرط لصحة الصلاة إذ لا وجود لها بدونه، ولكنه أمر خارج عن حقيقتها .
_________________________________

(1) المحلاوي ص 256.


- 59 -




#ff0000
ومثل الإيجاب والقبول في عقد النكاح، فكل منهما ركن فيه إذ هو جزء من حقيقته، وحضور الشاهدين شرطه لصحته، ولكنه خارج عن حقيقته.
53- الشرط والسبب :
يتفق الشرط والسبب من جهة أن كلاً منهما مرتبط بشيء آخر بحيث لا يوجد هذا الشيء بدونه، وليس أحدهما بجزء من حقيقته .
ويختلفان في أن وجود السبب يستلزم وجود المسبب إلا لمانع . فالسبب يفضي إلى مسببه بجعل من الشارع، أما الشرط فلا يلزم من وجوده وجود المشروط فيه.
54- أقسام الشرط :
الشرط من حيث تعلقه بالسبب أو المسبب ينقسم الى شرط للسبب وشرط للمسبب.
فالأول : هو الذي يكمل السبب ويقوي معنى السببية فيه ويجعل أثره مترتباً عليه، كالعمد العدوان شرط للقتل الذي هو سبب إيجاب القصاص من القاتل، والحرز للمال المسروق شرط للسرقة التي هي سبب لوجوب الحد على السارق، ومرور الحول على نصاب المال شرط للنصاب الذي هو سبب للزكاة، والشهادة في عقد النكاح شرط لجعل هذا العقد سبباً لترتب الآثار الشرعية عليه .
والشرط للمسبب، مثل : موت المورث حقيقةً أو حكماً، وحياة الوارث وقت وفاة الموروث، فهما شرطان للإرث الذي سببه القرابة أو الزوجية أو العصوبة.
55- وينقسم الشرط باعتبار مصدر اشتراطه إلى : شرط شرعي وشرط جعلي.
فالشرط الشرعي : هو ما كان مصدر اشتراطه الشارع، أي أن الشارع هو الذي اشترطه لتحقيق الشيء، ومثاله : بلوغ الصغير سن الرشد لتسليم المال إليه، ومثله سائر الشروط التي اشترطها الشارع في العقود والتصرفات و العبادات و الجنايات.


- 60 -

ياسمين الجزائر
2016-05-18, 08:45 PM
والشرط الجعلي: هو ما كان مصدر اشتراطه إرادة المكلف، كالشروط التي يشترطها الناس بعضهم على بعض في عقودهم و تصرفاتهم، أو التي يشترطها
المكلف في تصرفه الذي يتم بإرادته المنفردة كالوقف، وهذا الشرط على نوعين :
النوع الأول : ما يتوقف عليه وجود العقد، بمعنى : أن المكلف يجعل تحقق العقد معلقاً على تحقق الشرط الذي اشترطه، ولهذا فهو من شروط السبب، مثل : تعليق الكفالة على عجز المدين عن الوفاء، أو تعليق الطلاق على أمر، كأن يقول الزوج لزوجته : إن سرقت فأنت طالق .
ويسمى هذا النوع من الشروط : بالشرط المعلق، والعقد المشتمل : عليه بالعقد المعلق .
وليس كل العقود والتصرفات تقبل التعليق:
فمنها ما لا يصح تعليقه على شرط، وهي عقود التمليكات التي تفيد ملك العين، أو المنفعة بعوض أو بغير عوض، و يلحَق بها عقد النكاح والخلع(1).
ومنها - أي العقود و التصرفات - ما يقبل التعليق على الشرط الملائم، مثل : كفالة الثمن على شرط استحقاق المبيع.
ومن العقود ما يصح تعليقه على أي شرط، حتى ولوكان غير ملائم كالوكالة والوصية .
النوع الثاني : الشرط المقترن بالعقد، مثل : النكاح بشرط أن لا يخرج الزوج
زوجته من بلدتها، أو بشرط أن يكون لها حق الطلاق، وكالبيع بشرط أن يقدم
المشتري كفيلاً بالثمن، أو بشرط أن يسكن البائع في الدار المبيعة لمدة سنة .
والفقهاء مختلفون فيما يجوز اقترانه من الشروط بالعقود: فمنهم المضيق ومنهم الموسع ، ومنهم المتوسط بين هذا وذاك .
فالمضيقون : يلغون إرادة المكلف، ويجعلون الأصل في العقود والشروط :





__________________________________________________ _

(1) و الذي نراه: أن الشرط التعليقي، أي المعلق: يجوز حتى في عقود التمليكات إذا كانت هناك حاجة إليه أو مصلحة فيه أو ضرورة له. انظر ((أعلام الموقعين)) لابن القيم ج 3 ص 288. و أيضاً فهناك آثار تدل على ما قلناه. انظر ((نيل الأوطار)) ج 6 ص 100.



-61-



#ff0000



التحريم ، إلا إذا ورد النص الشرعي بالإباحة، وهؤلاء هم الظاهرية ومن تابعهم .
والموسعون: يطلقون إرادة المكلف، و يجعلون لها سلطاناً كبيراً في باب العقود والشروط، إذ الأصل عندهم: الإباحة في الشروط والعقود، إلا إذا ورد النص بالتحريم، وهؤلاء هم الحنابلة ومن تابعهم، وأوسع الحنابلة في هذا الباب ابن تيمية .
وبسط أدلة الفريقين ومناقشتها ليس هنا محلها، ويكفينا هنا أن نقول متعجلين : إن الراجع هو قول الموسعين لا المضيقين (1).













_________________________



(1) انظر ((فتاوى)) ابن تيمية ج 3 ص 332 وما بعدها، و كذلك ((نظرية العقد)) له أيضاً ص 14 و ما بعدها. والحنفية يقسمون الشروط إلى ثلاثة أنواع : شرط صحيح، وهو ما كان موافقا لمقتضى العقد، أو مؤكداً له ، أو أذِن به الشرع، أو جرى به العُرف . و شرط فاسد و هو ما كان فيه منفعة لأحد المتعاقدين أو لغيرهما، ولم يكن من النوع الصحيح . وشرط باطل: وهو ما لم يتحقق فيه لا معنى الصحيح ولا معنى الفاسد : كالذي يبيع داره بشرط أن لا يسكنها أحد . والفاسد يفسد العقد، والباطل لغو، ولكن العقد صحيح.



-62-




#ff0000






المطلب الثالث
المانع
56- المانع: هو ما رتب الشارع على وجوده عدم وجود الحكم أو عدم السبب أي بطلانه، وهو نوعان : مانع للحكم ، ومانع للسبب(1) .
الأول : مانع الحكم : وهوما يترتب على وجوده عدم وجود الحكم بالرغم من وجود سببه المستوفي لشروطه .
وإنما كان المانع حائلاً دون وجود الحكم : لأن فيه معنى لا يتقن وحكمة الحكم ، أي لا يحقق الغرض المقصود من الحكم: كالأبوة المانعة من القصاص، فالأب لا يقتل قصاصاً إذا قتل ابنه عمداً و عدواناً، وإن كانت الدية تلزمه، لأن حكمة القصاص: الردع والزجر، وما في الأبوة من حنان وعطف وشفقة على الابن يكفي لزجره و ردعه، فإيجاب القصاص على الأب لا يحقق حكمة القصاص والغرض منه، وهو الزجر والردع ، فالأب لا يقدم على قتل ابنه عمداً وعدواناً إلا في أحوال شاذة لا تستدعي تقرير القصاص منه، بل تستدعي استثناءه(2) . كما ان الأب سبب حياة الابن، فلا يكون الابن سبب إعدام الأب(3).
الثاني: مانع السبب: وهو الذي يؤثر في السبب بحيث يبطل عمله، ويحول دون اقتضائه للمسبب، لأن في المانع معنى يعارض حكمة السبب،


______________________________
(1) الأمدي، ج 1 ص 185.
(2) هذا عند الجمهور وحجتهم الحديث الشريف ((لا يقتل والدٌ بولده)).
(3) قد تعارض هذه الحجة بأن سبب إعدام الأب : هو فعله ، فيبقى التعلل الذي ذكرناه سليماً.



-63-

#ff0000



ومثاله: الدين المنقص للنصاب في باب الزكاة، فالنصاب سبب لوجوب الزكاة، لأن
ملكية النصاب مظنة الغنى، والغني قادر على عون المحتاجين، ولكن الدين يعارض
هذا المعني الملحوظ في سبب الزكاة – وهو الغنى – و يهدمه، لأن ما يقابل الدين من
مال مالك النصاب، ليس ملكه على الحقيقة، فلا تكون ملكية النصاب مظنة الغنى، فلا يكون في النصاب المعني الذي من أجله صار سبباً للزكاة، وبالتالي : لا يكون سبباً مفضياً إلى مسببه، وهو وجوب الزكاة.
و مثله أيضاً: قتل الوارث موروثه، فهو مانع للسبب - كالقرابة ونحوها- من أن يأخذ مجراه، ويفضي إلى مسببه: وهو الإرث، لأن في هذا المانع معنى يهدم الأساس الذي قام عليه الإرث : و هو اعتبار الوارث خليفةً للمورِّث ، وما كان بينهما من نصرة وموالاة دائمة ، فهذه المعاني لا تتفق بحال مع جناية القتل التي تهدم هذه المعاني.
ومثله أيضاً: اختلاف الدين أو الدار، فكل منهما مانع للسبب(1).
والمانع من حيث هو مانع: لا يدخل في خطاب التكليف، فليس للشارع قصد في تحصيله ولا في عدم تحصيله، وإنما مقصود الشارع : بيان ارتفاع حكم السبب، أو بطلان المسبب إذا وجد المانع . فلا يطالب المكلف بإيفاء الدين الذي عليه إذا كان عنده نصاب الزكاة لتجب عليه الزكاة، كما ان مالك النصاب غير ممنوع من الاستدانة حتى لا تسقط عنه الزكاة.
و لكن لا يجوز للمكلف أن يتقصد إيجاد المانع للتهرب من الأحكام الشرعية، فهذا من باب الحيل، و الحيل لا تحل في شرع الإسلام و يأثم صاحبها، كالذي يهب بعض ماله لزوجته تنقيصاً لنصاب الزكاة قبل مرور الحول، ثم يسترده بعد الحول من زوجته هرباً من الزكاة(2).



‎ ______________________
(1) اعتبار قتل الوارث مورثه، و اختلاف الدين أو الدار، موانع السبب في الميراث، هو ما ذهب اليه البعض، و ذهب آخرون الى إعتبار هذه الموانع للحكم لا للسبب. و لكن اعتبارها موانع للسبب أولى، و هو ما اخترناه.
(2) الشاطبي ج 1 ص 288 – 289.






-64-

ياسمين الجزائر
2016-05-19, 11:14 PM
المطلب الرابع
الصحة والبطلان
57- معنى الصحة و البطلان :
أفعال المكلفين إذا وقعت مستوفية أركانها و شروطها، حكم الشارع بصحتها . وإذا لم تقع عل هذا الوجه ، حكم الشارع بعدم صحتها، أي ببطلانها.
ومعنى صحتها : أنها تترتب عليها آثارها الشرعية ، فإذا كانت من العبادات برئت ذمة المكلف منها: كالصلاة المستوفية لأركانها وشروطها.
وإذا كانت – أي أفعال المكلف الصحيحة – من العادات ، أي المعاملات : كعقود البيع ، والاجارة، والنكاح، ترتب على كل عقد الآثار المقررة له شرعاً.
ومعنى بطلانها : عدم ترتب آثارها الشرعية عليها، لأن الآثار الشرعية تترتب على ما استوفى الاركان التي طلبها الشارع، فإذا كانت هذه الأفعال من العبادات لم تبرأ ذمة المكلف منها، وإن كانت من العقود والتصرفات، لم يترتب عليها ما يترتب على الصحيحة من آثار شرعية(1).
58- الصحة و البطلان من أقسام الحكم الوضعي :
ذهب بعض الأصوليين إلى أن وصف الفعل بالصحة والبطلان : من قبيل


___________________________________
(1) يلاحظ هنا : أن لفظ الصحة : يطلق أيضاً على الأفعال التي يترتب عليها الثواب في الآخرة، و لفظ البطلان : يطلق على الأفعال التي يترتب عليها العقاب في الآخرة، سواء كان الفعل عبادة أو معاملة . و مرد الثواب وعدمه في الآخرة الى قصد المكلف ونيته، فإن كان ينوي بعبادته وفعله وتركه امتثال أمر الشارع أثيب على ذلك، وكذلك في المخير فيه إذا لاحظ تخيير الشارع له، أثيب على فعله أو تركه: الشاطبي ج 1 ص 291 – 299.




- 65 -


#ff0000

الحكم التكليفي، محتجين بأن الصحة ترجع الى إباحة الشارع الانتفاع بالشيء، والبطلان يرجع الى حرمة الانتفاع بالشيء، قفي البيع الصحيح: يباح الانتفاع بالمبيع من قبل لمشتري، وفي البيع الباطل، يحرم انتقاعه به.
وقد رد على هذا القول: بأن البيع بشرط الخيار للبائع، صحيح بالإجماع، ولا يباح للمشتري الانتفاع بالمبيع(1).
وذهب آخرون الى أن الصحة والبطلان من أحكام الوضع، لأن الشارع حكم بتعلق الصحة بالفعل المستوفي لأركانه و شروطه، وحكم بتعلق البطلان بالفعل الذي لم يستوف أركانه وشروطه(2).
والقول الثاني هو ما نرجحه، لأنه ليس في الصحة والبطلان فعل ولا ترك ولا تخيير، و إنما فيه وصف الشارع للفعل المستوفي لأركانه وشروطه بالصحة وما يتبع ذلك من ترتب الآثار عليه، أو وصف الشارع للفعل الذي لم يستوف أركانه وشروطه بالبطلان و ما يتبع ذلك من عدم ترتب الآثار عليه، وهذه المعاني كلها تدخل في خطاب الوضع إذ هي من معاني السبب، والسبب من أقسام الحكم الوضعي .
59- البطلان و الفساد:
البطلان والفساد بمعنى واحد عند الجمهور، فكل عبادة أو عقد أو تصرف فقد بعض أركانه أو بعض شروطه : فهو باطل أو فاسد ولا يترتب عليه أثره الشرعي .
فبيع المجنون : باطل، لخلل في ركنه وهو العاقد، و بيع المعدوم أو الميتة: باطل، لخلل في ركنه وهو العقود عليه .
وكما يسمى بيع المجنون والميتة: بالبيع الباطل، يسمى أيضاً : بالفاسد، والبيع بثمن غير معلوم أو بثمن آجل غير معلوم، يسمى أيضاً: بالباطل والفاسد،



_____________________________
‎ ‏
‏(1) الآمدي ج 1 ص 186 – 187.
(2) ((التلويح)) ج 7 ص 123.


- 66 -


#ff0000
وإن كان الخلل في بعض شروط البيع، أي في أوصافه دون أركانه .
أما الحنفية فعندهم تفصيل على النحو الآتي:
أ‌- العبادات: إذا فقدت ركناً من أركانها: كالصلاة بلا ركوع، أو فقدت بعض شروطها كالصلاة بلا وضوء، فهي في الحالتين تسمى: باطلةً أو فاسدةً، ولا يترتب عليها أثرها الشرعي، فالباطل و الفاسد عندهم بمعنى واحد في العبادات.
ب – المعاملات: وهي العقود والتصرفات، إذا فقدت ركناً من أركانها سميت باطلةً، ولم يترتب عليها أي أثر شرعي، كما في بيع المجنون أو بيع الميتة أو نكاح المحارم مع العلم بالحرمة. وإذا استوفت أركانها ولكن فقدت بعض شروطها، أي بعض أوصافها الخارجية، سميت فاسدة، وترتب عليها بعض الآثار، إذا قام العاقد بتنفيذ العقد، كما في البيع بثمن غير معلوم، أو بثمن مؤجل إلى أجل مجهول، أو المقترن بشرط فاسد، أو النكاح بغير شهود . ففي البيع يثبت الملك للمشتري في المبيع إذا قبضه بإذن البائع، وفي النكاح بلا شهود يجب المهر إذا حصل فيه دخول ، و تجب على المرأة العدة عند الفرقة، و يثبت فيه النسب رعاية لحق الطفل.
و واضح من هذه الأمثلة أن العقد الفاسد لم يترتب عليه بذاته أثر شرعي، و إنما ترتبت هذه الآثار بناء على تنفيذ العقد، فكأن التنفيذ محل رعاية الشارع نظراً إلى الشبهة القائمة بسبب العقد الفاسد.
فالباطل عند الحنفية: ما كان الخلل فيه راجعاً الى أركان العقد، أي إلى صيغة العقد أو العاقدين او محل العقد .
و الفاسد: ما كان الخلل فيه راجعاً إلى أوصاف العقد لا إلى أركانه، فأركانه سليمة، ولكن الخلل طرأ غلى بعض أوصافه كما في مجهولية ثمن المبيع .
ولهذا يقول الحنفية : إن الفاسد ما كان مشروعا بأصله (أي بأركانه) لا




- 67 -




#ff0000
بوصفه، وإن الباطل ما كان غير مشروع لا بأصله ولا بوصفه(1).

60- ومراد الخلاف بين الجمهور والحنفية إلى اختلافهم في مسألتين:
الأولى: هل نهي الشارع عن عقد معناه عدم الاعتداد به في أحكام الدنيا، مع الإثم في أحكام الآخرة لمن يقدم عليه، أم أنه يعتد به بعض الاعتداد في أحكام الدنيا مع الإثم في الاخرة؟
الثانية : هل النهي عن العقد لخلل في أصله، كالنهي عن العقد لخلل في أوصافه دون أركانه؟ بمعنى: أن النهي عنه في الحالتين سواء، ولا يترتب عل كل منهما أي أثر؟ أم أن بينهما فرقاً؟
أما الجمهور، فيقولون عن المسالة الأولى : إن نهي الشارع عن عقد معناه عدم الاعتداد به إذا وقع، فلا تترتب عليه آثاره الشرعية، و يلحق صاحبه الإثم في الآخرة.
ويقولون عن المسألة الثانية : إن النهي في الحالتين سواء، فلا فرق بين النهي عن عقد لأمر يتصل بأصل العقد وأركانه، وبين النهي عنه لأمر يتصل بأوصافه، ففي الحالتين لا يعتبر العقد المنهي عنه ولا تترتب عليه آثاره.
أما الحنفية، فيقولون عن المسألة الأولى : إن النهي يترتب عليه الإثم، ولكن لا يترتب عليه بطلان العقد دائماً .
ويقولون عن المسألة الثانية : إن النهي إن كان راجعاً إلى أمر يتصل بأركان العقد ، كان معناه بطلان العقد وعدم اعتباره إذا وقع: كبيع الميتة وبيع المجنون، و إذا كان النهي لأمر‎ ‏ يتصل بأوصاف العقد، كان العقد فاسداً لا باطلاً وترتبت عليه بعض الآثار(2).


‎ _______________________________

(1) ((تيسير التحرير)) ج 2 ص 391 و ما بعدها، الآمدي ج 1 ص 187 و انظر في هذا ((كشاف القناع)) ج 2 ص 5 و ما بعدها، ((الشرح الكبير)) للدردير ج 3 ص 60 ((بدائع الصنائع)) للكاسائي ج 5 ص 299 و ما بعدها، ((حاشية البجيرمي)) ج 2 ص 222 و ما بعدها، ((الكنز)) للزيلعي ج 4 ص 60 – 61 مقدمات ابن رشد ج 2 ص 213 و ما بعدها.
(2) انظر ((المستصفى)) للغزالي ج 1 ص 60 – 61، و ج 2 ص 9 و ما بعدها.



- 68 -

ياسمين الجزائر
2016-05-24, 11:03 PM
الفصل الثاني

الحاكم



61- قلنا في تعريف الحكم : إنه خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين طلباً أو تخييراً أو وضعاً.
وهذا التعريف يشير إلى أن مصدر الأحكام في الشريعة الإسلامية هو الله تعالى وحده.
وعلى هذا فالحاكم، أي الذي يصدر عنه الحكم، هو الله وحد ، فلا حكم إلا ما حكم به، ولا شرع إلا ما شرعه، وعلى هذا دل القرآن وأجمع المسلمون ، ففي القرآن قوله تعالى :
{ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [الأنعام:57 . يوسف:40 ، 67] { أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ }[الأنعام:62 ]
وعلى هذا الأساس كان الحكم بغير ما أنزل الله كفراً، لأنه ليس لغير الله سلطة إصدار الأحكام ، قال تعالى: { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}، و ما وظيفة الرسل إلا تبليغ أحكام الله، وما وظيفة المجتهدين إلا التعرف على هذه الأحكام والكشف عنها بواسطة المناهج والقواعد التي وضعها علم الأصول.
62- و إذا كان الإجماع منعقداً على أن الحاكم هو الله، إلا أن العلماء اختلفوا في مسألة، و إن شئنا قلنا في مسألتين، ومهما :
الأولى: هل أحكام الله لا تُعرف إلا بواسطة رسله، أو يمكن للعقل أن يستقل بإدراكها، وعلى أي أساس يكون ذلك؟



- 69 -



#ff0000

الثانية - وإذا أمكن للعقل أن يدرك حكم الله دون وساطة الرسول، فهل يكون هذا الإدراك مناط التكليف وما يتبعه من ثواب وعقاب في الاجل ، ومدح وذم في العاجل؟
اختلف العلماء في هاتين المسألتين، ونحن نجمل أقوالهم فيما يلي، ثم نتبع ذلك ببيان الراجح منها(1).
63- القول الأول: وهو مذهب المعتزلة، و فريق من الجعفرية.
وخلاصته: إن في الأفعال حسناً ذاتياً، و قبحاً ذاتياً، وان العقل يستقل بإدراك حسن أو قبح معظم الأفعال بالنظر الى صفات الفعل وما يترتب عليه من نفع أو ضرر، أي مصلحة أو مفسدة.
وأن هذا الإدراك لا يتوقف على وساطة الرسل و تبليغهم، فحسن الفعل أو قبحه أمران عقليان ، لا شرعيان، أي لا يتوقف إدراك ذلك على الشرع، وان حكم الله يكون وفق ما أدركته أو تدركه عقولنا من حسن الافعال أو قبحها، فما رآه العقل حسناً فهو عند الله حسن، ومطلوب من الإنسان فعله، ومع الفعل المدح والثواب ومع المخالفة الذم والعقاب، وما رآه العقل قبيحاً فهو قبيح عند الله ومطلوب من الإنسان تركه، ومع الترك المدح والثواب، و مع الفعل الذم والعقاب.
فأحكام الشرع في نظر أصحاب هذا القول : لا تأتي إلا موافقة لما أدركه العقل من حسن الأفعال أو قبحها، فما أدرك العقل حسنه جاء الشرع بطلب فعله ولا يمكن أن يطلب تركه، وما أدرك العقل قبحه جاء الشرع بطلب تركه ولا يمكن أن يطلب فعله، وما لم يدرك العقل حسنه أو قبحه كما في بعض العبادات و كيفياتها فإن أمر الشارع أو نهيه فيها يكشفان عن حسن أو قبح هذا النوع من الأفعال .


_________________________________

(1) انظر في هذا البحث: ((مرقاة الوصول و حاشية الإزميري)) ج 1 ص 276 و ما بعدها. ((مسلم الثبوت و شرحه فواتح الرحموت)) ج 1 ص 25 و ما بعدها، ((المستصفى)) للغزالي ج 1 ص 55. ((ارشاد الفحول)) للشوكاني ص 6 و ما بعدها، ((التوضيح و شرحه التلويح)) ج 1 ص 172 و ما بعدها. و في أصول الجعفريه أنظر: كتاب ((القوانين)) لأبي القاسم الجيلاني، و كتاب ((الفصول في الأصول)) تأليف الشيخ محمد حسين بن محمد رحيم. و كتاب ((تقريرات التائيني)) ج 2 ص 34 و ما بعدها، و ((الأرائك)) تأليف الشيخ مهدي ص 130 و ما بعدها.




- 70 -

#ff0000

وبنوا على ذلك : أن الإنسان مكلف قبل بعثة الرسل أو قبل بلوغ الدعوة إليه، إذ عليه أن يفعل ما أدرك العقل حسنه و أن يترك ما أدرك العقل قبحه، لأن هذا هو حكم الله، ومع التكليف المسؤولية والحساب وما يتبع ذلك من ثواب وعقاب .
64- القول الثاني: قول الأشعرية أتباع أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري ومن وافقه من الفقهاء، وهو قول جهور الأصوليين
وخلاصته: أن العقل لا يستقل بإدراك حكم الله، بل لا بد من وساطة الرسول و تبليغه، فليس في الأفعال حسن ذاتي يوجب على الله أن يأمر به، كما ليس في الأفعال قبح ذاتي يوجب على الله أن ينهى عنه، فإرادة الله مطلقة لا يقيدها شيء، فالحسن ما جاء الشارع بطلب فعله، والقبيح ما جاء الشارع بطلب تركه، فليس للفعل قبل أمر الشارع ونهيه حسن ولا قبح، و الفعل وإنما يصير حسناً لأمر الشارع به لا لذات الفعل، و يصير قبيحاً لنهي الشارع عنه لا لذات الفعل ، فالأفعال تستمد حسنها وقبحها من أمر الشارع ونهيه لا من حسن أو قبح في ذواتها .
وبنوا على ذلك: أن لا حكم لله في أفعال العباد قبل بعثة الرسل، فما لم يأت رسول يبلغ‎ ‏ أحكام الله للعباد لا يثبت لأفعالهم حكم، فلا يجب عليهم شيء ولا يحرم عليهم فعل. و حيث لا حكم فلا تكليف، و حيث لا تكليف فلا حساب و لا مدح و لا ثواب و لا ذم و لا عقاب.
56- القول الثالث: و هو قول أبي منصور محمد بن محمد الماتريدي، و هو ما ذهب إليه محققوا الحنفية و بعض الأصوليين، و هو قول فريق من الجعفرية و غيرهم.
و خلاصة هذا القول: أن للأفعال حسناً و قبحاً، يستطيع العقل إدراكها في معظم الأفعال بناء على ما في الفعل من صفات، و ما يترتب عليه من مصالح و مفاسد، و لكن لا يلزم من كون الفعل حسناً حسب إدراك العقل أن يأمر به الشرع، و لا يلزم من كون الفعل قبيحاً أن ينهى عنه الشرع، لأن العقول مهما نضجت فهي قاصرة، و مهما اتسعت فهي ناقصة.
وعلى هذا فكل ما يمكن أن يقال: هو أن ما في الفعل من حسن يدركه العقل



- 71 -


#ff0000

يجعل الفعل صالحاً لأن يأمر به الشرع، وأن ما في الفعل من قبح يدركه العقل يجعل
الفعل صالحاً لأن ينهى عنه الشرع، ولا يقال: إن الحسن والقبح موجبان لحكم الله بالأمر والنهي .
وبنوا عل ذلك : أن حكم الله لا يدرك بدون وساطة رسول وتبليغه، ومن ثم: فلا حكم لله في أفعال العباد قبل بعثة الرسل أو قبل بلوغ الدعوة، وحيث لا حكم فلا تكليف، وحيث لا تكليف فلا ثواب ولا عقاب .
66- القول المختار:
والقول الثالث هو الراجح المؤيد بالكتاب وبالعقل، أما الكتاب ففيه آياتٌ كثيرة تدل على ان الله إنما يأمر بما هو حسن و ينهى عما هو قبيح، والحسن والقبح ثابتان للأفعال قبل الأمر والنهي ، ومنها قوله تعالى : {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90 [ وقوله تعالى : }يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} ]الأعراف157[ فما أمر به الشارع من عدل وإحسان و معروف، وما نهاهم عنه من فحشاء ومنكر وبغي، وما أحل لهم من طيبات، وما حرم عليهم من خبائث، كل هذه الأوصاف الحسنة أو القبيحة: كانت ثابتة للأفعال قبل ورود حكم الشرع فيها، ما يدل على أن للأفعال حسناً و قبحاً ذاتيين .
و العقل يدرك حسن بعض الأفعال و قبح البعض الآخر بالضرورة: كحسن العدل و الصدق، و قبح الظلم و الكذب، و لكن حكم الله لا يعرف إلا عن طريق الرسول، فما لم يأت رسول يبلغ الناس حكم الله، فلا يثبت في أفعال الناس حكم بالإيجاب أو التحريم بدليل قوله تعالى: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا }]الإسراء: 15 [ فلا عذاب قبل بعثة الرسول أو بلوغ الدعوة، و حيث لا عذاب فلا تكليف، و حيث لا تكليف فلا حكم لله في أفعال العباد على وجه طلب الفعل أو التخيير بينهما.
و ما أحسن كلمة الإمام الشوكاني، إذ يقول: ((و إنكار مجرد إدراك العقل لكون




- 72 -

ياسمين الجزائر
2016-05-24, 11:18 PM
الفعل حسناً أو قبيحاً مكابرة و مباهته ..، وأما إدراكه لكون ذلك الفعل الحسن متعلقاً للثواب، وكون ذلك الفعل القبيح متعلقاً للعقاب فغير مسلمٍ، وغاية ما تدركه العقول: أن هذا الفعل الحسن يمدح فاعله، وهذا الفعل القبيح يذم فاعله، ولا تلازم بين هذا و بين كونه متعلقاً للثواب والعقاب)(1).
67- ثمرة الخلاف:
ويترتب على الخلاف في مسألة التحسين والتقبيح ما يأتي :
أولاً: من لم تبلغه دعوة الإسلام أو دعوة الرسل على وجه العموم، فعند المعتزلة: يؤاخذ بفعله، ويحاسب على أعماله، لأن المطلوب منه: فعل ما أدرك العقل حسنه، و ترك ما أدرك العقل قبحه، وهذا هو حكم الله .
وعند الأشعرية و الماتريدية ومن وافقهم : لا حساب ولا ثواب ولا عقاب على من لم تبلغه الدعوة.
ثانياً: بعد ورود شريعة الإسلام، لا خلاف بين العلماء في أن حكم الله يدرك بواسطة ما جاء عن الله في كتابه، أو ما جاء في سنة نبيه ، وكلاهما قام النبي بتبليغه.
ولكن اذا لم يكن في المسألة حكم من الشرع، فإن القائلين بالقول الأول : ((التحسين والتقبيح العقليين ))، قالوا : بأن العقل يكون مصدراً للأحكام، بمعنى: أن المسألة التي لم يرد في الشرع حكم لها، يكون حكمها الوجوب إذا أدرك العقل حسنها، ويكون حكمها الحرمة إذا أدرك العقل قبحها، لأن حكم الله مبناه ما في الأفعال من حسن أو قبح، فإذا لم يرد في الشرع حكم لمسألة ما فمعنى ذلك: أن الشارع أذن لنا أن نرجع إلى العقل لنستمد منه الحكم بناء على ما في الفعل من حسن أو قبح. و على رأي أصحاب القول الثاني و الثالث: لا يكون العقل مصدراً للأحكام و إنما يؤخذ الحكم من مصادر الفقه الثابتة و ليس العقل منها.



_____________________________
(1) الشوكاني ص 8.




- 73 -
#ff0000

الفصل الثالث
المحكوم فيه


68- المحكوم فيه: هوما تعلق به خطاب الشارع، وهولا يكون إلا فعلاً إذا كان خطاب الشارع حكماً تكليفياً . أما في الحكم الوضعي: فقد يكون فعلاً للمكلف كما في العقود و الجرائم، وقد لا يكون فعلاً له ولكن يرجع إلى فعله: كشهود شهر رمضان الذي جعله الشارع سبباً لوجوب الصيام، والصيام فعل للمكلف. والمحكوم فيه يسمى أيضاً بالمحكوم به، ولكن التسمية الأولى أفضل و أولى( 1) .
فقوله تعالى: { وآتوا الزكاة} الإيجاب المستفاد من هذا الحكم تعلق بفعل للمكلف: هو إيتاء الزكاة، فجعله واجباً .
وقوله تعالى: { وَ لَا تَقْرَبُوا الزِّنَى} (الاسراء: 32) التحريم المستفاد من هذا الحكم تعلق بفعل للمكلف: و هو الزنى، فجعله محرماً.
وقوله تعالى: { إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ } (البقرة: 282) الندب المستفاد من هذا الحكم تعلق بفعل للمكلف: وهو كتابة الدين، فجعله مندوباً.
وقوله تعالى: { وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ } (البقرة: 267) الكراهة المستفادة من هذا الحكم تعلقت بفعل للمكلف: هو إنفاق الخبيث، ، فجعلته مكروهاً.


_________________________
(1) ((تيسير التحرير)) ج 2 ص 328.




- 74 -
#ff0000


وقوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} (الجمعة: 10 ) الإباحة المستفادة من هذا الحكم تعلقت بفعل للمكلف: هو الانتشار في الأرض فجعلته مباحاً.

وقد تكلم الأصوليون عن الأفعال التي تعلق بها التكليف من ناحيتين :
الأولى: من جهة شروط صحة التكليف بها.
والثانية: من ناحية الجهة التي تضاف إليها هذه الأفعال.
ونتلكم فيما يلي عن كل ناحية في مبحث على حدة .



- 75 -


#ff0000



المبحث الأول
شروط صحة التكليف بالفعل
أو
شروط المحكوم فيه
69- يشترط في الفعل حتى يصح التكليف به جملة شروط هي:
أولاً- أن يكون معلوماً للمكلف علماً تاماً حتى يتصور قصده إليه وقيامه به كما طلب منه. فلا يصح التكليف بالمجهول، ولهذا فإن التكليفات التي جاءت في القرآن مجملة: كالصلاة والزكاة ، بينها الرسول :mohmad1[1]: على وجه ينفي إجمالها بما له من سلطة بيان أحكام القرآن، قال تعالى : { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } (النحل: 44) .
والمراد بالعلم، علم المكلف فعلاً أو إمكان علمه: بأن يكون قادراً بنفسه أو بالواسطة على معرفة ما كلفه به، بأن يسأل أهل العلم عما كُلف به . والقرينة على إمكان علمه: وجوده في دار الإسلام، لأن هذه الدار دار علم بالأحكام لشيوعها فيها، والشيوع قرينة العلم، ولهذا قال الفقهاء: العلم مفترض فيمن هو في دار الإسلام .

وقاعدة: (( لا يصح الدفع بالجهل بالأحكام في دار الاسلام )) مبنية على ما ذكرناه، وهذا خلاف ما هو المقرر بالنسبة الى دار الحرب ( أي دار غير الإسلام ) إذ العلم بالأحكام الشرعية غير مفترض بالنسبة لمن فيها، لعدم شيوع الأحكام الشرعية.



- 76 -

ياسمين الجزائر
2016-05-28, 10:15 PM
فيها، ولهذا لو أسلم هناك شخص وجهل وجوب الصلاة، لم يلزمه قضاؤها إذا عرف
الوجوب بعد ذلك، وإذا شرب الخمر جاهلاً بالتحريم لم يعاقب على فعله إذا رجع الى دار الإسلام .
والقاعدة في القوانين الوضعية كالقاعدة في الشريعة الإسلامية، فالقانون يعتبر معلوماً لدى المكلفين إذا ما نشر بالطرق القانونية، كما لو نشر في الجريدة الرسمية ولا يشترط العلم به فعلاً.
70- ثانياً: أن يكون الفعل المكلف به مقدوراً(1)، أي من الأفعال التي يمكن للمكلف فعلها أو تركها، لأن المقصود من التكليف: الامتثال، فإذا خرج الفعل عن قدرة المكلف وطاقته، لم يتصور الامتثال، فيكون التكليف عبثاً ينزه عنه الشارع الحكيم. ويترتب على هذا الشرط ما يأتي:
1- لا تكليف بالمستحيل، سواء أكان المستحيل لذاته: كالجمع بين النقيضين، أم كان مستحيلاً لغيره: وهوما لم تجر العادة بوقوعه، وإن كان العقل يجوز ذلك: كالطيران بلا آلة، فإن سنة الكون ما جرت على وجود مثل هذا الفعل. فالتكليف بالمستحيل، بنوعيه تكليف بما لا يطاق، ولهذا لم يأت به الشرع .
2- لا تكليف بما لا يدخل تحت إرادة الانسان: كتكليفه أن يفعل الغير فعلاً معيناً، لأن هذا لا يدخل تحت إرادة الإنسان وقدرته، وكل ما يستطيعه هو أن يأمر بالمعروف أو يأمر الغير بفعل معين.
و من هذا القبيل أيضاً: التكليف بالأمور الوجدانية والقلبية التي تستولي على النفس ولا يملك الإنسان دفعها، ولهذا جاء في الحديث الشريف عن النبي :mohmad1[1]: في قسمه بين أزواجه : (( اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك و لا أملك))، يعني في الميل القلبي لبعض أزواجه أكثر من البعض الآخر.
و كذلك الحديث الشريف: ((لا تَغْضَبْ))، ليس المراد منه: النهي عن ذات






‎_____________________________
(1) الآمدي ج 1 ح 187، ((إرشاد الفحول)) للشوكاني ص 8.



- 77 -
#ff0000

الغضب إذا تحققت موجباته، وإنما النهي منصب على الاسترسال في الغضب، وعلى الاندفاع في قول أو فعل لا يجوزان، إذ عليه أن يصمت و يسكت حتى تنطفيء جمرة الغضب في نفسه، كما أن على الإنسان أن يتجنب عما يثير غضبه إذا عرف من نفسه الغضب، وعدم القدرة على ضبطها، فكل هذه الأمور باستطاعته أن يفعلها لئلا يقع فيما لا يجوز نتيجة للغضب.
ويلاحظ هنا: أن الميول القلبية، و إن كانت لا تدخل تحت التكليف كما في حب الشخص لإحدى زوجتيه أكثر من الأخرى، و كحب الأب بعض أولاده أكثر من الآخرين، إلا أن عليه أن يعدل بين أولاده، أو بين زوجتيه، وأن يعطي كل ذي حق حقه، ولهذا لا يجوز أن يؤثر الأب بعض أولاده بالعطية نتيجة حبه له دون الآخرين، لأن في هذا الإيثار إيحاشاً للآخرين، وإلقاء العداء بين الإخوة ولهذا جاء النهي عنه(1).
أما الميول القلبية التي هي من الإيمان أومن لوازمه كحب الله و رسوله، فهذه تكون واجبة على المكلف، و مطلوباً منه تحصيلها بتحصيل أسبابها، ولا يعذر في عدم تحصيلها أو في وجود ضدها كبغض الله و رسوله، لأن في عدم وجودها أو وجود أضدادها دلالة على عدم إيمانه الإيمان لا ينفك عن حب الله و رسوله، فإذا انفك كان ذلك دليلاً على عدم الإيمان.
71- الشاق من الأعمال:
قلنا: إن الفعل يشترط فيه أن يكون مقدرواً عليه، و لكن هل يشترط فيه أن لا يكون شاقاً؟ الواقع أن أي فعل لا يخلو من مشقة، فالمشقة من لوازم التكليف، و لكن إذا كانت مشقة معتادة تطيقها النفس البشرية فلا يلتفت إليها و لا تكون حائلاً دون التكليف. أما المشقة غير الاعتيادية التي لا تطيقها النفس إلا بكلفة زائدة و ضيق و عنت شديد فإن الحكم يختلف كما يلي:



_______________________________
(1) في الحديث الصحيح: ((أن النعمان بن بشير أعطى أحد أولاده عطيةً و أخبر النبي بذلك، فقال له النبي: أفعلت هذا بولدك كلهم؟ قال: لا قال: اتقوا الله و اعدلوا في أولادكم)) ((رياض الصالحين)) ص 266 – 267.






- 78 -

#ff0000



أولاً- مشقة غير عادية تطرأ على الفعل بسبب ظروف خاصة بالمكلف، مثل: الصيام في حالة السفر و المرض، ومثل: الإكراه عل كلمة الكفر و مثل الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، إذا ترتب على القائم به هلاك نفسه. فني هذه الأحوال دفع الشارع الحكيم هذه المشقات بالرخص التي شرعها فأباح للمكلف ترك الأفعال الواجبة و إتيان الأفعال المحظورة دفعاً للمشقات، و رفعاً للحرج .
و لكن الشارع مع هذا جعل تحمل بعض المشقات غير الاعتيادية في بعض الأحوال من قبيل المندوب، كما في المكره على الكفر، فله أن يقول كلمة الكفر رخصةً، والمندوب: صبره على الأذى وامتناعه عن قالة الكفر، ولو أدى ذلك الى هلاكه . و كالقائم بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، له أن يسكت ولا يواجه الحكام الظلمة بأمر ولا نهي خوفاً من بطشهم رخصةً، والمندوب اليه : قيامه بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو أدى إلى هلاكه، لأن الصبر في هذا الموقف أو ذاك يعز الدين ويقوي أهله، و يضعف أهل الظلم والباطل .
ثانياً- مشقة غير عادية ولكن لا بد من تحملها لضرورة القيام بالفروض الكفائية: كالجهاد، فهو فرض على الكفاية، وإن كان فيه قتل النقس وإزهاق الروح وإتعاب الجسد وتحمل النصب والتعب ، ونحو ذلك من المشاق غير الاعتيادية، لأن الجهاد لابد منه لحماية البلاد من الأعداء، وهذا الضرب من التكليف - في الحقيقة - يكون في الفروض الكفائية، كما مثلنا، لا في الفروض العينية . ومثل الجهاد: الأمر بالمعروف و النهي عن النكر، فهو ضرب من ضروب الجهاد يجب أن يكون في الأمة، لأنه فرض كفائي، ولو نتجت عنه مشقات عظيمة غير عادية، فالأمر بالمعروف المترتب عليه أذى القائم به، يكون مندوباً إليه بالنسبة للجزء، أي بالنسبة لفرد معين، ويكون واجباً بالكل، أي بالنسبة إلى مجموع الأمة وإن ترتب عليه أذى بالغ، لأنه فرض كفائي يجب أن يوجد في الأمة .





- 79 -


#ff0000


ثالثاً- مشقة غير عادية لا تتأتى من ذات الفعل و طبيعته، و إنما بسبب المكلف نفسه بالتزامه الأفعال الشاقة التي لم يأت بها الشرع .
وهذا النوع من الأفعال لا يجوز، فقد روي : أن النبي :mohmad1[1]:، رأى رجلاً قائماً في الشمس، فسأل عنه، فقالوا : يا رسول إنه نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي :mohmad1[1]: مروه فليتكلم وليقعد وليتم صومه(1).
و عندما أخذ بعض الصحابة نفسه بقيام الليل، وبعضهم بصيام الدهر وعدم الفطر، وبعضهم باعتزال النساء وترك الزواج، قال النبي :mohmad1[1]:لهؤلاء: أما و الله إني لأخشاكم لله و أتقاكم له، لكني أصوم و أفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني(2).
والحكمة في هذا كله: أن تعذيب الجسد وتحميله المشاق بلا غرض مشروع ولا مصلحة يعد من العبث، فليس للشارع مصلحة في إيذاء الجسد، بل المصلحة في حفظه والعناية به، حتى يستطيع المكلف القيام بمصالح الأعمال، ولكن إذا وجد ما يدعو الى تحمل المشاق من تحقيق مصلحة أو غرض نبيل أو مقصد مشروع أبيح أو ندب للمكلف أو وجب عليه تحمل الأفعال الشاقة .
وعلى هذا الأساس يجب أن نفهم ما روي من سيرة أسلافنا الصالحين، و أخذهم نفوسهم بالشدة و ضنك العيش، والخشن من اللباس والطعام، فعمر بن الخطاب و علي بن أبي طالب و عمر بن عبد العزيز و أمثالهم، كانوا يأخذون نفوسهم بالشدة و الخشونة لأنهم ولاة أمور، و في مقام القدوة للأمة فحسن منهم مثل هذه، التصرفات و حمدوا من أجل غايتهم منها.
و كذلك يمدح الإيثار على النفس و إن أدى إلى تحمل الشدة و الضيق في



________________________
(1) رواه البخاري، انظر ((رياض الصالحين)) للنووي ص 92.
(2) ((رياض الصالحين)) ص 86.


- 80 -

ياسمين الجزائر
2016-05-28, 10:23 PM
العيش، لما في الإيثار من عون المحتاجين وتقديمهم على النفس. وكذلك يحمد
الشخص عل الابتعاد عن أبواب الظلمة وعدم معاونتهم، ولو أدى به ذلك إلى الضيق في الرزق والخشونة في العيش .
فالمشاق وخشونة العيش في مثل هذه الأحوال محمودة لا لذات المشقة، ولكن لأنها جاءت من أجل غرض مشروع وقصد نبيل، أما في غير هذه الحالات فلا مدح ولا ثناء للمعرضين أنفسهم الى الشدة والضيق.


- 81 -



#ff0000

المبحث الثاني
المحكوم فيه من ناحية الجهة التي يضاف إليها


72- افعال المكلفين التي تعلقت بها الأحكام الشرعية : إما أن يكون المقصود بها مصلحة عامة أو خاصة، فإن كان المقصود بها مصلحة المجتمع عامة فالغفل هو
حق الله تعالى، وإن كان المقصود بها مصلحة خاصة فالفعل هو حق العبد، وقد
يجتمع في الفعل حق الله و حق العبد، ويكون حق الله هو الغالب أو حق العبد هو
الغالب. و نتكلم فيما يلي عن كل نوع من هذه الأنواع على حدة.
73- حق الله:
حق الله، هو حق المجتمع، ولهذا يعرفونه بأنه ما تعلق به النفع العام من غير اختصاص بأحد، و لهذا نسب إلى رب الناس جميعاً لعظم خطره وشمول نفعه(1). وهذا الحق لا يجوز إسقاطه ولا يحق لأحد التنازل عنه أو الخروج عليه، فهو كالنظام العام عند القانونيين.
وقد وجد بالاستقراء : أن حقوق الله الخالصة هي ما يأتي(2):
أولاً: العبادات المحضة: كالإيمان والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، ونحوها، فالإيمان وما بني عليه، يقصد به: تحصيل ما هو ضروري وهو


_____________________________
(1) ((التلويح على التوضيح)) ج 2 ص 151.
(2) ((تيسير التحرير)) ج 2 ص 316 و ما بعدها.




- 82 -





#ff0000
الدين، والدين ضروري لقيام المجتمع ونظامه، والعبادات كلها شرعت لمصالح تعود بالنفع العميم على المجتمع .
ثانياً: العبادات التي فيها معنى المؤونة، مثل : صدقة الفطر، فهي عبادة لأنها تقرب إلى الله بالتصدق على الفقير، وكونها فيها معنى المؤونة لأنها وجبت على المكلف بسبب غيره، كما وجبت مؤونته خلافاً للعبادات المحضة فهي لا تجب على المكلف بسبب الغير.
ثالثاً: الضرائب على الأرض العشرية، وهذه سماها الأصوليون: مؤونة فيها معنى
العبادة، أما أنها مؤونة: فلأنها ضريبة الأرض، وبهذه الضريبة تبقى الأرض بيد أصحابها غير معتدى عليها. وأما أن فيها معنى العبادة: فلأن العشر المأخوذ هو زكاة الزرع الخارج من الأرض، و يصرف في مصارف الزكاة، وهذه من المصالح العامة.
رابعاً: الخراج: أي الضرائب على الارض الخراجية، وهى الأرض التي تترك بيد
أصحابها غير المسلمين بعد فتح المسلمين لها واستيلائهم عليها، فتفرض عليها ضريبة معينة، كما حدث في أرض العراق والشام، إذ تركها عمر بن الخطاب بيد أهلها وضرب عليها الخراج بعد مشاورة الصحابة و موافقتهم. ويصرف هذا الوارد في المصالح العامة للدولة الإسلامية .
خامساً: عقوبات كاملة ليس فيها معنى آخر غير العقوبة، وهي الحدود : أي
العقوبات المقدرة التي شرعت للمصلحة العامة، و اعتبرت لذلك من حق الله مثل: حد الزنى، وحد الشرب، وحد السرقة، وحد قطاع الطريق.
فهذه العقوبات شرعت لمصلحة المجتمع، فلا يملك أحد إسقاطها، ولهذا لما سرقت امرأة من بني مخزوم، وأراد أسامه بن زيد أن يستشفع لها عند الرسول :mohmad1[1]:، غضب النبي :mohmad1[1]: وخطب في الناس، ومما قاله : ((إنما أهلك اللذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت


- 83 -


#ff0000

لقطعت يدها(1).

سادساً: عقوبات قاصرة: وهي حرمان القاتل من الإرث، و إنما كانت قاصرةً لأنه
ليس فيها إيذاء بدني، أو تقييد لحرية الجاني، وإنما فيها عدم ثبوت ملك جديد له فهي عقوبة سلبية.
سابعاً: عقوبات فيها معنى العبادة، وهي الكفارات، مثل : كفارة الحنث في اليمين، وكفارة الإفطار عمداً في رمضان، وكفارة القتل الخطأ. فهذه عقوبات لأنها جزاء على معصية، و فيها معنى العبادة لأنها تؤدى بما هو عبادة من صوم أو صدقة أو تحرير رقبة.
ثامناً: حق قائم بنفسه، أي لم يتعلق بذمة مكلف ليؤديه طاعةً لله، و إنما وجب هذا
الحق بذاته و ابتداء لله تعالى، وهو خمس الغنائم، وما يستخرج من معادن وكنوز الأرض .
74- حق العبد:
وأما الحق الخالص للعبد: فهو ما كان المقصود به مصلحةً خاصةً للفرد، ومثاله سائر الحقوق المالية للأفراد: كضمان المتلفات، واستيفاء الديون والدية، و نحو ذلك، وهذا النوع من الحق يكون الخيار في استيفائه الى المكلف نفسه، فإن شاء أسقطه وإن شاء استوفاه، لأن للإنسان أن يتصرف في خالص حقه بما يشاء.

75- ما اجتمع فيه الحقان، و حق الله فيه غالب:
ومثاله: حد القذف(2). فالقذف جريمة تمس الأعراض، وتشيع الفاحشة في المجتمع ، وفي ترتيب العقوبة على هذه الجريمة مصلحة عامة لما فيها من ردع المجرمين

_________________________
(1) ((تيسير الوصول إلى جامع الأصول من حديث الرسول)) ج 2 ص 14.
(2) القذف: هو رمي المرأة أو الرجل بالزنى، كأن يقول للمرأة: يا زانية.



- 84 -

ياسمين الجزائر
2016-05-28, 10:44 PM
المعنى .
ومن جهة أخرى: فإن في هذه العقوبة مصلحة خاصة للمقذوف، إذ فيها إظهار لشرفه و عفته ودفع العار عنه، فكان في هذه العقوبة حق للعبد من هذه الجهة، إلا أن حق الله هو الغالب، و لهذا لا يجوز للمقذوف إسقاط الحد (أي العقوبة) عن
القاذف، لأن حق الله لا يسقط بإسقاط العبد، وإن كان غير متمحض له، كما في
العدة: لا تسقط بإسقاط الزوج إياها، وإن كان فيها حقه لما فيها من حق الله(1).
76- ما اجتمع فيه الحقان، و حق العبد فيه غالب:
ومثاله: القصاص من القاتل العمد، فإن فيه تأمين حياة الناس وحفظ الأمن وإشاعة الطمأنينة، وهذا كله من المصلحة العامة فيكون بهذا الاعتبار حقاً لله تعالى .
ومن جهة أخرى: يحقق القصاص مصلحة خاصة للفرد: هي شفاء صدور أولياء القتيل وإزالة غضبهم وحقدهم على القاتل، فيكون بهذا الاعتبار حقاً للعبد.
ولما كان مساس الجريمة بالمجني عليه و بأوليائه أقوى وأظهر من مساسها بالمجتمع، جعل حق العبد هو الغالب في القصاص، ومن ثم كان لولي القتيل أن يعفو عن القاتل أو يكتفي بأخذ العوض منه (الدية)، و حتى إذا حكم على القاتل بالقصاص منه، فلولي القتيل أن يعفو عنه فيوقف تنفيذ العقوبة.
ولما كان في القصاص حق لله، فإن القاتل إذا نجا من الموت لعفو ولي القتيل، فإن الدولة لها أن توقع عليه عقوبة تعزيرية(2).
ومسلك الشريعة في جريمة القتل يختلف عن مسلك القوانين الوضعية
_________________________________

(1) و ذهب آخرون إلى أن الغالب في القذف حق العبد، و ما ذكرناه في الصلب هو ما اخترناه.
(2) من العقوبات التعزيرية ما نص عليه المالكية: من أن القاتل إذا عفا عنه و لي القتيل، فإن الإمام يضربه مئة جلدة، و يحبسه سنة، ((تبصرة الحكام)) لابن فرحون المالكي ج 2 ص 259.



- 85 -

#ff0000

فالأخيرة: جعلت القصاص من القاتل حقاً خالصاً للمجتمع، و رتبت على ذلك:
أن رفع الدعوى من اختصاص النيابة العامة، وليس لولي القتيل أن يعفو عن الجاني، بل العفو موكول لولي الأمر.
كما أن مسلك الشريعة في جريمة الزنى يختلف عن مسلك القوانين الوضعية، فالزنى في هذه القوانين الأخيرة: ليس جريمةً، إلا إذا كانت بإكراه، أو كانت المزني بها قاصرةً، أو كان الجاني من أصول المجني عليه. فالزنى بذاته لا يعتبر جريمة إلا لاقترانه بأمر آخر. كما أن زنى الزوجة يعتبر في هذه القوانين جريمة، لمساسه بحق الزوج، فكان العقاب فيه من الحق الخاص، أي من حق الزوج، ولهذا لا ترفع الدعوى إلا من زوجها، وله أن يوقف إجراءاتها، و إذا حكم عليها فله أن يوقف تنفيذ الحكم(1).
أما للشريعة الإسلامية فإنها تسلك مسلكاً آخر. إذ أنها تجعل عقوبة الزنى حقاً خالصاً لله، أي حقاً للمجتمع، وليس فيها حق خاص، ومن ثم لا يسقط حق الزنى
بإسقاط أحد، كما أن رفع الدعوى يتم من قبل النيابة العمومية، بل ولكل فرد أن
يقيم الدعوى في هذه الجريمة، لأنها من دعاوي الحسبة .


___________________________
(1) أنظر المواد 232-236 ، 240 من قانون العقوبات البغدادي القديم، و قد سلك نفس المسلك قانون العقوبات العراقي الجديد رقم 111 لسنة 1969.
- 86 -


#ff0000

الفصل الرابع
المحكوم عليه

77- المحكوم عليه: هو الشخص الذي تعلق خطاب الشارع بفعله، و يسميه علماء الأصول: بالمكلف(1).
78- شروط صحة التكليف:
يشترط في الإنسان حتى يصح تكليفه شرعاً: أن يكون قادراً – بنفسه أو بالواسطة - على فهم خطاب التكليف الموجه إليه، ويتصور معناه بالقدر الذي يتوقف عليه بالامتثال، لأن الغرض من التكليف الطاعة و الامتثال، ومن لا قدرة له على الفهم لا يمكنه الامتثال.
والقدرة على الفهم إنما تكون بالعقل، وبكون خطاب الشارع مما يمكن فهمه ومعرفة المراد منه . ولما كان العقل أمراً باطناً لا يدرك بالحس، وغير منضبط، و متفاوتاً في أفراد الناس، فقد أقام الشارع البلوغ، الذي هو أمر ظاهر منضبط، مقام العقل لأنه مظنته، وجعل مناط التكليف بلوغ الإنسان عاقلاً، وحط عنه التكليف قبله تخفيفاً عنه .

ودليل ذلك، قوله عليه الصلاة والسلام: ((رفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وفي رواية (( حتى
يعقل ))(2). فإذا بلغ الإنسان الحلم، وكانت أقواله و أفعاله جاريةً على حسب المألوف



___________________________
(1) ((تيسير التحرير)) ج 2 ص 395.
(2) الآمدي ج 1 ص 216، ((إرشاد الفحول)) للشوكاني ص 11 .


- 87 -


#ff0000

المعتاد بين الناس، مما يستدل به على سلامة عقله، حكم بتكليفه لتحقق شرط التكليف: و هو البلوغ عاقلاً. فالمكلف إذن هو البالغ العاقل(1) دون غيره من صبي
عاقل أو بالغ غير عاقل .
وعلى هذا لا يكلف المجنون ولا الصغير مميزاً كان أو غير مميز. أما ما ذهب إليه
جمهور الفقهاء: من لزوم الزكاة في مال المجنون والصغير، وما ذهب إليه جميع
الفقهاء : من وجوب نفقة القريب والزوجة وضمان المتلفات عليهما، فليس ذلك
تكليفاً للصغير والمجنون، وإنما هو تكليف لوليهما بأداء هذه الحقوق من مالهما(2)،
وإنما وجبت هذه الحقوق عليهما لأنهما يملكان أهلية وجوب، كما سيأتي بيان ذلك فيما بعد.
79- اعتراض على شرط التكليف:
قلنا : إن شرط التكليف: هو القدرة عل فهم خطاب الشارع وكون هذا الخطاب مما يمكن فهمه . و قد يعترض على هذا الشرط بما يأتي: -
الاعتراض الأول: إن تكليف من لا يفهم الخطاب قد ورد في الشريعة الإسلامية، فقد قال تعالى : } يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} (النساء: 43)، فهذه الآية الكريمة تعني : إذا سكرتم فلا تقربوا الصلاة، فالسكارى في حال سكرهم مكلفون بالكف عن الصلاة، وهم لا يفهمون الخطاب إذ ذاك، فكيف يقال : إن شرط التكليف القدرة على الفهم؟
والجواب : أن الخطاب في هذه الآية ليس موجهاً الى السكارى حال سكرهم، و إنما هو موجه إلى المسلمين حال صحوهم بأن لا يشربوا الخمر إذا قرب وقت الصلاة، حتى لا تقع صلاتهم غي حال سكرهم، و حتى يمكنهم أداء الصلاة كما ينبغي(3) .



_______________________________________
(1) و يعرف البلوغ بظهور أمارته و علاماته، فإن لم توجد، فالبلوغ يكون بالسن المقدرة لذلك، و هي: خمس عشرة سنة للغلام و الفتاة. و على هذا الرأي أكثر الفقهاء.
(2) الآمدي ج 1 ص 217، ((المستصفى)) للغزالي ج 1 ص 54.
(3) ((تيسير التحرير)) ج 2 ص 401-403 ، ((فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت )) ج 1 ص 145- 146 ، ((إرشاد الفحول)) ص 10.



- 88 -

ياسمين الجزائر
2016-05-28, 10:50 PM
‎ ‏ومن الجدير بالذكر: أن هذه الآية نزلت قبل تحريم الخمر بقوله تعالى: } يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون{ (المائدة:90)
الاعتراض الثاني : ان الشريعة الإسلامية عامة لجميع البشر، بدليل قوله تعالى : } قُلْ يَا أَيّهَا النَّاس إِنِّي رَسُول اللَّه إِلَيْكُمْ جَمِيعًا{ (الأعراف: 158) و قوله تعالى } وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً { (سبأ: 28)، وقوله عليه الصلاة والسلام : ((كان النبي يبعث إلى قومه خاصة و بعثت إلى الناس عامة))، وفي الناس غير العربي الذي لا يفهم اللغة العربية، لغة القرآن، وبالتالي لا يفهم خطاب الشارع، فكيف يوجه الخطاب باللسان العربي إلى من لا يفهمه ويكون مكلفاً؟ وهل هذا إلا مصادمة لشرط التكليف وهو القدرة على فهم الخطاب؟
والجواب : إن القدرة على فهم الخطاب شرط لابد منه لصحة التكليف، فالذين لا يفهمون اللسان العربي لا يمكن تكليفهم شرعاً، إلا إذا كانوا قادرين على فهم خطاب الشارع، وذلك إما بتعلمهم لغة القرآن، أو بترجمة النصوص الشرعية أو معناها إلى لغتهم، أو بتعلم أقوام من المسلمين لغات الأمم غير العربية، وقيامهم
بنشر تعاليم الإسلام وأحكامه بينهم بلغتهم.
والطريق الأخير هو الطريق الأمثل، فمن الواجب الكفائي على المسلمين، أن يتعلم فريق منهم لغات الأمم غير العربية، ونشر الدعوة الإسلامية بينهم، و تبليغهم أحكام الإسلام بلغتهم التي يتكلمون بها. فإذا قصر المسلمون بهذا الواجب، أثم الجميع، كما هو الحكم في الفروض الكفائية. ومما يدل على أن هذا الأمر واجب على المسلمين ما يأتي:
‎ أ- قوله تعالى: }وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {فهذه الآية تتضمن الأمر بتبليغ أحكام الإسلام من قبل طائفة من المسلمين. و لا يكون التبليغ مجديا إلا إذا كلن على وجه مفهوم لدى المخاطبين، بأن يكون بلغتهم التي يعرفونها.



- 89 -


#ff0000
ب- ثبت أن الرسول عليه الصلاة والسلام كتب كتباً إلى كسرى وقيصر و النجاشي والمقوقس وغيرهم، يدعوهم فيها إلى الإسلام، وقد أرسل بهذه الكتب أناساً يعرفون لغة من أرسلت إليهم.

جـ- وفي خطبة حجة الوداع، قال عليه الصلاة والسلام: ((ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد، فليبلغ الشاهد منكم الغائب، قرب مبلغ أوعى من سامع)).
والشاهد يشمل كل من اهتدى إلى الإسلام وعرف مبادئه وأحكامه، والغائب يشمل كل من لم يعرف اللغة العربية، وكل من عرفها ولم تبلغه دعوة الإسلام .

وعلى هذا : إذا بقي من يجهل اللسان العربي على جهله بلغة القرآن، ولم تترجم له نصوص الشريعة بلغته، و لم يقم المسلمون بتعريفه بدلائل التكليف باللغة التي يعرفها، فإنه غير مكلف شرعاً، لأن الله تعالى يقول: }لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا{ (البقرة: 286)
الاعتراض الثالث:في القرآن الكريم ما لا يمكن فهمه، وهو الحروف المقطعة في أوائل بعض السور، فكيف يقال : ليس في القرآن والسنة ما لا يمكن فهمه؟
و الجواب: أن هذه الحروف ليست من خطابات التكليف، ومن ثم فلا يتوقف أمر التكليف عليها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى: فإن لهذه الحروف معنىً واضحاً هو ما يدل عليه كل حرف على حدة، وذكرها في أوائل السور لإقامة الحجة على المخالفين بإعجاز القرآن المتكون من هذه الحروف.


- 90 -

ياسمين الجزائر
2016-06-01, 09:31 PM
الفصل الخامس

الأهلية وعوارضها

80- تمهيد:
ذكرنا فيما سبق: أن الشرط في صحة التكليف، كون المكلف أهلاً لما يكلف به، وأهلية التكليف هذه تثبت للإنسان ببلوغه عاقلاً، إلا أن علماء الأصول يتكلمون عن الأهلية وعوارضها بصورة عامة، و نحن نجاريهم في هذا المجرى فنتكلم عن الأهلية أولاً، ثم عن عوارضها ثانياً.
و ذلك في مبحثين متتاليين: الأول: للأهلية، و الثاني: لعوارضها.





- 91 -



#ff0000


المبحث الأول

الأهلية


81- تعريف الاهلية:
الأهلية معناها في اللغة: الصلاحية، يقال: فلان أهل لعمل كذا، إذا كان صالحاً للقيام به.
وفي اصطلاح الأصوليين، تنقسم الأهلية إلى قسمين:
1 - أهلية وجوب .
2 - أهلية أداء.
82- أهلية الوجوب :
هي صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه(1). أي صلاحيته لأن تثبت له الحقوق و تجب عليه الواجبات، وتكون هذه الأهلية بالذمة، أي تثبت هذه الأهلية للإنسان بناء على ثبوت الذمة له .
والذمة في اللغة: العهد، قال تعالى: } لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ{ (التوبة:10)، و سمي غير المسلمين الذين يقيمون في دار الإسلام على وجه الدوام بناء على عهد بيننا وبينهم: بأهل الذمة، أي أهل العهد . وهي - أي الذمة – في الاصطلاح: وصف شرعي يصير الإنسان أهلاً لما له وعليه(2). وهي بهذا المعنى


_________________________
(1) ((شرح المنار لابن ملك و حاشية الرهاوي)) ص 936.
(2) ((التوضيح)) ج 2 ص 161.




- 92 -





#ff0000

الاصطلاحي تثبت لكل إنسان، إذ ما من مولود يولد إلا وله ذمة، و بالتالي يكون
أهلاً للوجوب له وعليه(1).

وعلى هذا يمكن القول: إن أساس ثبوت أهلية الوجوب للإنسان هو(( الحياة))،

إذ بالحياة تكون للإنسان ((ذمة))، وعليها تنبني أهلية الوجوب، و لهذا تثبت هذه الأهلية للجنين - وإن كانت ناقصةً - لوجود الحياة فيه. ولما كانت حياة الإنسان هي أساس ثبوت أهلية الوجوب، فهي تلازمه مدى الحياة ولا تفارقه حتى الموت(2).
و أهلية الوجوب بالمعنى الذي ذكرناه في اصطلاح الأصوليين، تعرف عند رجال القانون : ((بالشخصية القانونية ))، وهي ثابتة عندهم لكل إنسان، ويعرفونها: بأنها صلاحية الإنسان لأن تكون له حقوق و عليه واجبات(3). وتعريفهم هذا يماثل تعريف الأصوليين لأهلية الوجوب .
83- أهلية الأداء:
هي صلاحية الإنسان لأن يطالب بالأداء، ولأن تعتبر أقواله وأفعاله وتترتب عليها آثارها الشرعية، بحيث إذا صدر منه تصرف كان معتدا به شرعاً، وإذا أدى عبادة كان أداؤه معتبراً ومسقطاً للواجب، وإذا جنى على غيره أخذ بجنايته مؤاخذةً كاملةً، وعوقب عليها بدنياً ومالياً(4)، وأساس هذه الأهلية: هو التمييز لا الحياة.
84- الأهلية الكاملة و الناقصة:
كل من أهلية الوجوب والأداء قد تكون ناقصةً، وقد تكون كاملةً، نظراً


__________________________
(1) ((أصول البازودي))ج 2 ص 1357. و شرح ص 938.
(2) ذهب بعض الفقهاء إلى أن ذمة الإنسان تبقى بعد الموت على نحو ما، كما سنذكر فيما بعد.
(3) ((المدخل للقانون الخاص)) لأستاذنا الدكتور البدراوي ص 58.
(4) ((شرح مرقاة الوصول)) ج 2 ص 434، و ((أصول الفقه)) للشيخ عبد الوهاب خلاف ص 150.





- 93 -






#ff0000

للأدوار التي يمر بها الإنسان في حياته من مبدأ تكوينه الى تمام عقله ثم موته . وهذه الأدوار هي :
أولاً: دور الجنين .
ثانياً: دور الانفصال الى التمييز.
ثالثا: دور التمييز إلى البلوغ.
رابعاً: دور ما بعد البلوغ.
‎ ‏ ونتكلم فيما يلي عن نوع الأهلية التي تثبت للإنسان في كل دور من هذه الأدوار .
85- الدور الأول: دور الجنين :
الجنين في بطن أمه قد ننظر إليه كجزء من أمه يقر بقرارها، وينتقل بانتقالها، فنحكم بعدم ثبوت الذمة له، وبالتالي تنتفي عنه أهلية الوجوب .
وقد ننظر إلى الجنين من جهة كونه نفساً مستقلةً، و منفرداً عن أمه بالحياة، ومتهيئاً للانفصال عنها و صيرورته إنساناً قائماً بذاته، فنحكم بوجوب الذمة له، وبالتالي تثبت له أهلية الوجوب.
وقد لوحظت هاتان الجهتان فلم تثبت له ذمة كاملة، كما لم تنف عنه الذمة مطلقاً، و إنما أثبتت له ذمة ناقصة صالحة لاكتساب بعض الحقوق فقط، وبذلك كانت للجنين أهلية وجوب ناقصة، بها صار صالحاً للوجوب له لا عليه، فتثبت له الحقوق التي لا يحتاج في ثبوتها إلى قبول كالميراث والوصية والاستحقاق في الوقف .
أما الحقوق التي تحتاج إلى قبول : كالهبة، فلا تثبت له، وإن كانت نفعاً محضاً له، لأنه ليس له عبارة وليس له ولي أو وصي يقوم مقامه في القبول(1)، ولا يجب عليه أي



__________________________________________________ ____
(1) الذي عليه جمهور الفقهاء، أن الجنين ليس له ولي و لا وصي، وإنما يجوز أن يُعين له أمين يحفظ أمواله. و المعمول به حالياً في مصر: أن للجنين وصياً، له من الحقوق ما للأوصياء على الصغار. فقد جاء في قانون =





- 94 -

ياسمين الجزائر
2016-06-01, 09:40 PM
حق لنقصان أهليته كما قلنا. ويجب أن يلاحظ هنا: أن أهلية الوجوب الناقصة للجنين إنما تثبت له بشرط أن يولد حياً.
أما أهلية الأداء، فلا وجود لها بالنسبة للجنين، إذ لا يتصور صدور أي تصرف منه لعجزه الكامل، كما أن هذه الأهلية مبناها التمييز بالعقل، ولا تمييز مطلقاً عند الجنين .
86- الدور الثاني : دور الانفصال إلى التمييز(1):
الجنين متى انفصل حياً ثبتت له ذمة كاملة فتثبت له أهلية وجوب كاملة، فتجب الحقوق له وعليه. وكان ينبغي أن تجب عليه الحقوق بجملتها كما تجب على البالغ لكمال الذمة وثبوت الأهلية بها، إلا أنه لما كان نفس وجوب الحق على الإنسان
ليس مقصوداً لذات الوجوب، بل المقصود من الوجوب حكمه : وهو الأداء، فكل
حق يمكن أداؤه عن الصبي يجب عليه، وما لا يمكن أداؤه عنه لا يجب عليه، على
التفصيل الآتي :
أولاً: حقوق العباد : ما كان منها حقوقاً مالية كضمان المتلفات، أو أجرة الأجير، أو
نفقة الزوجة والأقارب، ونحو ذلك، فإن هذه الحقوق تجب على الصبي، لأن المقصود منها هو المال، وأداؤه يحتمل النيابة، فيؤديه الولي نيابةً عن الصبي، و ما كان من حقوق العباد عقوبة كالقصاص، لا يجب على الصبي، لأنه لا يصلح لحكمه : وهو المؤاخذة بالعقوبة، لأن فعل الصبي لا يوصف بالتقصير فلا يصلح سبباً للعقوبة لقصور معنى الجناية في فعله، كما


_______________________________
= الولاية على المال رقم 119 لسنة 1952 ما يأتي:
المادة 28 – يجوز للأب أن يقيم وصياً مختاراً لولده القاصر أو للحمل المستكن
المادة 29 – إذا لم يكن للقاصر أو الحمل المستكن وصي مختار، تعين المحكمة وصياً...
(1) سن التمييز مقدرة عند العلماء ببلوغ الصغير سن السابعة و هذا لأجل ضَبْط الأحكام، و لم يكن الفقهاء المتقدمون يقدرون للتمييز سناً معينةً و إنما فعله المتأخرون منهم، و ربما كان أساسه ما جاء في الحديث بشأن أمر الصغار بالصلاة: مروهم لسبع و اضربوهم لعشر .. وقد جعل القانون المدني العراقي و كذا المصري سن التمييز: بلوغ السابعة.



- 95 -


#ff0000

أن هذا الحق لا يحتمل أداؤه النيابة، فلا تجوز معاقبة الولي نيابةً عن الوصي. وهذا بخلاف الدية، فإنها تجب لعصمة المحل، والصبا لا ينفي عصمة المحل، والمقصود من وجوبها: المال، وأداؤه قابل للنيابة .
ثانياً: حقوق الله تعالى : ما كان منها أصلاً للعبادات وهو الإيمان، وما كان منها
عبادات خالصة، سواء كانت بدنية محضة: كالصلاة، أو مالية محضة: كالزكاة، أو مركبة من بدنية ومالية : كالحج، لا يجب شيء من ذلك على الصبي، وإن وجد سبب هذه الحقوق ومحلها وهو الذمة الصالحة، لأن حكم الوجوب في هذه الحقوق هو أداؤها فعلاً من قبل من وجبت عليه على وجه الاختيار لا النيابة الجبرية، ليحصل به الابتلاء وما يترتب عليه من جزاء، وليس الصبي اهلاً لذلك(1) ، وما كان من حقوق الله تعالى عقوبة : كالحدود، لم يجب على الصبي، كما لم يجب عليه ما هو عقوبة من حقوق العباد : كالقصاص، لعدم حكمه وهو المؤاخذة بالعقوبة وعدم احتمالها النيابة(2).
أما أهلية الأداء، فمنعدمه تماماً في حق الصبي في هذا الدور لعدم تمييزه، والتمييز بالعقل أساس أهلية الأداء كما قلنا، ولهذا لا يطالب الصبي بأداء شيء بنفسه، وما وجب عليه من حقوق بسبب أهلية الوجوب قام وليه بالأداء عنه فيما تصح النيابة فيه .
ولعدم أهليته للأداء لا يترتب على أقواله وتصرفاته أي أثر شرعي، فعقوده وتصرفاته القولية باطلة لا يعتد بها، وهذا ما قرره القانون المدني العراقي،


___________________________

(1) ((التلويح على التوضيح)) ج 2 ص 163. و في وجوب الزكاة على الصبي خلاف بين الفقهاء، و من أوجبها اعتبرها حقاً واجباً للفقراء على الأغنياء في أموالهم، و هذا المعنى لا يختلف بالصغر و البلوغ، و من لم يوجبها اعتبرها عبادة كالصلاة و الصيام، و العبادة يشترط فيها البلوغ لأنها للاختبار، و الصبي لا يصلح للاختبار لقصور عقله. انظر ((بداية المجتهد)) ج 1 ص 220.
(2) ((كشف الأسرار)) ج 4 ص 1362.


- 96 -


#ff0000
والقانون المدني المصري(1) .
87- الدور الثالث : دور التمييز إلى البلوغ:
ويبدأ هذا الدور ببلوغ الصغير السنة السابعة وينتهي بالبلوغ. وفي هذا الدور
تثبت للإنسان أهلية وجوب كاملة، لأنها إذا ثبتت للصغير غير المميز فثبوتها للصغير – وهو أحسن حالاً منه - أولى . فتثبت الحقوق له وعليه على النحو الذي فصلناه بالنسبة للصغير غير المميز عند كلامنا عن الدور الثاني ((دور الانفصال إلى التمييز)).
أما أهلية الأداء، فتثبت للصغير في هذا الدور ناقصةً لنقصان عقله، ويترتب
على هذه الأهلية الناقصة صحة الأداء منه لا الوجوب بالنسبة للإيمان وسائر العبادات البدنية، لأن فيها نفعاً محضاً للصغير.
أما تصرفاته المالية، ففيها تفصيل عل النحو الآتي:
1- تصرفات نافعة نفعاً محضاً للصغير :كقبول الهبة والصدقة والوصية، وهذه التصرفات تصح من الصغير دون توقف على إجازة الولي أو الصبي، لأن تصحيح مثل هذه التصرفات إذا باشرها الصغير، ممكن بناءً على وجود الأهلية
القاصرة، وفي تصحيحها مصلحة ظاهرة له، ونحن أمرنا برعاية مصلحته كلما كانت هذه الرعاية ممكنة .
2- التصرفات الضارة بالصغير ضرراً محضاً، وهي تلك التي يترتب عليها خروج شيء من ملكه دون مقابل: كالهبة والوقف و نحوهما، وهذه التصرفات لا
تصح من الصغير، بل لا تنعقد أصلاً ولا يملك الولي أو الوصي تصحيحها بالإجازة، لأنهما لا يملكان مباشرتهما في حق الصغير فلا يملكان إجازتها، لأن
مبنى الولاية : النظر للصغير ورعاية مصلحته، وليس من النظر في شيء مباشرة التصرفات الضارة به ، أو إجازتها إذا باشرها الصغير.
‎ ‏3- التصرفات المترددة بين النفع والضرر بحسب أصل وضعها: كالبيع والاجارة


_____________________________
(1) المادة 96 من ق م ع رقم 40 لسنة 1951 – تصرفات الصغير غير المميز باطلة و إن أذن له وليه. المادة 110 من ق م م رقم 131 لسنة 1948 ليس للصغير غير المميز حق التصرف في ماله و تكون تصرفاته باطلة.



- 97 -


#ff0000







- 98 -

ياسمين الجزائر
2016-06-01, 09:44 PM
إليه، وتكليفه بجميع التكليفات الشرعية، وصحت منه جميع العقود والتصرفات
دون توقف عل إجازة أحد إذا لم يكن فيه سفه كما سنذكره فيما بعد .




- 99 -


#ff0000

المبحث الثاني
عوارض الأهلية


90- تمهيد:
علمنا مما تقدم : أن أهلية الوجوب تثبت للإنسان ناقصة في دور الجنين، ثم تصير كاملة بعد ولادته، وتبقى ملازمة له مادامت الحياة فيه .
أما أهلية الأداء، فهي لا تثبت للإنسان في دور الجنين ولا تثبت للصغير غير المميز، ثم تثبت ناقصة للصغير المميز، ثم تكمل له إذا ما كمل عقله بالبلوغ عاقلاً.
فأهلية الأداء أساسها العقل، فإن كان قاصراً كانت قاصرة، أي ناقصة، وإن كان كاملاً كانت كاملةً، والعقل القاصر هو عقل الصبي المميز ومن في حكمه، والعقل
الكامل هو عقل البالغ غير المجنون وغير المعتوه(1).

ولكن قد يعرض للإنسان، بعد كمال أهليته، من الأمور ما يزيلها أو ينقصها أو لا يؤثر فيها بالإزالة والنقصان، ولكن يغير بعض الأحكام بالنسبة لمن عرضت له، وهذه هي التي تسمى بعوارض الأهلية(2).
91- أنواع العوارض:
تنقسم العوارض إلى قسمين :
الأول: عوارض سماوية
والثاني: عوارض مكتسبة .


_________________________

(1) ((التوضيح)) ج 2 ص 164.
(2) و عرفت العوارض: بأنها حالة لا تكون لازمة للإنسان، و تكون منافية للأهلية.


- 100 -

hendlele
2016-06-07, 05:38 AM
سبحان الله والحمد لله والله اكبر ولا اله الا الله ولا حول ولا قوة الا بالله

ياس
2016-06-13, 10:36 PM
والعوارض السماوية : هي التي تثبت من قبل صاحب الشرع بدون اختيار
الإنسان ، ولهذا نسبت إلى السماء ، لأن مالا اختيار للانسان فيه ، ينسب إلى السماء على معنى أنه خارج عن قدرة الإنسان ، مثل : الجنون والعته والمرض والموت.

أما العوارض المكتسبة : فهي ما كان للإنسان فيها كسب واختيار وهي
نوعان : الأول : ما يكون من نفس الإنسان كالجهل والسكر والهزل . والثاني مايكون من غيره عليه وهو الإكراه .


وسنتكلم فيما يأتي عن بعض العوارض السماوية والمكتسبة .







-101-


#ff0000

المطلب الأول
العوارض السماوية
أولاً: الجنون



92- عرف بعض الاصوليين الجنون : بأنه اختلال العقل ، بحيث يمنع جريان الأفعال والأقوال عل نهج العقل إلا نادراً(1).
وهو نوعان : أصلي وطارىء . والأصلي : أن يبلغ الإنسان مجنوناً .
والطارىء : أن يبلغ عاقلاً ، ثم يطرأ عليه الجنون . وكل منهما إما ممتد ، أو غيرممتد . والجنون بنوعيه لا يؤثر في أهلية الوجوب لأنها تثبت بالذمة ، والجنون لا ينافي الذمة لأتها ثابته على اساس الحياة في الانسان ٠
إلا أنه يؤثر في أهلية الأداء فيعدمها، لانها تثبت بالعقل والتميز ، والمجنون فاسد العقل عديم التمييز، ولهذا كان حكمه حكم الصغير غير المميز في تصرفاته وأفعاله ٠
أما في العبادات : فإن كان الجنون ممتداً (2) ، فإنه يسقط العبادات ، اي يمنع وجوها أصلاً لفوات القدرة على الأداء في الحال لقيام الجنون ، وللحرج في الأداء بعدالإفاقة بطريق القضاء ٠
وإذا انتفى الأداء تحقيقاً وتقديراً لثبوت الحرج في القضاء،

__________________
1- ((التوضيح))ج2 ص167
2- الامتداد في الجنون لا حد له وإنما يختلف بختلاف العبادات ، فبالنسبة لصيام رمضان مثلاً: يكون
الجنون ممتداً إذا استغرق الشهر كله . وإلا فهو غير ممتد ٠



-102-

#ff0000

انعدم الوجوب ، إذ لا فائدة من الوجوب بدون الأداء ٠ أما إذا كان الجنون غير ممتد فإن الأداء وإن كان غير ممكن في حال الجنون إلا أنه ممكن بعد الإفاقة على سبيل القضاء بدون حرج ، فكان الأداء ثابتاً تقديراً فيبقى الوجوب (1).
93- الحجر على المجنون ومتى يتم :
الجنون من اسباب الحجر ،والحجر شرعاً: المنع من التصرفات القولية لا الفعلية ، بمعنى عدم انعقادها أو عدم نفاذها ، وفي الجنون المنع من انعقادها حنى ولو كانت نافعة للمجنون نفعاً محضاً ، كما هو الحال بالنسبة للصغير غير المميز ، لأن صحة الأقوال والاعتداد بها يكون بالعقل والتمييز ، وبدون ذلك لا يمكن اعتبارها حنى ولو أجازها الولي لوقوعها باطلة ، والإجازة اللاحقة لا تلحق الباطل فلا تجعله صحيحاً (2)
والمجنون محجور لذاته ،بمعنى : أن الجنون متى طرأ على الإنسان كان سبباً للحجر عليه دون توقف على حكم من القضاء ، وعلى هذا لا يعتد بأقوال المجنون من حين جنونه .
إلا أن الجنون اإذا كان متقطعاً بأن كان المجنون يفيق في بعض الاوقات ،فان حكم تصرفاته في حالة إفاقته حكم تصرفات العاقل .
والقانون المدني العراقي لم يخرج عن هذه الأحكام المقررة في الفقه الإسلامي ،فقد نص على أن المجنون في حكم الصغير غير المميز، وأنه محجور لذاته وأن تصرفاته في حال إفاقته ،إذا كان جنونه لمحير مطبق ، كتصرفات العاقل (3).
أما القانون المدني المصري ، فقد خرج في بعض ما نص عليه على أحكام الفقه الإسلامي ، فهو وإن نص على أن المجنون عديم الأهلية كالصغير غير المميز إلا انه

_______________________________


١-وهذا إذا كان الجنون غير الممتد طارئاً أما إذا كان أصليا فكذلك عند البعض كأبي يوسف ، وليس بمسقط للعبادات عند البعض الآخر كالإمام محمد ،((التلويح على التوضيح )) ج ٢ ص167.
2- ((شرح مرقاة الأصول))ج2 ص439.
‎ ‏ 3-المادة 94 الصغير والمجنون والمعتوه محجورون لذاتهم . المادة 108 المجنون المطبق في حكم الصغير غير المميز . أما المجنون غير المطبق فتصرفاته في حالة إفاقته كتصرفات العاقل .
‎ ‏
‎ ‏


-103-
#ff0000

لم يجعله محجوراً عليه إلا بقرار من المحكمة ، ولم يرفع عنه الحجر إلا بقرار عن المحكمة أيضاً ، وأن تصرفاته قبل تسجيل قرار الحجر صحيحة لا باطلة الا اذا كانت حالة الجنون شائعة وقت التعاقد مع المجنو ن ، أو كان الطرف الآخر على بينة منها ،كما أن تصرفاته بعد تسجيل قرار الحجر تكون باطلةً بطلاناً مطلقاً سواء وقعت في حالة إفاقته - إن كان يفيق في بعض الأحيان أو وقعت في حالة جنونه ، بل وحتى لو وقعت بعد رشده ما دام قرار الحجر لم يرفع عنه(1).
ثانياً : العته
94- العته : اختلال في العقل ، يجعل صاحبه قليل الفهم مختلط الكلام فاسد التدبير(2) ،وقد يترتب عليه فقد الإدراك والتمييز وهو نوعان ، الأول : عته لا يبقى معه إدراك ولا تمييز ، وصاحبه يكون كالمجنون ، فتنعدم فيه أهلية الأداء دون الوجوب ، ويكون في الأحكام كالمجنون . الثاني : عته يبقى معه إدراك وتمييز ولكن ليس كإدراك العقلاء ، وبهذا النوع من العته يكون الإنسان البالغ كالصبي المميز في الأحكام ، فتثبت له أهلية أداء ناقصة . أما أهلية الوجوب فتبقى له كاملة ، وعلى هذا لا تجب عليه العبادات ولكن يصح منه أداؤها ، ولا تثبت في حقه العقوبات ، وتجب عليه حقوق العباد التي يكون المقصود منها المال ، ويصح أداؤها عن قبل الولي كضمنان المتلفات ، وتكون تصرفاته صحيحةً نافذةً إذا كانت نافعةً له نقعاً محضاً ،وباطلةً إذا كانت مضرةً له ضرراً خضاً ، وموقوفةً على إجازة الوفي إذا كانت دائرةً بين النفع والضرر ٠
هذا والمعتوه محجور عليه لذاته ، فهومن هذه الجهة كالمجنون .


________________________________________
1- المادة 45من القانون المدني المصري - لا يكون أهلاً لمباشرة حقوقه المدنية من كان فاقد التمييز لصغر في السن أو عته أو جنون . المادة 113 منه - المجنون والمعتوه وذو الغفلة والسفيه تحجر عليهم المحكمة وترفع الحجر عنهم
المادة 114- أولاً- يقع باطلاً تصرف المجنون والمعتوه إذا صدر التصرف بعد تسجيل قرار الحجر.
ثانياً - أما إذا صدر التصرف قبل تسجل قرار الحجر فلا يكون باطلاً إلا إذا كانت حالة الجنون أو العته شائعة وقت التعاقد ،أو كان الطرف الآخر على بينة منها.
2-((شرح الكنز))للزيلعي ج5 ص101.

-104-

ياس
2016-06-19, 02:57 AM
95-المعتوه في القانون المدني:

لم يشترط القانون العراقي للحجر على المعتوه حكماً من المحكمة ، فقد جعله محجوراً عليه لذاته ، وهذا هوالمقرر في الفقه الإسلامي ، كما انه جعله كالصغيرالمميز في الأحكام دون تفريق بين معتوه ومعتوه(1) وهذا خلاف المستفاد من أقوال الفقهاء إذ يجعلون العته نوعين كما ذكرنا.

أما القانون المدني العربي ( المصري ) ، فقد جعله كالمجنون دون فرق بين معتوه ومعتوه وطبق عليه أحكام المجنون من جهة الحجر عليه ، ولزوم صدورحكم الحجر عليه من المحكمة المختصة ، وأن تصرفاته قبل تسجيل قرار الحجر باطلة إذا كانت حالة العته شائعة وقت التعاقد ، أو كان الطرف الآخر على علم بها ، وأن تصرفاته تبقى باطلة قبل رفع قرار الحجر(2).

وجملة ما قرره القانون المدني المصري مخالف لما هو مقرر في الفقه الاسلامى، لا سيما في اعتبار المعتوه مجنوناً ، مع أن المعتوه ليس مجنوناً في جميع أحواله .
ثالثاً: النسيان


96- النسيان : عارض يعرض للإنسان فلا يجعله يتذكر ما كلف به ، وهولا
ينافي أهلية الوجوب ولا أهلية الأداء ، لبقاء القدرة بكمال العقل(3) وهو لا يكون عذراً في حقوق العباد ، لأنها محترمة لحاجتهم لا للابتلاء ، وبالنسيان لا يفوت هذا الاحترام ، وعليه لو أتلف إنسان مال غيره ناسياً لوجب عليه الضمان (4) أما في حقوق الله تعالى ، فالنسيان يعد عذراً بالنسبة لاستحقاق الإثم ، فالناسي لا اثم عليه ، قال عليه الصلاة والسلام : ((إنّ الله وَضَع عَن أُمتيِ الخَطأَ والنسيان وما اسْتُكْرِهوا عليه ))، أما في أحكام الدنيا فقد يكون النسيان عذراً مقبولاً فلا تفسد عبادته : كما في أكل الصائم ناساً .

______________________
‎ ‏ 1- المادة 49، 107 من القانون المدني العراقي : المعتوه هو في حكم الصغير المميز.
2- المواد 45 ، 113 ، 114 ، من القانون المدني المصري وقد ذكرنا منطوقها سابقاً.
3- ((شرح مرقاة الوصول)) ج2 ص440
4- ((أصول)) البزدوي وشرحه ج2 ص 1396.



-105-
#ff0000

رابعاً : النوم والاغماء

97-النوم والإغماء ينافيان أهلية الأداء لا الوجوب (1) ، فما دام الإنسان نائماً أو مغمى عليه فليست له أهلية أداء ، لأنها تقوم على التميز بالعقل ، ولا تمييز للأنسان في حالة نومه او إغمائه ا وعلى هذا لا يعتد بشئ من أقواله مطلقاً، ولا يؤاخذ بأفعاله مؤاخذة بدنية ، حتى لو انقلب على انسان فقتله لم يعاقب بدنياً لانتفاء القصد منه لعدم تميزه واختياره ، ولكن يؤاخذه مؤاخذة مالية ، فتجب عليه الدية كما يجب عليه ضمان ما يتلفه من مال يفعله . وإنما وجب عليه الضمان في إتلاف النفس والمال : لأن الفعل قد وجد حسا ، والنفس والمال معصومان شرعاً ، والعذر لا ينفي عصمتهما.
أما بالنسبة للعبادات : فإن الأداء في الحال مرفوع عن النائم والمغمى عليه ، لأن كلاً من النوم والإغماء يوجب تأخير الخطاب بالأداء إلى وقت الانتباه والإفاقة لامتناع الفهم واستحالة الأداء في هاتين الحالتين ٠
إلا أن وجوب العبادة لا يسقط ، لاحتمال الاداء حقيقة بالانتباه والإفاقة ، أو احتمال حصول خلف الأداء وهو القضاء بعد الانتباه والإفاقة ، وهذا لأن نفس العجز عن الأداء في الحال لا يسقط أصل الوجوب ما دام القضاء ممكناً بلا حرج ،وحيث أن النوم عادةً لا يطول فلا حرج في قضاء ما فات من العبادة فلا يسقط الوجوب، وكذا الاغماء إذا لم يكن ممتداً ، أما إذا امتد فإن الوجوب يسقط ٠
لانعدام الآداء حقيقة بالإغماء، وتقديراً للحرج بالقضاء بعد الاغماء، وإذا انعدم الأداء سقط الوجوب ، إذ لا فائدة من بقائه (2).
خامساً : المرض

98- المراد بالمرض هنا غير الجنون والإغماء وهو لا ينافي الأهليتين:
أهلية الوجوب وأهلية الأداء ، فللمريض أهليه كاملة بنوعيها ، ولهذا تثبت الحقوق له وعليه ، إلا أن المرض يؤثر في بعض الأحكام بالنسبة للمريض مع ثبوت


______________________________________
1- ((كشف الأسرار )) ج4 ص 1382
2- ((كشف الأسرار)) ج4 ص 1398 و 1400.



-106-
#ff0000

الأهلية الكاملة له ، من ذلك : عدم نفاذ بعض تصرفاته . وتفصيل ذلك.. ان خلاقة الوارث عن موروثه في مالهم تثبت بالموت جبراً بحكم الشارع ، كما يثبت بالموت أيضاً : تعلق حق الدائن بمال المدين الميت، ولما كان المرض سبباً للموت فإن تعلق حق الوارث والدائن بامال ، يثبت من حين حلول المرض ، لأن الحكم يضاف الى أول السبب(1).
ولصيانة حقه الوارث والدائن يثبت الحجر على المريض بالقدر الذى يتحقق به
صيانة هذا الحق ، وهرمقدار الثلثين بالنسية للوارث ، وجميع المال في حق
الدائن إن كان الدين مستغرقاً للتركة ، أو بمقدار الدين إن لم يكن مستغرقاً (2).
ويثبت هذا الحجر مستنداً إلى أوله المرض الذى اتصل به الموت ، لأن علة
الحجر : مرض مميت ، وإذا اتصل به الموت صار المرض من أوله موصوفاً بالأمانة ولكن لما كان المرض لا يعرف أنه مرض مميت إلا إذا اتصل به الموت ، لم يكن إثبات الحجر بالشك ، ولهذا لا يظهر أثر الحجر قبل الموت ، فتصح تصرفات المريض مرض الموت (3) ، دون أن يكون للوارث أو الدائن حق الاعتراض عليها في حال حياته، وإنما يثبث لهم هذا الحق بعد وفاته إذا كان التصرف مضراً بحقوقهما كما في الهبة وبيع المحاباة (4).
99- نكاح المريض : نكاح المريض مرض الموت صحيح عند الجمهور،
لصدوره من ذي أهلية ، ويقع به التوارث يين الزوجين ويجب فيه المهر المسمى على رأي بعضهم : كأحمد والظاهرية ، ومهر المثل على رأي البعض الآخر : كالشافعي وغيره ، رعاية لحق الورثة والدائنين ، وهذا إذا لم يخرج المهر المسمى من الثلث ولم يجزه الورثة أو الدائنون .


________________________________________
1- ((شرح المنار))ص691-692.
2-((شرح المنار)) ص692، ((وشرح مرقاة الوصول)) ج2 ص446 ولا حجر على المريض فيما هو من ضرورياته وحاجاته كالنفقة على نفسه وأجرة مداواته.
3- مرض الموت هو المرض الذي يكون به الإنسان عاجزاً عن القيام بمصالحه خارج البيت، ويكون الغالب فيه موت المريض.
4-((شرح مرقاة الوصول))ج2 ص446-447 و ((التلويح على التوضيح))ج2 ص117.


-107-
#ff0000

وعند الأوزاعى : النكاح صحيح ، ولا توارث بين الزوجين ٠
وعند الإمام مالك :النكاح فاسد ولا توارث به ٠ بل إن بعض أصحاب مالك قالوا بفساد نكاح الذِّميَّ وهي لا ترث عل- ، مخافة أن تسلم فتكون وارثة فيتضرر الورثة ٠
وليس للمرأة شئ إذا فرق بينهما قبل الدخول على قول الإمام مالك ، ولها مهر المثل في ثلث ماله إن كان قد دخل بها ، وحجة الإمام مالك : اتهام المريض بقصد الإضرار بورثته ، عن طريق النكاح يإدخال وارثه معهم(1).
والراجح لنا صحة نكاح المريض ، ووقوع التوارث به ، ووجوب المهر المسمى إن كان أقل من مهر المثل ، فإن كان أكثر توقف الزائد على إجازة الورثة أو الدائنين أن كان يمس بحقوقهم.
أما القول بفساد النكاح مطلقاً فقول ضعيف ، لأن النكاح من الحوائج الأصلية للإنسان ، ولاحجر على المريض فيما هومن حوائجه الأصلية : كالنكاح بمهر المثل ٠ أما إذا ثبت أن قصد المريض بنكاحه الإضرار بالورثة ، فيمكن القول في هذه الحالة بعدم التوارث به رداً لقصد٥ السيء
100- طلاق المريض : إذا طلق المريض مرض الموت زوجته المدخول بها طلاقاً بائنا بغير رضاها ، فإن الطلاق يقع عند الفقهاء ،إلا أنهم اختلفوا في ميراثها . فذهب الجمهور:إلى أنها ترثه رداً لقصد الزوج السيء ، الذي أراد بهذا الطلاق حرمانها من الميراث.
وقال الشافعي وأهل الظاهر : لا ترث ، لأن الطلاق البائن يقطع الميراث ، ولا عبرة بالقصد الباطن ، لأن الأحكام تبنى على الظاهر والله يتولى السرائر .
ومع أن الجمهور قالوا بميراث المطلقة بائناً ، إلا انهم :

____________________

1-((الأم))للشافعي ج3ص31-32((المغني)) لابن قدامة ج2ص326((المدونة الكبرى))للإمام مالك ج2 ص133،((المحلي))ج1 ص25-26.



-108-

ياس
2016-06-24, 06:30 PM
اختلفوا في مدى بقاء حق الزوجة في الإرث. فعند الحنفية: ترث ما دامت في عدتها ، وعند الحنابلة : ترث ولو انقضت عدتها ما تتزوج ٠ وقال الإمام
مالك : ترث سواء انقضت عدتها أو لم تنقض ، تزوجت أو لم تتزوج ٠ وعند الجعفرية : ترثه في خلال سنة من طلاقها مالم تتزوج.

أما إذا كان الطلاق البائن قبل الدخول فإن الزوجة ترث أيضاً على قول الإمام
مالك ، ولا ترث على قول الحنفية والحنابلة ، واختار الخلال من الحنايلة ميراثها وهذا هو الظاهر من مذهب الجعفرية على ما ذكره الإمام الطوسي في خلافه(1).

101- طلاق المريض في القانون العراقي:
قرر قانون الأحوال الشخصية العراقى رقم 188 لسنة 1959: أن المطلقة في
مرض الموت ترث من زوجها . إلا أنه جاء بحكم غريب وهو ان طلاق المريض
مرض الموت لا يقع(2) ، وهذا خلاف المعروف في الفقه الإسلامي من أن الطلاق يقع ما دام صادراًأ من أهله ، والمرأة صالحة لإيقاع الطلاق عليها ، وأهلية الطلاق لا تختلف بالصحة والمرض ، ولا أعلم أحداً من الفقهاء قال بعدم وقوع طلاق المريض ، وإنما اختلف الفقهاء في ميراث المطلقة بائناً إذا طلقها زوجها وهو في مرض الموت ، وقد حكينا خلافهم ، ولخصنا اقوالهم في هذة المسألة .
أما القانون المصري ، فقد نص على أن الزوجة المطلقة بائناً في مرض الموت.
تعتبر في حكم الزوجة إذا كان الطلاق بغير رضاها ، وترث زوجها إذا مات وهي في العدة(3) ، فهو قد أخذ بمذهب الحنفية .


_________________
1-(( الخلاف)) للطوسي ج2ص456 و((الأم))للشافعي ج5ص329-332 الهداية وفتح القدير ج3 ص150-153 ((المغني)) ج3 ص 329-332 ((القواعد)) لابن رجب ص230((المدونة الكبرى)) ص132.

2-المادة 35: لا يقع طلاق الاشخاص اللآتي بيانهم .. المريض في مرض الموت ...إذا مات في ذلك المرض وترثه زوجته.
3-المادة 11 من قانون المواريث المصري رقم77 لسنة 943-تعتبر المطلقة بائناً في مرض الموت في حكم الزوجة إذا لم ترض بالطلاق ومات المطلق في ذلك المرض وهي في عدتها.


-109-
#ff0000



سادساً :الموت

102 - الموت : آخر العوارض السماوية ، وبه يكون الإنسان عاجزاً عجزاً
تاماً يترتب عليه انعدام أهلية الأداء ، فتسقط عنه جميع التكليفات الشرعية ، لآن الغرض منها الأداء عن اختيار. والأداء بالقدرة ولا قدرة مع الموت لأنه عجز خالص ٠
ولهذا قال البعض كالحنفية :بسقوط الزكاة عن الميت في حكم الدنيا، فلا
يجب أداؤها من التركة إذا كان الميت لم يؤدهها في حياته ، لأن فعل المكلف هو المقصود في حقوق الله تعالى وقد فات بالموت ٠
وعند البعض الآخر كالشافعي : لا تسقط الزكاة بالموت ، لأن المال هو
المقصود من الزكاة لا فعل المكلف ، وإخراج المال الواجب بالزكاة من التركة ممكن فلا يسقط الأداء.
أما أهلية الوجوب ، فقد قلنا : أنها تكون بالذمة ، ولا خلاف بين الفقهاء في
أن الذمة تفي بعد الموت ، ولكن في فنائها بعد الموت مباشرة اقوالاً للفقهاء (1).
نوجزها كما يلي :

103 - القول الأول:إنها تفنى بعد الموت مباشرة ، لأن أساسها حياة
الإنسان ، وبالموت زالت حياته ، فتزول ذمته ، فلا تبقى له أهلية وجوب لا كاملة ولا ناقصة ٠

أما ديونه : فمصيرها السقوط إذا لم يترك الميت مالاً ، والبقاء إن ترك مالاً
لتعلقها به ، ومن ثم يهب الوفاء ، وعلى هذا القول بعض الحنابلة .

104- القول الثاني : ذمة الميت لا تفنى ، ولكنها تضعف أوتخرب، ولضعفها تبقى معها أهلية الوجوب في الجملة ، ولكن لا تقوى هذه الذمة التي أضعفها الموت على تحمل الديون المرسلة إن لم يكن هناك ما يقويها من مال تركه الميت ، اوكفيل كان


__________________
1- الحق والذمة لأستاذنا الشيخ علي الخفيف ص84-95.((أصول))البزدوي وكشف الاسرار ج4 ص1433-1437،((المغني))ج4 ص385 و ج6 ص442 ،و ((القواعد))لابن رجب ص193.


-110-
#ff0000

قد كفل الدين في حياة المدين،وبدون هذا وذاك يسقط الدين ولا يبقى.
وترتب على هذا القول:عدم جواز كفالة الدين عمن مات مفلساً.ويدل على سقوط الدين في هذه الحالة سقوط المطالبة،
ولهذا عرف الدين:بأنه وصف شرعي يظهر أثره في توجه المطالبة،وقد سقطت المطالبة بالموت فلا يبقى الدين.
أما الكفالة فهي الأخرى لا تصح عن الميت المفلس، لأن الكفالة شرعت لالتزام المطالبة بما على الأصيل لا التزام أصل الدين،بدليل بقاء الدين على الأصيل
بعد كفالته كما كان قبلها ، وحيث أن المطالبة سقطت عن الأصيل بالموت ،فلا يصح التزام المطالبة بعد سقوطها، وبالتالي لايمكن تحقق معنى الكفالة التي هي عبارة عن ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة ،فلا تجوز الكفالة.
فإذا ما وفيت ديون الميت وصفيت تركته فنيت ذمته وتلاشت ،لأن وجودها كان لضرورة إيفاء الحقوق وتصفية التركة ، والضرورة تقدر بقدرها،
فإذا زالت الضرورة وجب اعتبار الذمة معدومة تماماً، وهو واقعها حقيقة.
105- القول الثالث: إن ذمة الميت تبقى ولا تفنى ،فتبقى مشغولة بالديون ، ويطالب القيم على التركة بأدائها منها.
وترتب على هذا الرأي : جواز كفالة الدين عمن مات مفلساً، وعدم سقوط الدين عنه حتى ولو لم يتقدم أحد لكفالته.
ويحتجون لرأيهم في عدم سقوط الدين عن الميت المفلس وجواز كفالته: أن التبرع عن الميت بأداء دينه صحيح ،ويثبت للدائن حق الاستيفاء من المتبرع ،وهذا الحق أعلى من حق المطالبة مما يدل على بقاء الدين.
وأيضاً : فإن كفالة الحي المفلس صحيحة مع تعذر الاستيفاء ، فتصح كفالة الميت المفلس أيضاً، ويؤيد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز
كفالة الدين بعد الموت.
فإذا ما سويت ديون الميت ، وصفيت تركته ، تلاشت عند ذاك ذمته ولم يعد يتمتع بأي شئ من أهلية الوجوب.


-111-
#ff0000

المطلب الثانى
العوارض المكتسبة
أولاً: الجهل

106- الجهل لا ينافي الأهلية ، وإنما قد يكون عذراً في بعض الأحوال ، وهو إما أن يكون في دار الإسلام أو في غير دار الإسلام ، أي دار الحرب.
107- الجهل في دار الإسلام :
القاعدة : إن الجهل لا يعد عذراً في دار الإسلام ، لأن العلم فيها مفروض على من فيها ، فلا يعذر المسلم بجهله الأحكام العامة الواضحة التي لا رخصة لأحد في جهلها ، وهي الثابتة بالكتاب والسنة المتواترة أو المشهورة ، أو التي انعقد عليها الإجماع : كوجوب الصلاة والصيام ، وكتحريم الخمر والزنا وقتل النفس بغيرحق، وحرمة الاعتداء على مال الغير ونحو ذلك ٠ ولا يستثنى من ذلك الذمي ، فلا يعذر بالجهل بما يطبق عليه من أحكام الإسلام : كالقصاص وحد الزنا والسرقة ، لأنه مقيم في دار الإسلام ، والعلم في دار الإسلام مفترض في الجميع . ولهذا لو أسلم فشرب الخمر وجبت عليه العقوبة ، لأن تحريم الخمر شائع ومشتهر في دار الإسلام فلا يعذر أحد بجهله.
ومثل ما ذكر - في عدم اعتبار الجهل عذراً - جهل من خالف باجتهاه صريح الكتاب أو السنة المشهورة . فمن الأول : القول بحل الذبيحة التي تركت التسمية عليها عمداً ، قياساً على متروك التسمية سهواً فإنه مخالف لقوله تعالى : ((وَلَا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّه عَلَيْهِ))[الأنعام: 121] ، ومن الثاني : القول بالتحليل بدون



-112-
#ff0000

وطء لمخالفته للسنة المشهورة(1).
إلا أن الجهل يكون عذراً في موضع الاجتهاد الصحيح الذي لا يخالف الكتاب أو السنة المشهورة أو الإجماع ، كما في عفو احد وليي القتيل عن القصاص(2) ، وكالنكاح بلا شهود اكتفاء بالإعلان (3).
ويلاحظ هنا : ان ولي الأمر - السلطة العامة - إذا اختار أحد الآراء الاجتهادية وأمر باتباعه ، وأعلن ذلك بحيث شاع الإعلان ، ففي هذه الحالة يلحق هذا الرأي الاجتهادي المختار بلأحكام العامة الثابتة ، فلا يعذر أحد بلجهل به ، ولا يعتد
بجتهاد المخالف له ٠
وكذلك يعتبر الجهل بالوقائع عذراً مقيولاً ، كمن نكح امرأة جاهلاً أنها محرمة عليه بسبب الرضاعة ، أو كمن شرب عصيرالعنب جاهلاً تخمره، فإن الجريمة تنتفي في الحالتين ولا عقاب على الفاعل .
ومن ذلك أيضاً : جهل الشفيع بالبيع أي بيع جاره داره أو شريكه حصته ، فإنه عذر للشفيع ، ولهذا يثبت له حق الشفعة إذا علم بالبيع.
ومنه أيضاً : جهل الوكيل بالعزل من الموكل ، ولهذا ينفذ تصرفه في حق الموكل



_______________________________________
1- المطلقة ثلاثا لا تحل لمطلقها إلا إذا نكحت،زوجا آخر ودخل ، ، ثم فارقها بطلاق أو غيره ، ثم انقضت عدتها ، فتحل عند ذلك لزوجها الأول بأن يعقد عليها عقدا جديدا ٠ فشرط التحليل هو وطء الزوج الثاني
أي دخوله بها، وهذا ما قضت به السنة المشهور ، وعليه إجماع الفقهاء ، إلا ما نقل عن سعيد بن المسيب من خلاف في هذه المسألة . فالقول بأن مجرد العقد من الزوج الثاني بدون دخول يحلها للأول قول غير صحيح ،
وبالتالي لا يعد الجهل بالحكم الصحيح الذي ذكرناه عذرا لمخالفه.
2- إذا عفا أحد وليي المقتول عن القصاص من القاتل، ثم إقتص الولي اللآخر من القاتل على ظن أن القصاص لكل واحد منهما على الكمال ، فلا قصاص عليه ، لأنه موضع اجتهاد . «شرح مرقاة الوصول)) ج2 ص 452.
3- الشهود شرط لصحة النكاح للحديث : « لا نكاح بلا شهود» ٠فمن نكح امرأة بلا شهود مكتفيا بإعلان الزواج للأثر : «أعلنوا النكاح ولو بالدف)) فإن جهله يكون سائغا ونكاحه يكون صحيحا .ويلاحظ هنا: ان الامام الطوسي من فقهاء الجعفرية قال: (( لا يفتقر النكاح في صحته إلى شهود، عند الشيعة)) . انظر(( الخلاف)) للطوسي ج2 ص 363.


-113-

يتبع بإذن الله....

cougarr
2016-07-20, 08:43 PM
شكر وتقدير و عرفان الك
الله يعطيك الف خير

ياس
2016-07-27, 06:34 PM
شكر وتقدير و عرفان الك
الله يعطيك الف خير

شكرا اخي الكريم ومرحبا بك.

__________________________________________________ __

قبل علمه بالعزل(1)

108- القاعدة في القوانين الوضعية :

القاعدة في القوانين الوضعية : أنها متى ما نشرت بالطرق المقررة لها ، كأن تنشر بالجريدة الرسمية ، فإن العلم بها يصبح مفروضاً بالنسبة للجميع ، فلا يعذر أحد بجهلها ، ومن ثم فان القاعدةالمقررة هي: ((إن الدفع بالجهل بالقانون غير مقبول)) ، وهذه القاعدة ثابته في القوانين الوضعية مدنية كانت أوجزائهة ٠ ولا يرد على هذه القاعدة الا استثناءات قليلة جداً ، من ذلك ما نص عليه قانون العقوبات المصري : بعدم معاقبة الموظف العمومي إذا ارتكب فعلاً مخالفاً للقانون. إذا كان الفعل داخلاً في نطاق وظيفته ، وكان الموظف يعتقد مشروعيته (2).

وكذلك يكاد ينعقد إجماع علماء القانون الجنائي : على أن الجهل بالقانون يكون عذراً إذا استحال مادياً العلم بالقانون ، كما لو صدر القانون في أثناء حصار حربي على مدينة من مدن الدولة . أما الجهل بالوقائع ، فيصبح الدفع به أي دفع المسؤولية الجنائية عن الفاعل - كقاعدة عامة - كمن يستعمل أوراقاً مزيفة مع اعتقاده بأنها قانونية(3).

109- الجهل في دار الحرب:

القاعدة : أن العلم فيها لا يفترض ، إذا هي ليست دار علم بالأحكام الشرعية ، بل دار جهل بها . وعلى هذا إذا أسلم شخص هناك ولم يعلم حقيقة وجوب العبادات عليه : كالصلاة ونحوها ، فلم يؤدها. فإنها لا تلزمه قضاء إذا علمها . وكذلك إذا شرب الخمر جهلاً منه بحرمتها ، فلا إثم عليه ولا عقاب ، لأن المؤاخذة ولزوم التكليف يثبتان ببلوع الخطاب إليه حقيقة ، أو تقديراً بشهرته في محله ، وليست دار الحرب بالدار التي تشيع فيها الأحكام وتشتهر (4).


______________________________________________
1-((شرح مرقات الوصول))ج2 ص453.
2-المادة 63 من قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1973.
3-شرح قانون العقوبات العراقي- القسم العام- للدكتور مصطفى كامل، ص 195-196.
4-((التلويح))ج2 ص 184- 185.




-114-
#ff0000

الحياة أمل
2016-07-30, 02:49 PM
بآرك الله فيكم أستآذ على هذآ الطرح القيّم
والتوآصل الطيب في نقل الموضوع

والشكر موصول للطيبة يآسمين للمشآركة في إتمآم النقل

لآحرمكم ربي عظيم الأجر والثوآب يآ كرآم ...~

ياس
2016-07-30, 10:44 PM
بآرك الله فيكم أستآذ على هذآ الطرح القيّم
والتوآصل الطيب في نقل الموضوع

والشكر موصول للطيبة يآسمين للمشآركة في إتمآم النقل

لآحرمكم ربي عظيم الأجر والثوآب يآ كرآم ...~


شكرا لاختي الحياة امل
بارك الله فيكم ..ونفع بكم

ياس
2016-08-02, 11:28 AM
ثانياً: الخطأ


110- الخطأ يطلق ، ويراد به ما قابل الصوب ، ويطلق ويراد به ما قابل العمد، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام.. ((إن الله وَضَعَ عن أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلية)) ، وهذا المعنى هو المراد في بحوث عوارضر الأهلية .ويمكن تعريفه:
بانه وقوع القول أو الفعل من الإنسان عله خلاف ما يريده م وهو لا ينافي الاهلية بنوعيها ، لان العقل قائم مع الخطأ ، ولكنه يصل أن يكون عذراً في سقوط حقوق الله تعالى : كخطأ المفتي ، أو خطأ الذي جهل القبلة عن اجتهاد . وكذلك يصلح شبهة تدرأ العقوبات المقررة حقاً لله تعالى: كالحدود ، مثل حد الزنا .

وفي حقوق العباد ، إن كان الحق عقوبة : كالقصاص ، لم يجب بالخطأ، لأن القصاص عقوبة كاملة فلا يجب على المخطئ لأنه معذور، وإنما تجب بالقتل الخطأ الدية لأنها بدل المحل المتلف ، وتكون على العاقلة فيثلاث سنين لأن الخطأ يوجب التخفيف فيما هو صلة، والدية عل العاقلة من باب الصلات لأنها لم تجب مقابل مال.

أما في حقوق العباد المالية: كإتلاف مال الغيرخطأ، فإن الضمان يجب ولا ينهض الخطأ عذراً لدفع الضمان ، لأنه بدل مال لا جزاء فعل فيعتمد عصمة المحل وكون المتلف خاطئاً معذوراً لا ينافي عصمة المحل .

وفي المعاملات : لا يعتبر الخطأ عذراً لمنع انعقاد التصرف ، وعدم ترتيب أثره وهذا عند البعض كالحنفية ، حتى لو طلق خطأ وقع الطلاق . وكذا ينعقد بيع المخطىء لوجود أصل الاختيار ، ويكون فاسداً لفوات الرضا(1) .

وعند الجمهور كالشافعية والجعفرية وغيرهم : لا يقع طلاق المخطئ ، ولا يعتد بسائر تصرفاته القولية(2). والحجة للجمهور أن اعتبار الكلام إنما هو بالقصد


_____________________________
1-((شرح مرقاة الوصول))ج2ص460.
2-((منهاج الصالحين))في فقه الجعفرية، للإمام محسن الحكيم ج2ص182 و ((الخلاف)) للطوسي ج2ص646. ((سبل السلام))ج3 ص237، ((تحفة المحتاج))لابن حجر ج3 ص 366-368، ((قواعد الأحكام)) للعز ابن عبد السلام.

-115-
#ff0000


الصحيح ، ولا قصد للمخطيء فيما يقوله فلا يعتبر ، ولهذا تهدر أقوال النائم والمغمي عليه لعدم القصد ، قكذا المخطئ ، يوضحه أن اللفظ أنما اعتبر لدلالته على قصد المتكلم وإرادته لمعناه وموجبه ، فإذا انتفى هذا القصد صار الكلام لغواً لا أثر له(1).
ويؤيد ذلك الحديث الشريف : ((رُفِعَ عن أُمتي الخَطَأُ والَّسْيَانُ وَمَا استُكْرِهُوا عَلَيه)) (2).

ويرد الحنفية على قول الجمهور : بأن عدم القصد في طلاق المخطىء من الأمور الخفية التي يتعذر الوقوف عليها ، فأقيم البلوغ مع العقل مقام القصد في الطلاق ، لأن السبب الظاهر إنما يقام مقام الشئ إذا كان خفياً يعسر الوقوف عليه ، فإذا كان ظاهراً فلا يقام شئ مقامه ، ولهذا لا يقام البلوغ مع العقل مقام القصد والرضا بالنسبة للنائم والمغمى عليه ، لأن عدم قصدها ورضاهما من الأمور الظاهرة المعلومة بلا حرج فلا يقام شئ مقامهما (3).
والذي نراه راجحاً : هوقول الجمهور، فينبغي عدم الاعتداد بجميع أقوال المخطئ ، لا طلاقه ولا أي تصرف قولي آخر ، بشرط أن يثبت خطأه.

ثالثاً : الهزل


111- الهزل أن يراد بالشيء ما لم يوضع له (4) . والكلام وضع عقلاً لإفادة معناه الحقيقي أو المجازي . والتصرف القولي الشرعي موضوع لإفادة حكمه ، فاذا أريد بالكلام غير موضوعه العقلي ، وأريد بالتصرف القولي غير موضوعه الشرعى وهو عدم إفادته الحكم أصلاً ، فهو الهزل فالهازل يتكلم ياختياره ، وهوعالم بمعناه من غير قصد لموجبه ، فهو يباشر العقود والتصرفات عن رضا واختيار ، ولكن لا يريد الحكم المترتب عليها ولا يختاره ولا يرضى بوقوعه (5).


___________________________
1-((اعلام الموقعين)) لابن القيم ج3 ص55، وج4 ص72 ، ((التوضيح)) ج2 ص195.
2-((سبل السلام))ج3 ص 237.
3-((التلويح))ج2 ص195.
4و5_((كشف الأسرار)) ج4 ص1477.

-116-
#ff0000


وهو لا ينافي أهلية الوجوب ولاأهلية الأداء ، ولكنه يؤثر في يعطى الاحكام بالنسبة للهازل .
وخلاصة القول في ذلك : ان التصرفات القولية التي تقترن بالهزل ثلاثة
أقسام : هي الإخبارات ، والاعتقادت ، والإنشاءات ، ولكل قسم حكم يخصه :-

112- الإخبارات :

وهي الإقرارات ، والهزل يبطلها مهما كان موضوع الإخبار، لأن صحة الإقرار تقوم عل صحة المخبر به ، والهزل دليل ظاهر على كذب ما أقر به ، فلا يعتد بإقراره ، فمن أقر هازلاً ببيع أو نكاح أو طلاق فلا عبرة بذلك ، ولا يترتب على إقراره شىء ، حتى ولو أجازه الهازل، لأن الإجازة تلحق شيئاً منعقداً يحتمل الصحة والبطلان ، فلا تلحق ما لم ينعقد أصلاً، كما أن الإجازة لا تجعل الكذب صدقاً .

113- الاعتقادات :

وهي الأقوال الدالة على عقيدة الإنسان ، والهزل لا يمنع أثرها ، ولهذا لوتكلم بكلمة الكفر هازلاً ، صار مرتداً عن الإسلام ، وإنما كان الحكم هكذا وإن كان الهازل لا يقصد الردة ولا يريدها ، لأن التكلم بكلمة الكفر هزلاً استخفاف بالإسلام ، والاستخفاف به كفر فصار الناطق بكلمة الكفر مرتداً بنفس الهزل وإن لم يقصد حكمه ، قال تعالى : 1((وَلَئِنْ سَالْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَايَاتِهِ وَرَسُولِه كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيماَنِكُمْ ))[التوبة :65]، ويترتب على الردة أحكام دنيوية كثيرة ، منها : الفرقة بين الزوجين ، وغيرذلك مما هو مبسوط في كتب الفقه .

114- الإنشاءات :

ومعناها : إيقاع الأسباب التي تترتب عليها الأحكام الشرعية المقررة لها :
كالبيع والاجارة وسائر العقود والتصرفات ، وهي نوعان :
النوع الأول : لايبطله الهزل : كالنكاح والطلاق والرجعة ، لقوله عليه
‎ ‏
-117-
#ff0000


الصلاة والسلام : ((ثلاث جدهن جد وهزلهن جد :النكاح ، والطلاق، والرجعة)) فهذا النوع يشمل التصرفات التي لاتحتمل الفسخ.
النوع الثاني: مايؤثر فيه الهزل بلإبطال أو الفساد : كالبيع ، والإجارة ،وسائر التصرفات التي تحتمل الفسخ (1) على التفصيل المذكور في كتب الفقه المختلفة.
وذهب بعض الفقهاء إلى صحة هذا النوع من التصرفات ولو مع الهزل ،قياساً على صحة النكاح والطلاق والرجعة مع الهزل . ومن فرق بين النوعين احتج بأن الحديث دل على أن بعض التصرفات جدها وهزلها سواء ، وأن منها ما لا يكون جده وهزله سواء إذ لو كان الجميع بمنزلة واحدة لجاء الحديث بالنص على أن جميع عقود الهازل وتصرفاته جدها وهزلها سواء . ومن جهة المعنى : إن في النكاح ونحوه حقاً لله تعالى، وما كان كذلك فلا يجوز لأحد أن يهزل فيه ،فإذا جاء بالسبب ثبت الحكم وإن لم يقصده كما لو نطق بكلمة الكفر ، لأن الأنسان لايجوز له أن يهزل مع ربه ، ولا يستهزئ بآياته وهذا بخلاف التصرفات المالية التي هي محض حق العباد ، فإنها تفسد بالهزل، ولا يثبت حكمها لعدم رضا الهازل بالحكم ،ولأن الإنسان قد يهزل مع غيره ، فلا يثبت الحكم بحقه بغير رضاه (2).

رابعاً: السفه


115- تمهيد :
السفه في اللغة: الخفة ، وفي اصطلاح الفقهاء: عبارة عن التصرف في المال على خلاف مقتضى الشرع والعقل ، مع قيام العقل (3).
وعد السفه من العوارض المكتسبة لأن السفيه يعمل باختياره ورضاه على خلاف مقتضى العقل (4). وهو لا ينافي الأهلية فالسفيه كامل الأهلية ، مخاطب

__________________________
1-((الأشباه والنظائر)) لابن نجيم ج1 ص35.
2-((اعلام الموقعين)) ج3 ص 109-111 ((المدونة الكبرى ))ج2 ص161.
3-((شرح المنار))ص988.
4-((شرح مرقاة الوصول))ج2 ص458.


-118-




يتبع باذن الله تعالى ....

ياس
2016-08-05, 01:08 AM
بجميع التكليفات، إلا أن السفيه يؤثر في بعض الأحكام ، ويظهر هذا الأثر في منع المال عن الصبي إذا بلغ سفيهاً وفي الحجر على البالغ العاقل بسبب السفه. فلا بد من الكلام - بإيجاز - عن هاتين المسألتين وما يتعلق بهما من أحكام ، ثم عن السفه في القانون المدني العراقي ثم المصري .

المسالة الأولى : في دفع المال لمن بلغ سفيهاً

110- اتفق الفقهاء ، ما عدا الظاهرية ، على أن الصبي إذا بلغ سفيهاً لا يدفع إليه ماله ، لقوله تعالى : (( وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا )) [النساء:5]، وإنما يدفع اليه المال بعد البلوغ إذا أنس منه الرشد ، أنه إذا عرف لقوله تعالى : (( وَابْتَلُوا الْيَتَامَى? حَتَّى? إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ))[النساء:6] ، فإيتاء المال يشترط له البلوغ والرشد بنص هذه الآية .
وقال الظاهرية : يدفع المال إلى من بلغ عاقلاً لأن الرشد عندهم : هو البلوغ مع العقل ، والسفه عندهم : عدم العقل ، فمن بلغ عاقلاً تحقق فيه الرشد ووجب دفع المال اليه(1).
أما الجمهور، فالرشد عندهم : هو الصلاح في العقل والقدرة عل حفظ المال(2) ، فليس كل عاقل رشيداً ، وإن كان كل رشيد عاقلاً.
وعند الجعفرية ، الرشيد : هو البالغ العاقل المصلح لماله والعدل في
دينه(3)، فلا يتحقق الرشد بالقدرة على حفظ المال ققط ، وإنما به وبالعدالة في الدين ،إلا أن هذا - على ما يبدو- ليس محل اتفاق عندهم ، ققد ذكر بعض متأخري

___________________________
1-((المحلى))لابن حزم ج8 ص286-287.
2-((التلويح))ج2 ص191.
3-((الخلاف)) للطوسي ج2 ص121.
-119-
#ff0000


مجتهديهم : ان الرشيد هو المصلح لماله، دون أن يشترط فيه العدالة في الدين(1).

116-المقصود بالرشد :

ولكن هل المراد بالرشد حقيقته لم مظنته ؟قولان للفقهاء :

القول الأول : المراد بالرشد : حقيقته ، فلا بد من وجوده ومعرفته فلا يصح أن يقام مقامه شئ آخرمن بلوغ سن معينة أوغيرذلك . وعلى هذا القول لا يدفع المال للصبي بعد البلوغ ، حتى يثبت رشده مهما بلغ من السن ، بل حتى لو صار شيخاً كيراً. وهذا قول الجمهور من الشافعية والمالكية والحنابلة والجعفرية وأبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة (1).

والحجة لهذا القول ، أولاً: إن دفع المال بعد البلوغ معلق يإيناس الرشد ، فما لم يوجد ويثبت لا يجوز دفع المال إلى البالغ ، لأن المعلق بالشرط معدوم قبل وجود الشرط . وثانيا :إن السفه في حكم منع المال بمنزلة الجنون والعته ، وهما يمنعان دفع المال إليه سواء بلغ الخامسة والعشرين أو تجاوزها ، كما يمنعانه قبله ، فكذلك السفه(3).

القول الثاني : قول أبي حنيفة ، وعنده المراد بالرشد حقيقته قبل بلوغ الخامسة والعشرين ، ومظنته بعد بلوغ هذه السن . فمن بلغ رشيداً وثبتت رشد. دفع إليه ماله وإن لم يبلغ الخامسة والعشرين وإن بلغ غير رشيد ، أو لم يعلم رشده انتظر إلى أن يبلغ الخامسة والعشرين وعند ذلك يحكم برشده ، ويدفع إليه ماله سواء علم منه الرشد أو لم يعلم ، لأن هذه السن مظنة الرشد ، إذ لا ينفك عنها إلا نادراً، والأحكام تبنى على الغالب لا على النادر(4).

________________________________
1-((منهاج الصالحين))للمجتهد السيد محسن الحكيم ج2 ص113.
2-((المغني))ج4 ص457. الطوسي ج2 ص121. محسن الحكيم ج2 ص113.
3-((كشف الاسرار))ج4 ص1490 ، وإنما ذكرنا هنا سن الخامسة والعشرين لأن أبا حنيفة يقول بدفع المال إذا بلغ هذه السن ولو لم يؤنس رشده .
4-((التلويح والتوضيح))ج2ص1911 ،((أحكام القرآن))للجصاص ج1 ص490.
-120-
#ff0000


واستدل أبوحنيفة رحمه الله بجملة أدلة منها:

أ- إن منع المال عمن بلغ غيررشيد ، إنما كان لأن السفه قد لا يفارق الإنسان في أول أحوال البلوغ ، أما إاذا تطاول الزمن بأن بلغ الخامسة والعشرين سنة ، فلا بد أن يستفيد رشداً بطريقة التجرية ، إذ التجارب تفتع العقول وتشحذ الأذهان وتبصر الإنسان ، وبهذا الرشد المستفاد يتحقق شرط دفع المال ، لأن الرشد ،وهوشرط دفع المال للبالغ - جاء في الآية نكرة ، فيصدق على أدنى رشد.

ب- إن منع المال عن البالغ العاقل غير الرشيد إما أن يكون للتأديب ، وإما أن يكون
عقوبة على فعل الحرام وهو تبذيره ، وإما أن يكون حكماً غيرمعقول المعنى ثبت بالنص.

فإن كان المنع للتأديب ، فالتأديب إنما يحسن إذا كان مرجواً نفعه ، أما إذا انقطع الرجاء بأن بلغ خمساً وعشرين سنة ولم يؤنس رشده فلا معنى لاستمرار منع ماله عنه ، إذ لا فائدة من ذلك فيكون عبثاً.
وإن كان المنع عقوبة ، فالعقوبة تسقط بالشبهة ، والشبهة هنا قائمة لوجود شئ من الرشد للإنسان إذا بلغ هذه السن كما قلنا . فيلزم دفع المال في هذه الحالة لأنه إذا سقط المانع عاد الممنوع .

وإذا كان المنع ثبت بالنص غيرمعقرل المعنى ، سقط أيضاً ، لأن الشرط لدفع المال هوحصول رشد ما ، وقد حصل ببلوغ الخامسة والعشرين كما ذكرناه في الفقرة الأولى (1).

117- القول الراجح:

مع تسليمنا بقوة أدلة أبي حنيفة ، إلا أن ظاهر الأية لا يساعده ، لأن دفع المال علق بإناس الرشد لا ببلوغ سن معينة ، وحتى لو ساغ إقامة السن مقام الرشد فيرد عليه : لم لم يجعل السن أكثر أو أقل من الخامسة والعشرين؟ وعليه فالذي نميل إلى

_______________________________
1- ((أصول البزدوي وكشف الاسرار))ج4 ص1490-1491.

-121-
#ff0000


ترجيحه هو قول الجمهور .

المسألة الثانية: الحجر على السفيه


118- اختلف الفقهاء فى السفه : هل يصبح أن يكون سببا للحجر أم لا، سواء أكان ،السفه أصلياً بأن بلغ الإنسان سفيهاً ، أو كان السفه طارئاً بأن بلغ عاقلاً رشيداً ثم طرأ عليه السفه. ويمكن رد اختلافهم إلى قولين :

القول الأول : وهوقول الجمهور من الشافعية والحنابلة والمالكية والجعفرية ، وهو قول أبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة ، وعند هؤلاء جميعا يحجر على السفيه(1).

القول الثاني : المنع من الحجر بسبب السفه . وهذا قول أبي حنيفة والظاهرية(2).

119- أدلة الجمهور:

استدل الجمهور على أن السفيه يحجر عليه بجملة أدلة(3) منها:

أ- قال تعالى : ((فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ))[البقرة:282] ، فهذه الآية أفادت ثبوت الولاية على السفيه وذلك لا يتصور الا بعد الحجر عليه .

ب- جاء في الأثر : أن الإمام علياً طلب من الخليفة عثمان بن عفان أن يحجر على عبدالله بن جعفر لتبذيره المال . ولو لم يكن الحجر على السفيه جائزاً لما طلبه الإمام على.


____________________________________
1-((المغني))لابن قدامة الحنبلي ج4 ص458،((أصول البزدوي وشرحه))ج4ص1492،الطوسيج2ص22.
2-((أحكام القرآن))للجصاص ج1ص489،((المحلى)) ج8 ص278 وما بعدها.((التلويح))ج2ص192،ويلاحظ هنا: إن أبا حنيفة وإن منع المال عمن بلغ سفيها إلى أن يصل سن الخامسة والعشرين إلا أنه لا يرى الحجر عليه، فتصرفاته نافذة في ماله.
3-((المغني))ج4ص458،((الجصاص))ج1ص47 وما بعدها، و((كشف الاسرار))ج4ص1491 وما بعدها، الطوسيج2ص122-123.

-122-
#ff0000



ج- الحجر عل الصغير يثبث لاحتمال تبذيره ، وهذا المعنى موجود فىتهلسغيه ، فكان
الحجر عليه لازماً كما هو بالنسية للصغير.

د- السفيه لا يحسن التصرف في ماله ، فهو في حاجة إلى من يرعاه ويحفظ عليه ماله ولا يَتَأتَّى هذا ألا بالحجر عليه ، كما هو الحكم في الصغير ولا يقال : إن السفه عاصٍ بتبذيره المال فلا يستحق الرعاية ، لأننا نقول: إن المعصية لا تخرج صاحبها عن استحقاق النظرله ورعاية مصلحته ، ألا يرى أن القاتل العمد لم تخرجه جنايته عن استحقاق النظر له، بدليل جواز العفو عنه فالسفيه أولى أن يرعى جانبه وتلاحظ مصلحته.

ه- الحجر على السفيه يدفع الضرر عن الجماعة ، إذ به يصان ماله ، فلا يكون عالة على غيره ، ولا يتحمل بيت المال نفقته ، وحيث أن الحجر على الإنسان لدفع الضرر عن الجماعة أمر واجب ، ولهذا يحجر صلى المفتي الماجن ، والطبيب الجاهل ، فكذا يحجر على السفيه لدفع الضرر عن الجماعة.
120- أدلة أبي حنيفة:
واستدل أبو حنيفة بجملة أدلة ، منها:
1- إن السفيه مخاطب ،إذا الخطاب بالأهلية ، وهي بالبلوغ مع العقل ، والسفه لا يوجب نقصاً في عقله ولا تمييزه ، ولهذا يبقى مخاطباً بحقوق الشرع ، وتصح تصرفاته القولية : كالطلاق والنكاح ، ويُحبس في ديون العباد ، ويعاقب على جرائمه ، ويؤاخذ بإقراره باسباب العقوبات ، فلوكان السفه يبقى معتبراً بعد البلوغ في إيجاب النظر للسفيه ولزوم الحجر عليه ، لكان الأولى أن يحجر عليه في إقراره باسباب العقوبات ، لأن الضررعل النفس أعظم عن ضرر المال.

2 - إن الإنسان ببلوغه عاقلاً تكمل أهليته وتتم شخصيته ، فالحجر عليه في هذه الحالة إهدار لكرامته وإنسانيته وهذا لا يجوز . وإذا قيل : إن الحجر لمصلحته فالجواب : إن ضرر إهدار آدميته وإلحاقه بالبهائم بالحجر عليه أشد من ضرر إضاعة المال عليه ، والقاعدة الشرعية تقضي بتحمل الضرر الأخف في سبيل


-123-




يتبع باذن الله ...

ياس
2016-08-05, 10:46 AM
دفع الضرر الأشد ، فكان عدم الحجر عليه من مصلحته .

3- جاء فى الحديث : أن رجلاً كان يغبن في البياعات ، فأتى به أهله إلى الرسول عليه
الصلاة والسلام طالبين منه الحجر ، فلم يحجر عليه الرسول عليه الصلاة والسلام ، وإنما أمره أن يشترط لنفسه الخيار في البيع ، فلو كان الحجر جائزاً لحجر عليه .

4 -أما احتجاجهم بآية : (فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا....)) الخ فلا حجة لهم فيها، لأن الولي هنا هو ولي الحق لا ولي السفيه.

5-أما الاحتجاج بطلب الإمام علي بن أبي طالب الحجرعلى عبدالله بن جعفر. فلا
حجة لهم فيه، لأن طلبه يحمل على سبيل التخويف لا الإلزام ، أويحمل على طلب منع المال عن عبدالله بن جعفر على اعتبار أن سنه كانت دون الخامسة والعشرين.

6- التبذير معصية ، والمعصية لا تكون سبياً للرعاية ، والحجر على السفيه من باب الرعاية له فلا يلزم، ولا يقال : إن المعصية لا توجب إخراج العاصي من الرعاية استدلالاً بجواز العفوعن القاتل العمد ، لأن القائلين بالحجر يوجبونه على السفيه ، والعفوعن القاتل جائز لا واجب .

7 - أما القول بأن الحجر على السفيه لدفع الضرر عن الجماعة فمردود ، لأن السفيه يتصرف في خالص ماله ، ولا حق لأحد في ماله حتى يمنع من تصرفه فيه لهذا الحق المزعوم.

121- القول الراجح :
الذي نميل إليه: القول بالحجر عل السفيه ، لأن ظواهر النصوص تؤيد ذلك ، كما أن في الحجر مصلحة للسفيه بحفظ ماله ودفع الضرر عن الجماعة ، ولا يقال : إن تصرفه في ماله ولا حق للجماعة فيه لأنا نقول : إن تصرف الإنسان في خالص ماله مقيد بعدم الإضرار بالغير، ألا يرى أن من ينصب طاحونة في داره يمنع


-124-
#ff0000



من ذلك لتضرر الجيران ، فكذا السفيه يمنع من تصرفاته في ماله لئلا يفنى ماله فيكون عالة على الجماعة وعلى بيت المال ، وفي هذه ضرر على الجماعة ، فيجب دفعه بالحجر عليه .

المسالة الثالثة : متى يتم الحجر على للسفيه؟

122- ذهب بعض الفقهاء ، ومنهم الإمام محمد: إلى أن السفيه محجور بنفس السفه من غيرحاجة إلى حكم من القاضي بالحجر عليه ، وحجتهم : أن السفه علة للحجر فمتى وجدت العلة وجد المعلول ، أي الحجر ، ومتى انتفت انتفى الحجر كما هو الحال في الجنون والعته والصغر.

وذهبالبعض الآخر من الفقهاء، ومنهم الإمام أبو يوسف : إلى أن ا لسفيه لا يكون محجوراً عليه ما لم يحجر عليه القاضى . والحجة لهذا القول : أن ا لحجر مبناه مصلحة ا لمحجو ر، وهي مترددة بين إثبات الحجر عليه لحفظ ماله وبين ترك ا لحجر عليه لئلا يهدر قوله ، والترجيح إنما يكون للقاضي في الأمور ذات الوجهين لا لغيره .

وأيضاً فإن السفه ليس شيئأ محسوساً وإنما يستدل عليه بالغبن في التصرفات وقد يكون هذا الغبن حيلة ولا يثبت ذلك إلا بقضاء القاضى . وأيضاً فإن الحجر للسفه مختلف فيه بين الفقهاء ، فلا يثبت إلا بقضاء القاضي كالحجر بسبب الدَّين، وكما ان الحجر لا يثبت إلا بالقضاء ، فكذلك رفعه لا يكون إلا بالقضاء .

وثمرة الخلاف بين القولين : أن تصرفات ا لسفبه قبل ا لحجر عليه من قبل القاضى تكون صحيحة نافذة على رأى أبي يوسف ومن تايعه، وموقوفه على رأي محمد ومن وافقه ، أي كأنها صادرة من سفيه محجور عليه من القاضى .

والذي نميل إلي تر جيحه : هو القول بان الحجر لا يتم إلا بقضاء القاضي، وكذا رفعه لما استدل به أصحاب هذا القول، وهذا ما أخذ به القانون المدني العراقي كما سيأتي فيما بعد .

المسالة الرابعة : حكم تصرفات السفيه المحجور

123-حكم السفيه بعد الحجر حكم الصغير المميز في التصرفات القابلة

-125-
#ff0000


للفسخ : كالبيع والشراء والإجارة ، فتكون موقوفه على الإذن إذا كانت مترددة بين النفع والضرر، وما كان منها ضرراً محضاً وقعت باطلة كالهبة ، وما كان منها نفعاً محضاً وقعت صحيحة نافذة . ويجوز له استحسانا الوصية في وجوه البر ، وإن لم يكن من أهل التبرع ، وكذا الوقف على نفسه ثم على غيره . أما تصرفاته التي لا تقبل الفسخ : كالنكاح والطلاق، فتقع منه صحيحة نافذة ، خلافاً للحكم بالنسية للصغير المميز .

المسالة الخامسة : السفه في القانون المدني العراقي


124- أخذ القانون المدني العراقي برأي أبي يوسف ومن وافقه ، فلم يجعل السفيه محجوراً عليه لذاته ، بل لا بد من قرار من للحكمة المختصة بالحجرعليه(1)، وكذلك لا يرفع عنه الحجر إلا بقرار من المحكمة(2).
فإذا تم الحجر على السفيه كان حكمه في المعاملات المالية حكم الصغير المميز ، أما قبل الحجر فحكمه حكم البالغ العاقل الراشد ، إلا إذا وقع التصرف منه قبل الحجر عن طريق الغش والتواطؤ مع الغير(3)، وهذا استثناء حسن يتفق والغرض من الحجر ، ويتفق مع أصول الشريعة العامة .
والسفيه المحجور وإن لم يكن من اهل التبرع ، إلا أن القانون أجاز له الوصية بثلث ماله( 4) ، وهذا هو المقرر فقهاً ، والحكمة في ذلك واضحة لأن الوصية لا ضرر منها على السفيه في حياته ، لأنها تصرف في التركه مضاف إلى ما بعد الموت .


___________________________
1- المادة 95 من القانون المدني العراقي.
2-المادة 10 الفقرة الثالثة.
3-المادة 10 الفقرة الاولى.
4-المادة 10 الفقرة الثانية.


-126-
#ff0000


ونكاح السفيه صحيح نافذ قبل الحجر وبعده ، لأن قانون الأحوال الشخصية العراقى رقم 188 لسنة 1959 اشترط لأهلية الزواج : العقل والبلوغ (1) ، ولا شك أن السفيه عاقل بالغ وهذا هو المقرر فقهاً ع وكذلك طلاقه فهو صحيح نافذ ، لأنالمادة 34 من قانون الأحوال الشخصية العراقي عددت من لا يقع طلاقهم ولم تذكر معهم السفيه ، وهذا هو المقررفقهاً.

المسالة السادسة : السفه في القانون المدني المصري


125- يحجر على السفيه بحكم من المحكمة ، ولا يرفع الحجر عنه إلا بحكم أيضاً.

أما تصرفات السفيه فحكمها كما يأتي:-

إذا صدر التصرف من السفيه بعد تسجيل قرار الحجرسرى على هذا التصرف ما يسري على تصرفات الصبي المميز من أحكام ، ومعنى هذا :
أن تصرفاته النافعة نقعاً محضاً تقع منه صحيحة وناقذق ، وتبطل تصرفاته الضارة ضرراً محضاً ، أما تصرفاته الدائرة بين النفع والضرر فهي قابلة للإبطال بحكم يصدر بناء على طلب القيم ، أو السفيه بعد رفع الحجر عنه.
أما إذا صدر التصرف من السفيه قبل الحجر عليه، فهي لا تكون باطلة أو قابلة للإبطال ، إلا إذا وقعت نتيجة استغلال المتعاقد الآخر، أو المستفيد منها، أو تواطئه مع السفيه الذي يتوقع الحجر عليه ، فإن لم يثبت شيء من ذلك كانت تصرفاته صحيحة(3). وقد استثنى القانون المصري الوصية والوقف، فقرر أن التصرف بهما يصح متى اذنت المحكمة في ذلك ، كما استثنى القانون أعما ل الإدارة

_______________________________
1- المادة السابعة الفقرة الاولى .
2-المادة 65 من قانون الولاية على المال رقم 119 لسنة 1952.
3-المادة 115 من القانون المدني المصري.

-127-
#ff0000

يتبع...

ياس
2016-08-06, 05:03 PM
إذا أذن له وليه بتسلم أمواله لإدارتها، وصدر الإذن بالوجه القانوني(2) ، وفي هذه الحالة تسري عليه الأحكام التي تسري على القاصر المأذون (3).

خامساً : السكر


126- تمهيد :

السكر: هو زوال العقل بتناول الخمر وما يلحق بها بحيث لا يدري السكران بعد إفاقته ما كان قد صدر منه حال سكره(4).
فالسكر يعطل العقل ويمنعه من التمييز ، وكان ينبغي لذلك أن تنعدم به أهلية الأداء ويسقط عن السكران التكليف، ولا يكون مخاطباً بشئ حال سكره . ولكن الفقهاء لم يقولوا بهذا في جميع حالات السكر ، وإنما قصروه على حالة سكره إذا كان بطريق مباح ، أما إذا كان سكره بطريق محظور فقد جعلوه مكلفاً ومؤاخذاً بما يصدر عنه على تفصيل ، واختلاف فيما بينهم ، كما يتضح مما يأتي بعد أن نبين حكم السكر بطريق مباح.

127- أولاً : السكر بطريق مباح :

ويكون السكر بطريق مباح : إذا شرب المسكر اضطراراً ، أو أكراهاً، أوعن غير علم بكونه مسكراً ، أو شرب دواء فأسكره ، ونحو ذلك.
وحكم السكران بهذا الطريق حكم المغمى عليه ، فلا يكون مكلفاً بأداء شىء من حقوق الله تعالى حال سكره ، وإنما عليه القضاء يعد إفاقته إن لم يكن في القضاء حرج عليه ، بأن لم يمتد سكره كما هو الحكم في الإغماء ، ولا تصبح عبارته ، فلا يترتب على تصرفاته القولية أي أثر .
أما تصرفاته الفعلية فيترتب عليها آئارها بالنسية لحقوق العباد المالية ، فيؤاخذ

__________________________________
1- المادة الخامسة من قانون الوصية والمادة 116 الفقرة الاولى عن القانون المدني المصرى .
2-المادة 116 الفقرة الثانية من القانون المدني المصري.
3- المادة 68 من قانون الولاية على المال.
4- وعرف السكر بأنه معنى يزول به العقل عند مباشرة الاسباب المزيلة . ((كشف الاسرار))ج4 ص1482.

-128-
#ff0000


بضمان المتلفات نفوساً كانت أو أموالاً ، لأن النفوس والأموال معصومة فلا تهدر ولا
تسقط عصمتها لأي عذر كان .

ولا يؤاخذ بأفعاله وجرائمه مؤاخذة بدنية ، لأن العقاب البدني مبناه العقل والتمييز ، والسكران فاقد العقل معدوم التمييز.

128-ثانياً : السكر بطريق محظور :

وهنا اختلف الفقهاء في حكم السكران ومدى الاعتداد بتصرقفاته . وسبب اختلافهم : هو أن زوال العقل جاء بطريق محرم ، وعلى هذا الأساس اختلفت أقوالهم في حكم تصرفاته ويمكن إجمالها كما يلي (1) .

أ- فيما يخص تصرفاته القولية :

1- ذهب بعض الفقهاء إلى عبارة، السكران ساقطة ، فلايعتد بشئ من أقواله ولا يترتب عليها أي أثر شرعى ، فلا يقع طلاقه ولا بيعه ولا شراؤه ولا أي عقد من عقوده ، وهذا مذهب الظاهرية والجعفرية وعثمان البتي والليث ، وهي إحدى الروايات عن أحمد بن حنبل ، وهي التي استمر عليها كما نقل ابن القيم ، وهو اختيار الطحاوي من الحنفية.

2- تعتبر أقواله ويعتد بها وتترتب عليها آثارها الشرعية ، فيقع طلاقه وسائر تصرفاته القولة ، وهذا مذهب الحنفية والشافعية والمالكية على التفصيل في بعض التصرفات ، فعند الحنفية : تصح أقواله ما عدا الردة والإقرار بما يحتمل الرجوع .
وعند المالكية : تصح ماعدا الإقرار والعقود ، إلا أن الجميع متفقون على وقوع طلاقه .



_______________________________
1- ((زاد المعاد))ج2ص202-203 ((اعلام الموقعين)) ج4 ص40-42 ((المغني))ج7 ص113-124 ((الأم))للشافعي و((المهذب))للشيرازي ج2ص82 ((المحلى))ج1 ص209-211 ((الخلاف)) للطوسي ج2ص454 ((المختصر النافع))في فقه الجعفرية ص221 ((مختصر))الطحاوي ص280 ((بدائع الصنائع))للكساني ج3ص69 ((كشف الأسرار))ج4ص1474 وما بعدها ((التلويح))ج2 ص185-186 .

-129-
#ff0000


ب - فيما يخص أفعاله :

لا اختلاف في أن أفعاله المتعلقة بحقوق العباد يؤاخذ عليها مؤاخذة مالية فإذا أتلف نفساً أو مالاً ضمن ما أتلف أما المؤاخذة البدنية أي معاقبته على أفعاله التي تكون جريمة ، فالجمهو على أنه يؤاخذ بها مؤاخذة بدنية ، فيقتل إذا قتل ، ويقام عليه الحد إذا زنى، وهكذا .
وقال أهل الظاهر ، وعثمان البتي : لا يعاقب على أفعاله عقاباً بدنيا ، ولا يقام عليه إلا حد الخمر فقط.

129- الأدلة :

أولاً : استدل القائلون بعدم الاعتداد بأقواله وعدم معاقبته بدنياً بما يأتي :

أ - أنه لا يعلم ما يقول بدليل قوله تعالى : (( )) [النساء:43 ]فالسكران لا يدري ما يقول
،ومن لا يدري ما يقول لا يحوز إلزامه بأقواله، ولا بشئ من الأحكام لا بطلاق ولا بغيره ، إذ هو غير مخاطب لأنه ليس من ذوي الألباب ، فحكمه حكم المجنو ن.

ب - الفهم مناط التكليف ، وحيث لا فهم فلا تكليف ، ولا يصبح إبقاؤه مكلفاً عقوبة له ، لأن الشارع أوجب عقوبة له وهي الحد ، فلا يجوز معاقبته بغيرها أو الزيادة عليها .

ج- إن أقل ما يصح به التصرف : القصد أو مظنته ، وليس للسكران واحد منهما .

د- لا فرق بين من سكر بطريق مباح وبين من سكر بطريق محظور ، فالأثنان لا عقل لهما ولا تمييز ، ،فيجب أن يتساويا في الحكم . أما كون الأول سكر بطريق مباح ، والثاني سكر بطريق محرم ، فهذا تأثيره في ترتب العقوبة على السكر فقط . ألا يرى أن من كسر ساقاه صلى قاعداً ، ومن كسر ساقيه بنفسه صلى قاعداً أيضاً ، مع أن الثاني أجرم بكسر ساقيه دون الأول.



-130-
#ff0000


ثانياً : استدل القائلون بوقوع طلاقه وسائر تصرفاته القولية ، ومؤاخذته مؤاخذة كاملة على جرائمه : بأن السكران هنا هو الذي تسبب يإزالة عقله بمباشرته ما هومحرم عليه ، فلا يستحق بمعصيته التخفيف فيعتبر عقله قائماً تقديراً عقوبة وزجراً له ، ولا عجب في هذا فقد يعطى للزائل حقيقة حكم القائل تقديراً إذا زال بسبب هو معصية للزجر والردع ، كمن قتل مورثه ، فإنه يجعل المورث حياً بالنسبة له عقوبة وزجراً فلا يرثه . والخلاصة : فإن الجريمة لا تكون سبباً للتخفيف عن صاحبها ، بل إن ارتكابها يدل على أن صاحبها رضي بجمع النتائح المترتبة على جرمه .
ثالثاً : استدل القائلون بالتفريق بين أقواله وجرائمه فلا يؤاخذ بالأولى ويؤاخذ بالثانية
مؤاخذة كاملة : بإن إهدار أقواله لا يتضمن مفسدة ، لأن القول المجرد من غير العاقل لا مفسدة فيه ، بخلاف الأفعال ، فأن مفاسدها لا يمكن محوها بعد وقوعها ، فكان اهدارها ضرراً محضاً، وفساداً كبيراً ،وهذا لا يجوز .
وأيضاً : فإن عدم مؤاخذته بجنايته ذريعة إلى ارتكابه الجرائم وجرأته عليها ، واستباحته قتل النفوس البريئة ، وفي هذا من الفساد ما لا يخفى . وأيضاً : فإن السكر جريمة ، والجريمة لا تصلح أن تكون دافعة للمسؤولية الجنائية عن جريمة أخرى .

رابعاً : استدل الحنفية القائلون بعدم ردته وإقراره بما يحتمل الرجوع : بأن الردة تبدل الاعتقاد ، والاعتقاد لا يرتفع إلا بالقصد إلى تبدله ، أو بما يدل عليه ظاهراً وهوالتكلم في حالة يعتبر فيها القصد ، وهي حالة الصحو، وليس السكران في مثل هذه الحالة فلا يكون قوله دالاً على تبدل اعتقاده فلا يرتد .
أما عدم الاعتداد بإقراره بما يحتمل الرجوع ، فلأن السكران لا يستقر على أمر، فيقام مقام الرجوع ، ولهذا لو أقر بزناه في حال سكره لم يؤاخذ بإقراره لأن الإقرار بالزنا يحتمل الرجوع . أما أدلة الحنفية على صحة أقواله الأخرى، فهي نفس أدلة القائلين بصحة أقواله مطلقاً.
‎ ‏
‎ ‏

-131-
#ff0000


خامساً : استدل المالكية على عدم الاعتداد بعقوده وإقراراته : بأن الشرط في صحة العقد تمييز العاقد ، ولا تمييز للسكران . أما في الإقرارات فقالوا : إما أن تكون بماله ولا يصح في هذه الحالة إقراره بالمال ، لأنه محجور عليه يسكره .
وأما أن تكون بغير مال ، فحديث ماعز(1) يدل على إلغاء قرار السكران .
أما أدلة المالكية في صحة أقوال السكران الأخرى ، فهي أدلة القائلين بصحتها مطلقاً.

130- مناقشة الأدلة ، وبيان الراجح من أقوال الفقهاء:

1- إن أدلة القائلين بعدم صحة أقوال السكران مقبولة وسليمة ، لأن اعتبار القول إنما يكون بالقصد ، ولا قصد للسكران لزوال عقله فلا يعتبر . أما إلزامه بقوله على وجه العقوبة فلا يصح ، لأن العقوبة تقدر من الشارع ولا تقدر بالرأي ، كما أن النص بين من السكران لا يعلم ما يقول ، ومن لا يعلم ما يقول لا يقصد معنى ما يقوله ، فلا يترتب أثر على قوله ، كالأعجمي إذا لفظ بكلمة ((الطلاق )) ، وهو لا يعرف معناها ، لا يترتب أثر عل لفظه .

2- القياس على قاتل مورِّثه، وحرمانه من الميراث بجعل الموروث حياً حكماً قياس مع الفارق ، لأن القاتل قصد قتل مورثه ليستعجل ميراثه فعوقب بحرمانه أما السكران فقد قصد السكر ولم يقصد إيقاع الطلاق مثلاً في سكره ، فكيف يقع طلاقه؟

3- وحتى لو قلنا بمؤاخذته على أقواله عل سبيل العقوبة ، فكيف نوقع عليه عقوبة تسرى إلى برىء ، كما لوطلق امرأته في حال سكره؟

4- أما ما استدل به على مؤاخذته عن جرائمه ، فإنه استدلال مقبول ، ولا يوجد ما ينقضه ، ولا تمكن مساواته مع الجنون في هذه الحالة ، لأن السكران هنا مجرم بسكره ، ومجرم بجنايته على اللآخرين ، فكيف يراعى جانبه ، ويترك جانب

________________________________
1- حديث ماعز ، في أنه زنى، وأقر عند الرسول عليه الصلاةوالسلام ، فسأله الرسول صلى الله عليه وسلم ،أو استنكهه ليتأكد فيما إذا كان سكراناً أم لا . وهذا يدل على أن إقرار السكران غير معتبر.


-132-
#ff0000


يتبع.......

ياس
2016-08-07, 08:21 PM
المجني عليه? وإذا تجاوزنا عن هذا كله ، فإن مؤاخذة السكران عن جرائمه تؤيدها قاعدة سد الذرائع إلى المفاسد ، وهي قاعدة تشهد لها بالصحة أصول الشريعة ونصوصها الكثيرة .

وعلى هذا : فالراجح -كما يبدو لنا - هوقول القائلين بعدم الاعتداد بجميع أقوال السكران بطريق محظور ، مع مؤاخذته عن جرائمه مؤاخذة كاملة .

131- حكم السكران في القوانين الوضعية :

أ- نص قانون الأحوال الشخصية العراقي : على عدم وقوع طلاق السكران(1) ، ولم يقيد ذلك بكون سكره بطريق مباح أو محظور ، فيجب حمل النص على إطلاقه ،فلا يقع طلاق السكران مطلقاً . وكذلك لا يقع نكاح السكران بموجب القانون المذكور، لأنه اشترط لأهلية النكاح : العقل والبلوغ(2) ، وهذا يدل على إن نكاح السكران باطل ، إذ هو زائل العقل . ويقاس على ذلك سائر تصرفاته القولية ، لأن الشرط في صحتها : القصد والاختيار ، والسكران لا قصد له ولا اختيار.

وفي مصر ، نص القانون رقم 35 لسنة 1929 على عدم وقوع طلاق السكران(3) دون تفريق بين سكران بطريق محظور أو مباح ، وعلى هذا لا يقع
طلاق السكران مطلقاً أخذاً بعموم النص وإطلاقه.

ب - نص قانون العقويات المصري « لا عقاب على من يكون فاقد الشعور أو الاختيار
في عمله وقت ارتكاب الفعل ، إما الجنون أو العاهة في العقل ، وإما الغيبوبة ناشئة عن عقاقير مخدرة أيا كان نوعها ، إذا أخذها قهراً عنه أو على غير علم منه بها )) (4).


___________________________
1- المادة 35 الفقرة الاولى من قانون الاحوال الشخصية العراقى رقم 88 لسنة 1959.
2- المادة 7 الفقرة الاول .
3-المادة الاولى منه.
4-المادة 63من قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937.

-133-
#ff0000


فالقانون الجنائي المصري يتفق ورأي جميع الفقهاء القائلين بعدم مؤاخذة السكران عن جرائمه مؤاخذة جنائية إذا كان سكره عن طريق مباح . ويفهم من هذا النص : أن السكران بطريق محظور، كما لو تناول المسكر باختياره، أو على علم منه بأن ما يتناوله مسكر، لا ينجو من المسؤولية الجنائية. ويلاحظ عند تطبيق هذا النص، لزوم توافرفقد الشعور أو الاختيار بسبب المخدر، فإن لم يصل الإنسان إلى هذه الحالة فلا ينطبق النص، وبالتالي تجب المسؤولية.
هذا وإن قانون العقوبات البغدادي نص على نحو مما نص عليه قانون العقوبات العراقي الجديد رقم 111 لسنة 1969 ، حيث جاء في المادة 60 منه : ((لا يسأل جزائياً من كان وقت ارتكاب الجريمة فاقد الإدراك ، أو الإرادة لجنون أوعاهة في العقل ، أو بسبب كونه في حالة سكر، أوتخدير نتجت عن مواد مسكرة أومخدرة أعطيت له قسراً، أو على غير علم منه بها ....الخ)).

سدساً : الإكراه


132- تمهيد :
الإكراه من العوارض المكتسبة ، لا من فعل الإنسان بنفسه ، ولكن من فعل الغير به.
وسنتكلم فيما يلي عن تعريفه ، وشروط تحققه ، وأنواعه ، ومنافاته أو عدم منافاته للأهلية ، وأثره في تصرفات المكره ، أو بيان حكم تصرفات المكره ، ثم نختتم
الكلام بكلمة موجزة عن الإكراه في القانون العراقي.

133- تعريف الإكراه :


___________________________
1- المادة 42من قانون العقوبات البغدادي. ونصها ((لا عقاب على عن ارتكب أي فعل أثناء فقدانه القدرة على تقدير طبيعة أعماله أو فقدان السيطرة عليها بسبب .... أو الغيبوبة الناشئة عن مواد سامة يتناولها رغماً عنه أو على غيرعلم منه)).


-134-

#ff0000

عرف الأصوليون الإكراه بتعاريف متقاربة ، فمن ذلك ما قاله صاحب ((التلويح )) : الإكراه : الاكراه حمل الغيرعلى أن يفعل ما لا يرضاه ، ولا يختارمباشرته لوخلي ونفسه (1) . وعرفه غيره : بأنه حمل الغيرعلى أمر يمتنع عنه بتخويف يقدر الحامل على إيقاعه ، ويصير الغير خائفاً به (1). وهذا التعريف تضمن الأمور الواجب توافرها لتحقق الإكراه ، ومن ثم فهو أوضح من التعريف الأول .
134- شروط تحقق الإكراه (3) :
1- أن يكون المكره ((الحامل)) ، متمكناً من إيقاع ما هدد به ، فإن لم يكن متمكناً من
إيقاع ما هدد به ، وكان المكره «الفاعل» عالماً بعدم مقدرته كان تهديده لغواً لا
عبرة به.
2- أن يكون المكره (( الفاعل)) خائفاً من هذا التهديد ، بأن يقع في نفسه : أن الحامل
سيوقع ما هدده به عاجلاً يقيناً أوعلى غلبة الظن ، وأن يفعل ما أكره عليه تحت تأثير هذا الخوف .
3- أن يكون المكره به ، اي ما هدد به ضرراً يلحق النفس بإتلافها ، أو بأتلاف عضو
منها ، أو بما دون ذلك ، كالحبس والقيد والضرب .

أما التهديد بإتلاف المال إذا لم يكن يسيراً، فهو تهديد معتبر، يتحقق به الإكراه عند الشافعية والحنابلة والجعفرية ، وبعض فقهاء المذهب الحنفي .
والتهديد بإلحاق الأذى بمن يهم المكره ((الفاعل)) أمره ،يعد إكراهاً عند الجعفرية ،وهوكذلك إكراه عند ا لحنفية إذا وقع على الزوج ، أو على قريب ذي رحم محرم . أو وقع على الولد عند الحنابلة(4) .


______________________________
1-((التلويح))ج2 ص196.
2-((كشف الاسرار))ج4 ص1503.
3-((كشف الأسرار))ج4 ص1502 ((المغني))ج7ص120، ((المهذب))ج2ص83.
4-((البحر الرائق))ج8ص2((حاشية ابن عبدون ))ج5 ص110 ((الإقناع))في فقه الحنابلة ج4ص4،((منهاج الصالحين))في فقه الجعفرية السيد محسن الحكيم ج2ص14 ((المغني ))ج7ص120، ((المهذب )) ج =

-135-

#ff0000


135- أنواع الإكراه:

قسم الحنفية الإكراه إلى قسمين : إكراه ملجبيء أو كامل أو تام.
وإكراه غير ملجيء أو ناقص(1).

أ- الإكراه الملجيء :

وهو الذي يكون بإتلاف النفس ، أو بعضو منها، لأن حرمة الأعضاء كحرمة النفس تبعاً لها ، ومن هذا القبيل : التهديد بإتلاف جميع المال ، أو بقتل من يهم الإنسان أمره على رأي من جعل هذا التهديد إكراهاً . وسمي هذا النوع من الإكراه :
ملجئاً لأنه يلجئ الفاعل ويضطره إلى مباشرة الفعل خوفاً من فوات النفس أو العضو، وهويفسد الإختيار ويعدم الرضا ، ولكن لا يعدم الاختيار .
وبيان ذلك : أن الاختيار : هو القصد إلى مقدور متردد بين الوجود والعدم بترجيح أحد جانبيه على الآخر أو بتعبير آخر : هو القصد إلى فعل الشيء أو تركه بترجج من الفاعل ، وهذا المعنى لا يزول بالإكراه ، فالمكره يوقع الفعل بقصده إليه، لأنه يختار ما هو أهون عليه وأيسر ، فإذا أوقع الفعل المكره عليه كان فعله ترجيحاً له على وقوع ما هدد به ولكن الفاعل لا كان غيرمستقل بقصده ، وإنما اختياره مبني على اختيار الحامل وإكراهه ، كان اختيار الفاعل فاسداً.
أما انعدام الرضا بالإكراه ، فلأن الرضا هو الرغبة في الشيء والارتياح له ،وهذا لا يكون مع الإكراه .

ب- الإكراه غير الملجيء :


______________________
= 2ص83 . ويلاحظ هنا : إن بعض الفقهاء المذهب الحنبلي اشترطوا لتحقق الإكراه أن يمس الأذى فعلا المكره ( الفاعل) ولا يكفي عندهم التهديد بإقاعه ققط . ولكن الراجح في المذهب أن مجرد التهديد بالأذى يكفي : ((المغني))ج7ص11.
1 - غير الحنفية يذكرون ما به يتحقق الإكراه : كالقنل والضرب المبرح والسجن ، ونحو ذلك مما يلحق بالمكره ضررا دون أن يقسموه إلى ملجيء وغير ملجيء . كما يجعلون الضرب اليسير والحبس القليل إكراها ، إذا كان الشخص من ذوى المروءات أما غيره فليس هذا إكراها بحقه ، وهذا تفصيل حسن . انظر ((المغني))ج7ص120 ، ((المهذب))للشيرازي ج2 ص83.

-136-

#ff0000


وهو يكون بما لا يفوت النفس أو عضواً منها كالضرب أو الحبس . وهو لا يفسد الاختيار ولكن يعدم الرضا ، وإنما لا يفسد به الاختيار لعدم الاضطرار إلى مباشرة ما أكره عليه ، لتمكنه من الصبر على ما هدد به ، بخلاف الأول.

136- هل ينافي الإكراع الأهلية؟

الإكراه سواء كان ملجئاً أو غيرملجئ لا ينافي الأهلية بنوعيها ، ولا يوجب سقوط الخطاب عن المكره (( الفاعل)) . أما وجه عدم منافاته للأهلية بنوعيها ، فلأنها ثابته بالذمة والعقل والبلوغ ، والإكراه لايخل بشيء منها . وأما أنه لا يسقط به الخطاب عن المكره (( الفاعل)) ، فلأن ما أُكره عليه قد يكون إتيانه حراماً عليه ، حتى إذا فعله أَثِم : كالقتل والزنا ، وقد يكون فرضاً عليه حتى إنه اذا لم يفعله أَثم، كشرب الخمر وأكل الميتة ، وقد يكون رخصة حتى إنه إذا فعله لم يأثم ، وإذا صبر ولم يفعله كان مأجوراً : كالنطق بكلمة الكفر وإتلاف مال الغير . وكل ذلك ، أي الحرمة والفرض والرخصة علامة لثبوت الخطاب في حق المكره (( الفاعل)) ، وكونه مخاطباً لأن هذه الأشياء لا تثبت بدون خطاب التكليف(1).

137- أثر الإكراه في تصرفات المكره :

قبل بيان أثر الإكراه في تصرفات المكره((الفاعل)) ،أي بيان لحكم تصرفاته، لا
بد من ذكر القاعدة التي تبنى عليها أحكام تصرفات المكره ((الفاعل)) سواء كانت قوليه
أو فعلية.
فالقاعدة عند الحنفية : ان الإكرام لا أثر له في إبطال وإهدار تصرفات المكره ((الفاعل)) قوليه كانت أو فعلية ، وأنما أثره في تبديل نسبة هذه التصرفات إلى الحامل إن أمكنت هذه النسبة ، فيثبت الحكم في حقه في هذه الحالة ، واذا لم تُمكن النسبة إلى الحامل بقي التصرف منسوباً إلى الفاعل وثبت الحكم في حقه ، وإنما تمكن النسبة إلى الحامل كلما أمكن اعتبار الفاعل آلةٌ للحامل .


_________________________
1-((فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت))ج1ص1666و((أصول))البرزديوشرحه كشف الاسرار ج4ص1503-1504
-137-

#ff0000


وعلى هذه القاعدة تكون تصرفات الفاعل منقسمة إلى هذين القسمين : ما تمكن نسبته إلى الحامل بجعل الفاعل آله له ، وما لا تُمكن نسبته إليه ، فيبقى منسوياً الى الفاعل وحكمه عليه ققط .

والقاعدة عند غير الحنفية كالشافعية : إن الإكراه إن كان يحق كإكراه المدين على البيع وفاء للدين ، فلا أثر للإكراه هنا ، ويكون التصرف صحيحاً نافذاً ، وإن كان الإكراه بغيرحق ينظر : إن كان الإكراه لا يبيح إتيان ما أكرم عليه ، فالحكم يثبت على الفاعل كالإكراه عل القتل، وإن كان الإكراه يبيح إتيان ما أكره عليه سقط
الحكم عن الفاعل ونفذ على الحامل إن كان ممكناً نسبة الفعل إليه كما في إتلاف مال الغير . وإذا لم تكن نسبته إلى الحامل ممكنة ، كالأقوال ، سقط ولم يترتب عليه أي حكم لا في حق الحامل ولا في حق الفاعل(1).

138- وبعد أن بينَّا القاعدة عند الحنفية وغيرهم ، نقول:

الإكراه إما أن يكون قولاً وإما أن يكون فعلاً ، ولكل منهما حكم يخصه على ضوء القاعدة السالفة حسب التفصيل الآتي :

أولاً : الأقوال :

إن كانت إقرارات كان الحكم عدم اعتبارها ، لأن اعتبار الإقرار إنما كان لترجيح جانب الصدق فيه ، وبالإكراه يترجح جانب الكذب فلا يعتبر .

وإن كان من التصرفات القولية التي تحتمل الفسخ ولا تبطل بالهزل كالنكاح والطلاق والرجعة ثبت حكمها ، وهووقوعها صحيحة نافذة فلا أثر للإكراه فيها ، وهذا قول الحنفهة . وحجتهم في ذلك : أن هذه التصرفات يترتب عليها أثرها بمجرد الإتيان بها عن اختيار ، لأن الشارع اعتبر التلفظ بها قائماً مقام إرادة معناها وحكمها ، بدليل وقوعها من الهازل ، مع أنه لم يقصد حكمها ولم يرد معناها ، فالمكره ((الفاعل)) أولى ، لأنه قصد إيقاعها واختار حكمها ، وإن كان اختياره فاسداً إذا كان الإكراه ملجئاً .


__________________________
1- ((فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت))ج1ص67-168 ((التلويح))ج2ص196-197.

-138-

#ff0000


يتبع .....

ياس
2016-08-08, 07:29 PM
أما إذا كانت التصرفات القولية إنشاءات تحتمل الفسخ ولا تصح مع الهزل: كالبيع،فإن أثر الإكراه فيها : الفساد، فتقع فاسدة لا باطلة وهذا عند الحنفية وحجتهم : أن الإكراه يعدم الرضا لا الاختيار، والرضا شرط للصحة لا للانعقاد، فتقع هذه التصرفات منعقدة إلا أنها فاسدة ، ئم إن أحكام هذه التصرفات القولية على النحو الذي بيناه تثبت في حق الفاعل لا الحامل، لأنه لا يمكن نسبتها إلى الحامل ، لأن الإنسان لا يمكنه أن يتكلم بلسان غيره ، فلا يمكن جعل الفاعل آلة للحامل فلا ينسب القول إليه ، فلا يثبت الحكم في حقه .

وعند الشافعية والجعفرية والحنابلة وغيرهم : لا يترتب عل قول المكره ((الفاعل)) حكم ، بل تهدر أقواله ، فلا يقع طلاقه ولا بيعه ولا أي تصرف قولي وحجتهم من وجوه عديد(1).

1- إن الله أسقط عن المكره «الفاعل» حكم الكفر إذا نطق بكلمة الكفر قال تعالى : ((إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ)) [النحل:106] وأحكام الكفر أعظم من أحكام البيع والشراء ونحوهما ، لأن الأول يترتب عليه فراق الزوجة والقتل وأخذ ماله ، فإذا سقط الأعظم سقط الأصغر.

2- جاء الحديث برفع الحكم عن المكره (( الفاعل)) ، فقد قال عليه الصلاة والسلام :
((إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ ))، كما روي عنه عليه السلام : ((لا طلاق في إغلاق))وفسر الإغلاق : بالإكراه. وعن علي بن أبي طالب لا طلاق لمكره . ومثل هذا روي عن كثير من الصحابة .

3- القصد لما وضع له التصرف شرط جوازه ، ولهذا لا يصح تصرف الصبى والمجنون . وهذا الشرط يفوت بالإكراه ، لأن المكره لا يقصد بالتصرف ما وضع له ، وإنما يقصد دفع مضرة السيف ونحوه عن نقسه .


_______________________
1-((الأم))للشافعي ج3ص20 ((أعلام الموقعين))ج3ص108و ج4ص43-44 والكاساني ج7ص182-184، ((زاد المعاد)) ج2ص200،((المغني))ج7ص118 والشيرازي ج2ص83 والطوسي ج2ص453 ((منهاج الصالحين))للمجتهد محسن الحكيم ج2ص122-182.

-139-
#ff0000


4- المكره ((الفاعل)) يأتي باللفظ دافعاً للأذى عن نقسه غير قاصد لمعناه ولا مريد
لحكمه . فينبغي أن لا يترتب أثر على قوله ، بل يكون لغواً بمنزلة كلام المجنون والنائم ومن لا قصد له.

ويرد الحنفية على هذه الأدلة : بأن الإكراه لا يعمل في للاعتقادت ، ولهذا عفي عن المكره إذا نطق بكلمة الكفر . أما الحديث : (( عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) فإن المراد به : الإكراه على الكفر لأن القوم كانوا حديثي عهد بالاسلام ، وكان الإكراه على الكفر ظاهراً آنذاك ، وحتى لو كان المراد من الإكراه هنا : الإكراه على غير الكقر، فلا نسلم أن التصرف القولي مستكره عليه ، لأن الإكراه لا يؤثر في الأقوال كما لا يؤثر في الاعتقادت ، لأن أحدا لا يقدر على استعمال لسان غيره بالكلام فكان المتكلم مختاراً فيما يتكلم به ، فلا يكون مكرهاً عليه حقيقة فلا يتناوله الحديث .
أما أن ا لقصد إلى ما وضع له التصرف شرط جوازه ، فلا يسلم لهم ، الا يرى أن طلاق الهازل يقع ، وهو غير قاصد ما وضع له التصرف؟ وايضاً حتى لوكان ما ذكروه شرطاً ؛ فهوموجوه هنا لأن المكره (( الفاعل )) قاصد دفع الهلاك عن نفسه ، ولا يندفع إلا بالقصد إلى ما وضع له التصرف فكان قاصداً اليه ضرورة . أما الآثار المروية بعدم وقوع طلاق المكره ، فتعارض بآثار أخرى نصت على وقوع طلاقه ، فلا تكون آثارهم أولى بالقبول من آثارنا .

139- القول الراجع :

الذي نختاره : هوقول الجمهور ، أي عدم وقوع أي تصرف قولي من المكره سواء أكان لا يحتمل الفسخ : كالطلاق والنكاح ، أو يحتمله : كالبيع والإجارة ، فتقع تصرفات للكره باطلة .
وما ذكره الحنفية لا ينهض حجة لما ذهبوا اليه، وكل ماذكروه قابل للرد

-140-
#ff0000


والمناقشة، ويكفينا هنا أن ندرك بعض ما يُرَدَّ به على الحنفية، فنقول : إن احتجاجهم بوقوع طلاق الهازل ونكاحه لا يفيد، للفرق بين الهازل والمكَره فالهازل : يأتي بالسبب مختاراً عالماً بمعناه وبما يترتب عليه أما المكره : فيأتي به مكرهاً قاصداً دفع الأذى عن نفسه ، فهو بمنزلة من يحكي قول غيره ، فأين هذا من ذاك ، وكف يتساويان في الحكم؟ والنص جاء بوقوع طلاق الهازل فأين النص بوقوعه من المكره؟ ثم إن اعتبار التراضي في البيع يوجب اعتباره في النكاح
من طريق أولا ، لأن شأن الفروج أعظم من شأن المال ، فإذا كان الله حرم أخذ مال الغير إلا بالتراضي، فالفروج أولى أن لا تحُلَّ إلا بالتراضي الشرعي ، ولهذا نُهِي الولي أن يُزَوِّج المرأة إلا برضاها(1).
وقولهم : إن الإكراه لا يعمل في الأقوال ، مردود بأن النص القرآني لم يرتب أثراً على كلمة الكفر يقولها مكرهاً ، وهذا دليل اعتبار الإكراه في الأقوال.

ثانياً: الأفعال :

وهي النوع الثاني من المكره عليه ، وقد تكلمنا عن النوع الأول وهو الأقوال.
وخلاصة القول فها : إن الإكراد إن كان غير ملجئ وأتى المكره ((الفاعل)) بالفعل تحمل هو وحده مسؤولية فعله كاملة ، وترتب عليه أثره كاملاً.
وأما إذا كان الإكراه ملجئاً فالأفعال بالنسية اليه ثلاثة اقسام :-

القسم الأول :

الأفعال التي أباح الشارع إتيانها عند الضرورة : كشرب الخمر ، وأكل الميتة ، والخنزير . فهذا يباح للمكره (( الفاعل)) مباشرتها ، بل يجب عليه إتيانها ، فإذا امتنع أثم ، لأن الله تعالى أباحها ، وتناول المباح دفعاً للهلاك عن النفس واجب ، فلا يجوز تركه .


______________________
1-((نظرية العقد )) للامام ابن تيميةص155.

-141-
#ff0000


القسم الثاني :

وهو الذي يرخص في فعله عند الضرورة ، فإذا فعله فلا إثم عليه ، وإن امتع حتى لحقه الأذى كان مأجوراً، ومن هذا القسم : إتيان أفعال الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان . ومنه أيضاً : إتلاف مال الغيرإلا أن الضمان يكون على الحامل لا على الفاعل ، لأن فعل الإتلاف يمكن أن ينسب إلى الحامل ، يجعل الفاعل آلة له فيثبت الحكم في حقه ، وهذا عند الحنفية والشافعية وغيرهم .

القسم الثالث :

لا يحل للمكره الإقدام عليه بأي حال من الأحوال : كقتل النفس ، فإن نفس الغير معصومة كنفسه ، ولا يجوز للإنسان أن يدفع الضرر عن نفسه بإضرار غيره، فإن فعله كان آثماً . أما القصاص فيثبت في حق الحامل ، فيقتص منه ، لأن القتل يمكن أن ينسب إلى الحامل بجعل الفاعل آلة له ، والقصاص إنما يكون عل القاتل لا على آلة القتل ، وهذا عند الحنفية بناء على أصلهم في باب الاكراه .

أما عند الشافعية وغيرهم : فالقصاص على الفاعل ، لأنه فعل ما لا يحل له بالإكراه ، فيثبت الحكم في حقه ويقتل الحامل أيضاً لكونه قاتلاً بالتسبب .

ومثل القتل : الزنا ، فالحكم يثبت في حق الفاعل عند الجميع ، لأن فعل الزنا لا يمكن أن ينسب إلى الحامل ، لأن الإنسان لا يمكن أن يزني بآلة غيره ، إلا أن الحنفية قالوا بسقوط العقوية عن الزاني للشبهة ، والشافعية قالوا بإقامة الحد عليه بناء على أصلهم : وهو أن المكره (( الفاعل)) أتى ما لا يحل له فعله في الإكراه ، فيثبت الحكم في حقه ، ولا يمكن إثباته في حق الحامل هنا .

140- الإكراه في القانون العراقي:

أ - في القانون المدني :
عرف القانون المدني العراقى الإكراه بقوله : (( هو إجبار الشخص بغير حق على


-142-
#ff0000


أن يعمل عملاً دون رضاه)) (1). وجعل الإكراه قسمين : ملجئاً وغير ملجئ.
والأول: يكون بالتهديد بخطر جسيم محدق : كإتلاف النفس أو إتلاف خطير
في المال.
والثاني: يكون بما هو دون ذلك : بالحبس والضرب حسب أحوال الناس. وجعل التهديد بإيقاع ضرربالزوج وبكل قريب ذي رحم محرم ،إكراهاًا ملجئاً أو غيرملجيء، بحسب الأحوال(2) . واعتبر تهديد الزوج لزوجته بالضرب أو بمنعها عن أهلها لتقوم بتصرف لمصلحته إكراهاً معتبراً (3) ، وبهذا يتفق من حيث الجملة مع رأي بعض الفقهاء الذين قالوا : أن أمر الزوج لزوجته لتقوم له بفعل تكرهه كأمر السلطان ، إذا كانت الزوجة تعلم أن مخالفته تستوجب الأذى الشديد ، فيتحقق الإكره (4).

وأخيراً فإن القانون اشترط لتحقق الإكراه ما اشترطه الفقهاء(5).

أما أثر الإكراه ؛ فقد نص القانون على : أن عقود المكره (( الفاعل)) موقوفه ،سواء كان الإكراه ملجئاً أو غير ملجيء(6) . أما في الأفعال التي تنشأ عنها مسؤولية مدنية : كإتلاف المال أو النفس ، فقد نص القانون على : أن الفعل يضاف إلى الفاعل ، ويثبت أثره في حقه ، ولا يضاف إلى الحامل إلا إذا كان الفاعل مكرهاً إكراهاً ملجئاً .


____________________________
1- الفقرة الأولى من المادة 112.
2- الفقرة الأولى والثانية من المادة 112. والقانون المدني المصري جعل التهديد بخطر جسيم على النفس أو المال أو الشرف إكراهاً المادة 127 الفقرة الثانية .
3-المادة 16.
4- حاشية ابن عابدين ج5ص120.
5-المادة 113.
6-المادة 115 ولم تفرق المادة في عدم نفاذ التصرف بين عقد قابل للفسخ أو غير قابل له. والقانون المدني المصري أجاز إبطال العقد للإكراه المادة 127.
7- المادة 215 من القانون المدني العراقي.

-143-
#ff0000


والخلاصة : فإن القانون المدني العراقي لم يخرج فيما قرره من أحكام في باب الإكراه ، عن أقوال الفقهاء دون تقيد بمذهب معين .

ج- في قانون الأحوال الشخصية :

نص قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 118 لسنة 1959على: أن طلاق المكره لا يقع(1) . وهو في هذا يتفق ورأي جمهور الفقهاء كما ذكرنا سابقا .

ج- في قانون العقوبات العراقي :

نص هذ1 القانون في مادته 63 على أنه ((لا يسأل جزائناً من ارتكب جريمة ألجاته اليها ضرورة وقاية نقسه ، أو غير ، أو ماله ، أو مال غيره ، من خطر جسيم محدق ، لم يتسبب هو فيه عمداً ، ولم يكن في قدرته منعه بوسيلة أخرى .....الخ)) (2).

فهذه المادة تنص على حالة الضرورة ، وترفع العقاب بسببها إذا توفرت الشروط المطلوبة . وحيث أن الضرورة تشمل الإكراه ، إذ لا يخرح الإكراه عن كونه صورة من صور الضرورة ، فإن هذه المادة تنطبق في حالة الإكراه على شرط أن يكون الإكراه بالتهديد بخطر جسيم يقع على جسم المكره ، أو غيره ، أو ماله ، أو ماله غيره.





________________________
1- الفقرة الأولى من المادة 35 وفي مصر نص القانون رقم 25 لسنة 1929 على عدم وقوع طلاق المكره .
2- ومثل هذا جاء في قانون العقوبات المصري المادة 61 منه .

-144-
#ff0000





الباب الثاني

أدلة الأحكام




-145-و-146-
#ff0000

مشروع عراق الفاروق
2016-08-10, 10:28 AM
بارك الله فيك وجزاك الجنة على ما تقدمه من جهود في سبيل الإسلام

ياس
2016-08-10, 01:30 PM
141- تمهيد :

الأحكام الشرعية إنما تعرف بالأدلة التي أقامها الشارع لترشد المكلفين إليهم وتدلهم عليها، وتسمى هذه الأدلة : بأصوله الأحكام ، أو المصادر الشرعية للأحكام ، أو أدلة الأحكام ، فهي أسماء مترادفة والمعنى واحد .
والدليل في اللغة : ما فيه دلالة وإرشاد إلى أي أمر من الأمور .

وفي اصطلاح الأصوليين : ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري(1)، والمطلوب الخبري : هوالحكم الشرعي.

وقد اشترط بعض الأصوليين في الدليل : أن يكون موصولاً إلى حكم شرعي على سبيل القطع ، ، فإن كان على سبيل الظن ، فهو امارة لا دليل . ولكن المشهورعند الأصوليين أن هذا ليس بشرط ، فالدليل عندهم ما يستفاد منه حكم شرعي عملي على سبيل القل ، أوعلى سبيل القطع(2).
والأدلة الشرعية لا تنافي العقول ، لأنها منصوية في الشريعة لتعرف بها الأحكام وتستنبط منها ، فلو نافتها لفات المقصود منها . كما أن الاستقراء دل علم جريان الأدلة على مقتضى العقول ، بحيث تقبلها العقول السليمة وتنقاد لمقتضاها(3).



____________________
1- الآمدي ج13ص11.
2-((المسودة))ص573.
3-((الموافقات))الشاطبي ج3 ص27-28.


-147-
#ff0000


142- تقسيمات الأدلة :

تقسم الأدلة إلى تقسيمات مختلقة بالنظر إلى اعتبارات مختلقة ، أي بالنظر الى الجهة التي ينظر منها إليها . ونذكر فيما يلي تقسيمين من هذه التقسيمات :

التقسيم الأول:
من جهة مدى الاتفاق والاختلاف في هذه الأدلة ، وهي بهذا الاعتبار الأنوع التالية :

النوع الأول : وهومحل اتفاقه بين أئمة المسلمين ، ويشمل هذا النوع الكتاب
(( القرآن)) والسنة .

النوع الثاني : وهو محل اتفاق جمهور المسلمين ، وهو الإجماع والقياس . فقد خالف في الإجماع النظام من المعتزلة ، وبعض الخوارج (1) ، وخالف في القياس:
الجعفرية(2)، والظاهرية(3).

النوع الثالث : وهو محل اختلاف بين العلماء ، حتى بين جمهورهم الذين قالوا بالقياس ، وهذا النوع يشمل : العرف(4) ، والاستصحاب ، والاستحسان والمصالح المرسلة ، وشرع من قبلنا ، ومذهب الصحابي . فمن العلماء من اعتبر هذا النوع من مصادر التشريع ، ومنهم من لم يعتبره .

التقسيم الثاني:
الأدلة من حيث رجوعها إلى النقل أو الرأي ، تنقسم إلى قسمين : نقلية وعقلية .




1-(( مذكرات في اصول الفقه)) لاستاذنا الشيخ محمد الزفزاف ص63.
2- ((أصول الاستنباط)) للعلامة السيد علي تقي الحيدري ج2ص258 وما بعدها.
3- (( الإحكام في أصول الأحكام )) للإمام ابن حزم الظاهري ج7ص53 وما بعدها.
4- العرف معتبر. والخلاف في اعتباره دليلا مستقلا.

-148-
#ff0000

النوع الأول : الأدلة النقلية : وفي الكتاب والسنة ، ويلحق بهذا النوع:
الإجماع ، ومذهب الصحابي ، وشرع من قبلنا على رأى من يأخذ بهذه الأدلة ويعتبرهما مصادر للتشريع . وإنما كان هذا النوع من الأدلة نقلياً، لأنه راجح إلى التعبد بأمر منقول عن الشارع ، لا نظر ولا رأي لأحد فيه .

النوع الثاني : الأدلة العقلية : أي التي ترجع إلى النظر والرأي ، وهذا النوع هو القياس ، ويلحق به : الاستحسان ، والمصالح المرسلة . والاستصحاب ، وإنما كان هذا النوع عقلياً ، لأن مردوده الى النظر والرأي ، لا إلى أمر منقول عن الشارع .

وهذه القسمة التي ذكرناها إنما هي بالنسبة إلى أصوله الأدلة ، أما بالنسة إلى الاستدلال بها على الحكم الشرعي ، فكل نوع من النوعين مفتقر إلى الآخر، لأن الاستدلال بالمنقول عن الشارع لا بد فيه من النظر واستعمال العقل الذي هو أداة الفهم ، كما أن الرأي لا يكون صحيحاً معتبراً إلا لإذا استند إلى النقل ، لأن العقل المجرد لا دخل له في تشريع الأحكام(1).

143- مرجع الأدلة بأنواعها إلى الكتاب :

قلنا : إن الأدلة نوعان : نقلية وعقلية . وعند النظر نجد أن الأدلة الشرعية محصورة في الكتاب والسنة ، لأن الأدلة الثابته لم تثبت بالعقل ، وإنما ثبتت بالكتاب والسنة إذ بهما قامت أدلة صحة الاعتماد عليها، فيكون الكتاب والسنة مرجع الأحكام و مستندها من جهتين : الأولى : جهة دلالتهما على الأحكام الجزئية الفرعية :
كأحكام الزكاة والبيوع والعقوبات ، ونحوها .والثانية : دلالتهما عل القواعد والأصول التي تستند إليها الأحكام الجزئية الفرعية : كدلالتهما على أن الإجماع ججة وأصل للأحكام ، وكذا القياس وشرع من قبلنا، ونحو ذلك.

ثم إن مرجع السنة إلى الكتاب ، وذلك من وجهين :

الوجه الأول : إن العمل بالسنة ، والاعتماد عليها واستنباط الأحكام منها ،


____________________
1-((الموافقات )) للشاطبي ج3 ص41.


-149-
#ff0000


إنما دل على ذلك القرآن الكريم قال تعالى : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ))[النساء: 59] ، وقوله تعالى (( أَطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ)) وتكراره يدل على عموم طاعته ، سواء كان ما أتي به ما في الكتاب ، أو مما ليس فيه ، إلى نصوص أخرى تفيد هذا المعنى مثل قوله تعالى : (( وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)) [الحشر:7] ، وقوله تعالى : ((فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ))[النور:63].

الوجه الثاني : إن السنة إنما جاءت لبيان الكتاب الكريم وشرح معانيه ، بدليل قوله تعالى : ((وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)) [النحل :44]، وقال تعالى : (( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ))[المائدة :67] ، والتبليغ يشمل تبليغ الكتاب وبيان معانيه.

فالسنة : بيان للكتاب ، وشارحه لمعانيه ، ومفصلة لمجمله ، كما سيأتي توضيح ذلك في بحث السنة .
وعل هذا : فكتاب الله تعالى : «القران» : هوأصل الأصول، ومصدر المصادر ومرجع الأدلة جميعاً (1).

144- ترتيب الأدلة :

ذكرنا الأدلة المتفق عليها والمختلف فيها ، وقلنا : إن الكتاب هومرجع الأدلة جميعاً، ومصدر المصادر، فمن البديهي أن يكون مقدماً عليها في الرجوع إليه عند إرادة معرفة الحكم الشرعي؛ فإذا لم يوجد الحكم فيه وجب الرجوع الى السنة ، لأن السنة مبينة للكتاب وشارحة لمعانيه ، فكان من البديهي الرجوع إليها عند عدم وجود الحكم في الكتاب ، فإذا لم يوجد الحكم في السنة، لزم الرجوع إلى الإجماع ، لأن مستند الإجماع نص من الكتاب أو السنة؛ فإن لم يكن إجماع في المسألة ، وجب الرجوع إلى القياس .
فترتيب الأدلة في الرجوع إليها واستنباط الأحكام منها، يكون على هذا النحو: الكتاب، ثم السنة، ثم الإجماع، ثم القياس وعلى هذا اتفق جمهور الفقهاء القائلين بحجية الإجماع والقياس ، واعتبارهما مصدرين للأحكام التشريعية

_____________________
1- المرجع السابق ج3 ص42-43.

-150-
#ff0000


بالإضافة الى الكتاب والسنة ، وقد دلَّ على الترتيب الذي ذهب إليه الجمهورآثار كثيرة منها:
1- إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ ، عندما أرسله إلى اليمن : كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال : أقضي بكتاب الله ، قال : فإن لم تجد؟ قال: أقضي بسنة رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله قال : اجتهد
برأيي ولا آلو فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدره ، وقال : الحمد لله الذى وفق
رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسولَ الله (1).

ووجه الدلالة يهذا الحديد : أن النبي عليه الصلاة والسلام أقره على الاجتهاد بالرأي إذا لم يجد الحكم في الكتاب والسنة ، وما القياس إلا ضرب من ضروب الاجتهاد بالرأي .

2 - عن ميمون بن مهران قال : كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضي به ، قضى به ، وإن لم يجد في كتاب الله نظرفي سنة رسول الله، فإن وجد فيها ما يقضي ، به قضى به ، فإن اعياه ذلك جمع رؤساء الناس فاستشارهم ، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به . وكان عمر بن الخطاب يفعل ذلك(2).

3- قال عمر بن الخطاب لشروح قاضيه في الكوفة : اقض بكتاب الله ، فإن لم تجد فبقضاء رسول الله ، أي سنته ، فإن لم تجد فاقض بما استبان لك من أثمة المهتدين ، فإن لم تجد فاجتهد رأيك واستشر أهل العلم والصلاح (3) . ومثل هذا كان يقول عبدالله بن مسعود (4).



________________________
1-((تيسير الوصول ))لابن الديبغ الشيباني ج4ص55.
2-((أعلام الموقعين))ج1ص51.
3-((أعلام الموقعين))ج1ص171.
4-((أعلام الموقعين))ج1 ص52.

-151-
#ff0000



الفصل الأول
الدليل الأول
القرآن


145-تعريفه ، وحجيته :

القرآن أشهر من أن يُعرَّف ، ومع هذا فقد اعتنى الأصوليون بتعريفه ، وذكروا له تعاريف شتى ، حرص كل منهم له أن يكون تعريفه جامعاً مانعاً(1).

ومن هذه التعاريف، «القرآن ، هو الكتاب للنزل على رسلول الله محمد صلى الله عليه وسلم
المكتوب في المصاحف ، المنقول إلينا عنه نقلاً متواترا بلا شبهة ))(2).

ولا خلاف بين المسلمين أن القرآن حجة على الجميع ، وأنه المصدر الأول للتشريع ، بل حجة على جميع البشر. والبرهان على حجيته: أنه من عند الله، والبرهان على أنه من عند الله : إعجازه، كما سيأتي بيانه بعد قليل . وإذا ثبت كونه من عند الله، بدليل إعجازه ، وجب اتباعه من قبل الجميع .
146- خواص القرآن :

أولاً : أنه كلام الله المنزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا لا تعتبر من القرآن الكتب السماوية الأخرى كالتوراة والأنجيل ،لأنها لم تنزل على محمد صلى الله عليه وسلم .




______________________________
1- انظر هذه التعاريف في ((حاشية الإزميري على مرآة الأصول))ج1ص86-87 والآمدي ج1ص22 و((شرح مرقاة الوصول))ج1ص93-96 و ((التوضيح والتلويح))ج1 ص36 و ((المستصفى ))للغزالي ج1ص65.

-152-
#ff0000


ثانياً : القرآن هو مجموع اللفظ والمعنى ، وإن لفظه نزل باللسان العربي قاله تعالى : ((إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا))[الزخرف:3] فليس في القرآن الكريم لفظ غير عربي، قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى : (( جميع كتاب الله نزل بلسان العرب . وقال أيضاً : ليس عن كتاب الله شيء إلا بلسان العرب)) (1) . وعلى هذا لا تعتبر الأحاديث النبوية من القرآني لأن ألفاظها ليست من الله ، وإن كان معناها موحى بها من الله ، وكذا لا يعتبر من القرآن تفسيره،ولو كان باللغة العربية. وكذا ترجمته إلى غير العربية ، لا تعتبرمن القرآن.
ثالثاً : أنه نقل الينا بالتواتر ، أي أن القرآن نقله قوم لا يتوهم اجتماعهم وتواطؤهم على الكذب ، لكثرة عددهم وتباين أمكنتهم ، عن قوم مثلهم ، وهكذا إلى أن يتصل النقل برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيكون أول النقل كآخره وأوسطه كطرفيه (2).
وعلى هذا فما نقل من القراءات عن غير طريق التواتر لا يعتبر من القرآن ، مثل ما روي عن عبدالله بن مسعودأنه قرأ قوله تعالى : ((فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ))[البقرة:196، المائدة: 89] بزيادة كلمة «متتابعات» فهذه القراءة محمولة على أنها تفسير للثلاثة الأيام، بكونها متتابعات عل رأي ابن مسعود(3).
رابعاً : أنه محفوظ من الزيادة والنقصان لقوله تعالى ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ))[الحجر:9] فلا نقص فيه ولا زيادة ، ولن يستطيع مخلوق أن يزيد عليه شيئا أو ينقص منه شيئاً ، لأن الله تعالى تولى حفظه ، وما تولى الله حفظه فلن تصل اليه يد العابثين المفسدين .

خامساً : أنه معجز، ومعنى ذلك عجز البشر أجمعين عن الإتيان بمثله ، وقد ثبث


________________________
1- ((الرسالة ))للإمام الشافعي ص40-42.
2-((أصول البزدوي))ج1ص282.
3-((المستصفى))للغزاليج1ص56.

-153-
#ff0000


إعجازه بتحدي القرآن للعرب المخالفين من أن يأتوا بمثله فعجزوا، ثم تحداهم بعشر سور فعجزوا، ثم تحداهم بعشر سور فعجزوا ، ثم تحداهم بسورة واحدة من سوره فعجزوا ، قال تعال: ((قُلْ لَئِن اجتَمَعَتِ اْلإَنسُ والجِنُّ على أَنْ يأْتُوا بمِثلِ هذا القُرْآنِ لا يأْتونَ بمثلِهِ ولوْ كان بَعْضُهُمْ لِبَعضٍ ظَهِراَ))[الإسراء:88] وقوله : ((أَمْ يَقولونَ افتَرَاهُ قُل فأْتُوا بِعَشِر سُوَرٍ مِثلَهِ مُفْتَرَيَاتٍ وادْعوا مَنِ استَطَعتُمْ مِن دونِ الله إِن كُنتُمْ صادِقينَ )) [هود:13] وقوله : ((وإِنْ كُنتْم في رَيْبٍ مِما نَزَّلنا على عَبْدِنا فأْتوا بسورَةٍ مِنْ مثلهِ وادْعوا شُهَدَاءَكُمْ منْ دون الله إنْ كنتُمْ صادقينَ فإِنْ لَم تَفْعَلوا ولنْ تَفعَلوا فاتَّقوا النَّارَ التي وَقُودُهَا النَّاسُ والحِجارةُ أُعِدَّتْ للِكافِرينَ )) [البقرة : 24،23]

ومع هذا التحدي الذي يستفز الهمم ، ويبعث على العارضة ، عجز العرب عن المعارضة بالرغم من وجود المقتضي للمعارضة ، وعدم المانع منها . أما وجود ألمقتضي ، فلأن العرب كانوا حريصين كل الحرص كل الحرص على إبطال دعوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فلوكانوا قادرين لجاءوا بما يعارض القرآن ، ويبطل دعوة محمد صلى الله عليه وسلم . وأما عدم المانع من المعارضة فلأنهم أهل البلاغة والفصاحة والمعرفة التامة باللغة العربية وأصحاب الحكم والسلطان ، فلما ثبت
عجزهم ثبت أن القرآن النازل بلغة العرب هو كتاب الله ، وأن محمد صلى الله عليه وسلم هو
رسول الله حق.

147- وجوم اعجازه :

أما وجوه اعجازه فكثيرة منها :

1- بلاغته التي بهرت العرب ، وجعلتهم مشدوهين على نحو لم تعهد في كلام العرب من قبل ، لا في منظوم ولا منثور،مع بقائها في مستوى عال في جميع أجزاء القرآن ، وبالرغم من تناوله مواضيع شتى ، واحكاماً مختلفة ، وبالرغم من نزوله في فترات متباعدة .

2- إخباره بوقائع تحدث في المستقبل ، وقد حدثت فعلاً ، من ذلك قوله تعالى : ((أَلْم


-154-
#ff0000


غُلِبَتِ الرُّومُ فيِ أَدْنَى الْأرْضِ وَهمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فيِ بِضْعِ سِنِينَ )) [الروم :1-4].

3 - إخباره بوقائع الأمم السابقة المجهولة أخبارها عند العرب جهلاً تاماً ، لعدم وجوه ما يدل عليها من آثار ومعالم ، وإلى هذا النوع من الإخبار أشار قوله تعالى : ((تَلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذَا )) [هود : 49].

4- إشارته إلى بعص الحقائق الكونية التي أثبتها العلم الحديث، والتي لم تكن معروفة من قيل ، من ذلك قوله تعالى : (( أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّموَاتِ وَالأْرْضَ كَانَتَا رَتْقَاً فَفَتْقْنَاهما وَجَعَلْنَا مِنَ اْلمَاءِ كُلَّ شَيْء حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ )) [الأنبياء :30] ، ((وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ )) [الحجر :22].
148- أحكام القرآن :

اشتمل القرآن على أحكام كثيرة متنوعة ، يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام :

القسم الأول :
الأحكام المتعلقة بالعقيدة : كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . وهذه هي الأحكام الاعتقادية ، ومحل دراستها في : علم التوحيد .

القسم الثاني :
أحكام تتعلق بتهذيب ا لنفس وتقويمها . وهذه هي الأحكام الأخلاقية ، ومحل دراستها : علم الأخلاق ، أو التصوف .

القسم الثالث :
الأحكام العملية المتعلقة بأقوال وأفعال المكلفين ، وهي المقصودة ب (( الفقه)).
والتي يهدف علم الفقه وأصوله إلى معرفتها والوصول إليها ، وهذه الأحكام نوعان :



-155-
#ff0000


النوع الاول : العبادات : كالصلاة والصيام ،والغرض منها: تنظيم علاقة الفرد بربه .

النوع الثاني : ما عدا العبادات وتسمى باصطلاع الفقهاء بالمعاملات ، وهي تشمل الأحكام التي تدخل في نطاق القانون الخاص والقانون العام ، حسب الاصطلاح القانوني الحديث . وهذه الأحكام يقصد بها : تنظيم علاقة الفرد بالفرد،أو الفرد بالجماعة ، أو الجماعة بالجماعة ، وهذه هي (1) :-

أ- الأحكام المتعلقة بالأسرة ، وهي تدخل في نطاق ما يسمى : بقانون الأسرة، أو بمسائل الأحوال الشخصية : كالنكاح والطلاق والبنوة والنسب والولاية ، ونحو ذلك ، ويقصد بها بناء الأسرة على أسس قويمة ، وبيان حقوق وواجبات أفرادها ، وآيات هذه الأحكام نحو (70) آية.

ب - الأحكام المتعلقة بمعاملات الأفراد المالية : كاليبع والرهن وسائر العقود ، وهي تدخل في نطاق مايسمى : بالقانون المدني ، وآياتها نحو ( 70) آية .

ج- الأحكام المتعلقة بالقضاء والشهادة واليمين ، ويقصد بها : تنظيم إجراءات التقاضي لتحقيق العدالة بين الناس ، وهي تدخل فيما يسمى اليوم : بقانون المرافعات، وآياتها نحو (13) آية.

د- الأحكام المتعلقة بالجرائم والعقوبات ، وهي تكون القانون الجنائي الإسلامي وآياتها نحو ( 30) آية ، ويقصدبها : حفظ الناس وأعراضهم وأموالهم ، وإشاعة
الطمأنينة والاستقرار في المجتمع .

ه- الأحكام المتعلقة بنظام الحكم ، ومدى علاقة الحاكم بالمحكوم ، وبيان حقوق وواجبات كل من الحاكم والمحكومين ، وهي تدخل فيما يسمى : بالقانون الدستوري ، وآياتها نحو ( . 1 ) آيات .

و- الأحكام المتعلقة بمعاملة الدولة الإسلامية للدول الأخرى ، ومدى علاقتها بها ونوع هذه العلاقة في السلم والحرب ، وما يترتب على ذلك من أحكام ، وكذلك



___________________________
1- الشيخ عبد الوهاب خلاف المرجع السابق ، ص70 وما بعدها.



-156-


بيان علاقة المستأمنين (الأجانب) مع الدولة الإسلامة . وهذه الأحكام منها ما يدخل في نطاق القانون الدولي العام ، ومنها ما يدخل في نطاق القانون الدولي الخاص وآياتها نحو من (25)آية

ز- الأحكام الاقتصادية : وهي المتعلقة بموارد الدولة ومصارفها ، وبحقوق الأفراد في
أموال الأغنياء ، وآياتها نحو من ( 0 1 ) آيات.
149- بيان القرآن للأحكام :
قال تعال: ((وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ))[النحل:89] و ((مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ))[الأنعام:38] ، فالقرآن الكريم فيه بيان لجميع الأحكام الشرعية،إلا أن بيانه على نوعين:

النوع الأول : ذكر القواعد والمبادئ العامة للتشريع ، وبيان الأحكام بصورة مجملة ، فمن القواعد المبادئ العامة التي تكون أساساً للتشريع وتفريع الأحكام ، ما يأتي:-

أ- الشورى : ((وَأَمْرُهُمْ شُورَى? بَيْنَهُمْ ))[الشورى:38].((وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ))[آل عمران: 159].
ب - العدل : ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ))[النحل:90] ، ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ))[النساء:58].
ج- الإنسان مأخوذ بجريرته ، ولا يسأل عن ذنب غيره : ((وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى))[الأنعام : 164،....].
د- العقوبة بقدر الجريمة : ((وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ))[الشورى:40].
ه- حرمة مال الغير : ((وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ))[البقرة:188].
و- التعاون على الخير وما فيه نفع للأمة : (( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ))[المائدة :2].
ز- الوفاء بالالتزامات : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ))[المائدة:1].
‎ ‏

-157-
#ff0000


ح - الحرج مرفوع : (( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ))[الحج : 78].
ي - الضرورات تبيح المحظورات: (( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ)) [البقرة: 173].

ومن الأحكام التي جاءت مجملة في القرآن ولم يفصل حكمها : الأمر بالزكاة، قال تعالى : ((خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً)) [التوبة: 103]، ومثلها القصاص (( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ))[البقرة:179]، وقوله تعالى : ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى))[البقرة : 178]، ولم يبين القرآن شروط القصاص وقد بينتها السنة . وكذلك البيع والربا ، قال تعالى : ((وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)) [البقرة: 275] فجاءت السنةببيان البيع الحلال وشروطه ، والربا الحرام وأنواعه . وهذا النوع من البيان للأحكام ، وهوالبيان الإجمالي ، وهو الغالب في القرآن . والحكمة في مجيء أحكام القرآن على شكل قواعد ومباديء عامة : هي أن مجيئها على هذا النحو يجعلها تتسع لما يستجد من الحوادث ، فلا تضيق بشيء أبداً.
النوع الثاني: الأحكام التفصيلية - وهي قليلة في القرآن ، ومنها : مقادير المواريث ،ومقادير العقوبات في الحدود ، وكيفية الطلاق وعدده ، وكيفية اللعان بين الزوجين
وبيان المحرمات من النساء ونحوذلك .

150- أسلوب القرآن في بيان الأحكام :
للقرآن أساليب مختلفة في بيان الأحكام ، اقتضتها بلاغته وكونه معجزاً، وكتاب هداية وإرشاد ، فهو يعرض الأحكام عرضاً فيه تشويق للامتثال وتنفير عن المخالفة والعناد .ولهذا نجد ما هو واجب قد ينص على وجوبه بصيغة الأمر ((وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ)) [الطلاق:2]،أو بأن الفعل مكتوب على المخاطبين (( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ))[البقرة:183] (( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ))[البقرة:178] وقد يكون بيان الواجب بذكر الجزاء الحسن والثواب لفاعله ((وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي))[النساء:13].
‎ ‏
‎ ‏
‎ ‏
‎ ‏

-158-
#ff0000


والمحرم قد يكون ييانه بصيغة النهي مثل قوله تعالى : ((وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ))[ الأنعام:151] وقوله تعالى : ((وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)) [البقرة:195] ، وقد يكون بالتوعد على الفعل أو يترتب العقوبة عليه، مثل قوله تعالى : ((إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا))[النساء:10] وقوله تعالى : ((وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ))[النساء:14].
وعلى هذا فيجب على كل من يريد استنباط الأحكام من القرآن أن يعرف هذه الأساليب في القرآن ، وكيفية بيانه للأحكام وما يقترن بالنصوص مما يدل على الوجوب أو الحرمة أو الإباحة . ومن الضوابط والقواعد النافعة في هذا الباب ما يأتي:

1- يكون حكم الفعل : الوجوب أو الندب ، إذا جاء بالصيغة الدالة عل الوجوب أو الندب ، أو إذا ذكر في القرآن واقترن به مدح أو محبة أوثناء له أو لفاعله ، أو إذا اقترن به الجزاء الحسن والثواب لفاعله .
2 - ويكون حكم الفعل : الحرمة أو الكراهة ، إذا جاء ذكره بصيغة تدل عل طلب الشارع لتركه والابتعاد عنه ، أو إذا ذكر على وجه الذم له ولفاعله ، أو أنه سبب للعذاب أو لسخط الله أو مقته ، أو دخول النار، أو لعن فاعله ، أو وصف الفعل بأنه رجس أو فسق أو من عمل الشيطان ، أو وصف فاعله بالبهيمة أو بالشيطان ، ونحوذلك.
3 - ويكون حكم الفعل : الإباحة ، إذا جاء بلفظ يدل على ذلك : كالإحلال والإذن ، ونفي الحرج ، أو نفي الجناح ، أو الانكار على من حرم الشيء ، ونحو ذلك.

151- دلالة القرآن على الأحكام:
قدمنا أن القرآن قطعي الورود، أي ثابت قطعاً لوصوله إلينا بطريق التواتر المفيد للعلم اليقيني بصحة المنقول . فأحكامه إذن قطعية الثبوت ، إلا أن دلالته على الأحكام قد تكون قطعية وقد تكون ظنية.



-159-
#ff0000


فتكون قطعية : إذا كان اللفظ لا يحتمل إلا معنى واحداً فقط ، ففي هذه الحالة تكون دلالة اللفظ على الحكم دلالة قطعية ، مثل قوله تعالى : (( وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ ? فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ? مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ))[النساء:12] ، وقوله تعالى : (( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ)) [النور:2] ، فالنصف والربع والمئة كلها قطعية الدلالة على مدلولها، ولا يحتمل أي واحد منها إلامعنىً واحداً فقط هو المذكور في الآية .

وتكون دلالته ظنية : إذا كان اللفظ يحتمل أكثرمن معنى ، فتكون دلالة اللفظ على الحكم دلالة ظنية ، مثل قوله تعالى : (( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)) [البقرة :228] ، فلفظ ((القروء)) يحتمل أن يراد به الاطهار ، ويحتمل أن يراد به الحيضات ، فمع هذا الاحتمال تكون دلالة الآية على الحكم ظنية لا قطعية .








-160-
#ff0000

يتبع بإذن الله تعالى ....

ياس
2016-08-10, 01:37 PM
بارك الله فيك وجزاك الجنة على ما تقدمه من جهود في سبيل الإسلام بارك الله فيكم "مشروع عراق الفاروق" وجزاكم الخير والاحسان

=========================


نتابع في نقل الكتاب بالصيغة الحصرية.....





141- تمهيد :

الأحكام الشرعية إنما تعرف بالأدلة التي أقامها الشارع لترشد المكلفين إليهم وتدلهم عليها، وتسمى هذه الأدلة : بأصوله الأحكام ، أو المصادر الشرعية للأحكام ، أو أدلة الأحكام ، فهي أسماء مترادفة والمعنى واحد .
والدليل في اللغة : ما فيه دلالة وإرشاد إلى أي أمر من الأمور .

وفي اصطلاح الأصوليين : ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري(1)، والمطلوب الخبري : هوالحكم الشرعي.

وقد اشترط بعض الأصوليين في الدليل : أن يكون موصولاً إلى حكم شرعي على سبيل القطع ، ، فإن كان على سبيل الظن ، فهو امارة لا دليل . ولكن المشهورعند الأصوليين أن هذا ليس بشرط ، فالدليل عندهم ما يستفاد منه حكم شرعي عملي على سبيل القل ، أوعلى سبيل القطع(2).
والأدلة الشرعية لا تنافي العقول ، لأنها منصوية في الشريعة لتعرف بها الأحكام وتستنبط منها ، فلو نافتها لفات المقصود منها . كما أن الاستقراء دل علم جريان الأدلة على مقتضى العقول ، بحيث تقبلها العقول السليمة وتنقاد لمقتضاها(3).



____________________
1- الآمدي ج13ص11.
2-((المسودة))ص573.
3-((الموافقات))الشاطبي ج3 ص27-28.

-147-
#ff0000


142- تقسيمات الأدلة :

تقسم الأدلة إلى تقسيمات مختلقة بالنظر إلى اعتبارات مختلقة ، أي بالنظر الى الجهة التي ينظر منها إليها . ونذكر فيما يلي تقسيمين من هذه التقسيمات :

التقسيم الأول:
من جهة مدى الاتفاق والاختلاف في هذه الأدلة ، وهي بهذا الاعتبار الأنوع التالية :

النوع الأول : وهومحل اتفاقه بين أئمة المسلمين ، ويشمل هذا النوع الكتاب
(( القرآن)) والسنة .

النوع الثاني : وهو محل اتفاق جمهور المسلمين ، وهو الإجماع والقياس . فقد خالف في الإجماع النظام من المعتزلة ، وبعض الخوارج (1) ، وخالف في القياس:
الجعفرية(2)، والظاهرية(3).

النوع الثالث : وهو محل اختلاف بين العلماء ، حتى بين جمهورهم الذين قالوا بالقياس ، وهذا النوع يشمل : العرف(4) ، والاستصحاب ، والاستحسان والمصالح المرسلة ، وشرع من قبلنا ، ومذهب الصحابي . فمن العلماء من اعتبر هذا النوع من مصادر التشريع ، ومنهم من لم يعتبره .

التقسيم الثاني:
الأدلة من حيث رجوعها إلى النقل أو الرأي ، تنقسم إلى قسمين : نقلية وعقلية .




1-(( مذكرات في اصول الفقه)) لاستاذنا الشيخ محمد الزفزاف ص63.
2- ((أصول الاستنباط)) للعلامة السيد علي تقي الحيدري ج2ص258 وما بعدها.
3- (( الإحكام في أصول الأحكام )) للإمام ابن حزم الظاهري ج7ص53 وما بعدها.
4- العرف معتبر. والخلاف في اعتباره دليلا مستقلا.

-148-
#ff0000

النوع الأول : الأدلة النقلية : وفي الكتاب والسنة ، ويلحق بهذا النوع:
الإجماع ، ومذهب الصحابي ، وشرع من قبلنا على رأى من يأخذ بهذه الأدلة ويعتبرهما مصادر للتشريع . وإنما كان هذا النوع من الأدلة نقلياً، لأنه راجح إلى التعبد بأمر منقول عن الشارع ، لا نظر ولا رأي لأحد فيه .

النوع الثاني : الأدلة العقلية : أي التي ترجع إلى النظر والرأي ، وهذا النوع هو القياس ، ويلحق به : الاستحسان ، والمصالح المرسلة . والاستصحاب ، وإنما كان هذا النوع عقلياً ، لأن مردوده الى النظر والرأي ، لا إلى أمر منقول عن الشارع .

وهذه القسمة التي ذكرناها إنما هي بالنسبة إلى أصوله الأدلة ، أما بالنسة إلى الاستدلال بها على الحكم الشرعي ، فكل نوع من النوعين مفتقر إلى الآخر، لأن الاستدلال بالمنقول عن الشارع لا بد فيه من النظر واستعمال العقل الذي هو أداة الفهم ، كما أن الرأي لا يكون صحيحاً معتبراً إلا لإذا استند إلى النقل ، لأن العقل المجرد لا دخل له في تشريع الأحكام(1).

143- مرجع الأدلة بأنواعها إلى الكتاب :

قلنا : إن الأدلة نوعان : نقلية وعقلية . وعند النظر نجد أن الأدلة الشرعية محصورة في الكتاب والسنة ، لأن الأدلة الثابته لم تثبت بالعقل ، وإنما ثبتت بالكتاب والسنة إذ بهما قامت أدلة صحة الاعتماد عليها، فيكون الكتاب والسنة مرجع الأحكام و مستندها من جهتين : الأولى : جهة دلالتهما على الأحكام الجزئية الفرعية :
كأحكام الزكاة والبيوع والعقوبات ، ونحوها .والثانية : دلالتهما عل القواعد والأصول التي تستند إليها الأحكام الجزئية الفرعية : كدلالتهما على أن الإجماع ججة وأصل للأحكام ، وكذا القياس وشرع من قبلنا، ونحو ذلك.

ثم إن مرجع السنة إلى الكتاب ، وذلك من وجهين :

الوجه الأول : إن العمل بالسنة ، والاعتماد عليها واستنباط الأحكام منها ،


____________________
1-((الموافقات )) للشاطبي ج3 ص41.


-149-
#ff0000


إنما دل على ذلك القرآن الكريم قال تعالى : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ))[النساء: 59] ، وقوله تعالى (( أَطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ)) وتكراره يدل على عموم طاعته ، سواء كان ما أتي به ما في الكتاب ، أو مما ليس فيه ، إلى نصوص أخرى تفيد هذا المعنى مثل قوله تعالى : (( وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)) [الحشر:7] ، وقوله تعالى : ((فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ))[النور:63].

الوجه الثاني : إن السنة إنما جاءت لبيان الكتاب الكريم وشرح معانيه ، بدليل قوله تعالى : ((وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)) [النحل :44]، وقال تعالى : (( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ))[المائدة :67] ، والتبليغ يشمل تبليغ الكتاب وبيان معانيه.

فالسنة : بيان للكتاب ، وشارحه لمعانيه ، ومفصلة لمجمله ، كما سيأتي توضيح ذلك في بحث السنة .
وعل هذا : فكتاب الله تعالى : «القران» : هوأصل الأصول، ومصدر المصادر ومرجع الأدلة جميعاً (1).

144- ترتيب الأدلة :

ذكرنا الأدلة المتفق عليها والمختلف فيها ، وقلنا : إن الكتاب هومرجع الأدلة جميعاً، ومصدر المصادر، فمن البديهي أن يكون مقدماً عليها في الرجوع إليه عند إرادة معرفة الحكم الشرعي؛ فإذا لم يوجد الحكم فيه وجب الرجوع الى السنة ، لأن السنة مبينة للكتاب وشارحة لمعانيه ، فكان من البديهي الرجوع إليها عند عدم وجود الحكم في الكتاب ، فإذا لم يوجد الحكم في السنة، لزم الرجوع إلى الإجماع ، لأن مستند الإجماع نص من الكتاب أو السنة؛ فإن لم يكن إجماع في المسألة ، وجب الرجوع إلى القياس .
فترتيب الأدلة في الرجوع إليها واستنباط الأحكام منها، يكون على هذا النحو: الكتاب، ثم السنة، ثم الإجماع، ثم القياس وعلى هذا اتفق جمهور الفقهاء القائلين بحجية الإجماع والقياس ، واعتبارهما مصدرين للأحكام التشريعية

_____________________
1- المرجع السابق ج3 ص42-43.

-150-
#ff0000


بالإضافة الى الكتاب والسنة ، وقد دلَّ على الترتيب الذي ذهب إليه الجمهورآثار كثيرة منها:
1- إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ ، عندما أرسله إلى اليمن : كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال : أقضي بكتاب الله ، قال : فإن لم تجد؟ قال: أقضي بسنة رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله قال : اجتهد
برأيي ولا آلو فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدره ، وقال : الحمد لله الذى وفق
رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسولَ الله (1).

ووجه الدلالة يهذا الحديد : أن النبي عليه الصلاة والسلام أقره على الاجتهاد بالرأي إذا لم يجد الحكم في الكتاب والسنة ، وما القياس إلا ضرب من ضروب الاجتهاد بالرأي .

2 - عن ميمون بن مهران قال : كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضي به ، قضى به ، وإن لم يجد في كتاب الله نظرفي سنة رسول الله، فإن وجد فيها ما يقضي ، به قضى به ، فإن اعياه ذلك جمع رؤساء الناس فاستشارهم ، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به . وكان عمر بن الخطاب يفعل ذلك(2).

3- قال عمر بن الخطاب لشروح قاضيه في الكوفة : اقض بكتاب الله ، فإن لم تجد فبقضاء رسول الله ، أي سنته ، فإن لم تجد فاقض بما استبان لك من أثمة المهتدين ، فإن لم تجد فاجتهد رأيك واستشر أهل العلم والصلاح (3) . ومثل هذا كان يقول عبدالله بن مسعود (4).



________________________
1-((تيسير الوصول ))لابن الديبغ الشيباني ج4ص55.
2-((أعلام الموقعين))ج1ص51.
3-((أعلام الموقعين))ج1ص171.
4-((أعلام الموقعين))ج1 ص52.

-151-
#ff0000



الفصل الأول
الدليل الأول
القرآن


145-تعريفه ، وحجيته :

القرآن أشهر من أن يُعرَّف ، ومع هذا فقد اعتنى الأصوليون بتعريفه ، وذكروا له تعاريف شتى ، حرص كل منهم له أن يكون تعريفه جامعاً مانعاً(1).

ومن هذه التعاريف، «القرآن ، هو الكتاب للنزل على رسلول الله محمد صلى الله عليه وسلم
المكتوب في المصاحف ، المنقول إلينا عنه نقلاً متواترا بلا شبهة ))(2).

ولا خلاف بين المسلمين أن القرآن حجة على الجميع ، وأنه المصدر الأول للتشريع ، بل حجة على جميع البشر. والبرهان على حجيته: أنه من عند الله، والبرهان على أنه من عند الله : إعجازه، كما سيأتي بيانه بعد قليل . وإذا ثبت كونه من عند الله، بدليل إعجازه ، وجب اتباعه من قبل الجميع .
146- خواص القرآن :

أولاً : أنه كلام الله المنزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا لا تعتبر من القرآن الكتب السماوية الأخرى كالتوراة والأنجيل ،لأنها لم تنزل على محمد صلى الله عليه وسلم .




______________________________
1- انظر هذه التعاريف في ((حاشية الإزميري على مرآة الأصول))ج1ص86-87 والآمدي ج1ص22 و((شرح مرقاة الوصول))ج1ص93-96 و ((التوضيح والتلويح))ج1 ص36 و ((المستصفى ))للغزالي ج1ص65.

-152-
#ff0000



ثانياً : القرآن هو مجموع اللفظ والمعنى ، وإن لفظه نزل باللسان العربي قاله تعالى : ((إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا))[الزخرف:3] فليس في القرآن الكريم لفظ غير عربي، قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى : (( جميع كتاب الله نزل بلسان العرب . وقال أيضاً : ليس عن كتاب الله شيء إلا بلسان العرب)) (1) . وعلى هذا لا تعتبر الأحاديث النبوية من القرآني لأن ألفاظها ليست من الله ، وإن كان معناها موحى بها من الله ، وكذا لا يعتبر من القرآن تفسيره،ولو كان باللغة العربية. وكذا ترجمته إلى غير العربية ، لا تعتبرمن القرآن.
ثالثاً : أنه نقل الينا بالتواتر ، أي أن القرآن نقله قوم لا يتوهم اجتماعهم وتواطؤهم على الكذب ، لكثرة عددهم وتباين أمكنتهم ، عن قوم مثلهم ، وهكذا إلى أن يتصل النقل برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيكون أول النقل كآخره وأوسطه كطرفيه (2).
وعلى هذا فما نقل من القراءات عن غير طريق التواتر لا يعتبر من القرآن ، مثل ما روي عن عبدالله بن مسعودأنه قرأ قوله تعالى : ((فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ))[البقرة:196، المائدة: 89] بزيادة كلمة «متتابعات» فهذه القراءة محمولة على أنها تفسير للثلاثة الأيام، بكونها متتابعات عل رأي ابن مسعود(3).
رابعاً : أنه محفوظ من الزيادة والنقصان لقوله تعالى ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ))[الحجر:9] فلا نقص فيه ولا زيادة ، ولن يستطيع مخلوق أن يزيد عليه شيئا أو ينقص منه شيئاً ، لأن الله تعالى تولى حفظه ، وما تولى الله حفظه فلن تصل اليه يد العابثين المفسدين .

خامساً : أنه معجز، ومعنى ذلك عجز البشر أجمعين عن الإتيان بمثله ، وقد ثبث


________________________
1- ((الرسالة ))للإمام الشافعي ص40-42.
2-((أصول البزدوي))ج1ص282.
3-((المستصفى))للغزاليج1ص56.

-153-
#ff0000



إعجازه بتحدي القرآن للعرب المخالفين من أن يأتوا بمثله فعجزوا، ثم تحداهم بعشر سور فعجزوا، ثم تحداهم بعشر سور فعجزوا ، ثم تحداهم بسورة واحدة من سوره فعجزوا ، قال تعال: ((قُلْ لَئِن اجتَمَعَتِ اْلإَنسُ والجِنُّ على أَنْ يأْتُوا بمِثلِ هذا القُرْآنِ لا يأْتونَ بمثلِهِ ولوْ كان بَعْضُهُمْ لِبَعضٍ ظَهِراَ))[الإسراء:88] وقوله : ((أَمْ يَقولونَ افتَرَاهُ قُل فأْتُوا بِعَشِر سُوَرٍ مِثلَهِ مُفْتَرَيَاتٍ وادْعوا مَنِ استَطَعتُمْ مِن دونِ الله إِن كُنتُمْ صادِقينَ )) [هود:13] وقوله : ((وإِنْ كُنتْم في رَيْبٍ مِما نَزَّلنا على عَبْدِنا فأْتوا بسورَةٍ مِنْ مثلهِ وادْعوا شُهَدَاءَكُمْ منْ دون الله إنْ كنتُمْ صادقينَ فإِنْ لَم تَفْعَلوا ولنْ تَفعَلوا فاتَّقوا النَّارَ التي وَقُودُهَا النَّاسُ والحِجارةُ أُعِدَّتْ للِكافِرينَ )) [البقرة : 24،23]

ومع هذا التحدي الذي يستفز الهمم ، ويبعث على العارضة ، عجز العرب عن المعارضة بالرغم من وجود المقتضي للمعارضة ، وعدم المانع منها . أما وجود ألمقتضي ، فلأن العرب كانوا حريصين كل الحرص كل الحرص على إبطال دعوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فلوكانوا قادرين لجاءوا بما يعارض القرآن ، ويبطل دعوة محمد صلى الله عليه وسلم . وأما عدم المانع من المعارضة فلأنهم أهل البلاغة والفصاحة والمعرفة التامة باللغة العربية وأصحاب الحكم والسلطان ، فلما ثبت
عجزهم ثبت أن القرآن النازل بلغة العرب هو كتاب الله ، وأن محمد صلى الله عليه وسلم هو
رسول الله حق.

147- وجوم اعجازه :

أما وجوه اعجازه فكثيرة منها :

1- بلاغته التي بهرت العرب ، وجعلتهم مشدوهين على نحو لم تعهد في كلام العرب من قبل ، لا في منظوم ولا منثور،مع بقائها في مستوى عال في جميع أجزاء القرآن ، وبالرغم من تناوله مواضيع شتى ، واحكاماً مختلفة ، وبالرغم من نزوله في فترات متباعدة .

2- إخباره بوقائع تحدث في المستقبل ، وقد حدثت فعلاً ، من ذلك قوله تعالى : ((أَلْم


-154-
#ff0000



غُلِبَتِ الرُّومُ فيِ أَدْنَى الْأرْضِ وَهمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فيِ بِضْعِ سِنِينَ )) [الروم :1-4].

3 - إخباره بوقائع الأمم السابقة المجهولة أخبارها عند العرب جهلاً تاماً ، لعدم وجوه ما يدل عليها من آثار ومعالم ، وإلى هذا النوع من الإخبار أشار قوله تعالى : ((تَلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذَا )) [هود : 49].

4- إشارته إلى بعص الحقائق الكونية التي أثبتها العلم الحديث، والتي لم تكن معروفة من قيل ، من ذلك قوله تعالى : (( أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّموَاتِ وَالأْرْضَ كَانَتَا رَتْقَاً فَفَتْقْنَاهما وَجَعَلْنَا مِنَ اْلمَاءِ كُلَّ شَيْء حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ )) [الأنبياء :30] ، ((وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ )) [الحجر :22].
148- أحكام القرآن :

اشتمل القرآن على أحكام كثيرة متنوعة ، يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام :

القسم الأول :
الأحكام المتعلقة بالعقيدة : كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . وهذه هي الأحكام الاعتقادية ، ومحل دراستها في : علم التوحيد .

القسم الثاني :
أحكام تتعلق بتهذيب ا لنفس وتقويمها . وهذه هي الأحكام الأخلاقية ، ومحل دراستها : علم الأخلاق ، أو التصوف .

القسم الثالث :
الأحكام العملية المتعلقة بأقوال وأفعال المكلفين ، وهي المقصودة ب (( الفقه)).
والتي يهدف علم الفقه وأصوله إلى معرفتها والوصول إليها ، وهذه الأحكام نوعان :



-155-
#ff0000


النوع الاول : العبادات : كالصلاة والصيام ،والغرض منها: تنظيم علاقة الفرد بربه .

النوع الثاني : ما عدا العبادات وتسمى باصطلاع الفقهاء بالمعاملات ، وهي تشمل الأحكام التي تدخل في نطاق القانون الخاص والقانون العام ، حسب الاصطلاح القانوني الحديث . وهذه الأحكام يقصد بها : تنظيم علاقة الفرد بالفرد،أو الفرد بالجماعة ، أو الجماعة بالجماعة ، وهذه هي (1) :-

أ- الأحكام المتعلقة بالأسرة ، وهي تدخل في نطاق ما يسمى : بقانون الأسرة، أو بمسائل الأحوال الشخصية : كالنكاح والطلاق والبنوة والنسب والولاية ، ونحو ذلك ، ويقصد بها بناء الأسرة على أسس قويمة ، وبيان حقوق وواجبات أفرادها ، وآيات هذه الأحكام نحو (70) آية.

ب - الأحكام المتعلقة بمعاملات الأفراد المالية : كاليبع والرهن وسائر العقود ، وهي تدخل في نطاق مايسمى : بالقانون المدني ، وآياتها نحو ( 70) آية .

ج- الأحكام المتعلقة بالقضاء والشهادة واليمين ، ويقصد بها : تنظيم إجراءات التقاضي لتحقيق العدالة بين الناس ، وهي تدخل فيما يسمى اليوم : بقانون المرافعات، وآياتها نحو (13) آية.

د- الأحكام المتعلقة بالجرائم والعقوبات ، وهي تكون القانون الجنائي الإسلامي وآياتها نحو ( 30) آية ، ويقصدبها : حفظ الناس وأعراضهم وأموالهم ، وإشاعة
الطمأنينة والاستقرار في المجتمع .

ه- الأحكام المتعلقة بنظام الحكم ، ومدى علاقة الحاكم بالمحكوم ، وبيان حقوق وواجبات كل من الحاكم والمحكومين ، وهي تدخل فيما يسمى : بالقانون الدستوري ، وآياتها نحو ( . 1 ) آيات .

و- الأحكام المتعلقة بمعاملة الدولة الإسلامية للدول الأخرى ، ومدى علاقتها بها ونوع هذه العلاقة في السلم والحرب ، وما يترتب على ذلك من أحكام ، وكذلك



___________________________
1- الشيخ عبد الوهاب خلاف المرجع السابق ، ص70 وما بعدها.



-156-
#ff0000



بيان علاقة المستأمنين (الأجانب) مع الدولة الإسلامة . وهذه الأحكام منها ما يدخل في نطاق القانون الدولي العام ، ومنها ما يدخل في نطاق القانون الدولي الخاص وآياتها نحو من (25)آية

ز- الأحكام الاقتصادية : وهي المتعلقة بموارد الدولة ومصارفها ، وبحقوق الأفراد في
أموال الأغنياء ، وآياتها نحو من ( 0 1 ) آيات.
149- بيان القرآن للأحكام :
قال تعال: ((وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ))[النحل:89] و ((مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ))[الأنعام:38] ، فالقرآن الكريم فيه بيان لجميع الأحكام الشرعية،إلا أن بيانه على نوعين:

النوع الأول : ذكر القواعد والمبادئ العامة للتشريع ، وبيان الأحكام بصورة مجملة ، فمن القواعد المبادئ العامة التي تكون أساساً للتشريع وتفريع الأحكام ، ما يأتي:-

أ- الشورى : ((وَأَمْرُهُمْ شُورَى? بَيْنَهُمْ ))[الشورى:38].((وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ))[آل عمران: 159].
ب - العدل : ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ))[النحل:90] ، ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ))[النساء:58].
ج- الإنسان مأخوذ بجريرته ، ولا يسأل عن ذنب غيره : ((وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى))[الأنعام : 164،....].
د- العقوبة بقدر الجريمة : ((وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ))[الشورى:40].
ه- حرمة مال الغير : ((وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ))[البقرة:188].
و- التعاون على الخير وما فيه نفع للأمة : (( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ))[المائدة :2].
ز- الوفاء بالالتزامات : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ))[المائدة:1].
‎ ‏

-157-
#ff0000


ح - الحرج مرفوع : (( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ))[الحج : 78].
ي - الضرورات تبيح المحظورات: (( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ)) [البقرة: 173].

ومن الأحكام التي جاءت مجملة في القرآن ولم يفصل حكمها : الأمر بالزكاة، قال تعالى : ((خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً)) [التوبة: 103]، ومثلها القصاص (( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ))[البقرة:179]، وقوله تعالى : ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى))[البقرة : 178]، ولم يبين القرآن شروط القصاص وقد بينتها السنة . وكذلك البيع والربا ، قال تعالى : ((وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)) [البقرة: 275] فجاءت السنةببيان البيع الحلال وشروطه ، والربا الحرام وأنواعه . وهذا النوع من البيان للأحكام ، وهوالبيان الإجمالي ، وهو الغالب في القرآن . والحكمة في مجيء أحكام القرآن على شكل قواعد ومباديء عامة : هي أن مجيئها على هذا النحو يجعلها تتسع لما يستجد من الحوادث ، فلا تضيق بشيء أبداً.
النوع الثاني: الأحكام التفصيلية - وهي قليلة في القرآن ، ومنها : مقادير المواريث ،ومقادير العقوبات في الحدود ، وكيفية الطلاق وعدده ، وكيفية اللعان بين الزوجين
وبيان المحرمات من النساء ونحوذلك .

150- أسلوب القرآن في بيان الأحكام :
للقرآن أساليب مختلفة في بيان الأحكام ، اقتضتها بلاغته وكونه معجزاً، وكتاب هداية وإرشاد ، فهو يعرض الأحكام عرضاً فيه تشويق للامتثال وتنفير عن المخالفة والعناد .ولهذا نجد ما هو واجب قد ينص على وجوبه بصيغة الأمر ((وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ)) [الطلاق:2]،أو بأن الفعل مكتوب على المخاطبين (( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ))[البقرة:183] (( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ))[البقرة:178] وقد يكون بيان الواجب بذكر الجزاء الحسن والثواب لفاعله ((وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي))[النساء:13].
‎ ‏
‎ ‏
‎ ‏
‎ ‏


-158-
#ff0000


والمحرم قد يكون ييانه بصيغة النهي مثل قوله تعالى : ((وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ))[ الأنعام:151] وقوله تعالى : ((وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)) [البقرة:195] ، وقد يكون بالتوعد على الفعل أو يترتب العقوبة عليه، مثل قوله تعالى : ((إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا))[النساء:10] وقوله تعالى : ((وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ))[النساء:14].
وعلى هذا فيجب على كل من يريد استنباط الأحكام من القرآن أن يعرف هذه الأساليب في القرآن ، وكيفية بيانه للأحكام وما يقترن بالنصوص مما يدل على الوجوب أو الحرمة أو الإباحة . ومن الضوابط والقواعد النافعة في هذا الباب ما يأتي:

1- يكون حكم الفعل : الوجوب أو الندب ، إذا جاء بالصيغة الدالة عل الوجوب أو الندب ، أو إذا ذكر في القرآن واقترن به مدح أو محبة أوثناء له أو لفاعله ، أو إذا اقترن به الجزاء الحسن والثواب لفاعله .
2 - ويكون حكم الفعل : الحرمة أو الكراهة ، إذا جاء ذكره بصيغة تدل عل طلب الشارع لتركه والابتعاد عنه ، أو إذا ذكر على وجه الذم له ولفاعله ، أو أنه سبب للعذاب أو لسخط الله أو مقته ، أو دخول النار، أو لعن فاعله ، أو وصف الفعل بأنه رجس أو فسق أو من عمل الشيطان ، أو وصف فاعله بالبهيمة أو بالشيطان ، ونحوذلك.
3 - ويكون حكم الفعل : الإباحة ، إذا جاء بلفظ يدل على ذلك : كالإحلال والإذن ، ونفي الحرج ، أو نفي الجناح ، أو الانكار على من حرم الشيء ، ونحو ذلك.

151- دلالة القرآن على الأحكام:
قدمنا أن القرآن قطعي الورود، أي ثابت قطعاً لوصوله إلينا بطريق التواتر المفيد للعلم اليقيني بصحة المنقول . فأحكامه إذن قطعية الثبوت ، إلا أن دلالته على الأحكام قد تكون قطعية وقد تكون ظنية.



-159-
#ff0000



فتكون قطعية : إذا كان اللفظ لا يحتمل إلا معنى واحداً فقط ، ففي هذه الحالة تكون دلالة اللفظ على الحكم دلالة قطعية ، مثل قوله تعالى : (( وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ ? فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ? مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ))[النساء:12] ، وقوله تعالى : (( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ)) [النور:2] ، فالنصف والربع والمئة كلها قطعية الدلالة على مدلولها، ولا يحتمل أي واحد منها إلامعنىً واحداً فقط هو المذكور في الآية .

وتكون دلالته ظنية : إذا كان اللفظ يحتمل أكثرمن معنى ، فتكون دلالة اللفظ على الحكم دلالة ظنية ، مثل قوله تعالى : (( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)) [البقرة :228] ، فلفظ ((القروء)) يحتمل أن يراد به الاطهار ، ويحتمل أن يراد به الحيضات ، فمع هذا الاحتمال تكون دلالة الآية على الحكم ظنية لا قطعية .








-160-
#ff0000


يتبع بإذن الله تعالى ....

ياس
2016-08-21, 03:49 PM
الفصل الثاني
الدليل الثاني
السنة

153- تعريف السنة :
للسنة معنى في اللغة ، ومعنى في اصطلاح الفقهاء ، ومعنى عند الأصوليين .
فالسنة في اللغة ن عبارة عن الطريقة المعتادة المحافظ عليها، التي يتكررالفعل بموجبها . ومنه قوله تعالى ((سُنَّةَ اللهِ في الَّذينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً)) [الاحزاب :72] ، وسنة الإنسان : طريقته التي يلتزم بها فيما يصدرعنه ويحافظ عليها ، سواء أكان ذلك فيما يحمد عليه ، أو يذم.
وفي اصطلاح الفقهاء ، على ما قاله البعض : ما كان من العبادات نافلة منقولة
عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أي ما ليس بواجب منها (1) . ولكن المستفاد من كتب فروع الفقه: أنها تطلق عند الفقهاء على ما هو مندوب من العبادات وغيرها، وقد تطلق كلمة((السنة)) في كلام بعض الفقهاء على ما يقابل«البدعة» ،فيقال: فلان على سنة ، إذا
عمل وفق عمل النبي صلى الله عليه وسلم ، وفلان على بدعة ، إذا عمل على خلاف ذلك . وفي اصطلاح الأصوليين ، السنة : ما صدرعن النبي صلى الله عليه وسلم ، غير القرآن ، من


_______________________
1- الشوكاني ص33.الآمديج1ص241
2-((حاشية)) الإزميريج2ص196 والآمدي ج1ص241.يلاحظ هنا ان الجعفرية =
-161-
#ff0000


مصادر التشريع .
153- السنة مصدر للتشريع:
قلنا : إن السنة مصدر تستنبط منه الأحكام التشريعية . وقد دل على ذلك الكتاب ، والإجماع ، والمعقول .

اولاً -الكتاب:

أ - دل الكتاب على أن ما ينطق به النبي صلى الله عليه وسلم على وجه التشريع ، مبناه الوجي ، أي مصدره الوحي من الله ، قال تعالى : (( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)) [النجم: 3،4] ، فقوله صلى الله عليه وسلم كالقرآن ، من جهة أن الاثنين مصدرهما
وحي من الله ، إلا أن السنة موحى بها بالمعنى فقط .

وحيث أن القرآن واجب الاتباع لأنه من الله ، فكذا أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن
معناها - وهو المقصود من الكلام - من الله أيضاً.

ب - أعطى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وظيفة البيان لمعاني القرآن ، والشرح لأحكامه المجملة، قال تعالى : ((وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ))[النحل:44]، فيكون بيانه متماً للقرآن ، وضرورياً لاستفادة الحكم الشرعي ومعرفة المطلوب ، فتكون دليلاً من أدلة الأحكام .

ج- النصوص الكثير جداً الواردة في القرآن التي تدل بصورة قاطعة على لزوم اتباع السنة ، والالتزام بها ، واعتبارها مصدراً للتشريع ، واستفادة الأحكام منها .
وقد جاءت هذه النصوص دالة عل ما ذكرنا بأساليب متنوعة ، وصيغ مختلفة فهي تأمر بطاعة الرسول وتجعل طاعته طاعة الله ، وتأمر برد المتنازع فيه إلى الله وإلى الرسول ، أي إلى كتابه وسنة نبيه ، وتأمر بأخذ ما يأتينا به الرسول والابتعاد



____________________
= يعتبرون من السنة أيضاً ما نقل عن أئمتهم المعصومين من قول أو فعل أو تقرير.(( محاضرات في أصول الفقه الجعفري)) لأستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة ص122.
-162-
#ff0000


عما ينهانا عنه ، وتصرح أن لا إيمان لمن لا يحكِّم رسول الله فيما يختلف فيه مع غيره ، وتقول : أن لا اختيار لمسلم فيما قضى به رسول الله ، وتحذر المخالفين لأمره من سوء العاقبة ، والعذاب الأليم (1).

ثانياً : الإجماع :
فقد اجتمع المسلمون من عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وحتى يومنا هذا ، على وجوب الأخذ بالاحكام التي جاءت بها السنة النبوية ، وضرورة الرجوع إليها لمعرفة الأحكام الشرعية ، والعمل بمقتضاها . فما كان الصحابة ، ولا من جاء بعدهم يفرقون بين حكم ورد في القرآن ، وبين حكم وردت به السنة ، فالجميع عندهم واجب الاتباع ، لأن المصدر واحد وهو وحي الله .والوقائع الدالة على إجماعهم كثيرة لا تحصى ذكرنا أمثلة منها عند الكلام عن الأدلة ، وترتيبها في الاستدلال .

ثالثاً - المعقول :
ثبت بالدليل القاطع : أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ، ومعنى الرسول : هو المبلغ
من الله ، ومقتضى الإيمان برسالته : لزوم طاعته ، والانقياد لحكمه ، وقبول ما يأتي به ، وبدون ذلك لا يكون للإيمان به معنى . ولا تتصور طاعة الله والانقياد إلى حكمه مع المخالفة لرسوله صلى الله عليه وسلم .

154- تساؤل:
ولكن هل جميع ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم له هذا المقام ، أي مقام لزوم الاتباع
والاستدلال به عل الحكم الشرعي ، أم لا؟ وهل كله ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم يصلح




________________________
1 - من هذه النصوص ما يأتي : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ))[النساء:59]. ((مَنْ يُطِعْ الرَّسُول فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه))[النساء: 80].((وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)) [الحشر:7]. (( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى? يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي? أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً))[النساء:65]. (( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ))[الأحزاب:36 ].

-163-
#ff0000


أن يكون مصدراً للتشريع ، أم لا؟

للجواب عل هذين السؤالين لا بد عن الكلام عن أنواع السنة من حيث ماهيتها ، أي ذاتها ، ثم الكلام عن أنواعها من حيث ورودها إلينا .

155- أنواع السنة من حيث ماهيتها:

السنة من حيث ماهيتها ، أي ذاتها ، تنقسم الى ثلاثة أقسام : سنة قولية، وسنة فعلية ، وستة تقريرية .
أولاً- السنة القولة :

وهي أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم ، التي قالها في مناسبات مختلفة ، وأغراض شتى
وهي التي يطلق عليها اسم الحديث عادة ، فإذا أطلق هذا الاسم تبادر إلى الفهم : أن
المقصود به السنة القولية . فهي بهذا الاعتبار-مرادفة للفظ ((الحديث)) ، ويكون الأخير
أخص من السنة بمعناها العام . ومع هذا ، فإن بعض العلماء يجعل معنى (( الحديث)) ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أى ما نسب إليه من قول أو فعل أو تقرير . وبهذا المعنى يكون لفظ الحديث مرادفاً ،للفظ السنة بمعناها العام . وبهذا الاعتبار سمى الإمام البخاري
كتابه الشهير ((بالصحيح من الحديث)) ، مع أنه اشتمل على ما نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أقوال وأفعال وتقريرات.

والسنة القولية كثيرة جداً ، منها : « العمد قود» ، و « لا ضرر ولا ضرار))، و «مَنْ رأى منكم منّكَراً فَلْيُّغَيِّرُه بيده،فمَنْ لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)).

وأقوال النبي صلى الله عليه وسلم إنما تكون مصدراً للتشربع ،أذا كان المقصود بها بيان الأحكام
أو تشريعها ، أما إذا كانت في أموردنيوية بحته لا علاقة لها بالتشريع ، ولا مبنية على الوحي ، فلا تكون دليلاً من أدلة الأحكام ، ولا مصدراً تستنبط منه الأحكام الشرعية ، ولا يلزم اتباعها . ومن ذلك ما روي أنه عليه السلام رأى قوماً في المدينة يؤبرون النخل ، فأشار عليهم بتركه ، ففسد الثمر ،فقال لهم ن أبروا ، أنتم أعلم



-164-
#ff0000


بأمور دنياكم.
ثانيا- السنة الفعلية :

وهي ما فعله صلى الله عليه وسلم : كأداء الصلاة بهيآتها وأركانها . ومثل قضائه بشاهد واحد
ويمين المدعي ، ونحو،ذلك . وأفعاله صلى الله عليه وسلم منها ما يكون مصدراً للتشريع ، ومنها ما لا يكون(1). وهاك البيان :

أ- أفعاله الجبلية ، أي التي تصدر منه بحسب الطبيعة البشرية ، وبصفته إنساناً:
كالأكل ، والشرب ، والمشي ، والقعود ونحو ذلك ، فهذه لا تدخل في باب التشريع إلا على اعتبار إباحتها في حق المكلفين ، فلا تجب متابعة الرسول فيطريقة مباشرته لها ، وإن كان بعض الصحابة يحرص على هذه المتابعة كعبدالله ابن عمر، وهذه المتابعة أمر حسن .
ويلحق بهذا النوع في عدم اعتباره مصدراً للتشريع : ما صدرعنه بمقتضى خبرته الانسانية في الأمور الدنيوية،مثل : نتنظيم الجيوش والقيام بما يقتضيه تدبير الحرب، وشؤون التجارة، ونحو ذلك . فهذه الأفعال لا تُعتَبر تشريعاً للأمة، لأن مبناها التجرية لا الوحي ، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يُلزم المسلمين بها ،ولم يعتبرها من قَبيل تشريع الأحكام، وهذا لما أراد النزول بالمسلمين في مكان معين في غزوة بدر، قال له بعض الصحابة : أهذا منزل أنزَلَك اللهُ فيه،
أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال
الصحابي : ليس هذا بمنزل، وأشار على الرسول صلى الله عليه وسلم يإنزال الجيش في مكان
آخر عينه له، لأسباب بينها للنبي صلى الله عليه وسلم ، فاخذ بقوله. ويلحق بهذا النوع أيضاً-
في عدم اعتباره مصدراً للتشريع -: إثبات وقائع الدعوى التي ينظر فيها، لأن ذلك أمر تقديري له، وليس تشريعاً للأمة، أما حكمه على فرض ثبوت وقائع الدعوى. فو تشريع للأمة ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ((إنما أنا بَشرٌ مثلُكم، وإنكم تخْتَصِمونَ إلي ،ولعلَّ بعضَكم أن يكون ألْحنَ بحجتِه من بعض، فأقضيِ له

_________________
1-((شرح مسلم الثبوت))ج2ص181 الآمدي ج1ص247-248 الشوكاني ص35-36.




-165-



يتبع بحوله تعالى....

ياس
2016-08-26, 11:28 PM
بنحو ما أسمع،فمَن قَضَيْتُ له بشئٍ من حقِّ أخيه،فإنما أقطَع له قطعة من النارِ(1) ،ومعنى: ألحن- أي أقْوَم بها منه وأقدر عليها.

ب- مثيت كونه من خواصه صلى الله عليه وسلم ،فهو له وحده، ولا تشاركه الأمة فيه:كاختصاصه بالوصال في الصوم،والزيادة في النكاح على أربع،وغير ذلك،فهذه الأمور خاصة به،ولا يصح متابعة الرسول فيها. ففي النكاح: قام الدليل على اقتصار الإباحة لحد أربع زوجات، وفي الوصال في الصوم: ورد النهي عنه في حق الأمة.

ج-ما عرف أن فعله صلى الله عليه وسلم بيان لنص مجمل جاء في القرآن. فبيانه تشريع للأمة ويثبت الحكم في حقنا ، ويكون حكم الفعل الذي صدر منه في هذه الحالة، كحكم النص الذي بينه الفعل من الوجوب والندب وغيرهما.

ويكون الفعل بياناًللمجمل إما بصريح المقال، أو بقرائن الأحوال. فمن الأول : قوله صلى الله عليه وسلم ((صَلُّوا كَمَاَ رَأيتُموني أصلي))، وقوله : ((خذوا عني مناسككم ، أي مناسك الحج. فأداؤه الصلاة، بيان للصلاة التي أمرنا الله بها بقوله تعالى: ((وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ))، وأداؤه مناسك الحج ، بيان للحج المفروض علينا بقوله تعالى : ((ولله عَلَى النَّاس حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً))[آل عمران :97].أما قرائن الحال الدالة على البيان ،فمثل: قطعه ، أو أمره بقطع يد السارق من الكوع. فهذا الفعل بيان للمراد من قوله : ((وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيهَمُا)) [المائدة:38] وهذا على رأي من اعتبر النص القرآني الوارد بقطع اليد نصاً مُجملاً، أما من اعتبر((اليد))لفظاً مطلقاً ، فإنه اعتبر فعل النبي صلى الله عليه وسلم مقيداً له ، وهو أيضاً من ضروب البيان.

د- مافعله الرسول صلى الله عليه وسلم ابتداء، وعرفت صفته الشرعية من وجوب وندب وإباحة، فإنه تشريع للأمة ، فيثبت حكم ما فعله في حق المكلفين لقوله تعالى : (( لَقَدْ كَانَ


________________________
1- ((تيسير الوصول إلى جامع الأصول من حديث الرسول ))ج4ص56.

-166-
#ff0000


لَكُمْ فيِ رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)) [الأحزاب :21].

ه- ما فعله صلى الله عليه وسلم ولم تعرف صفته الشرعية، ولكن عرف أن في الفعل قصد القربة، كقيامه ببعض العبادات دون مواظبة عليها ، فإن الفعل يكون دالاً على إباحته في حق الأمة : كالمزارعة ،والبيع، ونحو ذلك.

ثالثاً- السنة التقريرية:

وهي سكوت النبي صلى الله عليه وسلم علىإنكاره قول ،أو فعل صدر في حضرته،أو في غيبته وعلم بها. فهذا السكوت يدل على جواز الفعل وإباحته ، لأن الرسول عليه السلام لا يسكت عن باطل أو منكر . ومن أمثلة هذا النوع من السنة : سكوته وعدم إنكاره لعب الغلمان بالحراب في المسجد ، وسكوته عن غناء جاريتين كانتا تغنيان بغناء حماسي في يوم عيد.

ومثل السكوت في الدلالة على جواز الفعل ،استبشاره صلى الله عليه وسلم به ،أو إظهار رضاه عنه ، أو استحسانه له، بل هذا الرضا أو الاستحسان أظهر في الدلالة على جواز الفعل من مجرد سكوته.

ويلاحظ هنا : ان إباحة الفعل المستفادةمن سكوت النبي صلى الله عليه وسلم لا تعني أن الفعل لا يكون إلا جائزاً فقط ،فقد يكون الفعل واجباً بدليل آخر ، وعلى هذا فمجرد سكوت النبي صلى الله عليه وسلم لا يفيد أكثر من إباحة الفعل (1)، وقد يستفيد الفعل صفة الوجوب أو الندب من دليل آخر.

156- أنواع السنة من حيث ورودها إلينا:

السنة من حيث طرق وصولها إلينا- أي من حيث روايتها، وهو ما يعبر عنه

_________________________
1- ((الإحكام في أصول الأحكام))لابن حزم ج2ص6.

-167-
#ff0000


بسند السنة - تنقسم إلى ثلاثة أقسام : سنة متواترة، وسنة مشهورة ، وسنة آحاد.
وهذا التقسيم عند الحنفية.
أما عند الجمهور ، فالسنة قسمان : الأول- سنة متواترة ، والثاني - سنة الآحاد. أما السنة المشهورة،فهي عندهم قسم من أقسام سنة الآحاد، ولا يجعلونها قسماً قائماً بنفسه كما يفعله الحنفية(ا). وسنتبع التقسيم الثلاثي ، فنتكلم عن كل قسم من هذه الأقسام على حدة.

157- أولاً : السنة المتواترة:

ويمكن تعريفها : بأنها التي رواها جمع كثير، تحيل العادة تواطأهم على الكذب ، أو وقوعه منهم من غير قصد التواطؤ، عن جمع مثلهم ، حتى يصل المنقول إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ويكون مستند عملهم بالأمرالمنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم المشاهدة أو السماع(2).
ويتضح لنا من هذا التعريف: أن شروط التواتر هي:-

أ- أن يكون الرواة للسنة جمعاً كثيراً ، يمتنع تواطؤهم على الكذب ، أو وقوعه منهم من دون قصد حسب العادة . فلا يشترط للتواتر عدد معين ، بل يعتبر ما يفيد العلم على حسب العادة
في سكون النفس إليهم- أي إلى الرواة-، وعدم تأتي التواطيء على الكذب منهم ، إما لفرط كثرتهم ، وإما لصلاحهم ودينهم ، ونحو ذلك ، كما لا يشترط لتحقق التواتر أن يجمع الناس كلهم على التصديق به(3)، يل ضابطه : حصول العلم الضرورى به ، فإذا حصل ذلك علمنا أنه متواتر،



____________________________
1-((شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر)) للحافظ ابن حجر العسقلاني ص6-8، ((المستصفى))ج1ص91، الشوكاني ص49.
2- العسقلاني ص3-4 الشوكاني ص46((المستصفى))ج1ص90.
3-((المسودة))ص233-235.


-168-
#ff0000


وإلا فلا.

ب - أن يكون الرواة في كل طبقة من طبقات الرواية بهذا الوصف الذي ذكرناه في
الشرط الاول .
ج- أن يكون مستند علم الرواة مستفاداً عن طريق المشاهدة ، أو السماع . ويترتب على هذا الشرط أمران ، الأول: إذا لم يكن الرواة عالمين بالخبر به ، بأن كانوا ظانين ، فإن الشرط لا يتحقق ، وبالتالي لا يتحقق التواتر. والثاني : إذا كان علم الرواة مستنداً الى أمر عقلي غير محسوس ، فلا يتحقق التواتر .
فإذا تحققت شروط التواتر، أفاد الخبر اليقين ، والعلم الضروري ،وهو الذي يضطر إاليه الإنسان بحيث لا يمكن دفعه(1)، لأن الثابت بالتواتر كالثابت بالمعاينة(2) . وعلى هذا فالسنة المتواترة مقطوع بصحة نسبتها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم دون أي شك ، فتكون دليلاً من أدلة الأحكام ، ومصدراً تشريعياً لها، بلا خلاف بين المسلمين(3).

158-أنواع السنة المتواترة:

السنة المتواتر قد تكون قولية، وقد تكون فعلية. والأولى قليلة ، والثانية كثيرة ، ونتكلم عنهما بإيجاز شديد .
السنة المتواترة القولة : وهي نوعان : لفظي ، ومعنوي.

فالنوع الأول : ما تواتر لفظه ، مثل قوله عليه الصلاة والسلام ((مَن كَذَبَ عَليَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبوَّأ مَقْعَدَه منَ النَّار)).

_________________________
1-((قواعد التحديث))للقاسمي ص128، العسقلاني ص4 ،((المسوّدة)) ص233.
2-((أصول))السرخسي ج1 ص291.
3-((الإحكام في أصول الأحكام)) لابن حزم الأندلسي ج1 ص104 القاسمي ص128.

-169-
#ff0000


والمعنوي: هو ما تواتر المعنى المشترك فيه دون تواتر لفظه ، أي ما تختلف ألفاظ الرواة فيه ، ولكنها كلها تشتمل على معنى واحد في جميع الروايات . ولا يلزم في هذا النوع أن يكون أصحاب كل رواية على حدة قد بلغوا حد التواتر ولكن المعنى المشترك يشترط فيه بلوغ حد التواتر باعتبار مجموع الروايات . ومثال هذا النوع : كون الأعمال مبناها النية ، وأن اعتبارها بها . فهذا المعنى روي عن النبي عليه الصلاة والسلام بصورة متواترة ، إذ وردت به أخبار كثيرة تبلغ حد التواتر في دلالتها على هذا المعنى، وإن كان كل خبر لم يبلغ بنفسه حد التواتر، فمن هذا :الأخبار المروية عن النبي عليه السلام : ((إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى))، وقوله : (( مَنْ قَاتَل لِتكُونَ كَلِمةُ الله هي العُليا فَهُوَ في سَبيلِ الله))، و((وَرُبَّ قَتِيلٍ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ))، وغيرذلك من الاخبار الكثيرة الدالة على أن اعتبار العمل إنما يكون
بالنية . فهذا المعد تواتر عن النبي عليه الصلاة والسلام، إذا جاء في أخبار كثيرة
أجمعت على هذا المعنى، وإن اختلفت الألفاظ وتنوعت القضايا (1).

159-ثانياً : السنة المشهورة:

وهي التي رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم واحد أو اثنان ، أي عدد لم يبلغ حد التواتر، ثم
تواتر في عصر التايعين ، وعصر تابعي التابعين ، بأن كان رواتها جموعاً لا يتوهم تواطؤهم على الكذب(2) . فالسنة المشهورة ، إذن : هي التي كانت في الأصل من سنن الآحاد ، أي ما نقلها عن النبي صلى الله عليه وسلم عدد دون عدد التواتر، ثم اشتهرت وتواترت في القرن الثاني والثالث ، وهما عصرا التابعين وتابعي التابعين(3). ومن هذا

___________________________
1-((التعريف بالقرآن والحديث)) لأستاذنا الزفزاف ص240-241 والقاسمي ص128-129.
2- ((مسلم اثبوت))ج2ص111 و((حاشية))الإزميري ج2ص196.
3- عصر التابعين هو العصر الذي تبع عصر صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم . وعصر تابعي التابعين هو الذي تلا عصر التابعين . ولا عبرة بالتواتر أو الشهرة بعد هذه العصور الثلاثة ،لأن السنن قد دونت هذه العصور وشاعت واشتهرت ونقلتها الكافة عن الكافة.


-170-
#ff0000



يتبع بإذن الله تعالى...........

ياس
2016-08-29, 12:11 PM
التعريف يتضح لنا بجلاء : أن السنة المشهورة غيرمقطوع بصحة نسبتها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكنها مقطوع بصحة نسبتها الى الراوي لها عن الرسول . ولهذا قال الحنفية عنها : أنها تفيد ظناً قوياً كأنه اليقين ، وهوما يسمى بعلم الطمأنينة ، يصحة نسبتها الى الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهي بمنزلة السنة المتواترة عند الحنفية من جهة لزوم العمل بها ، وجعلها مصدراً تشريعياً ، ودليلاً من أدلة الأحكام ، ومن هذا النوع حديث : ((إنما الأعمال بالنياتِ،وإِنَّما لكل امرىءٍ مانَوى))، و((تحريم نِكَاحِ المرأة على عمتها أو على خالَتِها )) (1).

160-ثالثاً: سنة الآحاد:

وهي ما رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم عدد لم يبلغ حد التواتر ،وذلك في عصر التابعين
وعصرتابعي التابعين .فهي ما ليست سنة متواترة ، ولامشهورة، على قول الحنفية .
وما ليست متواترة على قول غيرهم (2). وهي عند الجمهور :تفيد الظن الراجح بصحة نسبتها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتفيد العلم لا الظن عند الظاهرية وبعض أهل الحديث . ولكن هل تعتبر هذه السنة من أدلة الأحكام ، فيجب العمل بها ، أم لا؟ وإذا قلنا بالإيجاب ، فما هي الشرط اللازمة لذلك؟ هذا ما سنجيب عليه فيما يلي (3).

161- سنة الآحاد واجبة الاتباع ، ومصدر للتشريع :

لا خلاف بين المسلمين أن سنة الآحاد حجة على المسلمين في وجوب العمل

__________________________________
1-((أصول))السرخسي ج1ص392.
2-((مُسلَّم الثبوت))ج2ص111.
3-((أصول))السرخسي ج1ص321.((الأحكام))لابن حزم ج1ص108 وما بعدها، ومحاضرات في أصول الفقه الجعفري)) لأستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة ص130 وما بعدها الشوكاني ص49.((المستصفى))ج1 ص93. العسقلاني ص8-9.((مسلَّم الثبوت))ج2 ص122. الآمدي ج2ص47 وما بعدها.

-171-
#ff0000


بها ، والتقيد باحكامها ، وجعلها دليلاً من أدلة الأحكام . والبرهان على ذلك من وجوه عديدة ، نذكر عمها ما يلي :

1- قوله تعالى : (( فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)) [التوبة:122]. والطائفة في اللغة تطلق على الواحد ، فلولا أن خبر الواحد حجة في العمل ، لما كان لإنذار مَنْ يتفقه في الدين فائدة.

2 -تواتر عن الرسول صلى الله عليه وسلم إرساله أمرائه وقضاته ورسله وسعاته إلى الافاق ، وهم آحاد ، ولا يرسلهم إلا لقبض الصدقات ، وحل العهود وتقريرها ، وتبليغ أحكام الشرع ، وكان صلى الله عليه وسلم يلزم أهل النواحي قبول قول عن يرسلهم إليهم ،ولو لم يكن خبر الواحد حجة لما أمرهم بذلك .

3-إن العامي بالإجاع مأمور باتباع المفتي وتصديقه، مع أنه ربما يخبر عن ظنه .
فالذي يخبر بالسماع عن النبي عليه السلام الذي لا يشك فيه ، أولى بالتصديق والقبول والعمل بموجب خبره.

4-إننا مأمورون بالحكم بشهادة اثنين ، مع أن هذه الشهادة تحتمل الكذب ، فلو كان العمل بها لا يجوز إلا بانتفاء احتمال الكذب بصورة قاطعة ، لما عملنا بها فإذا وجب العمل بالشهادة مع احتمالها الكذب ، فلأن يجب العمل برواية الآحاد عن النبي عليه السلام أولى .

5- إجماع الصحابة في حوادث لا تحصى على قبول خبر الواحد ، والعمل به، فأبو بكر مثلاً
أعطى الجدة السدس ، لورود الخبر بذلك ، وعمر بن الخطاب ورث المرأة من دية زوجها ، لورود السنة بذلك ، رهي سنة آحاد ، وأخذ الجزية من المجوس بسنة آحاد أيضاً، وهكذا فعل الصحاية الآخرون فيما بلغتهم من أخبار الآحد .

162-شروط العمل بسنة الآحاد:

أجمع المسلمون على أن سنة الآحاد حجة على الجميع يلزم اتباعها ، وأنها من


-172-
#ff0000



مصادر التشريع ، إلا أنهم اختلقوا في الشروط اللازمة لذلك أي في شروط وجوب
العمل بها ، واستنباط الأحكام منها ، ويمكن رد اختلافهم إلى قولين .
163- القول الأول : إن السنة التي رواها العدل الثقاة ، بأن توافر في الراوي شروط قبول روايته حسب ما يشترط أصحاب هذا القول ، على اختلافٍ فيما بينهم فى هذه الشروط، واتصل سند الرواية بالرسول صلى الله عليه وسلم ، ففي هذه الحالة يجب العمل بهذه السنة ، واستنباط الأحكام منها ، وعدها مصدراً للتشريع ، وهذا قول الحنابلة والشافعية والظاهرية والجعفرية ، وبعض الفقهاء من المذاهب الاخرى .

أما إذا لم يتصل السند ، بأن سقط من سلسلة الرواة الصحابي الذي روى الخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو المسمى بالحديث المرسل ، فقد اختلف أصحاب هذا القول في وجوب العمل به. فعند الظاهرية : لا يكون حجة ، ولا يجب العمل به. ومذهب الشافعي: الأخذ به بشروط، منها :أن يكون من مراسيل كبار التابعين ، مثل: سعيد بن المسيب ، وأن يسند من جهة أخرى ،أو يوافق قول الصحابي ، أو يفتي بمقتضاه أكثر العلماء. ومذهب أحمد بن حنبل : الأخذ بالمرسل والعمل به، إذا لم يكن في الباب حديث متصل السند (1).
164- القول الثاني: واصحاب هذا القوللم يكتفوا بكون الرواة عدولاً، ثقاة، وإنما اشترطوا شروطاً أخرى لا تتعلق بسند الرواية ، وإنما تتعلق بأمور أخرى، حتى يترجح عندهم جانب صحة الحديث ونسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. وأصحاب هذا
القول هم المالكية والحنفية ، ونذكر فيما يلي بإيجاز شديد أهم شروطهم .

165- أ- شروط المالكية لقبول سنة الآحاد:

اشترط المالكية لقبوله خبر الآحاد : عدم مخالفته لعمل أهل المدينة . والحجة في ذلك : أن عمل أهل المدينة بمثابة السنة المتواترة ، لأنهم ورثوا العمل عن اسلافهم، عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، فكأن عملهم بمنزلة الرواية والسنة المتواترة ، والمتواتر يتقدم على



_________________________
1-القاسمي ص115-120. ((المستصفى)) ج1 ص149-171. ((الإحكام))لابن حزم ج1 ص108 وما بعدها و ج2 ص2 وما بعدها.

-173-
#ff0000


خبر الآحاد ، وعلى هذا الأساس لم يأخذ الإمام مالك بحديث : « المتبايعان بالخيار حتى يتفرقا» ، فقد قال مالك عن هذا الحديث : (( ليس لهذا عندنا حدمعروف ، ولا أمرمعمول به)).
كما اشترطوا : من لا يخالف خبر الآحاد الأصول الثابته والقواعد المرعية في الشريعة ، وعلى هذا الأساس لم يأخذوا بخبر المصراة ، وهو ما روي عن النبي صلى الله عيه وسلم أنه قال : ((لا تَصُرُّوا الإبل والغنم، ومن ابتاعها فهو بخير النظرين بد أن يَحْلِبَها ،إن شاء أمسك وإن شاء ردها وصاعاً من تمر))،لأن هذا الخبر -في نظرهم - قد خالف أصل : (( الخراج بالضمان))، وأصل : (( أن متلف الشيء إنما يغرم مثله إن كان مثليا ،وقيمته إن كان قيمياً ، فلا يضمن في اتلاف المثلي جنساً غيره من طعام أو عروض .
وكذلك لم يأخذوا بخبر إكفاء القدور التي طبخت من الإبل والغنم قيل قسمة الغنائم ، بحجة مخالفته لأصل : رفع الحرج ، والمصلحة المرسلة ، فقد كان يكفي أن يقال لهم: إن ما صدر عنكم لايجوز، ثم يؤذن لهم بالأكل منها ، فإتلاف المطبوخ إفساد مناف للمصلحة ، ما يدل على عدم صحة الخبر(1).

165- -ب-شروط الحنفية لقبول سنة الآحاد:

أ- أن لا تكون السنة متعلقة بما يكثر وقوعه، لأن ما يكون كذلك لا بد أن ينقل عن
طريق التواتر أو الشهرة، لتوافر الدواعي للنقل، فإذا لم ينقل على هذا الوجه ونقل عن طريق الآحاد، دل ذلك عل عدم صحة السنة ومثال ذلك: (( رفع اليدين في الصلاة)) ، فإنه جاء عن طريق الآحاد، بع عموم الحاجة اليه لتكرار الصلاة في كل يوم ، فلا يقبل.

ب- أن لا تكون السنة مخالفة للقياس الصحيح ،وللأصول والقواعد الثابته في الشريعة، وهذا إذا كان الراوي غير فقيه، لأنه إذا كان كذلك فقد يروي السنة بالمعنى، لا باللفظ -ا وهو أمر كثير الوقوع -، فيفوته شيء من معاني الحديث لا يتفطن له . فلا بد من الاحتياط بأن لا يقبل الحديث في هذه الحالة إذا كان مخالفاً



_________________
‎ ‏ 1-((الموافقات))ج3 ص21-22.((مالك)) لأستاذنا محمد أبو زهرة ص301و331 وما بعدها.
-174-
#ff0000


للأصول العامة، ومقتضى القياس الصحيح ، وعلى هذا الأساس لم يأخذوا بحديث المصراة، كما فعل الإمام مالك، لأن راوي الحديث، وهو أبو هريرة، غير فقيه عندهم . كما أن هذا الحديث خالف الأصول والقواعد المقررة كقاعدة : ((الخراج بالضمان))، التي جاءت بها السنة، وهذه القاعدة تقضى : بأن غلة العين ، تكون ملكاً لمن يكون عليه الضمان عند هلاك العين، وعلى هذا يجب أن يكون اللبن للمشتري ، لأن العين في ضمانه . كما أن هذا الحديث خالف قاعدة ((الضمان)) القاضية بأن الضمان يكون بالمثل إذا كان المتلف مثلياً (1).

ج- ألا يعمل الراوي بخلاف الحديث الذي رواه، لأن عمله يدل على نسخه أو تركه لدليل آخر، أو أن معناه غير مراد على الوجه الذي روي فيه . ويمثلون لذلك بحديث : ((إذا ولغ الكلب في إناءِ أحدكم فاغسلوه سبعاً، إحداهن بالتراب)) فإنهم لم يأخذوا به لأن راوي الحديث كان يغسل الإناء - إذا ولغ فيه الكلب - ثلاثا .

166- القول الراجح:
مع تسليمنا بأن الحنفية والمالكية ما اشترطوا هذه الشروط إلا ليطمئنوا على صحة السنة ونسبتها الى الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإن قولهم مرجوحح ، وقول غيرهم هو الراجح . لأن السنة متى صحت روايتها بأن رواها العدول الثقاة الضابطون ، لزم اتباعها ، والأخذ بها، واستنباط الأحكام منها ، سواء وافقت عمل أهل المدينة أم خالفته ، وسواء اتفقت مع الأصول المقررة ومقتضى القياس أم لم تتفق ، وسواء عمل راويها بها أولم يعمل ، وسواء كانت في أمر يكثر وقوعة أو يقل ، لأن أهل المدينة جزء من الأمة لا كلها ، والعبرة بما يرويه الراوي لا بما يعمل به ، إذ ربما يعمل بخلاف ماروى خطأً أو نسياناً أو تأويلاً، فهو غير معصوم . وكون الأمر الذي جاءت به السنة كثير الوقوع لا تأثير له في قبول ، أو رد أخبار الآحاد ، لأن الحاجة لمعرفة حكم ما يقل وقوعه كالحاجة لمعرفة حكم ما يكثر وقوعه ، وكلاهما قد ينقله الآحاد ،فضلاً عن أن الكثرة أو القلة لا ضابط لها في هذا الباب .



________________
1-((أصول)) السرخسي ج1 ص341.

-175-
#ff0000



أما التشبث بمخالفة سنة الآحاد للأصول فغير مقنع ، لأن السنة هي التي تؤصل الأصول ، فإذا جاءت بحكم يخالف الأصول الثابته ، فإنها تعتبر أصلاً قائماً بنفسه يعمل في دائرته ، كما في السلم ، مع أنه بيع معدوم 0 والاستقراء دل على أن المردود من سنة الآحاد الصحيحة السند، بحجة المخالفة للأصول ، انه في الحقيقة موافق للأصول لا مخالف لها.

فحديث المصراة الذي ردوه بحجة المخالفة للأصول، غير مخالف للأصول التي قالوها ، فقاعدة ((الخراج بالضمان)) لا تعمل هنا ، لأن اللبن المصرَّى لم يحدث بعد الشراء ، وإنما كان قبله ، فليس هومن قبيل الغلة التي تحدث عند المشتري حتى يستحقه.

وقاعدة (( الضمان)) لا تعمل هنا أيضاً ، لتعذر معرفة مقدار اللين الحادث عند المشتري لاختلاطه باللين الذي كان قبل الشراء ، فلا يمكن الضمان بالمثل،0 وإنما صار الرد بصاع من تمر لأن التمر أقرب المثليات إلى اللبن ، بجامع أن كلاً منهما مكيل ، ومطعوم ، ومقتات(1) ، فأين المخالفة للقياس والأصول؟

وأما التشبث بعدم ققه الراوي ، فقول غير مستساغ ، لأن رواة السنة عندهم من الفقه ، لملازمتهم للرسول صلى الله عليه وسلم ، ما يكفي للاطمئنان بصحة نقلهم ، وأنه لم يفتهم شيء من معناه ، فضلاً عن معرفتهم بأساليب العربية وبيانها . وعلى هذا فقول الجمهور هو الراجح ، فكل سنة صحت بأن رواها الثقات الضابطون وجب المصير اليها ، وعدم الالتفات إلى ما خالفها ، ومن خالفها كائناً من كان ، لأن الله تعبدنا باتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ولا سبيل للوصول إليها إلا عن طريق الرواة ، فإذا ثبت عندنا ضبطهم وعدالتهم أو ترجح ذلك ، كان دليلاً على صحة نسبتها للرسول صلى الله عليه وسلم إما على سبيل العلم القاطع أو الظن الراجح ، وكلاهما يوجبان العمل بها شرعاً.

167- الأحكام التي جاءت يها السنة :


_________________________
1-انظر الرد على من رد حديث المصراة في كتاب ((أعلام الموقعين))ج1ص366 وما بعدها.
-176-
#ff0000

النوع الأول: أحكام موافقة لأحكام القرآن ومؤكدة لها، ومن هذا النوع : النهي عن عقوق الوالدين، وعن شهادة الزور وقتل النفس، ونحو ذلك.

النوع الثاني : مبينة لمعاني القرآن ومفصله لمجمله، من ذلك : السنة التي بينت مناسك الحج ، ونصاب الزكاة ، ومقدارها ، ومقدار ما يقطع فيه السارق، ونحو ذلك .

النوع الثالث : قد تأتي السنة بأحكام مقيدة لمطلق القرآن ، أو مخصصة لعامه ،كما سيأتي بيان ذلك في محله .

النوع الرابع : حكم سكت عنه القرآن وجاءت به السنة ، لأن السنة مستقلة بتشريع الأحكام وإنها كالقرآن في هذا الباب ، دل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : (( أَلَا وَإِنِّيَّ أُتِيتُ القُرْآنَ ومِثْلَه مَعَهُ )) ،أي أوتيت القرآن وأوتيت مثله من السنة التي لم ينطق بها القرآن . وأمثلة هذا النوع كثيرة، منها : تحريم الحمر الأهلية ، وأكل كل ذي ناب من السباع ، ومخلب من الطير، وكالحكم بشاهد ويمين، وجواز الرهن في الحضر ووجوب الدية على العاقلة ، وميراث الجدة ، ونحو ذلك.

168- دلالة السنة على الأحكام:

قلنا : إن السنة من حيث ورودها قد تكون قطعية : كما في السنة المتواترة ، وقد تكون ظنية : كما في غير السنة المتواترة ، أي سنة الآحاد والسنة المشهور. وأما من جهة دلالتها على الأحكام فقد تكون ظنية أو قطعية ، فهي كالقرآن من هذه الجهة .
وتكون الدلالة ظنية : إذا كان اللفظ يحتمل أكثر من معنى ، أي يحتمل التأويل . فمن القطعية قوله عليه السلام : ((في خمس من الابل شاة)) ، فلفظ ((خمس)) يدل دلالة قطعية على معناه ، ولا يحتمل غيره ، فيثبت الحكم لمدلول هذا اللفظ ، وهو وجوب اخراج شاة زكاة عن هذا المال . ومن الظنية قوله عليه السلام : ((لا صلاة إلا بفاتِحَةِ الكتاب))، فهذا الحديث يحتمل التأويل ، فيجوز أن يحمل على أن الصلاة لا تكون


__________________
1-الشوكاني ص33.


-177-
#ff0000

صحيحة مجزية إلا بفاتحة الكتاب ، ويحتمل أن يكون المراد : أن الصلاة الكاملة لا تكون إلا بفاتحة الكتاب ، وبالتأويل الأول أخذ الجمهور، وبالتأويل الثاني أخذ الحنفية.






-178-
#ff0000


الفصل الثالث
الدليل الثالث
الإجماع

169- تعريف الاجماع:

الإجماع في اللغة : العزم والتصميم على الشيء، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : (( لا صيام لمَن لم يُجَمِّعِ الصيامَ من الليل)) ، أي لم يعزم عليه . ويقال : أجمع فلان على الأمر ،أي عزم عليه وصمم. ومن معناه أيضاً : الاتفاق، ومنه قوله تعالى: (( فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ))[يونس:71].
ويقال : أجمع القوم علي كذا ،أي اتفقوا عليه مع العزم والتصميم ، وهو بهدا المعنى لا يتصور حصوله إلا من أكثر من واحد ، بخلاف المعنى الأول إذ يصح من الواحد.

وفي اصطلاح الأصوليين، الإجماع: هو اتفاق المجتهدين من الامة الإسلامية في عصرمن العصور،على حكم شرعي ، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم (2)

170-وينبني على التعريف الاصطلاحي مايأتي:
أولاً: اتفاق غير المجتهدين لايعتد به.


_____________________________
1-وقد عرف بعض علماء الجعفرية الإجماع بانه اتفاق أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أمر من الامور .او اجتماع المجتهدين من هذه الامة في عصر على أمر. (( كتاب الأرائك))ص176، وانظر تعاريف أخرى في كتب اخرى مثل الشوكاني ص63، و((المستصفى))ج1ص110 والآمدي ج1ص280.وما بعدها ، وكتاب ((الإجماع))لعلي عبد الرزاق فقد نقل فيه تعاريف كثيرة لمختلف الاصوليين.
2-الآمدي ج4 ص115.
-179-
#ff0000

والمجتهد : هو من قامت فيه ملكة استنباط الأحكام الشرعة من أدلتها التفصيلية، وقد يسمى : بالفقيه، كما يعععص المجتهدون : بأهل الحل والعقد ،أو بأهل الرأي والاجتهاد، أو بعلماء الأمة(1). أما غير المجتهد فهو من لا يملك القدرة على الاستنباط: كالعامي ، أو الذي لا علم له بالأمور الشرعة وإن كان عالماً بفن ، أو علم آخر: كالطب والهندسة مثلاً.

ثانياً: واتفاق المجتهدين يراد به اتفاق جميع المجتهدين ، فلا يكقي إجماع أهل المدينة ، أو أهل الحرمين مكة والمدينة ، أو إجماع طائفة معينة(1). فلا يعد واحد من هذه الإجماعات الإجماع الاصطلاحي المقصود . ومخالفة الواحد تضر فلا ينعقد معها الإجماع ، وهذا على رأي جمهور الأصوليين .
وقال البعض : لا تضر مخالفة الواحد والاثنين والثلاثة .

وذهب بعض آخر : إلى أن اتقان الأكثرين ، وإن لم يكن إجماعاً، إلا أنه يعتبر حجة يلزم اتباعها ، لأن اتفاق الأكثرين يشعر بأن الحق معهم ، وأن هناك دليلاً قاطعاً أو راجحاً دعاهم إلى الاتفاق ، إذ يندر في العادة أن يكون دليل المخالف هو الراجح(2).

والذى نراه ، على مقتضى التعريف : أن الاتفاق يجب أن يشمل ، جميع المجتهدين بلا استثناء ، فإذا خالف البعض ولو كان واحداً فلا إجماع ،وحيث لا إجماع فلا حجة ولا إلزام في الاتباع ، لأن الكثرة ليست دليلاً قاطعاً على الصواب، فقد يكون معها الخطأ ويكون الصواب مع القلة .
نعم ، قد يستأنس برأي الأكثرين فيؤخذ باعتباره رأياً اجتهادياً أولى بالقبول إذ لم يتبين لنا رجحان دليل المخالف .


______________________
1-((المسودة))ص331.
2-((أصول الفقه)) للشيخ المرحوم الخضري ص337.


-180-
#ff0000





يتبع تكملة الكتاب....

ياس
2016-08-31, 06:37 PM
ثالثاً: والشرط في المجتهدين أن يكونوا مسلمين ، لأن الأدلة التي دلت على حجية الإجماع ، أفادت أن المجمعين يجب أن يكونوا من الأمة الأسلامية ، فضلاً عن أن موضوع الإجماع أمور شرعية تقوم على العقيدة أوتتصل بها أو تتفرع عنها .

رابعاً: واتفاق المجتهدين يجب أن يتحقق تماماً في لحظة اجتماعهم على حكم المسالة، فلا يشترط انقراض العصر ،أي لا يشترط موت المجتهدين الذين حصل بهم الإجماع ، مصرين على إجماعهم . وعلى هذا لا يضر رجوع البض منهم عن رأيه ، ولا ظهور مجتهد آخر لم يكن وقت الإجماع ويخالف ما أجمعوا عليه .
وقال بعض الأصوليين : يشترط انقراض العصر لتحقق الإجماع ، إذ ربما يرجع البعض عن رأيه .
والراجح : ما قاله الأولون ، لأن الأدلة على حجية الإجماع لا توجب انقراض العصر ،وإنما تشترط اتفاقهم فقط ، فمتى ما حصل الاتفاق من مجتهدي العصر على حكم الحادثة فقد وجد الإجماع ، قابلاً للنقض برجوع البعض عن رأيه ،أو بظهور مجتهد آخر له رأى آخر .

خامساً: ويشترط أن يكون اتفاق الجهدين على حكم شرعي: كالوجوب والحرمة والندب ، ونحو ذلك، أما الإجماعات على مسألة غير شرعية: كمسالة رياضية أو طبية أو لغوية ، فلا يكون واحد من هذه الأجاميع الإجماع الشرعى المقصود .

سادساً: والعبرة بالإجماع ما كان بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا ما يذكره كثيرمن
الأصوليين في تعاريفهم وهو ما اخترناه .


-181-
#ff0000

وقال البعض : ليس هذا بشرط، فيجوزأن يصل إجماع في عصر النبي صلى الله عليه وسلم على حكم المسألة ، ويكون دليله الإجماع وموافقة النبي صلى الله عليه وسلم. ولكننا لا نرى هذا الرأي ، لأنه بوجود النبي صلى الله عليه وسلم لاتظهرحاجة للإجماع ، لأن العبرة بقول النبي صلى الله عليه وسلم وموافقته، فهومصدرالتشريع. فلوحصل إجماع في عصره، فإما أن يخالفه ، وإما أن يوافقه ، فإن خالفه فلا عبرة بإجماعهم ،وإن وافقه كانت العبرة بموافقته . وعلى هذا لا نرى وجهاً مستساغاً للقول بوقوع الإجماع في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا فلا نميل إليه.

171- حجة للإجماع :

الإجماع متى ما انعقد بشروطه كان دليلاً قاطعاً على حكم المسألة المجمع عليها ، وصار هذا الإجماع حجية قطعية ملزمة للمسلمين ، لا تجوز معها المخالفة أو
النقض (1). وقد استدل القائلون بالإجماع ، على حجية الإجماع ، وهم الجمهور الأعظم ، بأدلة كثيرة نكتفي بذكر البعض منها ، فمن هذه الأدلة ما يأتي:

أ- قوله تعالى : ((وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى? وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى? وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ? وَسَاءَتْ مَصِيرًا ))[النساء: 115] وجه الدلالة بهذه الآية الكريمة: أن الله تعالىتَوعَّد على مخالفة سبيل المؤمنين،فيكون سبيلهم هو الحق الوالجب الاتباع ، وغيره هو الباطل الواجب تركه ، وما يتفقون عليه يكون هو سبيلهم قطعاً ، فيكون هو الحق قطعاً فيكون هو الواجب الاتباع حتماً وليس معنى الإجماع إلا هذا ، وهو المطلوب .

ب- وردت في السنة آثاركثيرة تدل على عصمة الأمة الأسلامية عن الخطأ إذا اجتمعت على أمر من الأمور ،من ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (( لاتجتمع أمتي على خطأ)) ،(( لاتجتمع أمتي على ضلالة)) ،وهذه الأحاديث وإنه كانت آحادية، ، إلا أن معناها متواتر، فتفيد القطع بأن ما تجتمع عليه الأمة هو الحق والصواب.
وإجماع الأمة يتمثل بإجماع مجتهديها ، فهم أهل الرأي والمعرفة وغيرهم تبع لهم ،



___________________
1- ((المسودة))ص245.

-182-

#ff0000


فيكون إجماعهم حقاً وصواباً، وما كان حقاً وجب اتباعه وعدم مخالفته ، ولا معنى لحجية الإجماع إلا هذا(1).
ج- اتفاق المجتهدين لا بد له من دليل شرعى ، لأن الأجتهاد لا يكون عن هوى، بل وفق مناهج مرسومة وضوابط معينة وطرائق محددة تعصم من الهوى، كما ذكرنا في المقدمة ، وعلى هذا فإذا اتفق المجتهدون على رأي ، علمنا قطعاً أنهم وجدوا دليلاً شرعياً يدلّ قطعاً على الرأي الذي اتفقوا عليه ، إذ لو لم تكن دلالة هذا الدليل على مدلوله قطعية لا تيسر اتفاق حسب العادة لأن العقول والقرائح تختلف، فلا يتيسر اتفاقها إذا كان لدليل يحتمل وجوهاً كثيرة.

172- أنواع الإجماع :

أولاً: الإجماع الصريح :

ومعناه : أن المجتهدين يبدون آراءهم صراحة، ثم يجمعون على رأي ، كما لو عرضت المسألة على المجتهدين وهم مجتمعون في مكان واحد ، وأبدي كل واحد رأيه ثم اتفقوا على رأي واحد. أو أن المسألة عرضت عليهم واحداً واحداً وهم متفرقون ، واتفقت آراؤهم فيها عل رأي واحد . أو أن بعض المجتهدين يفتي في مسألة ، فتبلغ فتواه الآخرين ، فيصرحون بموافقتهم.أو يقضي مجتهد في مسألة بحكم معين.، ويبلغ هذا الحكم المجتهدين الآخرين ، فيوافقونه صراحة، قولاً أو إفتاءً أو قضاءً .




____________________________
1- ويلاحظ هنا : أن الجعفرية يرون ان حجية الإجماع إنما تثبت لكشفه عن دخول الامام المعصوم في المجتمعين كا صرح العلامة الحلي في كتابه ((تهذيب الاصول إلى علم الأصول))، ووضح هذا المعنى العلامة صاحب كتاب ((الأرائك)) بقوله: ان حجية الإجماع تقوم على أساس تحقق العلم بدخول شخص الامام المعصوم في المجتمعين او بتحقق العلم بموافقته على ما اجمعوا عليه او بتحقق العلم برأيه حدساً من اقوال المجت: (( الأرائك)) ص176-177 وانظر ايضا((كفاية الأصول))ص69 وما بعدهاو ((أصول الاستنباط)) للعلامة علي تقي الحيدري ص145 وما بعدها.الا ان الامام النائيني ذكر وجها اخر في تعليل حجية الاجماع: وهو كشفه عن وجود دليل معتبر عند المجتمعين.ورجح هذا الوجه بأنه ((أقرب المسالك،لأن مسلك الدخول- أي دخول الامام المعصوم في المجتمعين -مما لاسبيل اليه عادة في الغيبة- أي غيبة الإمام.....))الا ان صاحب ((الأرائك))قال عن هذا الوجه: انه لايكشف لنا عن قول المعصوم فلا يكون اجماعا في الحقيقة لعدم الحاجة فيه الى اتفاق الكل. انظر تقريرات النائيني في كتاب ((فوائد الأصول))ج1ص86-87، و((الأرائك))ص187.




-183-

#ff0000


وهذا النوع من الإجماع حجة قطعية ، لا تجوز مخالفتها ولا نقضها .

ثانياً : الإجماع السكوتي :

وهو أن يبدي المجتهد رأيه في مسألة ويعرف هذا الرأي ، ديشتهر، ويبلغ الآخرين ، فيسكتوا ولا ينكروه صراحة ، ولايوافقوا عليه صراحة ، مع عدم المانع من إبداء الرأي بأن تمضي مدة كافية للنظر في المسألة ، ولا يوجد ما يحمل المجتهد على السكوت من خوف من أحد أو هيبة له أو غير ذلك من الموانع التي سنذكرها بعد قليل . وقد اختلف العلماء في حكم هذا الإجماع ومدى اعتباره ، على ثلاثة أقوال :

القول الأول : أنه ليس بإجماع ، وفضلاً عن ذلك لا يعتبر حجة ظنية . ومن قال بهذا القول : الشافعي والمالكية.

وحجة هذا القول : أنه لا ينسب لساكت قول ، إذ لا يجوز تقويله ما لم يقل كما أن السكوت لا يمكن حمله ألزاماً على الموافقة ، فقد يكون سببه عدم وصول المسألة إلى الآخرين ، أو عدم اجتهادهم فيها ، أو عدم مضي وقت كاف لتكوين الرأي ، أو أن الساكت يظن أن لا داعي للجهر برأيه ، لاعتقاده أن غيره كفاه مؤونة الرد ، أو لاعتقاده أن الحق عند الله هو ما يصل إليه كل مجتهد باجتهاده ، فلا لزوم للرد والإنكار ، أو أنه يخاف من سلطان جائر ، أو يستحي من البوح به مهابة لمجتهد آخر .
ومع هذه الاحتمالات وغيرها لا يمكن الجزم بأن السكوت للموافقة ، وحيث لا دليل على الموافقة ، فلا اتفاق ولا إجماع ، وحيث لا إجماع فلا حجة .

القول الثاني: أنه حجة قطعية لا تجوز مخالفتها ، إذ هو كالإجماع الصريح ، وأن كان أقل منه قوة . وممن قال بهذا القول : أكثر الحنفية ، وهو قول الحنابلة( 1).

وحجة هذا القول : أن السكوت يحمل على الموافقة
دون غيرها متى ما قامت القرينة على ذلك، وانتفت الموانع المانعة من اعتباره



_________________________
1-(( روضة الناظر وجنة المناظر ))للشيخ موفق الدين بن قدامة المقدسي ص381،((إرشاد الفحول))ص84-85.

-184-

#ff0000


أمارة على الموافقة. وتتحقق القرينة ,وتنتفي الموانع باشتهار الرأي، ووصوله إلى بقية المجتهدين، ومضي وقت كاف للنظر والتأمل في المسألة ، مع عدم وجود حائل يحول دون التصريح بالرأي الذي يصل اليه المجتهد ، بأن يظن أن غيره رد الرأي ، أو يعتقد أن لا داعى للرد ، أو يخشى أذي من ذي سلطان ، ونحوذلك من الأسباب المانعة التي تمنع من التصريح بالرأي. فإذا تحقق كل ما ذكرناه ، لم يبق وجه لعدم اعتبار السكوت علامة الموافقة. وتحقق الإجماع ، والإجماع حجة قطعية .

القول الثالث: أنه ليس بإجماع ، ولكنه حجة ظنية ، وممن قال بهذا القول : بعض الحنفية، وبعض الشافعية.
وحجة هذا الرأي : أن حقيقة الإجماع: الاتفاق من الجميع حقيقة لا حدساً وهذا لم يتحقق في الإجماع السكوتي ، لأن السكوت مهما قيل في دلالته على الموافقة فلن يكون كالصربح في الدلالة على الموافقة ، فلا يعتبر لإجماعاً، ولكن لرجحان دلاليته
على الموافقة - إذا زالت الموانع من التصريح - اعتبر حجية ظنية .

173-القول الراجح:

الواقع أن المطلوب لتحقق الإجماع : هو تحقق الموافقة على الرأي من الجميع، وتحقق الموافقة كما يتم بطريق صريح يكون بطريق الدلالة ، فلا نرى حصرتحقق الموافقة بالتصريح فقط ، لأن السكوت يصلح أن يكون طريقاً للدلالة على الموافقة متى ما قامت القرينة على ذلك ،وانتفت الموانع. كما قال أصحاب القول الثاني ، إذ في هذه الحالة يكون السكوت بياناً، لأنه في موضع الحاجة ، ويحرم على المجتهد السكوت إذا كان الرأي الذي قيل باطلاً ، لا سيما وأن الظن بالمجتهدين أنهم لا يحجمون عن إبداء رأيهم إظهاراً للحق ، وإن لقوا من جراء ذلك العنت والضيق
، وهذا الظن يقوي فينا الاعتقاد أن سكوتهم محمول على الرضا والموافقة ، لا على الإنكار والمخالفة .


-185-
#ff0000


أما أذا لم تتمكن تماماً من معرفة دلالة السكوت على الرضا ، ولا من انتقاء موانع التصريح ،فإننا نرى في هذه الحالة اعتبار ما حصل -أي الإجماع السكوتي- حجة ظنية فقط ، وليس بإجماع بالمعنى المراد من الإجماع .

174- اختلاف المجتهدين في مسألة على قولين (1):

إذا اختلف المجتهدون في عصر من العصور في حكم مسألة على قولين ، فهل يجوز إحداث قول ثالث في المسألة ، ام لا يجوز؟ ذهب الأكثرون إلى المنع ، وقال البعض بالجواز، واختار فريق التفصيل وهناك البيان:
القول الأول: المنع من إحداث قول ثالث ؛ لأن حصر الاختلاف في قولين إجماع ضمني ، أو أجماع مركب - كما يسمونه - على أن لا قول آخر في المسألة ، فيكون القول برأي ثالث خرقاً لإجماع قد تم ، وهذا لا يجوز .

والواقع أن هذا الحجة ضعيفة، لأن الذي حصل هو عدم القول بالرأي الثالث، وعدم القول بالشيء لا يستلزم القول بعدم ذلك الشيء ، إذ بينهما فرق واضح ، قفلا ينهض ما قالوه حجة لما ذهبوا إليه .

القول الثاني : الجواز مطلقاً؛ والحجة لهذا القول : أنه ما دام قد حصل اختلاف في مسألة بين المجتهدين ، فهذا دليل قاطع على أن لا إجماع في المسألة ، لأن الإجماع : اتفاق الجميع لا بعضهم ، وحيث لم يحصل هذا الاتفاق فلا مانع من إحداث قول ثالث ورابع وأكثر، لأنه لا يخرق إجماعاً .

وهذه الحجة وإن كانت تبدو في ظاهرها قوية ، إلا أنها في حقهقتها ضعيفة، لأن الإجماع يمكن أن يتحقق بين المختلفين في بعض ما اختلفوا فيه ، وهذا القدر المتفق عليه هو محل إجماعهم ، فلا يجوز مخالفته. ولذهول أصحاب هذا القول عن هذا المعنى، وقعوا في خطأ التعميم بالجواز مطلقاً

القول الثالث: اختيار التفصيل؛ وخلاصته: إذا كان بين المختلفين قدر


___________________
1-((إرشاد الفحول))ص76-77.
-186-

#ff0000


مشترك متفق عليه فلا يجوز إحداث قول ثالث يخالف هذا القدر المجمع عليه ، لأنه يعد خرقاً لإجماع قائم ، وهذا لا يجوز. أما إذا كان القول الثالث لا يصادف شيئاً متفقاً عليه بين المختلفين ، فيجوز إحداث قول آخر في المسألة ، لأنه لا يلاقي إجماعاً في هذه الحالة . ولتوضيح هذا الرأي نضرب بعض الأمثلة :

أ- اختلف الصحابة في ميراث الجد مع الأخوة الاشقاء ، أو الأب ، على قولين الأول : أن الجد يحجب الأخوة، ويستأثر هو وحده بالميراث إن لم يكن معهم أحد غيرهم . الثاني : أن الجد يرث مع الأخوة ولا يحجبهم . فالقدر المشترك المتفق عليه بين أصحاب هذين القولين : هو ضرورة إرث الجد مع الأخوة، والخلاف في حجبه لهم أو عدم حجبه . فإحداث قول ثالث بعدم إرث الجد مع الأخوة، قول لا يجوز، لخرقه الإجماع السابق وهو ضرورة توريث الجد مع الأخوة وهذا هوالقدر المتفق عليه بين المختلفين.

ب - اختلف الصحابة أيضاً في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها ، فقال فريق منهم : أنها تعتد بوضع الحمل . وقال فريق آخر : تعتد بأبعد الأجلين : الأشهر أو وضع الحمل . فالقدر المتفق عليه بين أصحاب هذين القولين: هوعدم الاكتفاء بالأشهر فقط قبل وضع الحمل . فإحداث قول ثالث باحتساب العدة بالأشهر قبل وضع الحمل ، قول لا يصبح ، لخرقه القدر المتفق عليه ، وخرقه الإجماع لا يجوز.

ج- ومثال إحداث القول الثالث الذي لايصادف قدراً متفقاً عليه : مسألة انحصار الميراث في الأبوين وأحد الزوجين ، فقد اختلف فيها مجتهدو العصر الأول فقال بعضهم : إن نصيب الأم ثلث المال كله فرضاً، ثم يُعطى لأحد الزوجين نصيبُه وهو الربع للزوجة والنصف للزوج، ثم يُعطى الباقي للأب.

وذهب فريق آخر إلى أن للأم ثلث الباقي بعد فرض أحد الزوجين .
وما يبقى من تركة فللأب تعصيباً.
فما ذهب إليه محمد بن سيرين في عصر التابعين : من أن للأم ثلث المال كله إن

-187-

#ff0000


كانت الزوجة هي الموجودة مع الأبوين ، وأن للأم ثلث الباقي بعد فرض الزوج إن كان هو الموجود مع الأبوين ، هذا القول لا يصادف قدراً مشتركاً بين القولين ، فلا يعد خرقاً للإجماع ، فلا مانع من القول به..

د - اختلف فقهاء العصر الأول في مدى حق الزوج في فسخ النكاح إذا وجد في زوجته برصاً أو جنوناً أو عتهاً أو رتقاً أو قرناً،فذهب بعضهم إلى القول بالفسخ بجميع هذه العيوب ، وذهب الآخرون إلى عدم جواز الفسخ اكتفاء بما للزوج من حق الطلاق،فإذا قال بعض المجتهدين : يجوز الفسخ بكذا وكذا من العيوب ، ولا يجوز بغيرها ، لا يعد قوله خرقاً للإجماع ، لأن القولين لم يتفقا على قدر مشترك :
هو بعض هذه العيوب التي جاء القول الثالث بالفسخ بها .

175- الراجح من هذه الأقول:

والقول الثالث هو الراجح، لأنه ينظر إلى حقيقة الإجماع ، فإذا وجده في جزئيه ولوفي مسألة مختلف فيها ، لم يهز إحداث قول ثالث يصادمه ، أما إذا لم يجده فلا يرى مانعاً من إحداث قول جديد ، لأن الممنوع هو إحداث قول ثالث يخرق إجماعاً سابقاً، والإجماع السابق لا ينصب على عدد الآراء التي ذهب إليها المختلفون،كما قال أصحاب القول الأول ، حتى يقال لا يجوز إحداث قول آخر مطلقاً ، وإنما ينصب على أحكام المسائل، وقد يتصور حصول اتفاق في بعض جزئيات المسألة ، وإن كان الاختلاف فيها جملة حاصلاً كما مثلنا .ففي مسألة إرث الجد مع الأخوة ، كأن المختلفين قال بعضهم : يرث الجد إن كان معه أخوة، وقال البعض الآخر لا يرث
الأخوة إن كانوا مع الجد ، فالجزئية المتفق عليها في هذه المسألة : هي أن الجد يرث فلا يجوز إحداث قول ينقض هذه الجزئية المتفق عليها .

176-مستند الإجماع:

لا بد للإجماع من مستند شرعي ، لأن القول في الدين يغير علم وبغير دليل قول بالهوى ، وخطأ قطعاً، وهذا لا يجوز ولا يقع، لأن الامة معصومة من الخطأ بدلالة الأحاديث التي ذكرناها. وسند الإجماع قد يكون من الكتاب أو من السنة،

-188-

#ff0000


فالإجماع على حرمة نكاح الجدات وبنات الأولاد مها نزلت درجتهن ، سنده قوله
تعالى : (( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ ))[ النساء: 23]، إذ الإجماع منعقد على أن المراد بالأمهات في الآية الكريمة :الأصول من النساء، فتشمل الجدات وإن نزلن ، وأن المراد من البنات : الفروع من النساء ، فتشمل البنات الصلبيات وبنات الولد وإن نزلن .

ومن الإجماع المبني على السنة : إجماعهم على إعطاء الجدة السدس في الميراث، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أعطى الجدة السدس.

وقد اختلف الأصوليون في جواز انعقاد الإجماع عن اجتهاد أو قياس ، فجوزه الأكثرون ، ومنعه غيرهم : كداود الظاهري ، وابن جرير الطبري . وما ذهب إليه الأكثرون هو ما نميل إليه ، فقد انعقدت إجماعات في زمن الصحابة وكان مستندها اجتهاداً أو قياساً فقد أجمعوا على جمع القرآن ، وكان سندهم : المصلحة ، وهي ضرب من ضروب الاجتهاد ، ووافقوا عثمان بن عفان في إحداثه النداء الثالث لصلاة الجمعة ، وكان سندهم : مصلحة إعلام الناس بالصلاة ، لا سيما البعيدين
منهم عن المسجد ، وإجماعهم على تحريم شحم الخنزير قياساً على تحريم لحمه(1).

177- إمكان انعقاد الإجماع والخلاف فيه:

قال جمهور العلماء بإمكان إنعقاد الإجماع ، وبوقوعه فعلاً. وقال بعضهم : بعدم إمكان إنعقاده ، وبعدم وقوعه أصلاً، ومن هؤلاء: النظام من المعترلة.

احتح المانعون من إمكان انعقاده : بأن معرفة المجتهدين بأعيانهم متعذرة أو مستحيلة ، إذ لا ضابط لتمييز المجتهد من غير المجتهد ، وحتى إذا عرف شخص بالاجتهاد في بلده فقد ينازعه الآخرون من أهل بلده ، أو غيرهم ، في أهليته للاجتهاد، وحتى إذا عرفوا دون منازعة لهم في أهليتهم للاجتهاد ، فمن العسير جداً جمعهم ، وعرض المسألة عليهم ، لتفرقهم في البلاد والأمصار، وحتى إذا أريد عرض المسألة عليهم وهم في أماكنهم ، فمن الصعب جداً إِبْلاغها لكل واحد ومعرفة


_____________________
1-((الآمدي))ج1ص320.
-189-
#ff0000


رأيه على وجه موثوق ، والتيقن من بقائه على رأيه الى وقت أخذ جميع الآراء . ويضاف إلى ذلك كله: أن الإجماع لا بد له من سند، فإن كان قطعياً: فالناس يعرفونه ولا يغفلون عنه في العادة ، لأن من شأن القطعي أن يعرف ويشاع فلا حاجة للإجماع، وإن كان الدليل ظنياً: فيستحيل في العادة الاتفاق عليه ، لاختلاف المجتهدين في أفكارهم وقرائحهم في الاستنباط.
واحتج الجمهور: بأن ما قاله المانعون مجرد تشكيك بأمر ممكن الوقوع ، فلا يلتفت إليه. ودليل إمكان وقوعه : أنه وقع فعلاً، وقع في عصر الصحابة ونقلت لنا عنهم إجماعات كثيرة: كإجماعهم عل أن للجدة السدس في الميراث ، وإجماعهم على بطلان زواج المسلمة بغير المسلم ، وإجماعهم على صحة النكاح من غيرمهرمسمى ،وإجماعهم على عدم قسمة الأراضي المفتوحة على الفاتحين، وإجماعهم على أن الأخوة والأخوات لأب يقومون مقام الأشقاء عند عدمهم، وإجماعهم على أن
الابن الصلبي يحجب ابن الابن ، إلى غير ذلك من الإجماعات الكثيرة ؛ فانعقاد الإجماع فيما مضى دليل قاطع على إمكان وقوعه ، فكيف يُقال: إنه لم يقع ولن يقع؟

178- وجوب التفصيل في هذا الخلاف:

والذي نراه في هذا الخلاف ، وجوب التفصيل، فلا نأخذ قول الجمهور يبإطلاق، ولا نرفض قول المانعين بإطلاق، والتفصيل الذى نراه يستلزم مناقشة ما قاله المانعون، فنقول:

أولاً : ما احتج به المانعون من أن مستند الإجماع إن كان قطعياً فهو لا يغيب عن الناس،فلاحاجة إذن إلى الإجماع ، وإن كان السند ظنياً أحالت العادة اتفاقهم ، فلا ينعقد الإجماع ، هذا القول بشقيه لا ينهض حجة لما قالوا ، فالإجماع بمقتضى دليل قطعي يزيده قوة،ويغني عن البحث عن دليله . وإن كان مستند الإجماع ظنياً كخبر آحاد ، فالعادة لا تحيل إمكان الإجماع عليه إذا كان واضح الدلالة بيَّن الممعنى ، وفي هذه الحالة يرتفع الدليل الظني بالإجماع


-190-
#ff0000



يتبع بإذن الله.....

الفهداوي
2016-08-31, 11:01 PM
ماشاء الله تبارك الله
سبحان الله .. كم فاتني من الأجر العظيم في المشاركة
بهذا الجهد الجبار والمهم ، والذي لا يستغني عنه طالب علم ، فكتاب أصول الفقه للدكتور عبد
الكريم زيدان من الكتب المفيدة والمهمة التي صنفت في علوم الآله ( ومنها هذا الفن ، اصول الفقه ) فقد
تضمن الكتاب سهولة العبارة ووضوح الفكرة وترتيب التبويب حتى صار بالامكان لكل طالب علم فهمه دون الرجوع الى العلوم المساعدة أو العلوم الابتدائية في هذا العلم ، فرحم الله الشيخ عبد الكريم وأجزل له المثوبة
وحفظ الله الاخ الغالي استاذ ياس بما قدم من جهد يشكر عليه فهي بحق محاولة تستحق الاشادة والثناء ..
اسال الله تعالى ان يجعل هذا العمل في صحائف أعماله يوم يلقاه أنه سميع مجيب ..
والشكر موصول ايضا لكل من ساهم ولو بالتشجيع على اخراج هذا العمل باتم صورة ..

ياس
2016-09-01, 01:24 AM
ماشاء الله تبارك الله
سبحان الله .. كم فاتني من الأجر العظيم في المشاركة
بهذا الجهد الجبار والمهم ، والذي لا يستغني عنه طالب علم ، فكتاب أصول الفقه للدكتور عبد
الكريم زيدان من الكتب المفيدة والمهمة التي صنفت في علوم الآله ( ومنها هذا الفن ، اصول الفقه ) فقد
تضمن الكتاب سهولة العبارة ووضوح الفكرة وترتيب التبويب حتى صار بالامكان لكل طالب علم فهمه دون الرجوع الى العلوم المساعدة أو العلوم الابتدائية في هذا العلم ، فرحم الله الشيخ عبد الكريم وأجزل له المثوبة
وحفظ الله الاخ الغالي استاذ ياس بما قدم من جهد يشكر عليه فهي بحق محاولة تستحق الاشادة والثناء ..
اسال الله تعالى ان يجعل هذا العمل في صحائف أعماله يوم يلقاه أنه سميع مجيب ..
والشكر موصول ايضا لكل من ساهم ولو بالتشجيع على اخراج هذا العمل باتم صورة ..



بارك الله فيكم شيخنا الحبيب
اطلالتكم على الموضوع وتشجيعكم يكفي ان يكون محل ثقتي وتقديري
أسعدني مرورك وتعليقك..لا ..بل عودة قلمك المتميز ليخط لنا اجمل المواضيع وانفعها
والله اسال ان يكتب لك الأجر والمثوبة، وسائر الاخوة في المنتدى..
كما لا ننسى جهد أختنا الكريمة ياسمين الجزائر(ياسمين العراق)،والتي شاركتنا في كتابة
هذا الكتاب القيم...ادعوا الله ان يحفظها ويكتب اجرها

ياس
2016-09-01, 05:53 PM
إلى مرتبة قطعية
ثانياً : أما ما احتجوا به من عدم إمكان معرفة المجتهدين بأشخاصهم لتفرقهم في الأمصار.. الخ ، فهذا القول جدير بالتأمل والمناقشة ، والحق في هذا أن يقال : إن عصور السلف تنقسم إلى عصرين متميزين: الاول: عصر الصحابة، والثاني :عصرمابعدهم .
ففي عصرالصحاية، لاسيمافي زمن أبي بكر وعمر، كان المجتهدون قلة، ومعروفين بأعيانهم ، وموجودين كلهم تقريباً في المدينة، أو في مكان يسهل الوصول إليهم ومعرفة آرائهم، وكان الاجتهاد يأخذ شكل الشورى ، ففي هذا العصر، والحال كما وصفنا، يسهل جداً انعقاد الإجماع ، وقد وقع فعلاً، ونقلت الينا إجماعات كثيرة عنهم ، منها ما احتج به الجمهور وذكرناها قبل قليل.
نعم،قد يقال: أن هذه الإجماعات ما كانت كلها صريحة وهذا حق نسلم به ولا ننكره ، ولكن أى شيء فيه؟ فالأجماع السكوتي كالإجماع الصريح عند فريق من العلماء كما قلنا ، وإذا قيل : أن الإجماع السكوتي ليس بحجة عند البعض ، فلا يكون إذن إجماع الصحابة السكوتي دليلاً على وقوع الإجماع ، ولا حجة على الآخرين ، فاننا نقول: إن لإجماع الصحابة السكوتي ينبغي أن ينزل منزلة الصريح لعدة اعتبارات، منها : قلتهم ومعرفة أشخاصهم كما قلنا ، ولما عرف من سيرتهم ومبادرتهم إلى قول الحق الذي يرونه دون خشية من أحد ولا مهابة لأحد، حرصاً منهم على الوفاء بما أخذه الله من عهد على العلماء من لزوم بيان الحق وعدم كتمانه. ويكفينا هنا للتدليل
على مانقول، أن نذكر: أن هذا الوصف كان عاماً حتى في آحاد المسلمين، ألا يرى أن امرأة ردت عل عمر منكرة ما ذهب إليه من رأى في تقليل مهور النساء، وهو يخطب على المنبر، دون أن تخشى شيئاً. وقصة بلال ومناقشته لعمر بن الخطاب في مسألة قسمة الأراضي المفتوحة ، أمر شائع معروف ، فقد أعلن بلال مخلفته لرأي عمر، بل وأغلظ له بالقول، ولم يمنعه من ذلك أنه يخالف أمير المؤمنين .. حتى أن عمر بن الخطاب لم يسعه إلا أن قال: (( اللهم اكفني بلالاً وصَحبه)) ولم يزد على هذا


-191-
#ff0000


ولم يعنفه . فإذا كان هذا شأن القوم فمن العسير أن نسلم بأن سكوت مجتهديم كان
لغير الرضا والموافقة ، بل إننا نكاد نجزم أن سكوتهم محمول على الرضا والمرافقة ما دام الرأي قد وصلهم ، ووصوله إليهم كان ميسوراً لقلتهم كما قلنا ، ولوجودهم في المدينة أوفي مكان قريب منها .
أما بعد عصر الصحابة فمن العسيرجدا التسليم بانعقاد الإجماع، لتفرق الفقهاء في البلاد النائية وأمصار المسلمين العديدة ، وكثرة عددهم واختلاف مشاربهم وعدم أخذ الاجتهاد بأسلوب الشورى كما كان الحال في العهد الأول وأقصى ما يمكن أن يقال : إن أحكاماً اجتهاديةً في بعض المسائل وجدت واشتهرت ، ولم يعرف لها مخالف ، ولكن عدم معرفة المخالف - والحال كما وصفنا - لا يدل على عدم وجود المخالف ، وبالتالي لا نستطيع اعتباره إجماعاً، بل ولا إجماعاً سكوتياً.

179-أهمية الإجماع في الوقت الحاضر وإمكان انعقاده:

الإجماع مصدر مهم من مصادر الفقه الإسلامي ، ودليل من أدلة الأحكام مشهود له بالصحة والاعتيار، فيمكن الاستفادة منه في معرفة الأحكام الشرعية للوقائع الجديدة وهي كثيرة في وقتنا الحاضر ، إلا أن هذه الاستفادة لا يمكن أن تنم إلا اذا تهيأ جمع الفقهاء وعرض المسائل عليهم ومعرفة آرائهم فيها ، وهذا لا يتم - في رأينا - بصورة مجدية إلا عن طريق إيجاد مجمع فقهي يضم جميع الفقهاء في العالم الإسلامي ، ويكون لهذا المجمع مكان معين ، وتهيء له جميع ما يلزم من مال وكتب وكتبة ..إلخ ، ويجتمع في اوقات معينة دورية وفق نظام معين ، وتعرض عليه المسائل والوقائع الجديدة لدراستها ، والنظر في إجاد الأحكام لها في ضوء نصوص الشريعة
وقواعدها ومبادئها العامة ،ثم تنشر هذه الأحكام في نشرات دورية أو كتب خاصة لاطلاع الناس عليها ، وإبداء أولي العلم منهم رأيهم فيها، إذ يحتمل أن بعضى الفقهاء لا يتيسر لهم الانضمام إلى المجمع الفقهي لأي سب كان ، على أن يطلب من هؤلاء إرسال آرائهم إلى المجمع الفقهي رأساً ، أو إلى معتمده في كل قطر ولا بأس من الاستعانة بدور الإذاعة اللاسلكية لإذاعة آراء المجمع الفقهي زيادة في التبليغ،

-192-
#ff0000


ثم ينظر المجمع فيما وصله من آراء حول ما نشره من آرائه ، فإذا ما اتفقت آراء أعضاء المجمع على حكم كان حكماً مجمعاً عليه، وكان هذا الإجماع قريباً من الإجماع المنصوص عليه عند الأصوليين ،ووجب العمل بموجبه .




-193-
#ff0000


الفصل الرابع
الدليل الرابع
القياس


180- تعريف القياس:

القياس في اللغة : يطلق على تقدير شيء بشيء آخر، فيقال : قست الأرض بالمتر، أي قدرتها به.
ويطلق أيضاً على مقارنة شيء بغيره ، لنعرف مقدار كل منهما بالنسبة للآخر ثم شاع استعمال القياس في التسوية بين الشيئين ، حسية كانت التسوية أم معنوية ،فمن الأولى : قول القائل : قست هذه الورقة بهذه الورقة ، بمعنى سويتها بها . ومن
الثانية : قول القائل : علم فلان لا يقاس بعلم فلان ، بمعنى لا يساويه أي لا يسوى به .

وفي اصطلاح الأصوليين : إلحاق ما لم يرد فيه نص على حكمه بما ورد فيه نص على حكمه في الحكم ، لاشتراكهما في علة ذلك الحكم .
أو هو تسوية واقعة لم يرد نص بحكمها ، بواقعة ورد النص بحكمها في الحكم
المنصوص عليه ، لتساوي الواقعتين في علة الحكم(1).



_______________________
1- انظر تعاريف أخرىللقياس في: ((شرح الورقات في الأصول)) لامام الحرمين ص197-198 و(( إرشاد الفحول))ص198 والآمدي ج3ص263 وما بعدها و ((المستصفى))للغزالي ج2ص54.
-194-
#ff0000


وبيان ذلك : أن الشارع قد ينص على حكم معين في واقعة ، ويعرف المجتهد علة هذا الحكم ، ثم توجد واقعة أخرى لم يرد نص بحكمها ، ولكن تساوي الواقعة الأولى في علة الحكم ، فيلحق المجتهد هذه الواقعة بالواقعة الأولى ويسوي بينها في الحكم ، فهذا الإلحاق هو القياس . وقد يعبر عنه الأصوليون بتعابير أخرى ، مثل قولهم : تسوية الواقعتين في الحكم ، أو تعدية الحكم من واقعة إلى واقعة أخرى فهذه العبارات : الإلحاق، تسوية ، تعدية ، تدل على معنى واحد : هو تعدية الحكم المنصوص عليه في واقعة ما إلى الوقائع المساوية لها في العلة ، وهذا هو القياس .
فالقياس لا يثبت حكماً ، وإنما يكشف عن حكم كان ثابتاً للمقيس من وقت ثبوته للمقيس عليه لوجود علة الحكم فيه ، كما هي موجودة في المقيس عليه . وغاية ما في الأمر أن ظهور الحكم في المقيس تأخر إلى أن كشف المجتهد عن وجود علة الحكم فيه . فالقياس إذن مُظهِر للحكم ، وليس مثبتاً له ، وإن عمل المجتهد ينحصر في معرفة علة الحكم وبيان اشتراك المقيس والمقيس عليه فيهما ، فُيظهِر أن الحكم فيهما واحد.

181- أركان القياس:

ومن التعريف الاصطلاحي للقياس ، يتبين لنا أن أركانه أربعة ، وهي :
أولاً : الأصل : ويسمى بالمقيس عليه ، وهوما ورد النص بحكمه.
ثانياً : حكم الأصل : وهو الحكم الشرعي الذي ورد به النص في الأصل ويراد تعديته للفرع.
ثالثاً : الفرع ويسمى با لمقيس ، وهو ما لم يرد نص بحكمه ويراد أن يكون له حكم
الأصل بطريق القياس .
رابعاً : العلة : وهو الوصف الموجود في الأصل ، والذي من أجله شرع الحكم فيه
وبناء على وجوده في الفرع يراد تسويته بالأصل في هذا الحكم .



-195-
#ff0000


يتبع.......

ياس
2016-09-01, 10:46 PM
أما الحكم الذي يثبت للفرع بالقياس فهو نتيجة عملية القياس ، أو ثمرته، فليس هومن أركان القياس.

182- أمثلة على القياس :

أولاً: ورد النص بتحريم الخمر والنص هو قوله تعالى : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ))[المائدة:90] والخمر عند فريق من الفقهاء: اسم للشراب المسكر المتخذ من العنب دون غيره(1) ، فهو أصل ورود النص بحكمه وهو التحريم ، ونبيذ التمر أو الشعير فرع لم يرد النص بحكمه ، ولكن فيه علة
الحكم : وهي الإسكار ،فيقاس على الخمرلاشتراكهما في العلة ، ويكون له حكم الخمر: وهو التحريم .

ثانياً : قتل الوارث مورثه أصل، ورد النص بحكمه : وهو حرمانه من الميراث والنص هوقول النبي صلى الله عليه وسلم ((لاَ يَرِثُ القَاتِلُ))، وعلة الحكم : اتخاذ القتل العمد العدوان وسيلة لاستعجال الشيء قبل أوانه ، فيرد عليه قصده السيء ويعاقب بحرمانه ؛ وقتل الموصى له الموصي ، لم يرد النص بحكمه ولكن توجد في هذه الواقعة علة الحكم الموجودة في الواقعة الأولى : وهي استعجال الشيء قبل أوانه بطريق الإِجرام ، فتلحق واقعة قتل الموصى له للموصي بواقعة قتل الوارث موروثه ، لاشتراكها في علة الحكم وتسوى بها في الحكم ، فيُحرَم الموصى له من الموصى به.
ثالثاً : ابتياع الإنسان على ابتياع أخيه ، أو خطبته على خطبة أخيه ، لا يحوز، لورود
النص بالنهي عن ذلك ، وهوقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( المؤمن أخو المؤمن فلا يحلُّ
للمؤمن أن يَخْطِبَ على خِطْبةِ أخيه ، أو يبتاع على بيع أخيه حتى يذر)) ، وعلة



_____________________
1-الصحيح أن الخمر: اسم لكل مسكر، كما جاء في الحديث الشريف : ((كل مسكرخمر وكل خمر حرام)). ولكننامثلنا بقول هؤلاء الفقهاء لتوضيح عملية القياس.


-196-
#ff0000


الحكم : هو ما في هذا التصرف أو ذاك من اعتداء على حق الغير، وايذاء له ، وما يترتب على ذلك من عداوة وبغضاء ؛ واستئجار الإنسان على استئجار أخيه واقعة لم يرد النص بحكمها ، فتقاس على الواقعة الأولى ،لاشتراكهما في علة الحكم ، وتسوى بها في هذا الحكم وهو النهي عنه .

رابعاً: البيع وقت النداء للصلاة من يوم الجمعة منهي عنه ، لورود النص بهذا الحكم وهو قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى? ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ))[الجمعة:9] ، وعلة الحكم : هو ما في البيع من تعويق للسعي إلى الصلاة واحتماله تفويتها ، وهذه العلة موجودة في الاستئجار أو الرهن أو النكاح في هذا الوقت، فيكون حكم هذه
التصرفات النهي عنها قياساً على البيع.

183- شروط القياس(1):

عملية القياس لا تصح إلا إذا توافرت شروط خاصة ؛ منها ما يتعلق بالأصل ومنها ما يتعلق ببقية أركان القياس.
فالذي يشترط في الأصل أن لا يكون فرعاً لأصل آخر، أي أن يثبث حكمه بنص أو إجماع. أما شروط الأركان الأخرى فتحتاج إلى شيء من التفصيل لا سيما شروط العلة.

184- أولاً : شروط حكم الأصل:
أ- أن يكون حكماً شرعياً عملياً ، ثبت بنص من الكتاب أو السنة ، أما إذا كان ثبوته
بالإِجماع فقد قال بعض الاصوليين : لا يصح القياس في هذه الحالة ، لأن القياس يقوم على معرفة علة الحكم ، وعلى أساس وجودها في الفرع يسوى بالأصل في حكمه ، وهذا لا يتأتى فيما ثبت حكمه بالإِجماع ، لأن الإِجماع لا يشترط فيه ذكر مستنده ، ومع عدم ذكر المستند لا تعرف علة الحكم فلا يمكن

________________________
1- «فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت»ج2ص250 علا ومابعدهاو«المستصفى» 2للغزاليج2 ص325 وما بعدها ، الآمدي ج 3 ص 277 وما بعدها .

-197-
#ff0000


ا لقياس .

وقال آخرون : تصح تعدية الحكم إلى الفرع بالقياس ، وإن كان ثبوت الحكم بالإِجماع، لأن معرفة علة الحكم لها طرق ، منها : المناسبة بين الأصل وحكمه كما سيأتي بياته فيما بعد ، فلا يضر عدم ذكر مستند الإِجماع ولا يحول هنا دون معرفة العلة . وهذا القول هو الراجح؛ أما إذا كان الحكم ثابتاً بالقياس وحده فلا يصح جعله أصلاً والقياس عليه ، بل يجب القياس على الأصل المنصوص
على حكمه رأساً .

ب - أن يكون معقول المعنى بأن يكون مبنياً على علة يستطيع العقل إدراكها ، لأن أساس القياس : إدراك علة الحكم ، وإدراك تحققها في الفرع ، حتى يمكن بهذا تعدية حكم الأصل إلى الفرع لاشتراكهما في العلة ، فإذا تعذر على العقل إدراك العلة تعذر القياس، ولهذا قال العلماء : لا قياس في الأحكام التعبدية ، وهي الأحكام التي استأثر الله بعلم عللها التي بنيت الأحكام عليها ، ولم يجعل لأحد سبيلاً لمعرفتها : كأعداد الركعات ، وتحديد جلد الزاني والزانية بمئة جلدة، وجلد القاذف ثمانين جلدة ، والطواف حول الكعبة في الحج بعدد مخصوص، وكذا السعي بين الصفا والمروة بعدد معين ، ونحو ذلك.

أما إذا كان حكم الأصل معقول المعنى ، أي أنه مبني على علة يمكن للعقل إدراكها ، فالقياس يمنح في هذه الحالة إذا ما عرفت العلة وعرف تحققها في الفرع ، سواء أكان حكم الأصل من أحكام العزيمة ، وهوما شرع ابتداء ، أو كان من أحكام الرخصة ، وهو ما شرع استثناء . فمن الأول : تحريم شرب الخمر ومع الوارث القاتل من الميراث . ومن الثاني : يبع العرايا(1) ، وأكل
الميتة ، ونحوها من المحرمات عند الضرورة(2).




______________________________________________
ا - العرايا بيع الرطب في رؤوس النخل بمثل قدره تمرا عن طريق الخرص. وقد وثبت هذا الحكم بالحديث الشريف : ((نهى رسول الله عن يبع الشيء بجنسه متفاضلاورخص في العرايا ))وفي صحيح البخارى : نهى عن المزابنة اي بيع التمر بالتمر- الا اصحاب العرايا فانه اذن لهم )) فيقاس عليه العنب فيجوز بيعه على شجرة بمثل قدره من الزبيب خرصا .

2- قال تعالى : ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ =
-198-
#ff0000


ج-أن يكون له علة يمكن تحققها في الفرع ، فإذا كانت العلة قاصرة على الأصل ولا يمكن تحققها في غيره امتنع القياس ، لأن القياس يستلزم اشتراك الفرع والأصل في علة الحكم ، فإذا كانت علة الحكم لا يتصور وجودها في غير الأصل لم يتصور الاشتراك في العلة، وبالتالي لا يمكن القياس : كقصر الصلاة في السفر ،أو إباحة الفطر فيه، فعلة الحكم في الإثنين: السفر، والغرض منه : دفع المشقة، ولكن هذه العلة ، وهي السفر ،لا تتحقق في غير المسافر فلا يمكن أن يقاس عليه من يقوم بالأعمال الشاقة والمهن المضنية .

د- ألا يكون حكم الأصل مختصاً به ، لأن اختصاصه به يمنع تعديته إلى الفرع ، وإذا امتنعت التعدية امتنع القياس قطعاً ، لأن القياس في هذه الحالة مناقض للدليل الذي دله على اختصاص الأصل بالحكم ، والقياس للناققى للدليل باطل.
فمن ذلك : اختصاص الرسول صلى الله عليه وسلم بإباحة الزواج بأكثرمن أربع زوجات،
وتحريم نكاح زوجاته من بعده ، فلا يصح أن يقاس عليه غيره في هذا التحريم وتلك الإباحة ؛ ومثله أيضاً : اختصاص خزيمة بن ثابت بقبول شهادته وحدة فهذا حكم خاص به ثبت بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( من شهد له خزيمة فهو حسبه )). فلا يصح أن يقاس عليه غيره من أفراد الأمة مهما كانت درجه في الفضل والتقوى.

185-ثانياً: شروط الفرع:

أن يكون الفرع غير منصوص على حكمه ، لأن القياس يرجع إليه إذا لم يوجد في المسألة نص ، ومن المقرر عند الأصوليين : لا اجتهاد في معرض النص . فإذا وجد النص فلا معنى للقياس ؛ وعلى هذا ققول القائل : إن عتق الرقبة غير المؤمنة لا تجزىء في كفارة اليمين قياساً على كفارة الخطأ الواردة في قوله تعالى: ((وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ))[النساء:92] قياس غيرصحيح،




_______________________________________
‎ = وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ........))[المائدة:3] وقوله تعالى (( فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )) فالمضطر في مخمصة- اي في مجاعة-له أن يتناول هذه المحرمات،فيقاس على هذه الحالة حالة المرض أو أية ضرورة أخرى ، فيباح له فيها تناول هذه المحرمات.
-199-
#ff0000

لمخالفته النص الوارد في كفارة اليمين وهو قوله تعالى : ((لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ....))[المائدة:89]، فالرقبة في هذا النص مطلقة غيرمقيدة بوصف الإيمان ، فلا يجوز تقييدها بالإيمان قياساً على كفارة الخطأ.

ب -أن تكون علة الأصل موجودة في الفرع ، لأن شرط تعدي الحكم للفرع تعدي العلمة ، فلا بد من تكون العلة في الفرع نفس العلة الموجودة في الأصل التي ابتنى عليها الحكم ، لأن الفرع إذا لم يكن مساوياً للأصل في العلة امتنعت تسويته في الحكم ، لأن هذه التسوية ، أى تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع ، تقوم على أساس المماثلة بينهما في العلة ، .فإذا امتنعت التسوية في الحكم
والقياس الذي لا يتحقق فيه هذا الشرط يقال له : قياس مع الفارق . ومثاله : مسألة قسمة العقار المشفوع فيه بين الشركاء الذين لهم حق الشفعة ؛ ويقسم بينهم على عدد رؤوسهم ولا اعتبار لمقادير سهامهم، أم يقسم بنسبة سهامهم؟ قال الحنفية: يقسم بينهم بالسوية بغض النظر عن مقادير سهامهم . وقال غيرهم يقسم بينهم بقدر حصصهم مستدلين بالقياس، باعتبار أن المال المأخوذ بالشفعة يشبه غلة المال المملوك على وجه الشركة ، وحيث أن الغلة تقسم على الشركاء بنسبة حصصهم في هذا المال المشترك بلا خلاف بين الفقهاء ، فيقاس عليه تملك المشفوع فيه من قبل الشركاء بطريق الشفعة، فيقسم عليهم بنسبة حصصهم في الملك . فرد الحنفية على
هذا القول : بأن هذا قياس مع الفارق لأن الغلة متولدة من الشيء المملوك ، فيكون
‎ ‏ لكل شريك من هذه الغلة بقدر ما تولد من ملكه ، أما المأخوذ بالشفعة فليس متولداً من ملكهم ، أذ أن ملك الغير لايمكن أن يكون ثمرة أو غلة لأحد

186- ثالثاً : شروط العلة:
العلة : هي أساس القياس ومرتكزه ، وركنه العظيم على أساس معرفتها والتحقق من وجودها في الفرع يتم القياس وتظهر الثمرة ، فيتبين للمجتهد أن الحكم
‎ ‏
‎ ‏
‎ ‏
‎ ‏
‎ ‏-200-
#ff0000

ياسمين الجزائر
2016-09-02, 12:45 AM
جزى الله خيراً شيخنا الفهداوي ع متابعته و تشجيعه و وجوده بيننا في هذا المنتدى المبارك
و بارك الله في الاستاذ الفاضل ياس على الجهد المبارك و المتابعة في النشر و على جعلنا نشارككه في هذا العمل المبارك.
و الله أسأل القبول و الاخلاص.
بوركتم

ياسمين الجزائر
2016-09-02, 01:09 AM
الذي ورد به النص ليس قاصراً على ما ورد فيه، وإنما هو حكم في جميع الوقائع التي تتحقق فيها علة الحكم .
ولهذا كله، ولأهمية العلة، لابد من تمهيد يبين المقصود بالعلة، أي المعنى الاصطلاحي لها، والفرق بينهما وبين ما يسمى بالحكمة، فإذا ما تمهد ذلك بيّنا شروط العلة.
187- من المقرر عند المحققين من الجمهور : أن الأحكام الشرعية ما شرعت عبثاً من غير سبب دعا إلى تشريعها ومقاصد يراد تحقيقها، وإنما شرعت لمصلحة العباد في العاجل والآجل . وهذه المصلحة المقصودة إما جلب منافع لهم ، وإما دفع أضرار ومفاسد ورفع حرج عنهم. فالمصلحة بوجهيها أو بشقيها هي الباعث الأصلي على التشريع أمراً أو نهياً أو إباحة، وعلى هذا دل استقراء النصوص وأحكام الشريعة، سواء كانت عبادات أم معاملات، فالقرآن الكريم غالبا ما يقرن بحكمه الحكمة الباعثة على تشريعه من جلب نفع أو دفع ضرر، فمن ذلك : ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الألْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتّقُونَ﴾ ]البقرة : 179 [ ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾ ]الانفال:60[ ﴿ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ ]المائدة:91[ ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً ﴾ [الأحزاب:37].

فالآية الأولى : أفادت أن الغرض من تشريع القصاص حفظ الحياة .
‎ و الآية الثانية: بيّنت أن المقصود من إعداد القوة إرهاب العدو لمنعه من العدوان.







‎‎ ‏-201-





#ff0000
والآية الثالثة : أفادت أن الغرض من تحريم الخمر والميسر هو منع ما يترتب عليهما من مفاسد ومنها العداوة والبغضاء ... إلخ .
والآية الرابعة : أفادت أن المقصود بها هو رفع الحرج عن المسلمين في زواج نساء أدعيائهم - أي الأبناء بالتبني .
ومثل هذه الآيات ما جاء في الحج؛ ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾ ]الحج:28[ ، وما جاء في فرض الصلاة ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ]العنكبوت:45[

ومثله أيضاً تشريع جلد الزاني والزانية لمصلحة حفظ الأنساب، وقطع يد السارق لحفظ الأموال، وهكذا .
والسنة سلكت هذا ا لمسلك فقد اقترن في معظمها ما يدل على القصد من تشريعها صراحة، مثل قوله عليه الصلاة والسلام : " يا معشر الشباب من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر و أحصن للفرج ". . " فمن صلّى بالناس فليخفف، فإن فيهم المريض و الضعيف و ذا الحاجة" . فالمقصود من تشريع الأحكام : تحقيق مصلحة العباد، وهذه المصلحة هي التي تسمى بحكمة الحكم أو مئنته، فحكمة الحكم : هي المصلحة من جلب نفع أو دفع ضرر أراد الشارع تحقيقها بتشريع ذلك الحكم .
إلا أن الملاحظ : أن الشريعة – غالباً- لا تربط الحكم بحكمته وجوداً وعدماً، وإنما تربطه بأمر آخر من شأن ربط الحكم به وابتنائه عليه أن يحقق حكمة الحكم، أي المصلحة المقصودة منه كما في إباحة الفطر في رمضان، فهذا الحكم لم يربط بحكمته وهي دفع المشقة، وإنما ربط بأمر آخر من سفر أو مرض لأن الشأن بهذا الربط أن يحقق حكمة الحكم .
والسبب في هذا المسلك : أن الحكمة قد تكون خفية لا يمكن التحقق من وجودها، فلا يمكن بناء الحكم عليها كما في إباحة البيع وسائر المعاوضات ، فإن


‎ ‏-202-




#ff0000

حكمة إباحتها دفع الحرج عن الناس لسد حاجاتهم المشروعة، والحاجة أمر خفي، فربط الشارع الحكم بأمر آخر ظاهر هو مظنة تحقق الحاجة وهو الإيجاب والقبول .
وقد تكون الحكمة أمراً غير منضبط، أي يختلف باختلاف الناس و تقديرهم، ولا يمكن بناء الحكم عليه لأنه يؤدي إلى الاضطراب والفوضى في الأحكام ، فلا يستقيم أمر التكليف ولا يطَّرِد ولا ينضبط ، و تكثر الادعاءات للتحلل من الأحكام.
فإباحة الفطر للمسافر في رمضان مثلاً: حكمتها دفع المشقة، وهي أمر تقديري غير منضبط، فربط الشارع هذا الحكم بأمر منضبط هو السفر أو المرض لأن كٌلاً منهما مظنة تحقيق حكمة الحكم . و مثله أيضاً: تشريع الشفعة لدفع الضرر، والضرر غير منضبط ، فربط الحكم بالشركة أو الجِوار لأن الشريك أو الجار قد ينالهما الضرر من المشتري، فربط الحكم بهذين الأمرين مظنة دفع الضرر، و هو مقصود الشارع .
فالحكمة لخِفائها أو عدم انضباطها لم تُربط بها الأحكام غالباً، وإنما رُبطَت بأمر ظاهر منضبط هو مظنة تحقق حكمة الحكم. و هذا الأمر الظاهر المنضبط هو الذى يسميه الأصوليون: علة الحكم أو مناطه أو مظنته.
188- ومن هذا العرض يتبين لنا أن الفرق بين علة الحكم وحكمته : هو أن الحكمة هي المصلحة التي قصد الشارع تحقيقها بتشريعه الحكم ، وأن العلة : هي الوصف الظاهر المنضبط الذي بٌني عليه الحكم، و ربط به وجوداً و عدماً، لأنه مظنة تحقيق المصلحة المقصودة من تشريع الحكم، ولهذا يقول الأصوليون : الأحكام تربط بعللها لا بحكمها. بمعنى أن الحكم يوجد متى وٌجِدَت علَّتٌه، و إن تخلفت حكمته في بعض الأحيان، و أن الحكم ينتفي متى ما انتفت علته و إن وجدت حكمته في بعض الاحيان، لأن ربط الحكم بالعلة مظنة تحقق الحكمة، و الغالب هو تحققها، و إن تخلفت فعلى وجه الندرة و العبرة للغالب لا للنادر. . كحصول الطالب على درجة النجاح في الامتحان مظنة إلمامه بالعلوم و استيعابه لها و أهليته لإنهاء هذه المرحلة الدراسية.
وأيضاً: فإن ربط الأحكام بالعلل يؤدي إلى استقامة التكليف و ضبط الاحكام


‎ ‏-203-




#ff0000


واطرادها واستقرار أوامر التشريع العامة و وضوحها، وهذه فوائد عظام لا تؤثر فيها فوات الحكمة في بعض الجزئيات والوقائع في بعض الأحيان.

وعلى هذا : فمتى كان المسلم مسافراً فله أن يُفطِر، وإن لم يجد مشقة، ومن كان مقيماً فليس له الإفطار و إن وجد مشقة في عمله . ومتى كان شريكاً في عقار فله أن يمتلك حصة شريكه جبراً بحق الشفعة إذا باعها من أجنبي، وإن لم يجد ضرراً من المشتري، لأن حق الشفعة ربط بالشركة أو الجوار لا بالضرر الفعلي، ومن لم يكن شريكاً أو مُجاوراً فليس له التملك بالشفعة وإن ناله أعظم الضرر من المشتري وملكية المبيع تنتقل إلى المشتري، وملكية الثمن إلى البائع، متى ما وجدت العلة وهي الإيجاب والقبول، وإن لم توجد الحاجة عند الطرفين وهكذا.

ولا ينتقص ما قلناه بذهاب بعض الفقهاء إلى عدم وقوع طلاق المكره أو بيعه، لأن العلة اعتبرت مناطاً للحكم باعتبارها مظنة للحكمة، فإذا قام الدليل القاطع عل انتقاء هذه المظنة عن العلة زالت العلة عنها، والإكراه - في نظر البعض من الفقهاء - دليل قاطع على انتفاء هذا المعنى عن العلة فلا تعتبر علة، فلا يوجد الحكم .

189- وبعد أن بينا معنى العلة والفرق بينهما وبين الحكمة، نبين شروطها فيما يلي:
أولاً: أن تكون العلة وصفاً ظاهراً:

ومعنى ظهوره أنه يمكن التحقق من وجوده في الأصل وفي الفرع، لأن العلة هي علامة الحكم ومعرفة له، أي بوجوهها في الفرع يكون حكمه حكم الأصل، فإذا كانت العلة خفية لا تدرك بالحواس لا يمكن أن تدل على الحكم . فلابد إذن أن تكون العلة ظاهرة غير خفية : كالإسكار في الخمر، فإنه علت تحريمها هو وصف يمكن التحقق من وجوده في كل نبيذ مسكر . ولهذا إذا كانت العلة وصفاً خفياً أقام الشارع مقامه أمراً ظاهراً هو مظنته يدل عليه : كالتراضي في المعاوضات، وهو أساس نقل الملكية، وعلته : أمر خفي يتعلق بالقلب


‎ ‏-204-

ياسمين الجزائر
2016-09-02, 01:24 AM
وخلجات النفس ولا سبيل إلى إدراكه فلا يصلح أن يكون هو العلة، لهذا أقام

المشرع مقامه أمراً ظاهراً وهو صيغة العقد .

وكذلك القتل العمد العدوان هو علة القصاص، ولكن العمدية أمر نفسي لايعرفه إلا من قام فيه، فأقام الشارع مقامه أمراً ظاهراً يقترن به ويدل عليه وهو الآلة التي يستعملها القاتل التي من شأنها القتل، كالسيف والمسدس والبندقية .

وكذلك حصول نطفة الزوج في رحم زوجته بملامسته لها هو علة ثبوت النسب، ولكن هذا الأمر شيء خفي لا سبيل للاطلاع عليه والتأكد منه، فأقام الشارع مقامه امراً ظاهراً يدل عليه وهو عقد الزواج الصحيح، أو هذا العقد مع إمكان الدخول أو مع الدخول فعلاً، على اختلاف بين الفقهاء .

ثانياً: أن تكون وصفاً منضبطاً:

ومعنى ذلك : أن يكون الوصف محدداً، أي ذا حقيقة معينة محدودة لا تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، أو تختلف اختلافاً يسيراً لا يؤبه به : كالقتل في حرمان القاتل من الميراث، له حقيقة معينة محدودة لا تختلف باختلاف القاتل والمقتول، فيمكن أن يقاس على القاتل الوارث القاتل الموصى له. والإسكار علة لتحريم الخمر، وله حقيقة معينة محددة هي ما يعتري العقل من اختلال، وهذه الحقيقة ثابتة لذات الخمر، ولا يهم كون الشخص لم يسكر لعارض ما، ويمكن تحقيق هذه الصفة - الإسكار - في كل نبيذ مسكر، وكون الأنبذة قد تختلف فيما بينها في قوة الإسكار وضعفه لا يهم، لأنه اختلاف يسير لا يؤثر في حقيقة الإسكار ووجوده فلا يلتفت إليه .

والسبب في هذا الشرط : هو أن أساس القياس مساواة الفرع للأصل في علة الحكم التي يترتب عليها المساواة في نفس الحكم، فإذا لم تكن العلة محددة لا يمكن الحكم بمساواة الفرع للأصل فيها . ولهذا وجدنا الشارع - إذا كان الوصف غير منضبط - يقيم مقامه أمراً منضبطاً هو مظنته : كالمشقة التي هي علة إباحة الفطر في


‎ ‏-205-



#ff0000



رمضان، لكونها غير منضبطة أقام الشارع مقامها أمراً منضبطاً هو مظنة الشقة وهو السفر والمرض، قال تعالى : ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ ]البقرة:184[

ثالثاً: أن تكون وصفاً مناسباً للحكم:

ومعنى مناسبة الوصف للحكم : ملائمته له، أي أن ربط الحكم به مظنة تحقق حكمة الحكم، أي أن المصلحة التي قصدها الشارع بتشريع الحكم تتحقق بربطه بهذا الوصفة، مثل: القتل العمد العدوان وصف مناسب وملائم لربط القصاص به، أو لربط الحرمان من الميراث به إذا كان المقتول مورثه، لأن الشأن بهذا الربط أن يحقق الحكمة من تشريع الحكم وهو كف النفوس عن العدوان، وحفظ نفوس الناس من الهلاك. والإسكار وصف مناسب لتحريم الخمر، لأن في بناء الحكم على هذا الوصف حفظاً للعقول من الفساد . والسرقة وصف مناسب لتشريع إيجاب قطع يد السارق والسارقة، لأن ربط القطع بالسرقة من شأنه حفظ أموال الناس. والسفر في رمضان وصف مناسب للحكم بإباحة الإفطار، لأن بهذا الربط يغلب تحقق حكمة الحكم، أي دفع المشقة.

فالباعث الحقيقي على تشريع الحكم: هو تحقيق حكمته، ولو كانت هذه الحكمة ظاهرة مضبوطة في جميع الأحكام لكانت هي العلة، ولكن لعدم ظهورها أو عدم انضباطها أقيم مقامها أوصاف ظاهرة منضبطة مناسبة هي مظنة تحقيقها .

وبناء على هذا الشرط لا يصح التعليل بالأوصاف التي لا مناسبة ولا ملائمة بيها وبين الحكم، وهي التي تسمى بالأوصاف الطردية، أو الاتفاقية، مثل: لون الخمر سيولتها وطعمها، فلا يصلح شيء من ذلك أن يكون وصفاً مناسباً لتحريم الخمر . وكذلك كون السارق غنياً أو ذا جاه أو بدوياً، وكون المسروق منه فقيراً أو عاملاً، لا يصلح شيء من هذه الأوصاف أن يكون وصفاً مناسباً للحكم بقطع يد ‏ السارق والسارقة . وكذلك كون القاتل العمد عدواناً رجلاً أو امرأة او عراقياً أو مثقفاً




‎ ‏-206-


#ff0000
أو جاهلاً، لا يصلح أن يكون وصفاً مناسباً لإيجاب القصاص أو للحكم بحرمانه من الميراث إذا كان قتيله هو مورثه.

رابعاً: أن تكون العلة وصفاً متعدياً:

ومعنى ذلك : أن لا يكون هذا الوصف مقصوراً على الأصل، لأن أساس القياس : مشاركة الفرع للأصل في علة الحكم، إذ بهذه المشاركة أو التسوية يمكن تعدية حكم الأصل للفرع، فإذا علل بعلة قاصرة على الأصل، أي لا توجد في غيره ، انتفى القياس لانعدام العلة في الفرع : كالسفر علة لإباحة الفطر للمسافر أو للمريض ، وهذه العلة لا توجد إلا في مسافر أو مريض ، فهي إذن قاصرة عليهما لا تتعداهما إلى غيرهما ، كالعامل في منجمه ،أو النوتي في سفينته ، وإن كانا يتحملان المشاق العظيمة في عملهما ، بخلاف الإسكان الذي هو علة تحريم الخمر وهو وصف يوجد في كل نبيذ مسكر، فهو غير قاصر على الأصل.

خامساً: أن تكون العلة من الأوصاف التي لم يلغ الشارع اعتبارها:

أي لم يقم الدليل الشرعي على إلغاء هذا الوصف وعدم اعتباره، فقد يبدو للمجتهد لأول وهلة أن وصفاً معيناً يصلح أن يكون وصفاً مناسباً لحكم معين ولكنه في الواقع يصادم النص ويخالف الدليل الشرعي، فلا يكون لهذا الوصف اعتبار ولا مناسبة للحكم، لأن ما يخالف الدليل باطل قطعاً، فمن ذلك : ما قد يلوح للمجتهد من أن جعل كفارة الإفطار في رمضان بالوقاع صيام ستين يوماً، ابتداءً بالنسبة للقادر على العتق هو المناسب لتحقيق حكمة الكفارة، وهي الزجر والردع. ولكن هذا الرأي خطأً قطعاً، وبالتالي لا يكون كون الشخص المفطر قادراً على العتق وصفاً مناسباً لإيجاد الصوم عليه ابتداء، لأن هذا القول مصادم للنص الوارد في الشرع و فيه ترتيب الكفارة ابتداء من عتق رقبة ، ثم صيام ستين يوماً لمن لم يستطع العتق، ثم إطعام ستين مسكيناً لمن لم يقدر على الصيام . و على هذا خطأ الفقهاء القاضي الأندلسي الذي أفتى أحد الخلفاء في الأندلس من أن كفارة إفطاره بالوقاع هي صيام ستين يوماً، بحجة أن الخليفة قادر على العتق فلا يزجره هذا النوع من الكفارة .



‎ ‏-207-

#ff0000
وكذلك اعتبار اشتراك الذكر والأنثى في البنوة وصفاً مناسباً للحكم بالتسوية بينهما في الميراث خطأ قطعاً، لأن الشارع أهدر مناسبة هذا الوصف للحكم المقترح بدليل قوله تعالى : ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ۚ -إلى قوله تعالى فريضةٌ من الله﴾ ]النساء:11[
وكذلك إذا قال بعض الناس : إن اشتراك الرجل والمرأة في عقد النكاح وصف مناسب للقول بوجوب اشتراكهما في حق الطلاق، كان قوله قولاً باطلاً لأن الأدلة الشرعية دلت على أن الطلاق بيد الرجل لا المرأة ويجوز أن يكون لها أيضاً إذا اشترطته لنفسها في العقد، مما يدل على أن الشارع ألغى مناسبة الوصف الذي توهّمه القائل وهو تسوية الرجل و المرأة في عقد النكاح، للقول بالحكم المقترح وهو تسويتهما في حق الطلاق .


190- المناسبة بين الحكم و العلة(1):

قلنا: إن من شروط العلة أن تكون وصفاً مناسباً للحكم، أي تكون مظنة تحقيق حكمة الحكم والغرض المقصود من تشريعه، وهذه المناسبة ليست متروكة لأهواء النفس وما تشتهيه، بل لها ضوابط محكمة، فلا تثبت المناسبة إلا باعتبار الشارع لها بنوع من أنواع الاعتبار، ولهذا قسم الأصوليون الوصف المناسب من جهة اعتبار الشارع له و إلغائه إلى الأقسام الآتية:

191- أولاً: المناسب المؤثر:

وهو الوصف الذى دل الشارع على أنه اعتبره بعينه علة للحكم ذاته، أي للحكم الذي شرعه بناء عليه، و هذا أتم وجوه الاعتبار للوصف، وسمي بالمناسب المؤثر ، لأن الشارع باعتباره له هذا الاعتبار التام كأنه قد دل على أن الحكم نشأ عنه أو أنه أثر من آثاره، وهذا أعلى أنواع المناسب، ولا خلاف في صحة القياس عليه عند القائلين بالقياس، مثاله : ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ ﴾ ]البقرة:222[ فالحكم بإيجاب الاعتزال في المحيض ثابت بهذا النص،



__________________________________


(1) الآمدي ج 3 ص 405 و ما بعدها، ((فواتح الرحموت)) ج 2 ص 255 و ما بعدها.



‎ ‏-208-

ياسمين الجزائر
2016-09-02, 01:43 AM
وصياغته صريحة في أن الأذى الناشئ عن المحيض هو علة الحكم، فهو- أي الأذى - وصف مؤثر .. ومنه أيضاً: قول النبي ﷺ: «إنّما نَهَيْتُكم لأجلِ الدّافة» ، أي نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الأعراب الوافدين على المدينة و حاجتهم إلى الطعام، فهذا النص صريح في أن علة النهي عن الادخار هي الدافة، فالدافة وصف مناسب مؤثر، ومثاله أيضاً: ﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ۖ ﴾ ]النساء:6[ فهذا النص القرآني يشير إلى أن الولاية المالية على من لم يبلغ الحلم تثبت لوليه، و أن علة هذا الحكم هي الصغر، وقد انعقد الإجماع على هذا، أي أن الصغر هو علة الحكم بالولاية على مال الصغير.

192- ثانياً: المناسب الملائم:

وهو الوصف الذي لم يقم دليل من الشارع على اعتباره بعينه علة لحكمه، وإنما قام دليل شرعي من نص أو إجماع على اعتباره بعينه علة لجنس الحكم، أو اعتبار جنسه علة لعين الحكم، أو اعتبار جنسه علة لجنس الحكم.

فإذا علل المجتهدُ حكماً شرعياً بهذا النوع من المناسب يكون تعليله ملائماً لنهج الشارع في التعليل وبناء الأحكام، فيكون تعليله سائغاً والقياس عليه صحيحاً.

ونضرب فيما يلي بعض الأمثلة على وجوه هذا النوع من المناسب :

أ‌- مثال الوصف الذي اعتبر الشارع عينه علة لجنس الحكم : ثبوت الولاية للأب على تزويج ابنته البكر الصغيرة ؛ والعلة في هذا الحكم - على رأي الحنفية - : هي الصغر لا البكارة، محتجين بأن الشارع شهد لهذا الوصف بالاعتبار حيث جعله علة للولاية على المال، وحيث أن هذه الولاية والولاية على التزويج من جنس واحد، هو الولاية المطلقة ، فكأن الشارع اعتبر الصغر علة لكل ما هو من جنس الولاية ، أي لجميع أنواع الولاية ،فيكون الصغر هو الوصف المناسب الذي نيط به الحكم بالولاية على تزويج الصغيرة، سواء أكانت بكراً أو ثيّباً.

ب‌- و مثال الوصف الذي اعتبر الشارع جنسه علة لعين الحكم : جمع الصلاة في

-209-
#ff0000
اليوم المطير عند من أخذ به من الفقهاء : كالإمام مالك، فالسنة وردت بجواز الجمع في اليوم المطير ولكن لم تبين صراحة عنه هذا الحكم، ولكن وجد أن الشارع اعتبر وصفاً من جنس هذا الوصف – أي المطر- علة لحكم الجمع، و هو السفر، لأن كلا من السفر و المطر جنس واحد و هو كونه مظنة المشقة التي يناسبها التيسير والتخفيف عن المكلفين، وإن الحكم بإباحة جمع الصلاة عند السفر هو عينه الوارد عند المطر. فاعتبار الشارع السفر علة لجمع الصلاتين، تخفيفاً عن المسافر، يدل على اعتبار‎ ‏ما هو من جنسه – كالمطر- مبيحاً للتخفيف و الجمع بين ‏الصلاتين ، فيكون المطر علة الحكم بجواز الجمع، فيقاس عليه جواز الجمع في حالة سقوط الثلج والبرد، و نحو ذلك .

ج- ومثال الوصف الذي اعتبر الشارع جنسه علة لجنس الحكم : الحيض في إسقاط الصلاة عن الحائض، ذلك أن الحكم الشرعي هو أن الحائض لا تصوم ولا

تصلي في أثناء حيضها، فإذا طهرت لزمها قضاء الصوم لا الصلاة . والعلة في هذا الحكم : أن إلزام الحائض - إذا طهرت بقضاء الصلاة التي فاتتها- مع تكرار أوقاتها- حرج ومشقة عليها، فأقام الشارع الحيض مقام هذه المشقة الناشئة عنه وجعله علة للحكم بعدم قضائها للصلاة. وفي الشريعة ما يشهد لاعتبار ما هومن جنس الحيض "باعتباره مظنة المشقة" علة لما هو من جنس إسقاط قضاء الصلاة عن الحائض، فالسفر مثلاً مظنة المشقة، وقد بني عليه حكم قصر الصلاة وجمعها وإباحة الفطر في رمضان. وكل هذه الاحكام مع حكم إسقاط الصلاة عن الحائض يجمعها جامع التخفيف ورفع المشقة عن المكلف فهي إذن جنس واحد. كما أن السفر، الذي هو علة لهذه الأحكام، مظنة المشقة، فيكون هو و الحيض من مظان المشقة فيكونان من جنس واحد. ومثاله أيضاً حرمة شرب قليل الخمر و إن لم يسكر فالمجتهد يرى أن علة التحريم هي سد الذريعة المفضية إلى شرب الكثير المسكر، و يجد شاهداً لذلك من أحكام الشريعة. فالخلوة بالأجنبية محرمة ، والعلة هي سعد الذريعة الى المحظور الأكبر، فشرب قليل الخمر والخلوة بالأجنبية وصفان من جنس واحد هو الذريعة إلى المحرم . و حرمة كل منهما جنس واحد هو مطلق التحريم ، فيقاس على قليل الخمر



-210-

ياسمين الجزائر
2016-09-05, 01:07 AM
قليل النبيذ في حرمته .
ومثاله أيضاً : سؤر الهرة طاهر غير نجس ، وقد علل النبي :mohmad1[1]: هذا الحكم بقوله: "إنَّهَا منَ الطَّوّافِينَ علَيْكٌم و الطَّوّافَاتِ" فيدل هذا على أن علة الطهارة كونها من الطوافين ، لأن التطواف مظنة المشقة والحرج إذا قلنا بنجاسة سؤرها ، فكان الحكم بطهارته تخفيفاً عن المكلف ودفعاً للمشقة عنه . فيمكن أن يقاس على هذا جواز رؤية الطبيب لعورة المرأة قياساً على طهارة سؤر الهرة بجامع رفع الحرج في المسألتين وهما من جنس واحد ، هو مظنة الحرج إن قلنا بعدم جواز رؤية الطبيب لعورة المرأة مع الحاجة الى هذه الرؤية .
193- ثالثاً: المناسب المرسل:
وهو الوصف الذى لم يشهد له دليل خاص بالاعتبار أو بالإلغاء ، ولكن ترتيب الحكم على وفقه ، أي بناء الحكم عليه يحقق مصلحة تشهد لها عمومات الشريعة من حيث الجملة ، فهو من حيث أنه يحقق مصلحة من جنس مصالح الشريعة يكون مناسباً ، ومن حيث أنه خال عن دليل يشهد له بالاعتبار أو بالإلغاء يكون مرسلاً.
وهذا هو الذي يسمى بالمصلحة المرسلة، وهو حجة عند المالكية والحنابلة ومن وافقهم، وليس بحجة عند غيرهم كالحنفية والشافعية، و مثاله : جمع القرآن، وضرب النقود، واتخاذ السجون ، ووضع الخراج على الأراضي الزراعية المفتوحة، وغير ذلك.


194- رابعاً: المناسب الملغى:
وهو الوصف الذي قد يبدو أنه مناسب لبناء حمك معين عليه حسب ما يتوهمه الشخص، ولكن الشارع ألغى اعتباره، كما في قول المتوهم: إن اشتراك الابن مع البنت في البنوة ، من المتوفى ، وصف مناسب للتسوية بينهما في الميراث، فهذا محض وهم وليس هو بالمناسب، لأن الشارع ألغى مناسبته بالنص على أن الذكر يأخذ ضعف الأنثى كما ذكرنا من قبل . وهذا لا يجوز بناء الأحكام عليه لأنه خطأ و باطل قطعاً.

-211-
#ff0000

195- مسالك العلة(1):
يراد بمسالك العلة : الطرق التي يتوصل بها الى معرفة العلة في الأصل ، والعلة تُعرف بطرق ، أشهرها : النص ، والإجماع ، والسبر و التقسيم .
196- أولاً: النص:
قد يدُل النص على أن وصفاً معيناً علة للحكم الذي ورد فيه ، فيكون ثبوت العلة بالنص ، وتسمى العلة في هذه الحالة بالمنصوص عليها .
إلا أن دلالة النص على العلة لا تكون دائماً صريحة ، فقد تكون بالإيماء والإشارة ، وإذا كانت صريحة فقد تكون دلالتها على العلة قطعية أو ظنية ، ونتكلم فيما يلى عن كل نوع مع التمثيل:
أ- الدلالة على العلة بالنص الصريح القطعي الذي لا يحتمل غير العلة ، وفي هذه الحالة تكون دلالة النص الصريحة على العلة قطعية ويكون هذا بالصيغ والألفاظ التي وضعت في اللغة للتعليل ، مثل : لكيلا ، ولأجل كذا ، وكي لا .. إلخ.
مثل قوله تعالى: ﴿ رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾ ]النساء:165[ فالنص صريح في أن علة إرسال الرسل هي:
﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ... ﴾
و قوله تعالى : ﴿ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ﴾ ]الحشر:7[ بعد أن ذكر الله مصارف الفيء وهي للفقراء والمساكين .. إلخ. فهذا النص صريح في أن العلة هي منع جعل المال متداولاً بين الأغنياء دون غيرهم .
وقوله تعالى : ﴿ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ ﴾ ]الاحزاب:37[ فهذا النص صريح في دلالته القطعية على أن علة زواج النبي ص بزينب ، بعد أن طلقها زيد هي دفع
_____________________

(1) الآمدي ج 3 ص 364 و ما بعدها، ((فواتح الرحموت)) ج 2 ص 239 و ما بعدها، ((التلويح و التوضيح )) ج 2 ص 68 و ما بعدها.
-212-
#ff0000


الحرج عن المؤمنين في نكاح زوجات أبنائهم بالتبني .
وقوله عليه الصلاة والسلام عندما أذن لهم بادخار لحوم الأضاحي بعد أن نهاهم عنه: «إنما نهيتُكُمْ عنِ ادّخارِ لحومِ الأضاحي لأجلِ الدَّافَّة فكلوا و ادّخروا»، فعلة النهي أولاً: هي حاجة الوافدين على المدينة إلى الطعام ، فلما زالت العلة زال الحكم بتحريك الادخار .
وقوله عليه الصلاة والسلام : « إنما جُعِلَ الاستئذان من أجلِ البصر» صريح قطعي في ان علة الاستئذان : هي منع اطلاع الإنسان على ما لا يحل له الاطلاع عليه ، فيقاس عليه المنع من اطلاع الإنسان من شباك إلى داخل بيت غيره.
ب- الدلالة على العلة بالنص الصريح غير القطعي في العلية ، أي أن النص يدل على العلة ، ولكنه يحتمل غيرها احتمالاً مرجوحاً لا يمنع من ظهور النص فيها، فتكون دلالته على العلية صريحة ظنية.
مثل قوله تعالى : ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ فاللام في (لِتُخرِجَ) تعتبر للتعليل و إن كانت تحتمل ان تكون للعاقبة لا للتعليل.
ج - الدلالة على العلة بالنص غير الصريح في العلة ، لكنه يشير إلى العلة وينبه عليها ، وذلك بأن توجد قرينة تجعله يدل على العلة ، ومن مظاهر هذا النوع : مجيء جملة مؤكدة ب (( ان)) بعد جملة جاءت مشتملة على الحكم ، مثل قوله عليه الصلاة والسلام ، جواباً لمن سأله عن سؤر الهرة ، : (( إنه ليس بِنَجس ، إنَّهَا من الطَّوَّافينَ عَليْكُم و الطَّوَّافَات)).
أو بأن يقع الكلام موقع الجواب كقوله عليه السلام ((اعْتِقْ رَقَبَةً)) لمن أخبره بملامسته لزوجته في رمضان .
‎ ‏ أو بأن يقرن الوصف بالكلام، فهذا الاقتران يدل على أن الوصف الذي اقترن بالحكم هو علته. و هذا ما يعبر عنه الأصوليون بقولهم: تعليق الحكم بالمشتق

-213-
#ff0000

يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق، مثل قوله تعالى : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ ]المائدة:38[، و قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ ﴾ ]النور:2[، و قوله صلى الله عليه و سلم: "لا يرث القاتل" و "لا وصية لوارث" و " لا يقضي القاضي و هو غضبان" .
197- ثانياً: الإجماع:
وقد يثبت كون هذا الوصف علة عن طريق الإجماع، مثل :الإجماع على أن امتزاج النسبين في الأخ الشقيق - اي قرابته من جهة الأب وجهة الأم - هو العلة في تقديمه على الأخ لأب في الميراث ، فيقاس عليه تقديمه أيضاً على الاخ لأب في الولاية على النفس، ويقاس عليه أيضاً تقديم ابن الأخ الشقيق وابن العم الشقيق ، على ابن الأخ لأب وابن العم لأب على التوالي في الميراث .
198- ثالثاً: السبر و التقسيم:
إذا لم تثبت العلة لا بنص ولا بإجماع ، تحول المجتهد الى استنباط العلة بالسبر والتقسيم . ومعنى السبر: الاختبار، ومعنى التقسيم: هو أن المجتهد يحصر الأوصاف التي يراها صالحة لأن تكون علة للحكم ، ثم يكر عليها بالفحص والاختبار والتأمل فيبطل منها ما يراه غير صالح للإبقاء ، و يستبقي منها ما يراه صالحاً لأن يكون علة حتى يصل بعد هذا الإلغاء و الإبقاء إلى أن هذا الوصف دون غيره هو العلة . والمجتهد في هذه العملية يسترشد بشروط العلة ، فلا يستبقى إلا الوصف الظاهر المنضبط المناسب المتعدى، فمثلاً: ورد النص بتحريم الخمر، ولم يبلغ بعض المجتهدين قول النبي صلى الله عليه و سلم: "كل مسكر خَمْرٌ" أو بلغه و لم يصح عند، فيبحث عن علة تحريم الخمر عن طريق السبر والتقسيم ، فيحضر الأوصاف التي يمكن أن تكون إحداها علة التحريم ، مثل كون الخمر من العنب، أو كونها سائلاً، أو كونها مسكراً، ثم يردد النظر في هذه الاوصاف مستهدياً‏ بشروط العلة ، فيلغي الوصف الأول لكونه قاصراً، و الشرط في العلة أن تكون وصفاً متعدياً، و يلغي الوصف الثاني و هو كون الخمر سائلاً، لان هذا الوصف طردي أي اتفاقي لا علاقة له بالحكم و لا



-214-

ياسمين الجزائر
2016-09-07, 01:38 AM
تأثير له فيه، ثم يستبقي الوصف الثالث وهو الإسكار، لأنه وصف ظاهر مناسب للحكم.
ومثله أيضاً: أن النص ورد بولاية الأب على تزويج ابنته البكر الصغيرة ، ولم تثبت علة هذا الحكم بنص ولا إجماع ، فينظر المجتهد في النص ويحصر العلة بأحد اثنين: البكارة أو الصغر، ويردد النظر فيهما ، و بعد التأمل يستبعد وصف البكارة، لأن الشارع ما اعتبرها بأي نوع من أنواع الاعتبار، ويستبقي وصف الصغر لأن الشارع اعتبره علة في الولاية على مال الصغير. فيكون هذا دليلاً على أن الشارع اعتبر وصفاً معيناً - وهو الصغر هنا - علة لجنس الحكم وهو الولاية المطلقة ، لأن الولاية على المال والولاية عليها في التزويج من جنس واحد ، فيحكم المجتهد بأن العلة التي يبحث عنها هي الصغر لا البكارة ، فيقيس عند ذاك الثيب الصغيرة على البكر الصغيرة في ثبوت الولاية للأب عليها في التزويج.

ولا شك أن أنظار المجتهدين تختلف في عملية السبر والتقسيم ، فقد يرى
مجتهد أن هذا الوصف هو المناسب ، بينما لا يراه غيره مناسباً ، فالحنفية مثلاً رأوا أن علة الولاية للأب في تزويج ابنته البكر الصغيرة : هي الصغر لا البكارة، بينما رآها الشافعية : البكارة لا الصغر .
ومن اختلاف الفقهاء في استنباط العلة أيضاً: أن السنة وردت بتحريم مبادلة بعض الأصناف بجنسها متفاضلاً، وهي الذهب والفضة والشعير والبر والتمر والزبيب ، وفي رواية والملح ؛ ولم يقم دليل شرعي من نص أو إجماع على علة هذا الحكم . فالمجتهد يبحث في علة هذا الحكم وقد يصل باجتهاده - بطريق السبر والتقسيم - الى أن العلة: هي اتحاد الجنس وكون هذه الأصناف مما يكال أو يوزن، هذا قول الحنفية و من وافقهم، أو أن العلة: هي اتحاد الجنس مع كون هذه لأصناف طعاماً أو أثماناً، و هذا قول الشافعية و من وافقهم، أو أن العلة: هي اتحاد الجنس و كون هذه الأصناف قوتاً مدخراً أو أثماناً و هذا قول المالكية و من وافقهم. و على أساس نوع العلة التي استنبطها الفقهاء يكون القياس. فعلى رأي الحنفية يقاس




-215-


#ff0000


على موضع النص كل المقدرات بالكيل والوزن حتى ولو لم تكن طعاماً ولا قوتاً مدخراً. وعلى رأي الشافعية لا يقاس عليها إلا ما كان طعاماً أو أثماناً ، وعلى رأي المالكية يجب أن يكون المقيس قوتاً مدخراً أو من الأثمان .
199- رابعاً: تنقيح المناط:
وهذا من مسالك العلة على رأي بعض الأصوليين ، وليس بمسلك على رأي البعض الآخر منهم .
والتنقيح معناه في اللغة : التهذيب والتمييز، والمناط : هي العلة، وفي
اصطلاح الأصوليين يراد بتنقيح المناط : تهذيب العلة مما علق بها من الأوصاف التي لا مدخل لها في العلية ، وذلك بأن يرد النص مشتملاً على العلة ، مقترناً بها بعض الأوصاف التي لا علاقة لها بالحكم ، ولا مدخل لها في العلية من غير أن يدل النص على العلة بعينها.
مثاله : ما ورد في السنة من أن أعرابياً واقع زوجته في نهار رمضان عامداً، فجاء إلى النبي صلى الله عليه و سلم و أخبره فأمره بالكفارة(1) .
فهذا الحديث دل على علية الحكم ، ولكن لم يدل على وصف معين أنه هو العلة ، أي أن النص اشتمل على العلة ولكن لم يدل على وصف معين أنه هو العلة، فالنص اشتمل على العلة ولكنها غير مهذبة ولا خالصة من الشوائب والأوصاف التي لا علاقة لها بالعلمية ، فيأتي المجتهد ويخلص العلة الحقيقية مما اقترن بها أو علق بها، مثل كون المجامع أعرابياً و أن الواقعة حصلت في المدينة ، وكون الجماع في شهر

_____________________
(1) أصل الحديث هذا نصه : - عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال: يا رسول الله هلكت قال: ما أهلكك ! قال : وقعت على أهلي و أنا صائم . فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال : لا قال : هل تجد اطعام ستين مسكينا ؟ قال : لا . قال : فاجلس . بينما نحن على ذلك إذ أتى النبي صلى الله عليه و سلم بعذق فيه تمر فقال: أين السائل ؟ قاله : أنا . قال : خذ هذا فتصدق به . قال : أعلى أفقر مني ؟ فوالله ما بين لأبتيها أهل بيت أفقر منا. فضحك رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم قال : أطعمه أهلك . رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة : أنظر " تيسير الوصول" ج2 ص 340 ، والعذق ، الزنبيل . و اللابة: الأرض ذات الحجارة السود الكثيرة وهي الحرة في المدينة المنورة ، ولابتا المدينة حرتاها من الجانبين .


-216-


#ff0000
رمضان من تلك السنة بعينها ، فيستبعد المجتهد هذه الأوصاف ، ويصل بعد ذلك إلى أن الوقاع عمداً في نهار رمضان هو علة الحكم بوجوب الكفارة، وهذا ما ذهب إليه الشافعية ومن وافقهم . أما الحنفية و من وافقهم فقد ذهبوا الى مدى أبعد في تهذيب العلة ، فليست العلة عندهم خصوص الجماع ، وإنما العلة - بعد تهذيبها كاملاً - هي انتهاك حرمة رمضان عمداً بتناول المفطر المفسد للصوم ، ومباشرته من جماع أو اكل أو شرب . ويكون الجماع كمفسد للصوم ثابتاً بعبارة النص ، ويكون الأكل والشرب كمفسد للصوم ثابتاً بدلالة النص(1) . فأنظار المجتهدين تختلف أيضاً
في تنقيح المناط ، فقد يعتبر بعضهم أن هذا الوصف هو العلة ، وقد يعتبر البعض الآخر وصفاً آخر هو العلة ، كما رأينا في قصة الأعرابي ، ونظر الشافعية والحنفية لها .
200- تخريج المناط، و تحقيق المناط:
ومن الاصطلاحات الأصولية التي قد تختلط بغيرها ، اصطلاح تخريج المناط، واصطلاح تحقيق المناط.
أما تخريج المناط، فمعناه : استخراج العلة - أي علة الحكم - التي لم يدل عليها نص. ولا إجماع باتباع أي مسلك من مسالك العلة : كالسبر والتقسيم مثلاً: فهو إذن: استنباط علة الحكم التي لم يرد نص بها ولم ينعقد إجماع عليها ، بالطرق التي يتوصل بها الى معرفة العلة غير المنصوص عليها ، أو غير المجمع عليها ، مثل: التوصل الى أن علة تحريم الخمر هو الإسكار، وأن علة الولاية في التزويج هي الصغر، وأن علة إيجاب القصاص في القتل العمد هي القتل بآلة من شأنها أن تقتل عادة ، فيثبت حكم القصاص في كل قتل إذا تم بآلة من شأنها ازهاق روح الإنسان،

‎ __________________________________
(1) المقصود بعبارة النص: دلالة صيغة النص على المعنى المتبادر منه سواء أكان هذا المعنى مقصودا من سياقه اصالة أو تبعاً، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:275]، فالمعنى المتبادر من هذا النص: هو نفي المماثلة بين البيع و الربا و هذا هو المعنى الأصلي للنص: و المعنى ثبوت الحكم المنطوق به للمسكوت عنه لاشتراك الاثنين (أي المنطوق به و المسكوت عنه) في علة الثاني له: هو ان حكم البيع الاحلال و حكم الربا التحريم. أما دلالة النص فهي دلالة اللفظ على الحكم و سيأتي تفصيل ذلك في الباب الثالث ان شاء الله.


-217-



#ff0000
سواء أكانت هذه الآلة معهودة في الزمان الأول - كالسيف -، أو مستحدثة في العصر الحديث كالبندقية مثلاً .
أما تحقيق المناط فيراد به النظر والبحث في تحقيق العلة - الثابتة بالنص أو بالإجماع أو بالاستنباط - في واقعة غير التي ورد فيها النص ، مثاله : أن علة اعتزال النساء في الحيض هي الأذى . فينظر المجتهد في تحقق هذه العلة في النفاس فإذا رآها موجودة فيه أجرى القياس وعدى الحكم -حكم الأصل - إلى الفرع وهو وجوب اعتزال النساء في النفاس .
ومثله أيضاً أن علة تحريم الخمر هو الإسكار، فيبحث المجتهد وينظر في
تحقق هذه العلة في أي نبيذ آخر، فإذا ما وجدها متحققة فيه عدى حكم الأصل إليه وهو تحريم شربه .
والخلاصة : إن تنقيح المناط هو تنقية العلة من الشوائب وتخليصها مما علق بها ، ولا أثر له في العلية .
وتخريج المناط : هو استنباط العلة غير المنصوص عليها أو المجمع عليها بأي طريق من طرق التعرف عليها .
وتحقيق المناط : هو النظر و البحث عن وجود علة الأصل - بعد ثبوتها ومعرفتها - في الفرع.
201- أقسام القياس أو أنواعه:
مبنى القياس - كما قلنا - : اشتراك الفرع مع الأصل في العلة . إلا أن العلة قد تكون في الفرع أقوى منها في الاصل ، وهذا هو قياس الأولى . وقد تكون في الفرع مساوية لما في الأصل، و هذا هو القياس المساوي. وقد تكون في الفرع أضعف منها في الأصل ، وهذا هو القياس الأدنى .




-218-

ياسمين الجزائر
2016-09-12, 01:19 AM
أولاً: القياس الأولى:



وهو ما كانت علة الفرع أقوى منها في الأصل ، فيكون ثبوت حكم الأصل للفرع أولى من ثبوته للأصل بطريق أولى ، مثاله قوله تعالى في الوصية بالوالدين :

﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفّ﴾ [الإسراء:23] فالنص يحرم التأفيف للوالدين ، والعلة هي ما في هذا اللفظ من إيذاء ، وهذه العلة موجودة في ضرب الوالدين بشكل أقوى وأشد مما في الأصل ، فيكون تحريم ضرب الوالدين بالقياس على موضع النص بطريق القياس الأولى(1).

ثانياً: القياس المساوي:



وهوما كانت العلة التي بنى عليها الحكم في الأصل موجودة في الفرع بقدر ما هي متحققة في الأصل . كما في تحريم أكل مال اليتامى ظلماً الثابت بقوله تعالى : : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:10 ] وعلة الحكم هي الاعتداء على مال اليتيم وإتلافه عليه . وإحراق مال اليتيم ظلماً يساوى واقعة النص في العلة ، فيكون حكمه حكم أكله ظلماً، أي تحريمه .

ثالثاً: القياس الأدنى:



وهوما كان تحقق العلة في الفرع أضعف وأقل وضوحاً مما في الأصل ، وإن كان الاثنان متساويين في تحقق أصل المعنى الذي به صار الوصف علة ، كالإسكار فهو علة تحريم الخمر ولكن قد يكون على نحو أضعف في نبيذ آخر و إن كان في الاثنين صفة الإسكار.



202- حجية القياس:

_________________________

(1) ذهب بعض الأصوليين الى أن حرمة ضرب الوالدين ثابتة بالنص لا بالقياس لأن علة النص المحرم للتأفيف هو الإيذاء و هو معنى واضع مفهوم لا يحتاج إلى استنباط . يعرفه كل من يعرف اللغة العربية. وهذا المعنى واضح في الضرب ونحوه بشكل أوضح و يعرف بلا جهد أو استنباط، فيكون التأفيف محرما بعبارة النص و الضرب و نحوه محرما بدلالة النص.


-219-


#ff0000

قلنا : إن القياس يعتبر حجة شرعية ودليلاً من أدلة الأحكام على رأي الجمهور من الفقهاء . وخالف في ذلك الظاهرية وبعض المعتزلة والجعفرية(1)، والآن وقد بينا حقيقة القياس وأركانه وشروطه وضوابطه نبين ما استدل به المثبتون للقياس والنافون له .

203- أدلة القائلين بالقياس:

احتج القائلون بالقياس بجملة أدلة من الكتاب والسنة وعمل الصحابة

والمعقول . ونحن نوجز أهم هذه الأدلة ونذكر خلاصتها فقط.

اولاً: جاء في القرآن الكريم: ﴿ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر:2 ] و قد ذكر الله تعالى هذا بعد بيانه لما جرى " لبني النضير" من نكال في الدنيا بسبب كفرهم و كيدهم للرسول صلى الله عليه و سلم وللمؤمنين ، ومعنى هذه الآية : تأملوا يا أصحاب العقول السليمة ، واحذروا أن يصيبكم مثل ما أصابهم إن فعلتم مثل فعلهم ، فإن سنة الله واحدة تجري على الجميع ، وإن ما يجري على شيء يجري على نظيره . وليس معنى القياس إلا هذا ، يوضحه أن «الاعتبار» يعني الانتقال من الشيء إلى غيره ، لأنه مشتق من العبور ، يقال : عبرت النهر: إذا جاوزته بالابتعاد عن هذه الجهة إلى الجهة الأخرى، وما القياس إلا انتقال بالحكم من المقيس عليه الى المقيس. ولما كان " الاعتبار". مأموراً به بنص هذه الآية، والقياس فرد من أفراد الاعتبار فيكون القياس مأموراً به والمأمور به واجب ، والواجب مشروع غير محظور، فيكون القياس حجة شرعية ودليلاً معتبراً يلزم العمل بمقتضاه . ولا يقال : إن هذا الاستدلال غير متوجه ولا مقبول ، لأن "الاعتبار" معناه الاتعاظ ، لا يقال هذا لأن حمل

____________________________

(1) الا ان علماء الجعفرية يأخذون بمنصوص العلة ويعتبرونه حجة ويجعلون ثبوت الحكم في هذه الحالة للفرع بالنص لا بالقياس . كما أنهم يأخذون بقياس الاولى ولا يسمونه قياسا و يعتبره بعضهم من قبيل منصوص العلة أيضا كحرمة ضرب الوالدين المستفاد من قوله تعالى : ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفّ﴾ وما عدا ذلك من القياس لم يأخذ به علماء الجعفرية وهذا هو المنقول عنهم قاطبة الا ابن الجنيد : انظر "أصول الاستنباط" تأليف العلامة السيد علي تقي الحيدري ص 258- 259.


-220-

مغترب
2016-09-12, 04:33 AM
جزاك الله خيرا

ياسمين الجزائر
2016-09-16, 12:14 AM
جزاك الله خيرا
و جزاكم و بارك فيكم
شكرا لمروركم.

ياسمين الجزائر
2016-09-16, 12:27 AM
معنى الاعتبار على الاتعاظ لا ينفي الاستدلال بالآية ، لأن الاتعاظ لا يأتي إلا إذا كان النظير يأخذ حكم نظيره ، كما لو قيل : إن فلاناً فصل من وظيفته لخيانته ، فاتعظوا أيها الموظفون ، أو إن الطالب الفلاني رسب لكسله ، فاتعظوا أيها الطلاب، فلا معنى لهذا الكلام إلا إذا حمل على أن من يفعل فعل الموظف المفصول يفصل، وهن يفعل فعل الطالب الراسب يرسب .
ثانياً: في حديث معاذ المشهور - لما أرسله النبي صلى الله عليه و سلم قاضياً إلى اليمن ، وسأله بم تقضي أجاب معاذ: بالكتاب ، ثم بالسنة ، ثم بالاجتهاد، فأقره النبي صلى الله عليه و سلم على هذا الترتيب ، وما القياس إلا نوع من أنواع الاجتهاد بالرأي ، فيكون مشروعاً ودليلاً من أدلة الأحكام.
ثالثاً: وفي السنة آثار كثيرة تدل على أن النبي صلى الله عليه و سلم نبه إلى القياس ودل على صلاحيته لاستنباط الأحكام ، ومن ذلك ما روي أن عمر بن الخطاب جاء الى النبي صلى الله عليه و سلم ، فقال : يا رسول الله ، صنعت اليوم أمراً عظيماً، قبلت وأنا صائم، فقال له الني صلى الله عليه و سلم: أرأيت لو تمضمضت بالماء؟ فقال : لا بأس . قال النبي صلى الله عليه و سلم: فمه(1) ((أي فماذا عليك ، أي حسبك هذا )) .

وعن ابن عباس : أن امرأة من خثعم جاءت الى النبي صلى الله عليه و سلم تستفتيه، فقالت: يا رسول الله ، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم.

وفي رواية أخرى : أتى رجل الى النبي صلى الله عليه و سلم ، فقال : إن أمي نذرت أن تحج، وإنها ماتت أفأحج عنها: فقال صلى الله عليه و سلم: لوكان عليها دين أكنت قاضيه عنها؟ قال : نعم ، قال :فأقض الله فهو أحق بالقضاء(2) .
وفي الحديث الصحيح : أن أعرابياً أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقال : إن امرأتي ولدت غلاماً أسود وإني أنكرته ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: هل لك من إبل،
_____________________________________
(1) ((تيسير الوصول)) ج 2 ص 37.
(2) المرجع السابق ج 1 ص 33.
-221-
#ff0000
قال : نعم ، قال : فما ألوانها؟ قال : حمر. قال : هل فيها من أورق؟ قال :إن فيها أورقاً . قال : فأنى ترى ذلك جاءها؟ قال : يا رسول الله ، لعل عرقاً نزعه . قال : لعل هذا أيضاً عرق نزعه(1).
رابعاً: وقد كان الصحابة يجتهدون في النوازل والوقائع ، ويقيسون بعض الأحكام على بعض ، ويعتبرون النظير بنظيره . فمن ذلك : قول ابن عباس لما سمع نهي النبي صلى الله عليه و سلم عن ببع الطعام قبل قبضه ، قال : «أحسب كل شيء بمنزلة الطعام.
وأدخلوا العول على أنصبة الورثة إذا كانت سهامهم أكثر من سهام المسألة الميراثية، قياساً على إدخال النقص على الغرماء إذا كانت ديونهم أكثر من
مالم المدين . وقاس ابن عباس الجد على ابن الابن في حجب الإخوة، وقال: ألا يتقي الله زيد بن ثابت، يجعل ابن الابن ابناً ، ولا يجعل أب الأب أباً(2).
وفي كتاب عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري (( ...... الفهم الفهم فيما أدلي إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة ، ثم قايس الأمور عند ذاك واعرف الأمثال ، ثم اعمد فيما ترى الى أحبها الى الله ، وأشبهها بالحق(3).
فهذه الأخبار ونحوها تدل على الأخذ بالقياس ، دون إنكار من أحد ، فتفيد التواتر المعنوي عل صحة الأخذ بالقياس .
خامساً: إن الغرض من تشريع الأحكام تحقيق مصالح العباد ، وهذه هي الحكمة المقصودة من التشريع. ومما يتفق وهذا الغرض الأخذ بالقياس ، لأنه ليس إلا تعدية الحكم الوارد في واقعة معينة إل الوقائع المماثلة المشتركة معها في
__________________
(1) ((أعلام الموقعين)) ج 1 ص 137.
(2) ((أعلام الموقعين)) ج 1 ص 182 و ما بعدها.
(3) انظر هذا الكتاب بتمامه في "أعلام الموقعين" ج 1 ص 77 و ما بعدها.
-222-


#ff0000
العلة ، وهذا ما يقتضيه عدل الرب وحكمته ، ويتفق ومنهج الشريعة في تشريع الأحكام ، فليس من مسلكها تحريم الشيء وإباحة نظيره ، أو إباحة الشيء و تحريم مثيله.سادساً: إن النصوص - من كتاب أو سنة - متناهية قطعاً ، ووقائع الناس غير متناهية ، فلا يمكن أن يحيط المتناهي بغير المتناهي ، فكان لا بد من ملاحظة العلل والمعاني التي تضمنتها النصوص، أو أشارت إليها ، أو أمكن استنباطها منها ، وإعطاء الحكم المنصوص عليه لكل واقعة تتحقق فيها علة الحكم ، وبهذا النهج لا تضيق الشريعة بأي واقعة جديدة أو نازلة لم تقع من قبل، ولم يرد حكمها نصر.

204- أدلة نفاة القياس:
و احتج نفاة القياس بجملة أدلة ، نذكر خلاصة أهمها :
أولاً: قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ [الحجرات:1] والقائل بالقياس يعارض مدلول هذه الآية. لأن القياس يقدُّم أو تقديم بين يدي الله ورسوله بحكم يقول به في واقعة لم يرد فيها نص من كتاب أوسنة.
وقوله تعالى : ﴿ وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ [الإسراء:36 ]أي لا تتبع ما ليس لك به علم . والقياس أمر ظني مشكوك فيه، فيكون العمل به بغير علم ومن قبيل الظن الذي لا يغني من الحق شيئاً كما جاء في القرآن الكريم .
وقوله تعالى : ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ﴾ [النحل:89 ]ففي القرآن بيان كل حكم فلا حاجة معه للقياس ، لأنه إن جاء بحكم ورد في القرآن ففي القرآن الكفاية ، وإن جاء بما يخالفه فهو مرفوض غير مقبول.
ثانياً: وردت آثار كثيرة عن الصحابة بذم الرأي وإنكار العمل به، ومن ذلك قول


-223-


#ff0000
عمر (( إياكم وأصحاب الرأي ، فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها ، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا)) ، وقوله أيضاً : ((اياكم والمكايلة، قيل : وما المكايلة؟ قال : المقايسة))، وقال علي بن أبي طالب : (( لو كان الدين يؤخذ بالرأي ، لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره )) . وهذا يدل على ذم القياس ، وأنه ليس بحجة فلا يعمل به.
ثالثاً: إن القياس يؤدي الى الاختلاف والنزاع بين الأمة لأنه مبني على أمور ظنية من استنباط علة الأصل وتحققها في الفرع ، وهذه أمور تختلف فيها الأنظار، فتختلف الأحكام ، ويكون في الواقعة الواحدة أحكام مختلقة ، فتتفرق الأمة ، والفرقة أمر مذموم غير محمود ، وما يؤدي إليه مذموم أيضاً وهو القياس .
رابعاً: إن أحكام الشريعة لم تبن على أساس التسوية بين المتماثلين، والتفريق بين المختلفين، ولهذا نجد في الشريعة أحكاماً مختلفة لأمور متماثلة وأحكاماً متماثلة لأمور مختلفة.
فمن الأول : إسقاط الصوم والصلاة عن الحائض في مدة حيضها ، وتكليفها بقضاء الصوم دون الصلاة بعد طهرها . وايجاب قطع يد السارق وعدم قطع يد المنتهب ، ولا فرق بين الاثنين، و إقامة الحد على القاذف بالزنا دون القاذف بالكفر، مع أن الكفر أقبح من الزنا.
ومن الثاني : جعل التراب طهوراً كالماء وهما مختلفان .
فإذا كانت الشريعة لم تراع التماثل بين الأشياء في تشريعها الأحكام فلا حجة في القياس ، لأنه يعتمد المساواة والتماثل والشريعة لم تعتبرهما كما قلنا .
205- القول الراجح :
الواقع أن منكري القياس ما أرادوا بقولهم إلا التمسك بالنصوص ، و صيانة الشريعة من الاضطراب والأهواء ، وقد وجدوا من الدلائل ما رأوه حجة لما ذهبوا

-224-

ياسمين الجزائر
2016-09-17, 02:10 PM
إليه . وكذلك القائلون بالقياس ، لم يريدوا بقولهم مناهضة النصوص و الافتيات عليها والابتعاد عنها ، و لا العبث بأحكام الشريعة وتسليط الهوى عليها .وقد رأينا ما اشترطوه من شروط لصحة القياس لئلا يقعوا فيما لا يجوز، فكل فريق مثاب على جهده وحسن قصده ، ومع هذا فلابد من بيان ما نراه راجحاً من قول الفريقين .
ولدى التأمل في أدلة الفريقين والنظر في مباني الأحكام الشرعية والغرض من التشريع ، نخرج من ذلك كله بترجيح قول القائلين بحجية القياس .
وتفصيل ذلك : إن الأحكام الشرعية معللة ، أي أنها بنيت على علل و أوصاف اقتضت هذه الأحكام ، سواء أكانت عبادات أو معاملات ، ولكن علل العبادات محجوبة عنا لا سبيل إلى إدراكها تفصيلاً، وإن كنا جازمين بوجود هذه العلل التى اقتضت هذه الأحكام المعينة في العبادات .
أما في المعاملات فإن عللها يمكن إدراكها، وحيث أمكن إدراكها بطريق سائغ مقبول أمكن طرد أحكامها في جميع الوقائع التي تشتمل على هذه العلل ، جرياً وراء نهج الشريعة في التشريع و أخذاً بقانون التماثل الذي دل عليه القرآن في كثير من نصوصه .. ذلك أن القياس قائم على أساس أن الأحكام الشرعية معللة ، وأن التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين أمر مشهود له بالصحة والاعتبار، وقد فطر الله عليه عباده ، وطفحت به نصوص القرآن الكثيرة .. من ذلك ما احتج به المثبتون للقياس ، مثل قوله تعالى : ﴿ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ ﴾ [الحشر:2 ] ومثل هذا كثير كقوله تعالى : ﴿ أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ ﴾ [القمر:43 ]وقوله تعالى : ﴿ وكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [الأعراف:40 ]بعد أن قص الله علينا ما حاق بقوم عاد من عذاب أليم . فهذه الآيات و أمثالها تدل على أن حكم الشيء حكم نظيره، و هذه هي سنة الله في الكون، و لو لم يكن الأمر هكذا لما كان في سوق هذه الآيات معنى، و لا فيها دلالة و لا عبرة و لا تقام بها حجة. و كذلك بينت

-225-


#ff0000
النصوص القرآنية أن حكم الله هو عدم التسوية بين المختلفين ، وأن من جَوَّز على الله أن يسوي بينهما في الحكم ، فقد نسب إليه ما لا يليق به من حيث يشعر أو لا يشعر، قال تعالى: ﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ [القلم : 36،35 ]، ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ [الجاثية : 21 ]﴿ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ﴾ [ص : 28 ] ‎.‏

فالقرآن إذن شاهد على صحة قانون التساوي بين المتماثلين و التفريق بين المختلفين و ما القياس إلا أخذ بهذا القانون و تطبيقه على الوقائع التي لم يرد بحكمها نص بإلحاقها بما ورد به نص في الحكم ما دامت الواقعتان متماثلتين و متساويتين في العلة التي اقتضت الحكم.
أما ما احتج به نفاة القياس فلا حجة لهم فيه و لا يدل على مدعاهم، لأن القياس يؤخذ به حيث لا نص في المسألة فلا يكون مخالفاً لآية : ﴿ لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات : 1 ] ..ولأنه يكشف عن حكم الله في الواقعة ‎ ‏التي لم يرد بحكمها نص صريح، فهو مظهر لحكم ثابت، و ليس مثبتاً لحكم غير موجود فلا يكون مخالفاً لآية : ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ [المائدة : 49 ] . و إن القياس يفيدنا الظن الراجح في صحة الحكم و الظن الراجح كاف في إثبات الأحكام العملية، فلا يكون مخالفاً لآية: ﴿ وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ [الإسراء : 36 ]و آية: ﴿ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم : 28 ] . و كون القرآن تبياناً لكل شيء، يعني تبيانه للأحكام لفظاً أو معنى، و ليس معناه النص الصريح على كل حكم، و القياس تعلق بدلالة القرآن على الأحكام بالمعنى فلا يستغنى عن القياس.
أما الآثار الواردة عن الصحابة في ذم الرأي و القياس، فتحمل على الرأي الفاسد و القياس الفاسد. و نحن نسلم أن من القياس ما هو فاسد، كما أن منه ما هو صحيح، و الصحيح هو ما توافر فيه ما قلناه في أركانه و شروطه.
و الفاسد ما كان خلاف ذلك، مثل قياس المبطلين الذين: ﴿ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ
-226-


#ff0000
مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة : 275 ] ، مع أن حقيقة البيع تخالف حقيقة الربا.. ومثل ما قص الله علينا من قوله إخوة يوسف : ﴿ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف : 77 ] . وكقياس إبليس المبني على أن النار أفضل من الطين ، وحيث أنه مخلوق من نار فيكون هو - بزعمه - أفضل من آدم المخلوق من طين ، فيستحق هو- لا آدم - السجود ، فهذا قياس باطل أو استدلال بقياس باطل ... ولكن وجود قياس فاسد لا يقدح في حجية الصحيح منه .. فإننا نجد مما ينسب الى السنة ما هو باطل قطعاً، ولكن لا يقدح هذا في وجوب اتباع السنة وعدها دليلاً شرعياً .. فكذا الحال في القياس ، إذا وجد منه ما هو فاسد لا يعني ترك القياس بالكلية وعدم اعتباره دليلاً شرعياً .وأما ما قالوه من أن القياس مثار اختلاف و نزاع ، فالاختلاف موجود في استنباط الأحكام من السنة ومن القرآن وفي شروط صحة السنة وفي دلالتها على الأحكام . وكذلك يوجد اختلاف في فهم بعض نصوص القرآن ، وما قال أحد بلزوم ترك السنة وعدم استنباط الأحكام منها منعاً للاختلاف.
وأصل المسألة : أن الاختلاف في استنباط الأحكام الشرعية العملية سائغ مادام هذا الاختلاف في وجهات النظر في أمور اجتهادية ، ولا يوجد نص صريح قطعي في حكم المسألة المختلف فيها . فقد اختلف الفقهاء في زمن الصحابة حتى يومنا هذا ، بل إن نقاة القياس أنفسهم اختلقوا فيما بينهم في كثير من الأحكام حتى و لو كانوا من مذهب واحد . فدل ذلك على أن الاختلاف أمر بديهي سائغ في كل مسألة اجتهادية، و ليس سببه الأخذ بالقياس أو عدمه .
‎ ‏و أخيراً فإن الإختلاف المذموم ما كان في المسائل الاعتقادية و أصول الدين لا في فروعه، و في الأحكام القطعية أو المجمع عليها لا في الأحكام الظنية.
و أما ما قاله بعضهم من أن الشريعة جاءت بالتفريق بين المتماثلات و التسوية بين المختلفات، و بهذا ينهدم أساس القياس فلا تقوم به حجة. فهذا قول غير سديد مطلقاً، و لم يصدر عن اطلاع كاف على موارد الشريعة و مصادرها، و لا عن معرفة بما انطوت عليه من حكم باهرة، و أسرار جمة، و مصالح حقيقية، و إبتناء أحكامها على

-227-


#ff0000
معان وعلل اقتضت هذه الأحكام ... والشريعة لم تأتي قط بما ينافي ما هو مركوز في الفطر السليمة من تفريق بين المختلفين، وتسوية بين المتساويين، و أحكامها الدالة على ذلك كثيرة .أما إذا جاءت الشريعة باختصاص بعض الانواع بحكم يفارق به نظائره، فلابد أن يختص هذا النوع بوصف يوجب اختصاصه بالحكم ، و يمنع مساواة غيره به .
وهذا الوصف الذي اختص به قد يعرفه بعض الناس ، وقد لا يعرفه البعض الآخر، وليس من شروط القياس الصحيح أن يعلم صحته كل أحد ، فمن رأى شيئاً في الشريعة مخالفاً للقياس الصحيح الذي يقتضي التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين ، فهو مخالف للقياس الذى انعقد في نفسه وتصوره ، وليس مخالفاً للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر(1).
فليس في الشريعة أحكام تخالف قانون التماثل ، فمفارقة الحائض بعد طهرها في حكم قضاء الصوم دون الصلاة ، مبني على معنى بيناه وهو الحرج في قضاء الصلاة دون الصوم لكثرة أوقات الصلاة ، والحرج مرفوعاً شرعاً.
ووجوب حد القاذف بالزنا دون الكفر، لأن القذف بالزنا لا سبيل للناس للعلم بكذب القاذف ، فكان حده تكذيباً له و تبرئة لعرض المقذوف ، ودفعاً للعار عنه ، لا سيما إن كانت امرأة.
أما الرمي بالكفر فإن شاهد حال المسلم واطلاع المسلمين عليه كاف في تكذيب القاذف ، وباستطاعة المقذوف أن ينطق بكلمة الإيمان فيظهر كذب القاذف، أما الرمي بالزنا فماذا يفعل المقذوف حتى يظهر كذب القاذف؟ وكذلك إيجاب قطع السارق ‏ دون المنتهب ، لأن الأول يهتك الحرز ويكسر القفل وينقب الدور ، ولا يمكن لصاحب المتاع الاحتراز بأكثر من ذلك، فكان لابد من إيجاب القطع على السارق حسماً لهذا البلاء على الناس. وهذا بخلاف المنتهب فإنه ينهب المال على مرأى من الناس فيمكن مطاردته و انتزاع المال من يده، كما يمكن الشهادة عليه لدى الحاكم فينتزع منه الحق، و فضلاً عن ذلك فإن المنتهب يعاقب تعزيزاً. فليست حقيقة
___________________________
‎ ‏(1) انظر رسالة ((القياس)) لابن تيمية في مجموعة رسائله الكبرى ص 217-218.
-228-

ياسمين الجزائر
2016-09-17, 02:15 PM
السرقة كحقيقة النهب ، فافترقا في الحكم . والتراب صار طهوراً و رافعاً للحدث عند فقد الماء بحكم الشارع ، فهو حكم تعبدي ، والأحكام التعبدية لا تعرف تفاصيل عللها كما قلنا .
والخلاصة : فإن القياس الصحيح دليل من أدلة الأحكام ، وحجة شرعية كما ذهب الى هذا الجمهور، وهو الراجح من القولين، وأنه يعمل به ويصار إليه بعد الكتاب والسنة والإجماع .
-229-


#ff0000
الفصل الخامس
الدليل الخامس

الاستحسان

206- تعريف الاستحسان:
الاستحسان في اللغة : عد الشيء حسناً ، ويطلق أيضاً على ما يهواه الإنسان، ويميل إليه وإن كان مستقبحاً عند غيره .
وفي الاصطلاح ، عرف بتعاريف كثيرة(1) ، منها ما قاله البزدوي : (( الاستحسان: هو العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى منه ، أو هو تخصيص قياس بدليل أقوى منه)).
وقال الفقيه الحلواني الحنفي : ((الاستحسان : ترك القياس لدليل أقوى منه من كتاب أو سنة أو إجماع)).
وعرفه الإمام الكرخي الحنفي بقوله: (( الاستحسان : هو أن يعدل الإنسان عن أن يحكم في المسألة بمثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه ، لوجه يقتضي العدول عن الأول)) .
وعرفه ابن العربي المالكي: ((الاستحسان : هو إيثار ترك مقتضى الدليل عن
________________
(1) ((روضة الناظر و جنة المناظر)) ج1 ص 407 و ما بعدها، الآمدي ج 4 ص 209 و ما بعدها، ((كشف الأسرار)) ج 4 ص 1132 ، ((المسودّة)) ص 455.
-230-

ياسمين الجزائر
2016-09-21, 12:04 AM
طريق الاستثناء و الترخص لمعارضة ما يعارضه في بعض مقتضياته)).
و عرفه بعض الحنابلة بقوله: (( الاستحسان: هو العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل شرعي خاص)).
207- و يستفاد من مجموع هذه التعاريف أن المقصود بالاستحسان هو رد العدول عن قياس جلي إلى قياس خفي، أو استثناء مسألة جزئية من أصل كلي،
لدليل تطمئن إليه نفس المجتهد يقتضي هذا الاستثناء أو ذاك العدل.
فإذا عرضت للمجتهد مسألة يتنازعها قياسان : الأول ظاهر جلي يقتضي حكماً معيناً ، والثاني قياس خفي يقتضي حكماً آخر، وقام في نفس المجتهد دليل يقتضي ترجيح القياس الثاني على القياس الأول ، أو العدول عن مقتضى القياس الجلي إلى مقتضى القياس الخفي ، فهذا العدول أو ذلك الترجيح هو الاستحسان(1) ، والدليل الذي اقتضى هذا العدول يسمى بوجه الاستحسان ، أي سنده. والحكم الثابت بالاستحسان هو الحكم المستحسن ، أي الثابت على خلاف القياس الجلي .
وكذلك إذا عرضت للمجتهد مسألة تندرج تحت قاعدة عامة أو يتناولها أصل كلي، ووجد المجتهد دليلًا خاصاً يقتضي استثناء هذه الجزئية من الأصل الكلي، والعدول بها عن الحكم الثابت لنظائرها إلى حكم آخر، للدليل الخاص الذي قام في نفسه فهذا العدول الاستثنائي هو الاستحسان ، والدليل الذي اقتضاه هو وجه الاستحسان ، أي سنده ، والحكم الثابت به هو الحكم المستحسن ، أي الثابت على خلاف القياس ، والقياس هنا هو الأصل الكلي أو القاعدة العامة .
208- الأمثلة:
أ- الحكم المقرر في الفقه الحنفي أن الحقوق الارتفاقية ، كحق الشرب والسيل والمرور للأرض الزراعية ، لا تدخل في عقد البيع دون النص عليها ، فهل يثبت
_____________________________
(1) و يسمي الحنفية أيضاً القياس الحنفي المقابل للقياس الجلي بالاستحسان، ويعللون ذلك بنه أقوى من القياس الظاهر، فيكون الأخذ به مستحسنا ً. انظر ((التوضيح)) ج 2 ص 82 ، و (( كشف الاسرار)) ج 4 ص 1123.
-231-
#ff0000
هذا الحكم نفسه عند وقفها دون نص عليها في العقد ، أم لا؟ قال الحنفية القياس عدم دخولها والاستحسان دخولها.وتوضيح ذلك : أن وقف الأرض الزراعية يتجاذبها قياسان ، الأول : قياسها على البيع ، والثاني : قياسها على الإجارة . والأول هو الأظهر المتبادر إلى الذهن ، بجامع ما في البيع والوقف من إخراج الملك من مالكه . ومقتضى هذا القياس الجلي عدم دخول الحقوق الارتفاقية في الوقف تبعاً للأرض بدون ذكرها والنص عليها ، كما هو الحكم في البيع . والقياس الثاني ، أي قياسها بالإجارة، مبناه أن كلاً من الإجارة والوقف ، يفيد ملك الانتفاع بالعين ولا يفيد تملك رقبتها ، وهذا قياس خفي لا يتبادر إلى الذهن ، بل يحتاج إلى شيء من التأمل، ومقتضى هذا القياس دخول الحقوق الارتفاقية في الوقف تبعاً بلا حاجة للنص عليها ، كما هو الحكم في الإجارة . فترجيح المجتهد للقياس الخفي على القياس الجلي هو الاستحسان ، ووجهه ، أي سنده: أن القياس الخفي أقوى تأثيراً من القياس الجلي، لأن المقصود بالوقف الانتفاع من الموقوف لا تملك رقبته كما قلنا، وحيث أن الانتفاع لا يتأتى بدون حقوقها الارتفاقية ، فيلزم دخولها في الوقف تبعاً كما هو الحكم في الإجارة.
ب- ومن الأمثلة عل استثناء مسألة جزئية من أصل كلي ، جواز وصية المحجور عليه لسفه في وجوه الخير، فقد جازت هذه الوصية استحساناً، والقياس عدم الجواز . وكذلك وقفه على نفسه جاز استحساناً ، والقياس عدم الجواز .
وتوضيح هذا الاستحسان في هاتين المسألتين ، أن القاعدة العامة تقضي بعدم صحة تبرعات المحجور عليه لسفه حفظاً لماله ، ولكن أستثنيت وصيته في وجوه البر من هذه القاعدة العامة ، لأن الوصية لا تفيد الملك إلا بعد وفاة الموصي.
والوقف كالوصية ، يحفظ المال على السفيه ، فلا يؤثر هذا الاستثناء في الغرض من القاعدة العامة .
209- أنواع الاستحسان :
‎ ‏ الاستحسان قد يكون استثناء جزئياً من أصل كلي ، أو ترجيح قياس خفي على



-232-
#ff0000
قياس جلي ، كما مثلنا ، و هذه قسمة الاستحسان وأنواعه بالنظر الى ما عدل عنه ، وما عدل إليه .وقد ينظر الى الاستحسان من جهة مستنده ، أي دليله ، أو ما يعبر عنه في الكتب الفقهية بوجه الاستحسان ، فيتنوع إلى الأنواع التالية :
210- أولاً : الاستحسان بالنص - أي ما كان مستنده النص:
وهو أن يرد من الشارع نص خاص في جزئية يقتضي حكماً لها على خلاف الحكم الثابت لنظائرها بمقتضى القواعد العامة . فالنص يستثني هذه الجزئية من الحكم الثابت لنظائرها بمقتضى الأصل الكلي . فالقاعدة العامة ، والأصل الكلي، يقضيان ببطلان بيع المعدوم ، ولكن استثني السلم : وهو بيع ما ليس عند الإنسان وقت العقد ، بنص خاص وهوما روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : ((من أسلف منكم فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم الى أجل معلوم)). ا ومثله أيضاً خيار الشرط، فقد جاز استحساناً لورود النص في السنة بجوازه إلى ثلاثة أيام ، استثناء من الأصل الكلي في العقود القاضي بلزومها.
211- ثانياً: الاستحسان بالإجماع :
كعقد الاستصناع ، فهو جائز استحساناً ، والقياس عدم جوازه لأنه عقد على معدوم ، و إنما جاز استثناء من القاعدة العامة ، ووجه الاستحسان جريان التعامل به بين الناس دون إنكار من أحد فكان إجاماعاً . ومثله أيضاً : دخول الحمامات. بأجر معلوم ، فالقاعدة العامة تقضي بفساده لجهالة ما يستهلكه الداخل من الماء ، وجهالة المدة التي يمكثها في الحمام ، ولكنه جاز استثناء من القاعدة العامة استحساناً لجريان العرف به دون إنكار من‏ أحد دفعاً للحرج عن الناس فكان إجماعاً.
‎ ‏212- ثالثاً: استحسان سنده العرف:
كجواز وقف المنقول الذي جرى العرف بوقفه: كالكتب، و الأواني، و نحوها على رأي بعض الفقهاء، استثناء من الأصل العام في الوقف، و هو أن يكون الوقف مؤبداً، فلا يصح إلا في العقار لا في المنقول، و إنما جاز وقف ما ذكرنا من المنقول


-233-


#ff0000
لجريان العرف به .

213- رابعاً: استحسان بالضرورة :
ومثاله العفو عن رشاش البول ، والغبن اليسير في المعاملات لعدم إمكان التحرز منه . ومنه أيضاً تطهير الآبار التي تقع فيها النجاسة بنزح قدر معين من الماء منها ، استحساناً للضرورة ، ودفعاً للحرج عن الناس .

214- خامساً: استحسان بالمصلحة:
ومثاله تضمين الأجير المشترك ما يهلك عنده من أمتعة الناس ، إلا إذا كان الهلاك بقوة قاهرة لا يمكن دفعها أو التحرز منها ، مع أن الأصل العام يقضي بعدم تضمينه إلا بالتعدي أو بالتقصير لأنه أمين . ولكن أفتى كثير من الفقهاء بوجوب الضمان عليه استحساناً، رعاية لمصلحة الناس بالمحافظة على أموالهم نظراً لخراب الذمم وشيوع الخيانة وضعف الوازع الديني .

215- سادساً: استحسان بالقياس الخفي:

وقد مثلنا له بوقف الأرض الزراعية دون النص على حقوقها الارتفاقية . ومثاله أيضاً: الحكم بطهارة سؤر سباع الطير . فالقياس الجلي - وهو قياسه على سؤر سباع البهائم - يقضي بنجاسته ، ولكن قالوا بطهارته اعتباراً بقياسه على سؤر الآدمي، لأنها تشرب بمناقيرها وهي عظام طاهرة ، وهذا قياس خفي ، فكان الحكم به استحساناً(1).

216- حجية الاستحسان :
اخذ كثير من العلماء بالاستحسان واعتبروه دليلاً من أدلة الأحكام ، وأنكره بعضهم كالشافعية ، حتى نقل عن الإمام الشافعي أنه قال : (( الاستحسان تلذذ وقول بالهوى)) ، وقال : ((من استحسن فقد شرع)) (2).
__________________
(1) البعض يجعل هذا المثال من أمثلة الاستحسان بالضرورة، ، وله وجه قوي .
(2) الآمدي ج 4 ص 209.

-234-

ياسمين الجزائر
2016-09-21, 12:17 AM
والظاهر أن اطلاق لفظ الاستحسان أثار عند بعض العلماء معنى التشريع بالهوى فأنكروه ، ولم يتبينوا حقيقته عند القائلين به ، ولم يدركوا مرادهم منه ، فظنوه من التشريع بلا دليل فشنوا عليه الغارة وقالوا فيه ما قالوا .. فالاستحسان بالهوى وبلا دليل ليس بدليل بلا خلاف بين العلماء .. وعلى هذا النوع من الاستحسان – إذا أمكن تسميته استحساناً - يحمل إنكار المنكرين ، لأن الاستحسان عند القائلين به لا يعدو- كما عرفنا حقيقته - أن يكون ترجيحاً لدليل على دليل ، ومثل هذا لا ينبغي أن يكون محل خلاف بين العلماء ، ((فلا يوجد في الاستحسان ما يصلح محلاً للنزاع))(1) .

ومع هذا فنحن نؤثر أن نسمي الحكم الثابت استحساناً بالنص حكماً ثابتاً بالنص لا بالاستحسان ، ولكن الحنفية اصطلحوا على تسميته استحساناً ولا مشاحة في الاصطلاح .

_______________________

(1) ((التلويح على التوضيح)) ج 2 ص81.

-235-

#ff0000



الفصل السادس

الدليل السادس



المصلحة المرسلة



217- تعريف المصلحة المرسلة :

المصلحة : هي جلب المنفعة و دفع المضرة ، أي المفسدة(1). فلها جانب إيجابي هو إيجاد المنفعة ، وجانب سلبي هو دفع المفسدة . وقد تطلق المصلحة على جانبها الإيجابي فقط فيقرن معها درء المفسدة ، كما في قول الفقهاء: ((دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة))(2).

218- والمصالح منها ما شهد الشارع له بالاعتبار، ومنها ما شهد له الشارع بالإلغاء ، ومنها ما سكت عنه . فالأولى: هي المصالح المعتبرة، والثانية : هي المصالح الملغاة ، والثالثة : هي المصالح المرسلة.

219- المصالح المعتبرة:

وهي ما اعتبرها الشارع بأن شَرَّعَ لها الأحكام الموصلة إليها : كحفظ الدين، والنفس، والعقل ، والعرض ، والمال ، فقد شرع الشارع الجهاد لحفظ الدين، والقصاص لحفظ النفس ، وحد الشرب لحفظ العقل ، ونحد الزنى والقذف لحفظ العرض ، وحد السرقة لحفظ المال .

وعلى أساس هذه المصالح المعتبرة وربطها بعللها وجوداً وعدماً جاء دليل

______________________

(1) ((المستصفى)) ج 2 ص 139.

(2) ((المصلحة في التشريع الإسلامي)) للأستاذ مصطفى زيد ص 20.

-236-

#ff0000
القياس ، فكل واقعة لم ينص الشارع على حكمها وهي تساوي واقعة أخرى ، نص الشارع على حكمها ، في علة هذا الحكم ، فإنها تأخذ نفس الحكم المنصوص عليه .

220- المصالح الملغاة:

وبجانب المصالح المعتبرة توجد مصالح متوهمة غير حقيقية أو مرجوحة، أهدرها الشارع ولم يعتد بها بما شرعه من أحكام تدل على عدم اعتبارها ، وهذه هي المصالح الملغاة .

ومن أمثلة هذا النوع من المصالح مصلحة الأنثى في مساواتها لأخيها في الميراث ، فقد ألغاها الشارع بدليل قوله تعالى : ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:11 ]. ومثل مصلحة المرابي في زيادة ماله عن طريق الربا، فقد ألغاها الشارع بما نص عليه من حرمة الربا، قال تعالى : ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ فلا يصلح الربا طريقاً لاستثمار المال أو زيادته. ومثل مصلحة الجبناء القاعدين عن الجهاد في حفظ نفوسهم من العطب والهلاك، فقد ألغى الشارع هذه المصلحة المرجوحة بما شرعه من أحكام الجهاد ... وهكذا .

ولا خلاف بين العلماء في أن المصالح الملغاة لا يصح بناء الأحكام عليها .

221- المصالح المرسلة:

وبجانب المصالح المعتبرة والمصالح الملغاة توجد مصالح لم ينص الشارع على إلغائها ولا على اعتبارها .. و هذه هي المصالح المرسلة عند الأصوليين، فهي

مصلحة : لأنها تجلب نفعاً وتدفع ضرراً. . وهي مرسلة : لأنها مطلقة عن اعتبار الشارع أو إلغائه .. ح فهي إذن ، تكون في الوقائع المسكوت عنها وليس لها نظير منصوص على حكمه حتى نقيسها عليه ، وفيها وصف مناسب لتشريع حكم معين من شأنه أن يحقق منفعة ، أو يدفع مفسدة .. مثل المصلحة التي اقتضت جمع القرآن، وتدوين الدواوين ، وتضمين الصناع ، وقتل الجماعة بالواحد .

222- حجية المصالح :

-237-


#ff0000
لا خلاف بين العلماء في أن العبادات لا يجري فيها العمل بالمصالح المرسلة، لأن أمور العبادة سبيلها التوقيف، فلا مجال فيها للاجتهاد والرأي ، والزيادة عليها ابتداع في الدين ، والابتداع مذموم ، فكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة وصاحبها في النار .

أما في المعاملات ، فقد اختلف العلماء في حجيتها وجعلها دليلاً من أدلة الأحكام . وهذا الخلاف يحكى في كتب الأصول على نحو واسع ، ولكننا لا نجد آثاره بهذه السعة والكثرة في كتب الفقه ، فالفقهاء المنسوب إليهم عدم الأخذ بالمصالح المرسلة ، وجدت لهم اجتهادات قامت على أساس المصلحة المرسلة .. كما نجده في فقه الشافعية والحنفية . وعلى أية حال فمما لا شك فيه أن فريقاً من العلماء أنكر حجية المصالح المرسلة ، ومن هؤلاء : الظاهرية ، فهم ينكرون القياس فمن الأولى أن ينكروا المصالح المرسلة.. وقد نسب الى الشافعية والحنفية القول بإنكار المصلحة المرسلة ، ولكننا نجد في فقههم اجتهادات قامت على أساس المصلحة كما سنذكره.

وفريق آخر أخذ بالمصالح المرسلة ، واعتبرها حجة شرعية و مصدراً من مصادر التشريع . وأشهر من عرف عنه هذا الاتجاه الإمام مالك ، ثم أحمد بن حنبل.. وبين هذين الفريقين من قال بالمصلحة بشروط تجعلها من قبيل الضرورات التي لا يختلف العلماء في الأخذ بها، كالغزالي فقد أخذ بالمصلحة بشرط أن تكون ضرورية، قطعية ، كلية .

و نذكر فيما يلي أدلة المنكرين لحجية المصالح وأدلة الآخذين بها ، ثم نبين الرأي الراجح من هذين الرأيين ، ثم نذكر بعض المسائل التي قال بها الفقهاء على أساس المصلحة .

223- أدلة المنكرين ومناقشتها :

أ‌- إن الشارع الحكيم ، شرع لعباده ما يحقق لهم مصالحهم ، فما غفل عن مصلحة ولا تركها بدون تشريع ، فالقول بالمصلحة المرسلة ، يعني : أن الشارع ترك


-238-

ياسمين الجزائر
2016-09-21, 12:24 AM
بعض مصالح العباد ، فلم يشرع لها عن الأحكام ما يحققها ، وهذا لا يجوز لمناقضته لقوله تعالى : : ﴿ أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾ [القيامة:36 ]. والواقع أن هذه الحجة قوية في ظاهرها ، ولكنها ضعيفة عند التأمل والتمحيص .. فالشريعة ، حقاً ، قد راعت مصالح العباد ، وشرعت من الأحكام ما يوصل إليها ، ولكنها لم تنص على جميع جزئيات المصالح إلى يوم الدين ، وإنما نصت على بعضها ، ودلت بمجموع أحكامها ومبادئها على أن المصلحة هي مقصود الشارع ، وغرضه من وضع الأحكام . وهذا المسلك من الشريعة - وهو عدم النص على جميع المصالح - من محاسنها ، لا من مثالبها ، ومن الدلائل على صلاحيتها للبقاء والعموم ، لأن جزئيات المصالح تتغير وتتبدل ، وإن كان أصل رعايتها قائماً ثابتاً لا يتغير. فليس من المستطاع ولا من الضروري ، إذن ، عد جزئيات الصالح مقدماً وتشريع حكم خاص لكل واحدة منها على حدة .

وعلى هذا فإذا طرأت مصلحة لم يرد في الشرع حكم خاص بها ، وكانت ملائمة لتصرفات الشارع واتجاهه في رعاية المصلحة ، ولا تخالف حكماً من أحكامه، فمن السائغ إيجاد الحكم الذي يحقق هذه المصلحة ، ولا يكون هذا افتئاتاً على حق الشارع في التشريع ولا يدل على ترك الخالق لخلقه سدىً، لأنه هو الذي أرشدنا إلى رعاية المصالح والأخذ بها .

ب - المصالح المرسلة مترددة بين المصالح المعتبرة وبين المصالح الملغاة ، فليس إلحاقها بالمصالح المعتبرة أولى من إلحاقها بالمصالح الملغاة ، فيمتنع الاحتجاج بها دون شاهد بالاعتبار يدل على أنها من قبيل المعتبرة دون الملغّية(1).

وهذه الحجة ضعيفة أيضاً ، لأن الأصل الذي ابتنت عليه الشريعة هو رعاية المصلحة،‎ ‏ والإلغاء - أي إلغاء المصلحة - هو الاستثناء . فإلحاق المصالح المسكوت عنها، الظاهر صلاحها، بالمصالح المعتبرة أولى من إلحاقها بالمصالح الملغاة.

_____________________

(1) ذكر الآمدي هذه الحجة في ((أحكامه)) ج 4 ص 216.



-239-
#ff0000
ج- الأخذ بالمصالح يجرئ الجهال على تشريع الأحكام ، فيقع الخلط والتخليط في أحكام الشريعة ، ويفتح الباب لذوي الأهواء من الحكام والقضاة ونحوهم من ذوي السلطان إلى ما يريدون ، فيبنون الأحكام على أهوائهم بعد أن يلبسوها ثوب المصلحة ، ويصبغوها بصبغة الدين ، وفي هذا طعن في الدين واتهام له بإسناد الظالمين والمفسدين .
ويمكن الرد على هذا الاعتراض ، بأن الأخذ بالمصالح المرسلة يستلزم الوقوف على دلائل الشريعة للتأكد من اعتبارها أو إلغائها ، وهذا غير ميسور لغير ذوي العلم والاجتهاد ، فإذا تجرأ الجهال فإن أولي العلم يكشفون جهالتهم فيأمن شرهم الناس .. أما الحكام المفسدون ، فإن ردعهم لا يكون بسد باب المصلحة ، وإنما يكون بقيام الأمة بواجبها الشرعي نحوهم بتقويمهم أو إقالتهم .

224- أدلة القائلين بالمصالح المرسلة :

1- إن الشريعة ما وضعت إلا لتحقيق مصالح العباد، دلت على ذلك نصوص الشريعة وأحكامها المختلفة ، فالأخذ بالمصلحة المرسلة يتفق وطبيعة الشريعة، والأساس الذي قامت عليه ، والغرض الذي جاءت من أجله .

وهذا قول حق ، صرح به غير واحد من العلماء ، فالشاطبي يقول : ((.. والشريعة ما وضعت إلا لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل ، ودرء الفاسد عنهم ))(1).



والفقيه الشجاع العز بن عبد السلام يقول: (( «الشريعة كلها مصالح : إما درء مفاسد أو جلب مصالح ))(2).

وابن القيم يقول (( إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد ، وهي عدل كلها ، ومصالح كلها ، وحكمة كلها ، فكل مسألة

___________________________

(1) ((الموافقات)) ج 2 ص 6، 37.

(2) ((قواعد الأحكام)) للعز بن عبد السلام ج 1 ص 9.



-240-

ياسمين الجزائر
2016-09-24, 12:21 AM
خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها ، وعن المصلحة إلى المفسدة ، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل ، فالشريعة عدل الله بين عباده ، ورحمته بين خلقه)).

واستقراء نصوص الشريعة يدل على صدق ما نطق به هؤلاء العلماء.

2- إن مصالح الناس و وسائلهم إلى هذه المصالح تتغير، باختلاف الظروف والأحوال والأزمان ، ولا يمكن حصرها مقدماً ، ولا لزوم لهذا الحصر ما دام الشارع قد دل على رعايته للمصلحة ، فإذا لم نعتبر منها إلا ما جاء الدليل الخاص باعتباره نكون قد ضيقنا واسعاً، وفوتنا على الخلق مصالح كثيرة، ، وهذا لا يتفق مع عموم الشريعة وبقائها، فيكون المصير إليه غير صحيح.

3- إن المجتهدين من الصحابة ومن جاء بعدهم ، جروا في اجتهادهم على رعاية المصلحة ، وبناء الأحكام عليها من غير إنكار على واحد منهم ، مما يدل على صحة هذا الأصل وصواب هذا الاتجاه فيكون إجماعاً . فمن المسائل التي جرى فيها المجتهدون من سلفنا الصالح على أساس المصالح : جمع صحف القرآن في مصحف واحد ، وجمع المسلمين على مصحف واحد ، وتوريث مطلقة الفارِّ منه ، و تضمين الصناع ما يهلك تحت أيديهم من أموال الناس، إلا إذا كان الهلاك بقوة قاهرة ، مع أن أيديهم يد أمانه ، ولكن اقتضت المصلحة هذا الحكم لئلا يتهاونوا في حفظ أموال الناس ، وفي هذا يقول الإمام علي: (( لا يصلح الناس إلا ذلك ))(1) ، وقتل الجماعة بالواحد ، وأمر عمر بن الخطاب حرق بيت سعد بن أبي وقاص لما احتجب فيه عن الرعية ، وحلقه رأس نصر ابن حجاج ونفيه من المدينة لتثبيت النساء به ، و مصادرته شطر أموال عماله التي اكتسبوها بجاه السلطة واستغلال النفوذ ، وغير هذا كثيراً جداً ، يطول عده وذكره(2).

______________________________

(1) أستاذنا أبو زهرة في كتابه ((مالك)) ص 400.

(2) انظر ((الطرق الحكيمة)) لابن قيم الجوزية ص 14 وما بعدها .

-241-



#ff0000
225- القول الراجح:

ومن عرض أدلة الطرفين يترجح عندنا القول بحجية المصالح المرسلة ، وابتناء الأحكام عليها ، وعدها من أدلة الأحكام . وهذا المصدر التشريعي - في نظرنا - مصدر خصب ، يسعفنا بالأحكام اللازمة لمواجهة ظروف الحياة المتغيرة دون خروج على مبادئ الشريعة ، وأحكامها القطعية ، ولكننا نؤثر اللجوء إليه عن طريق جمعي لا فردي ، كلما أمكن اجتماع المجتهدين.

226- شروط العمل بالمصلحة المرسلة:

ذكر المالكية - وهم اكثر الفقهاء أخذاً بالمصالح المرسلة - شروطاً لا بد من توافرها في المصلحة المرسلة ، لإمكان الاستناد إليها والاعتماد عليها ، وهذه الشروط هي :

أولاً: الملائمة : أي أن تكون المصلحة ملائمة لمقاصد الشارع ، فلا تخالف أصلاً من أصوله ، ولا تنافي دليلاً من أدلة أحكامه ، بل تكون من جنس المصالح التي قصد الشارع تحصيلها ، أو قريبة منها ليست غريبة عنها.

ثانياً: أن تكون معقولة بذاتها ، بحيث لو عرضت على العقول السليمة لتلقنها بالقبول .

ثالثاً: أن يكون الأخذ بها لحفظ ضروري ، أو لرفع حرج ، لأن الله تعالى يقول :

﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:78 ]

وهذه الشروط ، في الواقع ، ضوابط للمصلحة المرسلة تبعدها عن مزالق الهوى ونزوات النفوس ، ولكن ينبغي أن يضاف إليها شرطان آخران هما : أن تكون المصلحة التي تترتب على تشريع الحكم مصلحة حقيقية لا وهمية . وأن تكون المصلحة عامة لا خاصة ، أي أن يوضع الحكم لمصلحة عموم الناس لا لمصلحة فرد معين أو فئة معينة .

_____________________________________

(1) ((الاعتصام )) للشاطبي ج 2 ص 307- 312.
-242-




#ff0000
227- بعض الاجتهادات على أساس المصلحة:

في المذاهب الإسلامية اجتهادات قامت على أساس المصلحة المرسلة ، من ذلك:

أفتى المالكية : بجواز تنصيب الأمثل من غير المجتهدين إماماً إذا لم يوجد المجتهد . وجواز بيعه المفضول مع وجود الفاضل . وجواز فرض الضرائب على الأغنياء إذا خلا بيت المال - أي الخزانة العامة - من المال اللازم لمواجهة النفقات الضرورية للدولة كسد حاجات الجند ، إلى أن يظهر مال في بيت المال ، أو يكون فيه ما يكفي(1). وأجازوا شهادة الصبيان بعضهم على بعض في الجراحات، للمصلحة ، لأنه لا يشهد لعبهم -عادة - غيرهم ، وإن لم يتوافر فيهم شرط البلوغ، وهومن شروط العدالة في الشاهد(2). وقال الشافعية بجواز إتلاف الحيوانات التي يقاتل عليها الأعداء ، وإتلاف شجرهم ، إذا كانت حاجة القتال والظفر بالأعداء والغلبة عليهم تستدعي ذلك(3).

وعند الحنفية ، يجوز حرق ما يغنمه المسلمون من متاع وضأن إذا عجزوا عن حمله ، فيذبحون الضأن ، ويحرقون اللحم ، وكذا يحرقون المتاع لئلا ينتفع به الأعداء(4). ومن ضروب الاستحسان عندهم : الاستحسان بالمصلحة ، وقد مر الكلام عليه .

وأحمد بن حنبل ، أفتى بنفي أهل الفساد إلى بلد يؤمن فيه من شرهم(5).

وأفتى بجواز تخصيص بعض الأولاد بالهبة لمصلحة معينة، كأن يكون مريضاً أو

__________________________________

(1) ((مالك)) لأستاذنا محمد أبو زهرة ص 402.

(2) ((بداية المجتهد)) ج 2 ص 384.

(3) ((الأشباه و النظائر)) للسيوطي ص 60-61.

(4) ((الرد على سير الأوزاعي)) للإمام ابي يوسف ص 3.

(5) ((الطرق الحكيمة))لابن القيم ص14.
-243-




#ff0000
محتاجاً أو صاحب عيال أو طالب علم(1) . وقال الفقهاء الحنابلة : إن لولي الأمر أن يجبر المحتكرين على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه ، وله أن يجبر أصاب الحرف والصناعات التي يحتاجها الناس على العمل بأجر المثل إذا امتنعوا عن العمل في أعمالهم(2). و من احتاج الى إجراء مائه في أرض غيره من غير ضرر يصيب صاحب الأرض ، فله أن يمره و لو جبراً على صاحب الأرض و هذا هو المنقول عن عمر بن الخطاب ، وأخذ به أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه ، و أخذ به فريق من الحنابلة : وهو الصحيح الذي يجب المصير إليه ، لأن التعسف في استعمال الحق ممنوع في الشريعة، وهذه المسألة بعض تطبيقات هذا الأصل . ومن فتاوى الحنابلة : أن من اضطر إلى السكنى في بيت إنسان لا يجد سواه ، وفيه متسع له ولصاحب البيت، وجب عليه بذله للمحتاج بأجر المثل على رأي بعض الحنابلة و بالمجان على رأي البعض الآخر منهم(3).

____________________________________

(1) ((المغني)) ج 6 ص 107.

(2) (( الطرق الحكيمة )) ص 222،226.

(3) (( الطرق الحكيمة )) ص 239، 240.

-244-

ياسمين الجزائر
2016-09-24, 12:35 AM
الفصل السابع

الدليل السابع

سد الذرائع

228- تعريف سد الذرائع:

الذرائع : هي الوسائل ، والذريعة : هي الوسيلة والطريق إلى الشيء ، سواء أكان هذا الشيء مفسدة أو مصلحة ، قولاً أو فعلاً. ولكن غلب إطلاق اسم ((الذرائع)) على الوسائل المفضية إلى المفاسد ، فإذا قيل : هذا من باب سد الذرائع، فمعنى ذلك : أنه من باب منع الوسائل المؤدية إلى المفاسد..

229- والأفعال المؤدية الى المفاسد إما أن تكون بذاتها فاسدة محرمة ، وإما أن تكون بذاتها مباحة جائزة. فالأولى بطبيعتها تؤدي الى الشر والضرر والفساد :

كشرب المسكر المفسد للعقول ، والقذف الملوث للأعراض ، والزنى المفضي الى اختلاط المياه.

ولا خلاف بين العلماء في منع هذه الأفعال ، وهي في الحقيقة لا تدخل في دائرة سد الذرائع التي نتكلم عنها ، لأنها محرمة لذاتها . أما الأفعال المباحة الجائزة المفضية إلى المفاسد، فهي على أنواع:

النوع الأول:

ما كان إفضاؤه الى المفسدة نادراً و قليلاً، فتكون مصلحته هي الراجحة، و مفسدته هي المرجوحة : كالنظر إلى المخطوبة ، والمشهود عليها، و زراعة العنب،


-245-



#ff0000
فلا تمنع هذه الأفعال بحجة ما قد يترتب عليها من مفاسد ، لأن مفسدتها مغمورة في مصلحتها الراجحة . وعلى هذا دل اتجاه تشريع الأحكام ، ولا خلاف فيه بين العلماء . فالشارع قبل خبر المرأة في انقضاء عدتها أو عدم انقضائها ، مع احتمال عدم صدقها ، وشرع القضاء بالشهادة مع احتمال كذب الشهود، وقبل خبر الواحد العدل مع احتمال عدم ضبطه ، ولكن لما كانت هذه الاحتمالات مرجوحة لم يلتفت الشارع إليها ولم يعتد بها .

النوع الثاني:

ما كان إفضاؤه إلى المفسدة كثيراً، فمفسدته أرجح من مصلحته : كبيع السلاح في أوقات الفتن ، وكإجارة العقار لن يستعمله استعمالها محرماً كاتخاذه محلاً للقمار، وكسب آلهة المشركين في حضرة من يعرف عنه سب الله عز وجل إذا سمع هذا السب، و كبيع العنب لمن عرف عنه الاحتراف بعصره خمراً.

النوع الثالث :

ما يؤدي إلى المفسدة لاستعمال المكلف هذا النوع لغير ما وضع له فتحصل المفسدة : كمن يتوسل بالنكاح لغرض تحليل المطلقة ثلاثاً لمطلقها ، وكمن يتوسل بالبيع للوصول إلى الربا كأن يبيع خرقة بألف نسيئة ، ويشتريها من مشتريها بتسع مئة نقداً . والمفسدة هنا لا تكون إلا راجحة .

230- اختلاف العلماء في الأخذ بسد الذرائع :

الأفعال من النوعين الثاني والثالث، هي التي وقع الخلاف فيها ، أتمنع لإفضائها إلى المفسدة أم لا؟

فالحنابلة والمالكية قالوا : تمنع . وغيرهم كالشافعية والظاهرية ، قالوا : لا تمنع(1). ووجهة هؤلاء : أن هذه الأفعال مباحة فلا تصير ممنوعة لاحتمال إفضائها إلى المفسدة. ووجهة الأوَّلين : أن سد الذراع أصل من أصول التشريع قائم بذاته،

____________________________

(1) ((الأم)) للشافعي ج 3 ص 3 ،69 ((بداية المجتهد)) ج 2 ص 117-119. ((المغني)) ج 4 ص 174 و ما بعدها. (( المدوَّنة الكبرى)) ج 2 ص 171 ، و ج 3 ص 399 و ((مختصر الطحاوي))ص 280.

-246-





#ff0000


ودليل معتبر من أدلة الأحكام تبنى عليه الأحكام .. فلما دام الفعل ذريعة الى المفسدة الراجحة ، والشريعة جاءت بمنع الفساد وسد طرقه ومنافذه ، فلا بد من منع هذا الفعل . فهؤلاء نظروا إلى مقاصد الأفعال وغاياتها و مآلاتها ، فقالوا بالمنع ولم يعتبروا إباحته . و أولئك نظروا إلى إباحته بغض النظر عن نتيجته ، فقالوا بعدم منعه ترجيحاً للإذن الشرعي العام الوارد فيه على الضرر المحتمل المتأتي منه .

ورأي الأولين المانعين هو الأسدّ، فالوسائل معتبرة بمقاصدها ، وفي هذا يقول ابن القيم : لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها ، كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها . فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها ، والمنع منها بحسب إفضائها إلى غايتها و ارتباطها بها، ووسائل الطاعات و القربات في محبتها ، والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غاياتها ، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود ، وكلاهما مقصود ، لكنه مقصود قصد الغايات ، وهي مقصودة قصد الوسائل......))(1).

231- القول الراجح:

الذين لم يعتبروا ((سد الذرائع)) دليلاً مستقلاً من أدلة الأحكام ، يحتجون بأن الفعل ما دام مباحاً فلا يجوز منعه باحتمالات الإفضاء إلى المفسدة فهذه الاحتمالات قد تحصل وقد لا تحصل ، فهي من قبيل الظن ، والظن لا يغني من الحق شيئاً. والحق أن هذه الحجة ضعيفة ، فقد قلنا : إن احتمال المفسدة إن كان نادراً أو قليلاً أو مرجوحاً لا يمنع الفعل . وكلامنا فيما يفضي إلى المفسدة إفضاء كثيراً، بحيث يدعو إلى غلبة الظن بوقوع المفسدة. والظن الراجح معتبر في أحكام الشريعة العملية فلا يشترط لثبوتها اليقين، وقد مثلنا بما شرعه الشارع من أحكام بناء على الظن الغالب كما في قبول خبر الواحد، والشهادة، وخبر المرأة عن انقضاء عدتها . وهذه أحكام شرعت لتحقيق مصالح راجحة، وإن كانت فيها مفاسد مرجوحة، نظراً لاحتمال كذب المخبر أو الشهود أو المرأة. و سنذكر ما شرعه

‎ ‏__________________________________

(1) ((أعلام الموقعين)) ج 3 ص11-120.


-247-




#ff0000


الشارع من أحكام لدرء المفسدة الراجحة المحتملة الوقوع عند ذكر أدلة القول الآخر.

ثم من غير المقبول أن يحرم الشارع شيئاً ، ثم يسمع لأسبابه ووسائله فيجعلها

مباحة ، أو يتركها على إباحتها الأصلية . . فكون الشيء مباحاً ، إذن ، مشروط فيه أن لا يؤدي إلى مفسدة راجحة ، فإذا أدى الى هذه المفسدة ، نظراً لظروف خاصة ، أو أحوال معينة ، فإنه يمنع ويصير محظوراً .. فالبيع مباح ، ولكنه في وقت النداء لصلاة الجمعة محظور، وسب آلهة المشركين مباح ، ولكنه ممنوع إذا أفضى إلى مفسدة سب الله عز وجل كما قلنا ، وقطع الأيدي في السرقة فرض ، ولكن يجب تأجيله في الحرب والجهاد ، قال صلى الله عليه و سلم: (( لا تُقْطع الأيدي في الغزو)) ، لئلا يكون ذريعة لفرار المحدود إلى العدو . والهدية مباحة بل مستحبة للأثر: ((تهادوا تحابوا)) ، ولكن هدية المدين لدائنه ممنوعة إن لم تكن بينهما عادة التهادي من قبل ، لئلا تكون ذريعة إلى مفسدة الربا.

والنهي عن المنكر واجب ، ولكن إذا أدى إلى منكر أعظم منه جاز تركه.

232- من هذا كله يترجح القول بأصل سد الذرائع وجعله من أدلة الأحكام ، لأنه أصل يشهد له الكتاب والسنة بالاعتبار، فمن ذلك(1) :

1- قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا ﴾ [ البقرة:104 ] نهى الله عز وجل المؤمنين أن يقولوا: ((راعنا)) مع قصدهم الحسن ، منعاً لذريعة التشبه باليهود الذين كانوا يريدون بها شتم النبي صلى الله عليه و سلم.

2- تحريم القطرة من الخمر ، لئلا تتخذ ذريعة الى الحسوة ، والحسوة ذريعة إلى شرب ما يسكر فيقع المحذور ، ولهذا جاء في الحديث ((ما أَسْكَرَ كَثِيرُه فَقَلِيلُه حَرامٌ))، والعلة هي ما قلناه.

3- تحريم الخلوة بالأجنبية ، لئلا تفضي إلى المحذور .

4- تحريم عقد النكاح في حال العدة وإن تأخر الوطء ، منعاً لذريعة الدخول قبل

_________________________________

(1) انظر ((أعلام الموقعين)) ج 3 ص 121- 140.

-248-

ياسمين الجزائر
2016-10-04, 10:56 PM
انقضائها .
1- نهى النبي ﷺعن الجمع بين سلف وبيع ، لئلا يكون اقترانهما ذريعة إلى الربا .
2- منع الشارع ولي الأمر أو القاضي من قبول الهدية ممن لم تجر عادته بمهاداته ، لئلا يكون الإهداء ذريعة إلى محاباته بالباطل .
3- توريث مطلقة الفارّ منه ، لئلا يكون الطلاق ذريعة إلى حرمانها من الميراث . وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء ، وأساسه ما أفتى به بعض مجتهدي الصحابة . وما ذهب إليه هؤلاء يعتمد على أصل سد الذراع المشهود له بالصحة بنصوص القرآن والسنة .
4- أمر النبي ﷺ الملتقط أن يشهد على اللقطة مع أنه أمين سداً لذريعة كتمانها بدافع الطمع .
5- نهى الشارع أن يخطب الرجل على خطبة أخيه ، أو يستام على سوم أخيه ، أو يبيع على بيع أخيه ، سداً لذريعة التباغض والتباعد .
10- نهى الشارع عن الاحتكار وقال عن صاحبه : ((لا يحتكر إلا خاطئ)) لأنه ذريعة إلى مفسدة التضييق على الناس في أقواتهم.
11- منع الشارع المتصدق من شراء صدقته «أي زكاته» و لو وجدها تباع في السوق سداً لذريعة استردادها من الفقير بثمن بخس.
12- نهى الشارع الدائن عن قبول الهدية من مدينه ، حتى يحسبها من دينه .


233- فهذه الأدلة وغيرها تنهض حجة كافية لاعتبار (سد الذرائع) دليلاً من أدلة الأحكام . والذين لم يعتبروه أصلاً من أصول التشريع أخذوا بمقتضاه في بعض اجتهاداتهم ، باعتباره داخلاً في أصل آخر أو قاعدة أخرى .
من ذلك ما ذهب إليه الظاهرية من بطلان بيع السلاح لمن يتيقن عدوانه به على الآمنين ، وبطلان بيع العنب لمن يوقن أنه يعصره خمراً ، لأن هذا الصنيع من التعاون على الإثم ، وهذا لا يجوز لقوله تعالى : ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا
-249-

#ff0000
عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [ المائدة:2 ] (1).
والحنفية أخذوا بتوريث مطلقة الفارّ منه باعتباره مذهباً لصحابي لم يعرف له مخالف وهكذا .
وعل هذا فالمالكية لم ينفردوا بالأخذ بسد الذرائع كما قيل عنهم ، وإنما أخذوا بهذا الأصل أكثر من غيرهم ، وفي هذا يقول الفقيه القرافي المالكي : (( و أما الذرائع، فقد أجمع العلماء على أنها ثلاثة أقسام : أحدهما : معتبر إجماعاً ، كحفر الآبار في طرق المسلمين ، وإلقاء السم في أطعمتهم ، وسب الأصنام عند من يعلم من حاله أنه يسب الله تعالى . وثانيهما : ملغى إجماعاً ، كزراعة العنب فإنه لا يمنع خشية الخمر.
وثالثهما : مختلف فيه ، كبيوع الآجال . اعتبرنا نحن الذريعة فيها ، وخالفنا غيرنا .
فحاصل القضية أننا قلنا بسد الذرائع أكثر من غيرنا ، لا أنها خاصة بنا))(2) ولكن مع هذا يبقى المالكية والحنابلة منفردين في اعتبار سد الذرائع أصلاً مستقلاً من أصول الأحكام ، وبالتالي يكونون أكثر من غيرهم أخذاً بها ، وبناء الأحكام القائمة على هذا الأصل .
234- سد الذرائع ، والمصالح المرسلة :
أصل سد الذرائع يؤكد أصل المصالح ، و يوثقه ويشد أزره ، لأنه يمنع الأسباب والوسائل المفضية إلى المفاسد ، وهذا وجه أكيد من وجوه المصلحة ، فهر إذن متمم لأصل المصلحة ومكمل له ، بل وقد تعتبر بعض صور سد الذرائع من صور المصالح المرسلة . ولهذا نرى من أخد بمبدأ المصلحة ، وحمل لواءه ، وهم المالكية ومن تابعهم أخذوا أيضاً بالذرائع فقالوا بسدها إذا أدت إلى مفسدة، و بفتحها إذا أدت إلى مصلحة راجحة ، ولو كانت الوسيلة بذاتها محرمة . ولذلك أجازوا للدولة الإسلامية أن تدفع مالاً لدولة العدو اتقاء لشرها إذا كانت الدولة
_________________________
(1) (( المحلى)) ج 9 ص 348.
(2) ((تنقيح الفصول)) للقرافي ص 200 ، من هامش ص 416 من كتاب ((مالك)) لأستاذنا أبو زهرة.


-250-

ياسمين الجزائر
2016-10-04, 11:14 PM
الإسلامية ضعيفة . وقالوا بجواز دفع المال على سبيل الرشوة إذا تعينت طريقاً لدفع ظلم أو معصية ، ضررها أشد من ضرر دفع المال . وقالوا بجواز دفع المال للدولة المحاربة فداء للأسرى من المسلمين ، مع أن دفع المال للدولة المحاربة لا يجوز، ولكنه جاز هنا لدفع ضرر أكبر أو لجلب مصلحة أكبر(1).










________________________

(1) ((الفروق)) للقرافي ج 2 ص 32-33.



-251-



#ff0000
الفصل الثامن
الدليل الثامن
العرف

235- تعريفه:

العرف : هوما ألفه المجتمع و اعتاده وسار عليه في حياته من قول أو فعل .

وهو والعادة بمعنى واحد عند الفقهاء ، فقولهم : هذا ثابت بالعرف والعادة لا يعني أن العادة عندهم غير العرف، و إنما هي نفسه ، وإنما ذكرت للتأكيد لا للتأسيس .

والعرف ، كما يتضح من تعريفه ، قد يكون قولياً أو عملياً ، وقد يكون عاماً أو خاصاً ، وهو بجميع هذه الأنواع قد يكون صحيحاً أو فاسداً.

236- فالعرف العملي: هوما اعتاده الناس من أعمال ، كالبيع بالتعاطي، وتقسيم المهر إلى معجل ومؤجل ، ودخول الحمامات العامة بدون تعيين مدة المكث فيها ، ولا مقدار الماء المستهلك، واستصناع الأواني البيتية والأحذية ، و اعتبار تقديم الطعام للضيف إذناً له بالتناول منه ، و نحو ذلك.

والعرف القولي : هوما تعارف عليه الناس في بعض ألفاظهم ، بأن يريدوا بها معنى معيناً غير المعنى الموضوع لها ، كتعارفهم إطلاق لفظ الولد على الذكر دون الانثى ، وإطلاق اسم اللحم على غير السمك ، وإطلاق اسم الدابة على ذوات الأربع من الحيوانات ، مع أن هذا اللفظ في أصل وضعه اسم لما يدب على الأرض.



-252-



#ff0000
والعرف بنوعيه العملي والقولي ، قد يكون عاماً، إذا شاع وفشا في جميع البلاد الإسلامية ، وسار عليه جميع الناس في هذه البلاد . والخاص ما شاع في قطر دون قطر أو بين أرباب حرفة معينة أو صنعة معينة .
فمن العرف العملي الخاص في العراق: تقسيم المهر إلى معجل ومؤجل، وإعطاء علاوة على المبيع إلى المشتري عند شرائه البرتقال في بعض مناطق محافظة ديالى.
ومن العرف القولي العام : اطلاقه لفظ الدابة على ذوات الأربع ، ولا يطلقونها على الإنسان . وتعارفهم على استعمال لفظ الطلاق على إزالة الرابطة الزوجية . ومن العرف القولي الخاص : الألفاظ التي اصطلح عليها أهل العلوم وأصحاب الحرف والصناعات التي يريدون بها عند إطلاقها المعاني الاصطلاحية، دون معانيها اللغوية .
237- والعرف الصحيح ما لا يخالف نصاً من نصوص الشريعة ، ولا يفوت مصلحة معتبرة ، ولا يجلب مصلحة راجحة ، كتعارف الناس على أن ما يقدمه الخاطب إلى مخطوبته من ثياب و نحوها يعتبر هدية ولا يدخل في المهر . و كتعارفهم عند عقد المهر على دعوة جمهور من الناس و تقديم الحلوى إليهم. و كتعارف أهل بغداد قبل خمسين سنة على قيام أصحاب البيوت بتقديم الغداء إلى من يشتغل عندهم من عمال البناء ، وكذلك تعارف أصحاب المقاهي على تقديم الغداء والعشاء إلى صناعهم . و كتعارف الناس في العراق على أن المهر المؤجل لا يستحق ، ولا يطالب به، إلا بعد الفرقة بالطلاق أو الموت.
والعرف الفاسد : ما كان مخالفاً لنص الشارع ، أو يجلب ضرراً ، أو يدفع مصلحة ، كتعارف الناس استعمال العقود الباطلة كالاستقراض بالربا، من المصارف ، أو من الأفراد ، ومثل اعتيادهم الميسر « كاليناصيب، وسباق الخيل والورق، و النرد» ونحو ذلك .


-253-




#ff0000
238- حجية العرف :

اعتبر العلماء العرف أصلاً من أصول الاستنباط تبنى عليه الأحكام . ومن أقوالهم الدالة على حجية العرف : «العادة محكمة» و « المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً»

وأراد بعضهم(1) الاستدلال بقوله تعالى : : ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ﴾ [الأعراف:199 ] على حجية العرف وكونه دليلاً معتبراً في الشرع ، ولكن هذه الحجة ضعيفة ، لأن العرف في الآية هو المعروف ، وهو ما عرف حسنه ، ووجب فعله ، وهو كل ما أمرت به الشريعة . واحتج البعض(2) بالحديث المروي عن النبي ﷺ : «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسنٌ» عل حجية العرف، وهذا الاستدلال ضعيف ، فقد قال غير واحد من العلماء : أنه موقوف على ابن مسعود ودلالته تشير إلى حجية الإجماع لا العرف(3)، إلا إذا كان مستند الإجماع عرفاً صحيحاً، فتكون دلالة هذا الأثر قاصرة عل نوع من أنواع العرف لا على مطلق العرف .

والحق ، أن العرف معتبر في الشرع ، ويصح ابتناء الأحكام عليه ، وهو في الحقيقة ليس بدليل مستقل ، ولكنه يرجع إلى أدلة الشريعة المعتبرة ، والدليل عل ما نقوله من وجوه عديدة منها :
أولاً: وجدنا الشارع الحكيم يراعي أعراف العرب الصالحة ، من ذلك : إقراره أنواع المتاجرات والمشاركات الصحيحة عندهم كالمضاربة ، والبيوع و الإجارات الخالية من المفاسد(4) .ووجدناه يستثني السلم ، لجريان، عرف
_________________________
(1) ((الفروق)) للقرافي ج 3 ص 149.
(2) الكاساني في ""بدائع الصنائع" ج 5 ص 223 ، و " المبسوط" للسرخسي ج 12 ص 138.
(3) الآمدي ج 3 ص 112.
(4) أنظر "شرح الكنز" للزيلعي إذ يقول في جزء 5 ص 52: فإن الناس في عهد النبي ﷺ كانوا يتعاملون المضاربة فتركهم عليها .

-254-

ياسمين الجزائر
2016-10-04, 11:33 PM
أهل المدينة به ، من عموم نهيه عن بيع الإنسان ما ليس عنده . و نهى عن بيع التمر بالتمر ، ورخص في العرايا ، وهي بيع الرطب على رؤوس النخل بمثله من التمر، خرصاً، أي تخميناً ، لتعارفهم هذا النوع من البيع وحاجتهم إليه. فدلت هذه التصرفات من الشارع الحكيم على رعاية العرف الصالح الذي استقرت عليه معاملات الناس . أما العرف الفاسد، فقد رأيناه لا يرعاه بل يأتي عليه بالإبطال والإلغاء ، كما فعل في التبني، وهومن عادات الجاهلية ، وكما فعل في عدم توريثهم النساء إذ ألغاه وجعل للنساء نصيباً مفروضاً من الميراث.


ثانياً: إن العرف في حقيقته يرجع إلى دليل من أدلة الشرع المعتبرة ، كالإجماع والمصلحة المرسلة ، والذرائع . فمن العرف الراجع إلى الإجماع : الاستصناع ، ودخول الحمامات ، فقد جرى العرف بهما بلا إنكار فيكون من قبيل الإجماع ، والإجماع معتبر. ومن العرف ما يرجع إلى المصلحة المرسلة ، لأن العرف له سلطان على النفوس فمراعاته ، من باب التسهيل عليهم ، ورفع الحرج عنهم ، ما دام العرف صالحاً لا فاسداً .

كما أن في تحويلهم عن العرف مشقة و حرجاً ، و الحرج مرفوع لأنه مفسدة، وقد أشار إلى هذا المعنى السرخسي في "مبسوطه" إذ يقول: (( ... لأن الثابت في العرف ثابت بدليل شرعي ، ولأن في النزوع عن العادة الظاهرة حرجاً بيناً ))(1) .


ثالثاً: احتجاج الفقهاء بالعرف ، في مختلف العصور، و اعتبارهم إياه في اجتهادهم، دليل على صحة اعتباره ، لأن عملهم به ينزل منزلة الإجماع السكوتي، فضلاً عن تصريح بعضهم به ، وسكوت الآخرين عنه ، فيكون اعتباره ثابتاً بالإجماع .

239- شروط اعتبار العرف لبناء الأحكام عليه :

_______________________

(1) ((المبسوط)) ج 13 ص 14.

-255-

#ff0000
يشترط في العرف لاعتباره ، وبناء الأحكام عليه ، ما يأتي:
أولاً : أن لا يكون مخالفاً للنص ، بأن يكون عرفاً صحيحاً ، كما في الأمثلة التي ضربناها للعرف الصالح . ومثله أيضاً : تعارف الناس على أن الوديع مأذون بتسليم الوديعة إلى من جرت العادة بجواز التسليم إليه كزوجة المودع وأولاده وخادمه . ومثله: وقف المنقول ، والشروط المقترنة بالعقود التي يقضي بها العرف الصحيح. فإن كان مخالفاً للنص فلا عبرة به ، كالتعامل بالربا ، وإدارة الخمور في الولائم ، وكشف العورات ، فهذا ونحوه غير معتبر بلا خلاف(1).
والمقصود بالعرف المخالف للنص ، ما كان مخالفاً له له من كل وجه بحيث يترتب على الأخذ به إبطال العمل بالنص بالكلية ، كما في الأمثلة التي ضربناها .
أما إذا لم يكن بهذه الكيفية فلا يعد مخالفاً للنص ، فيعمل به في دائرته، ويعمل بالنص فيما عدا ما قضى به العرف ، كما في عقد الاستصناع ، فهو في الحقيقة بيع معدوم ، و بيع المعدوم في الشريعة لا يجوز، ولكن جاز الاستصناع لتعامل الناس بدون إنكار، فيعمل به للعرف ، ويمنع ما عداه آخذاً بقاعدة بيع المعدوم لا يجوز .
ثانياً: أن يكون مطرداً أو غالباً. ومعنى الاطراد : أن تكون العادة كلية ، بمعنى أنها لا تتخلف، و قد يعبر عنها بالعموم ، أي يكون العرف مستفيضاً شائعاً بين أهله، معروفاً عندهم ، معمولاً به من قبلهم . ومعنى الغلبة : أن تكون أكثرية ، بمعنى أنها لا تتخلف إلا قليلاً.
والغلبة أو الاطراد ، إنما يعتبران إذا وجدا عند أهل العرف ، لا في الكتب الفقهية لاحتمال تغيرها .
ثالثاً: أن يكون العرف الذي يحمل عليه التصرف موجوداً وقت إنشائه بأن يكون حدوث العرف سابقاً على وقت التصرف ، ثم يستمر إلى زمانه فيقارنه.



______________________
(1) جاء في ((المبسوط)) ج 12 ص 196 : و كل عرف ورد النص بخلافه فهو غير معتبر.

-256-



#ff0000

وعلى هذا يجب تفسير حجج الأوقاف والوصايا والبيوع ووثائق الزواج ، وما يرد فيها من شروط واصطلاحات على عرف المتصرفين الذي كان موجوداً في زمانهم ، لا على عرف حادث بعدهم . قلو وقف شخص غلة عقاره على العلماء أو على طلبة العلم ، وكان العرف القائم وقت الوقف يصرف معنى العلماء إلى من له خبرة في أمور الدين دون شرط آخر، وأن المقصود بطلبة العلم ، طلبة العلم الديني ، فإن غلة الوقف تصرف إلى هؤلاء العلماء دون اشتراط حصول الشهادة، إذا صار العرف الطارئ يستلزم الشهادة، كما يصرف إلى طلبة العلم الديني دون غيرهم، وإن كان العرف الطارئ يعنيهم وغيرهم .
رابعاً: أن لا يوجد قول أو عمل يفيد عكس مضمونه ، كما إذا كان العرف في السوق تقسيط الثمن واتفق العاقدان صراحة عل الأداء ، أو كان العرف أن مصاريف التصدير على المشتري ، واتفقا على أن تكون على البائع ، أو كان العرف أن مصاريف تسجيل العقار في الطابو على المشتري ، واتفق الطرفان عل جعلها على البائع . والقاعدة هنا ((ما يثبت بالعرف بدون ذكر، لا يثبت إذا نص على خلافه))(1).
240- العرف مرجع لتطبيق الأحكام :
ويعتبر العرف أيضاً مرجعاً لتطبيق الأحكام على الحوادث و الوقائع الجزئية، من ذلك أن العدالة شرط لقبول الشهادة استدلالاً بقوله تعالى : : ﴿ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق:2 ]، والعدالة عند الفقهاء : ملكة تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة . فما يخل بالمروءة يعتبر قادحاً بالعدالة، وما يخل بها يختلف باختلاف الزمان والمكان ، ومن ذلك ما ذكره الشاطبي إذ يقول : ((مثل كشف الرأس ، فإنه يختلف بحسب البقاع في الواقع ، فهو لذوي المروءات قبيح في البلاد المشرقية ، وغير قبيح في البلاد المغربية ، فالحكم الشرعي يختلف باختلاف ذلك، فيكون عند أهل المشرق قادحاً في العدالة ، وعند أهل المغرب غير قادح)).

____________________
(1) ((القواعد)) للعز بن عبد السلام ج 2 ص 178.


-257-


#ff0000
وكذلك عند تطبيق الحكم الوارد في النص القرآني : ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة:233 ]. يرجع إلى العرف لتقدير النفقة ، لأن النص لم يبين مقدارها .
قال الإمام الجصاص في كتابه ((أحكام القرآن)) ما نصه : ((فإذا اشتطت المرأة وطلبت من النفقة أكثر من المعتاد لمثلها ، لم تعط .. وكذلك إن قصر الزوج عن مقدار نفقة مثلها في العرف والعادة لم يحل ذلك ويجبر على نفقة مثلها))(1).
وهكذا ما أوجبه الشارع ولم يحدد مقداره ، يصار إلى العرف لتقديره .
241- تغيير الأحكام بتغير الأزمان :
الأحكام المبنية على العرف والعادة ، تتغير إذا تغيرت العادة ، وهذا هو المقصود من قول الفقهاء : لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان ، وفي هذا يقول الإمام باب الدين القرافي (( إن الأحكام المترتبة على العوائد تدور معها كيفما دارت ، وتبطل معها إذا بطلت ، كالنقود في المعاملات ، والعيوب في الأعواض في البياعات ونحو ذلك، فلو تغيرت العادة في النقد والسكة إلى سكة أخرى، لحمل الثمن في البيع على السكة التي تجددت العادة بها دون ما قبلها . و كذلك إذا كان الشيء عيباً في الثياب في عادة رددنا به المبيع ، فإذا تغيرت العادة وصار ذلك المكروه محبوباً موجباً لزيادة الثمن لم ترد به . وبهذا القانون تعتبر جميع الأحكام المترتبة على العوائد ، وهو تحقيق مجمع عليه بين العلماء .. وعلى هذا القانون تراعى الفتاوي على طول الأيام ، فمهما تجدد العرف فاعتبره. ومهما سقط فأسقطه ))(2).
وعلى هذا الأساس اختلفت الأحكام ، من ذلك ما ذهب إليه أبو حنيفة من الاكتفاء بالعدالة الظاهرة، فلم يشترط تزكية الشهود فيما عدا الحدود والقصاص لغلبة الصلاح على الناس وتعاملهم بالصدق ، ولكن في زمان ر أبي يوسف ومحمد كثر الكذب . فصار في الأخذ بظاهر العدالة مفسدة وضياع الحقوق ، فقالا بلزوم تزكية الشهود . وقال الفقهاء عن هذا الاختلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه : إنه اختلاف عصر وزمان ، لا اختلاف حجة وبرهان . و مثله أيضاً: سقوط خيار الرؤية برؤية ظاهر
______________________
(1) الجصاص ج 1 ص 478.
(2) القرافي ج 1 ص 176، ((اعلام الموقعين)) ج 3 ص 9.



-258-

ياسمين الجزائر
2016-10-04, 11:41 PM
البيت و بعض حجره ، وهذا ما أفتى به أئمة الحنفية لأن الحجر كانت تبنى على نمط واحد ، ولكن لما تغيرت عادة الناس في البناء أفتى متأخروهم بعدم سقوط خيار الرؤية إلا برؤية جميع حجر البيت . ومثله أيضاً: أخذ الأجرة على تعليم القرآن على ما أفتى به متأخرو الفقهاء ، لآن العادة قد تبدلت ، إذا كان الأمر في السابق تخصيص العطاء لهؤلاء المعلمين من بيت المال، فلما انقطع، افتى المتأخرون بجواز أخذ الأجرة لئلا يهجر القرآن و يندرس . و مثله: أن النبي ﷺ فرض صدقة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من زبيب ، أو صاعاً من أقط ، وهذه كانت غالب أقواتهم في المدينة ، فإذا تبدلت الأقوات أعطي الصاع من الأقوات الجديدة(1).
242- وهذا التغير في الأحكام لا يتناول إلا الأحكام المبنية على العرف كما قلنا ، فلا يتناول الأحكام القطعية التي جاءت بها الشريعة . كما أن هذا التغير لا يعد نسخاً للشريعة ، لأن الحكم باق ، وإنما لم تتوافر له شروط التطبيق ، فطبق غيره.
يوضحه أن العادة إذا تغيرت ، فمعنى ذلك : أن حالة جديدة قد طرأت تستلزم تطبيق حكم آخر، أو أن الحكم الأصلي باق ولكن تغير العادة استلزم توافر شروط معينة لتطبيقه ، فالشرط في الشهود العدالة ، والعدالة الظاهرة كانت كافية لتحققها، فلما كثر الكذب استلزم هذا الشرط التزكية .
وفي هذا يقول الشاطبي : (( معنى الاختلاف : أن العوائد إذا اختلفت رجعت كل عادة إلى أصل شرعي ، يحكم به عليها))(2).
________________________
(1) ((أعلام الموقعين)) ج 3 ص 9.
(2) ((الموافقات)) ج 2 ص 286.



-259-

#ff0000
الفصل التاسع


الدليل التاسع

قول الصحابي

243- تمهيد:
الصحابي عند جمهور علماء الأصول: من شاهد النبي ﷺ وآمن به، ولازمه مدة تكفي لإطلاق كلمة الصاحب عليه عرفاً ، مثل الخلفاء الراشدين ، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وغيرهم ممن آمن بالنبي ﷺ ونصره، وسمع منه، واهتدى بهديه.
وبعد وفاة النبي ﷺ قام أصحابه الكرام - ممن عرفوا بالعلم والفقه بالإفتاء والقضاء بين الناس ، وقد نقلت إلينا فتاواهم و أقضيتهم . فهل يصح أن نعتبر هذه الفتاوى والأقضية مصدراً من مصادر الفقه يلتزم بها المجتهد، ولا يتعداها إذا لم يجد للمسألة حكماً، لا في الكتاب ، ولا في السنة ، ولافي الإجماع؟ هذا ما اختلف فيه العلماء .
244- محل الخلاف :
ومحل اختلاف العلماء في حجية قول الصحابي ليس على إطلاقه، بل فيه تفصيل: - أولاً: قول الصحابي فيما لا يدرك بالرأي والاجتهاد، حجة عند العلماء، لأنه محمول على السماع من النبي ﷺ فيكون من قبيل السنة ، والسنة مصدر للتشريع .
وقد مثل الحنفية لهذا النوع ، بما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال : إن



-260-

ياسمين الجزائر
2016-10-09, 09:14 PM
أقل الحيض ثلاثة أيام . وبما ثبت عندهم من قول بعض الصحابة في أن أقل المهر عشرة دراهم .
ثانياً: قول الصحابي الذي حصل عليه الاتفاق يعتبر حجة شرعية ، لأنه يكون إجماعاً . وكذلك قول الصحابي الذي لا يعرف له مخالف يكون من قبيل الإجماع السكوتي ، وهو أيضاً حجة شرعية عند القائلين بالإجماع السكوتي.
ثالثاً: قول الصحابي لا يعتبر حجة ملزمة عل صحابي مثله ، فقد رأينا الصحابة يختلقون فيما بينهم ، ولم يلزم أحدهم الآخر بما ذهب إليه .
رابعاً: قول الصحابي الصادر عن رأي واجتهاد . وهذا هو الذي حصل فيه اختلاف ، هل يكون حجة على من جاء بعدهم أم لا؟(1).

245- ذهب بعض العلماء إلى أنه حجة شرعية ، وعلى المجتهد أن يأخذ بقول الصحابي إذا لم يجد الحكم في الكتاب ولا في السنة ولا في الإجماع . وإذا اختلف
الصحابة، فعليه أن يتخير من أقوالهم.

وذهب البعض الآخر من العلماء إلى أنه ليس بحجة شرعية ، و لا يلزم المجتهد أن يأخذ بقول الصحابي ، بل علمه أن يأخذ بمقتضى الدليل الشرعي.

احتج الأولون بأن احتمال الصواب في اجتهاد الصحابي كثير جداً ، واحتمال الخطأ قليل جداً. لأن الصحابي شاهد التنزيل ووقف على حكمة التشريع وأسباب النزول ، ولازم النبي ﷺ ملازمة طويلة أكسبته معرفة بالشريعة ، و ذوقاً لمعانيها، وكل هذا يجعل لآرائهم منزلة أكبر من آراء غيرهم ، و يجعل اجتهادهم أقرب إلى الصواب من اجتهاد غيرهم.

واحتج الآخرون بأننا ملزمون باتباع الكتاب والسنة ، وما أرشدت إليه نصوصهما من أدلة ، وليس قول الصحابي واحداً منها ، والاجتهاد بالرأي عرضة للخطأ و الصواب ، لا فرق في هذا بين صحابي وغيره ، وإن كان احتمال الخطأ
______________________
(1) ((شرح مسلم الثبوت)) ج 2 ص 185 و ما بعدها.




-261-

#ff0000
بالنسبة للصحابي أقل.و الذي نرجحه: أن قول الصحابي ليس حجة ملزمة، و لكن نميل إلى الاخذ به حيث لا نص في الكتاب ولا في السنة ولا في الإجماع ، ولا يوجد في المسألة دليل آخر معتبر. ففي هذه الحالة نرى أن الأخذ بقول الصحابي أولى .








-262-


#ff0000
الفصل العاشر
الدليل العاشر
شرع من قبلنا


المقصود بشرع من قبلنا:

246- المقصود بشرع من قبلنا : الأحكام التي شرعها الله تعالى لمن سبقنا من الأمم ، وأنزلها على أنبيائه و رسله لتبليغها لتلك الأمم .

وقد اختلف العلماء في علاقتها بشريعتنا ومدى حجيتها بالنسبة إلينا . وقبل ذكر أقوالهم، لابد من بيان موضع الخلاف، لأن شرع من قبلنا أنواع: منها المتفق على حجيته بالنسبة إلينا ، ومنها المتفق على نسخه في حقنا، ومنها ما هو مختلف فيه .

أنواع شرع من قبلنا:

247- النوع الأول : أحكام جاءت في القرآن أو في السنة ، وقام الدليل في شريعتنا على أنها مفروضة علينا كما كانت مفروضة على من سبقنا من الأمم و الأقوام.

وهذا النوع من الأحكام لا خلاف في أنه شرع لنا، ومصدر شرعيته وحجيته بالنسبة إلينا هو نفس نصوص شريعتنا، من ذلك: فريضة الصيام، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة:183]

-263-



#ff0000
248- النوع الثاني : أحكام قصها الله في قرآنه، أو بينها الرسول ﷺ لي سنته ، و قام الدليل من شريعتنا على نسخها في حقنا ، أي أنها خاصة بالأمم السابقة فهذا النوع لا خلاف في أنه غير مشروع في حقنا . من ذلك : ما جاء في قوله تعالى : ﴿ قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ۖ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ۚ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: 146،145] و قول النبي ﷺ : ((و أحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي)). فالآية دلت على تحريم أشياء لم تحرم علينا بل أحلت لنا. و الحديث دل على حل الغنائم للمسلمين، و ما كانت حلالاً للأمم السابقة.

249- النوع الثالث: أحكام لم يرد لها ذكر في كتابنا ، ولا في سنة نبينا ﷺ .

وهذا النوع لا يكون شرعاً لنا بلا خلاف بين العلماء.

250- النوع الرابع : أحكام جاءت بها نصوص الكتاب أو السنة ، ولم يقم دليل من سياق هذه النصوص على بقاء الحكم أو عدم بقائه بالنسبة لنا ، مثل قوله تعالى : ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ﴾ [المائدة:45 ]فهذا النوع هو الذي وقع الخلاف له ، و اختلف في حجيته بالنسبة إلينا.

فذهب بعض العلماء كالحنفية إلى حجيته، وأنه يعتبر كجزء من شريعتنا . و ذهب الآخرون إلى أنه ليس بشرع لنا. و استدل كل فريق بجملة أدلة تأييداً لمذهبه(1).

‎ ________________________

(1) أنظر ((المستصفى)) ص 132 و ما بعدها. و الآمدي ج 4 ص 186 و ما بعدها. و شرح مسلم الثبوت ج 2 ص 184- 185 ((المسوّدة)) ص 193، ((الإحكام)) لابن حزم ج 5 ص 724، ((التلويح و التوضيح)) ج 2 ص 16.



-264-

ياسمين الجزائر
2016-10-09, 09:30 PM
‎ 251- والحق إن هذا الخلاف غير مهم، لأنه لا يترتب عليه اختلاف في العمل ، فما من حكم من أحكام الشرائع السابقة ، قصه الله تعالى علينا، أو بينه الرسول ﷺ لنا ، إلا وفي شريعتنا ما يدل على نسخه أو بقائه في حقنا ، سواء جاء دليل الإبقاء أو النسخ في سياق النص الذي حكى لنا حكم الشرائع السابقة ، أو جاء ذلك الدليل في مكان آخر من نصوص الكتاب والسنة .
و نذكر هنا ، تأييداً لقولنا، ثبوت أحكام الآية السابقة في حقنا ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ... ﴾ الخ بدلائل من شريعتنا ، لأن بعض الناس يدّعي أن القصاص في الجروح والأعضاء، ليس شرعاً لنا، و إنما هو شرع من قبلنا فلا يلزمنا، وهذا وهم محض لا يقوم على حجة أو برهان. فلا خلاف بين العلماء في أن أحكام هذه الآية ثابتة في حقنا ، وأنها جزء من شريعتنا، و من يطلع على كتب الفقهاء من مختلف المدارس الفقهية يجد باباً خاصاً للقصاص في النفس وفي ما دون النفس ، فهو حكم ثابت في حقنا بلا خلاف.
قال الشافعي في صدد هذه الآية : (( ذَكَر الله تعالى ما فرض على أهل التوراة فقال: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ... ﴾ الخ الآية. و لم أعلم خلافاً في أن القصاص في هذه الأمة كما حكى الله عز و جل أنه حكم بين أهل التوراة. و لم أعلم خلافاً في أن القصاص بين الحرين المسلمين في النفس وما دونها من الجراح التي يستطاع فيها القصاص بلا تلف يخاف على المستفاد منه من موضع القود))(1).
و جاء في المغني لابن قدامة : (( وأجمع المسلمون على جريان القصاص فيما دون النفس إذا أمكن))(2).
وحكى ابن كثير في تفسيره الإجماع أيضاً على العمل بموجب الآية(3).
______________
(1) ((أحكام القرآن)) للشافعي ج 1 ص 280-821.
(2) ((المغني)) ج 7 ص 702- 703.
(3) ((تفسير)) ابن كثير ج 2 ص 62.



-265-

#ff0000

فأحكام هذه الآية معمول بها في حقنا على رأي كلا الفريقين القائلين بشرع من قبلنا ، والمخالفين لهم في ذلك . الأولون يحتجون بها وفقاً لمذهبهم، والآخرون يحتجون بها ، لأن الدلائل من شريعتنا قامت على شرعيتها بالنسبة إلينا . ومن هذه الدلائل :
أولاً: قوله تعالى : ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:178 ] وفي السنة : (( و العًمْدُ قَوَدٌ إلا أن يعفُو وَلِيُّ القَتِيل))، وفي حديث آخر : (( من قُتِلَ له قتيل فهو بخير النظرين : إما أن يفتدي ، وإما أن يقتل)) فهذه النصوص تدل بصراحة على وجوب القصاص في القتل العمد . والقصاص في القتل بعض ما جاءت به الآية التي نحن بصدد الكلام عنها .
ثانياً: قضى النبي ﷺ بالقصاص في الجروح(1)، وفي السن ، ولكن المجني عليه عفا عن القصاص(2).
ثالثاً: وعن النبي ﷺ ، أنه قال : ((من أصيب بدم أو خبل - أي جراج فهو بالخيار بين إحدى ثلاث : إما أن يقتص أو يأخذ العقل - أي الدية - أو يعفو))(3).
رابعاً: قال تعالى : ﴿ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:194 ]. وقال العلماء : إن هذه الآية يندرج فيها القصاص في النفس وفيما دون النفس الواردة في الآية: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾(4).
ومن هذا كله يتبين أن أحكام آية القصاص التي شرعت لمن كان قبلنا ، ثابته في حقنا أيضاً بالدلائل التي جاءت في شريعتنا .
______________________________
(1) ((أقضية الرسول ﷺ )) للشيخ عبدالله بن محمد بن فرج ص 9.
(2) المرجع السابق ص 13.
(3) ((نيل الاوطار)) للشوكاني ج 7 ص 7 .
(4) ((الآمدي)) ج 4 ص 119، (( المستصفى)) للغزالي ج 1 ص 134-135.


-266-
#ff0000
الفصل الحادي عشر
الدليل الحادي عشر
الاستصحاب
تعريفه:
252- الاستصحاب في اللغة : طلب المصاحبة واستمرارها . وفي الاصطلاح : استدامة إثبات ما كان ثابتاً ، أو نفي ما كان منفياً(1). أو هو : بقاء الأمر على ما كان عليه ما لم يوجد ما يغيره(2). فما علم وجوده في الماضي ثم حصل تردد في زواله ، حكمنا ببقائه استصحاباً لوجوده السابق . وما علم عدمه في الماضي ثم حصل تردد في وجوده ، حكمنا باستمرار عدمه استصحاباً لعدمه السابق.

وعلى هذا ، من علمت حياته في وقت معين حكمنا باستمرار حياته حتى يقوم الدليل على وفاته .. ومن تزوج امرأة على أنها بكر ثم ادّعى الثيوبة بعد الدخول فلا يقبل قوله بلا بينة ، استصحاباً لوجود البكارة ، لأنها هي الأصل منذ النشأة الأولى .
ومن اشترى كلباً عل أنه من ((كلاب البوليس)) التي تحسن تتبع الآثار، وتساعد على كشف الجريمة ، أو اشتراه على أنه كلب صيد ، فادعى فوات الوصف، فالقول قوله إلا ثبت خلافه -، استصحاباً للعدم السابق ، لأن الأصل عدم هذا الوصف ، وإنما يستفاد بالمران والتدريب .
_______________________
(1) ((أعلام الموقعين)) ج 1 ص 294.
(2) الشوكاني ص 20.



-267-
#ff0000
253- أنواع الاستصحاب :
أولاً: استصحاب حكم الإباحة الأصلية للأشياء(1).
الأشياء النافعة من طعام أو شراب أو حيوان أو نبات أو جماد ، ولا يوجد دليل على تحريمها ، هي مباحة لان الإباحة هي الحكم الأصلي لموجودات الكون وإنما يحرم ما يحرم منها بدليل من الشارع لمضرتها .
والدليل على أن الحكم الأصلي للأشياء النافعة هو الإباحة ، قوله تعالى ممتنا على عباده ﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ [الجاثية:13 ]. و قوله تعالى : ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ﴾ [البقرة:29 ].
ولا يتم الامتنان ولا يكون التسخير إلا إذا كان الانتفاع بهذه المخلوقات مباحاً. أما الاشياء الضارة فالأصل فيها التحريم لقوله ﷺ : ((لا ضَرَرَ ولا ضِرَار)).
ثانياً: استصحاب البراءة الأصلية أو العدم الأصلي :
فذمة الإنسان غير مشغولة بحق ما إلا إذا قام الدليل على ذلك، فمن ادعى على آخر حقاً ، فعليه الإثبات ، لأن الأصل في المدعى عليه البراءة من المدعى به . وإذا ادعى المضارب عدم الربح فالقول قوله ، لأن الأصل عدم الربح ، فيستصحب هذا العدم ، إلا إذا ثبت خلافه.

ثالثاً: استصحاب الوصف المثبت للحكم الشرعي حتى يقوم الدليل على خلافه :
فمن ثبتت ملكيته لعقار أو منقول ، تبقى هذه الملكية ونحكم بها إلا إذا قام الدليل على زوالها كأن يبيعه أو يقفه أو يهبه .. وشغل الذمة بدين عند وجود سببه من التزام بمال أو إتلاف المال، يبقى قائماً ثابتاً ، إلا إذا وجد المغير، أي إلا إذا قام الدليل عل تفريغ الذمة منه بأداء أو إبراء ... و ثبوت الحل بين
_________________________
(1) ((لطائف الإشارات)) ص 55-56.

-268-

ياسمين الجزائر
2016-10-09, 09:48 PM
الزوجين بسبب عقد النكاح يبقى قائماً حتى يوجد الدليل على حصول الفرقة ... و وهكذا.

254- حجية الاستصحاب:

الاستصحاب عند الحنفية ومن وافقهم حجة لإبقاء ما كان على ما كان ، ودفع ما يخالفه ، وهذا هو معنى قولهم : الاستصحاب حجة في الدفع لا في الإثبات . وعند غيرهم ، كالحنابلة و الشافعية ، حجة للدفع ، و للإثبات، أي لثبوت الحكم السابق، وتقريره كأنه ثابت بدليل جديد حاضر. لأن الاستصحاب يستلزم الظن الراجح ببقاء الشيء على ما كان عليه ، والظن الراجح معتبر في الأحكام الشرعية العملية .

وتفرع على هذا الخلاف ، خلافهم في المفقود ، فهو عند الحنفية حي استصحاباً فيأخذ حكم الأحياء بالنسبة لأمواله وحقوقه القائمة وقت فقده ، فلا تورث عنه ، ولا تبين منه زوجته ، ولكن حياته هذه لا تصلح لاكتساب حق جديد أي لإثبات أمر لم يكن للمفقود وقت فقده ، فلا يرث من مورثه إذ مات قبله بمعنى لا يستحق قيمة المطالبة بتسليم نصيبه من الميراث ، وإنما يوقف هذا النصيب إلى أن تتبين حاله ، فإما أن يظهر أنه حي فيستحق نصيبه الموقوف ، وإما أن تثبت وفاته بحكم لقاضي ، فيقسم نصيبه على ورثة مورثه الذين كانوا أحياء في ذلك الوقت .

أما القائلون بحجية الاستصحاب دفعاً و إثباتاً ، فعندهم المفقود تثبت حياته وله حكم الأحياء تماماً ، فلا تزول عنه أمواله ، ولا تبين منه زوجته ، ويستحق نصيبه من الميراث إذا مات مورثه قبله ، وكذا يستحق نصيبه من الموصى به . ومثل هذا ‏ الخلاف: خلافهم في الصلح عند الإنكار، فعند الحنفية يصح هذا الصلح بين المدّعى و المدّعي عليه المنكر، و لا يصح هذا الصلح عند غير الحنفية، كالشافعية، و وجهتهم ما قلناه من حجية الاستصحاب دفعاً و إثباتاً.

255- ما يلاحظ على الاستصحاب:

أولاً: الاستصحاب، في الحقيقة، لا يثبت حكماً جديداً، و لكن يستمر به الحكم


-269-

#ff0000


السابق الثابت بدليله المعتبر . فهو إذن ، ليس في ذاته دليلاً فقهياً ولا مصدراً تستقي منه الأحكام ، وإنما هو فقط قرينة عل بقاء الحكم السابق الذي أثبته دليله.

ثانياً: الاستصحاب لا يصار إليه إلا عند عدم وجود الدليل الخاص في حكم المسألة ، بأن يبحث الفقيه ويبذل غاية جهده في التحري عن الدليل فلا يجده ، فيرجع الى الاستصحاب .. ولهذا ، فهو، كما قال بعضهم عنه، أنه : ((آخر مدار الفتوى . فإن المفتي إذا سئل عن حادثة ، يطلب حكمها في الكتاب ثم في السنة . . إلخ . فإن لم يجده يأخذ حكمه من استصحاب الحال في النفي و الإثبات ، فإذا كان التردد في زواله فالأصل بقاؤه ، وإن كان التردد في ثبوته فالأصل عدم ثبوته))(1).

256- ما ابتني على الاستصحاب من قواعد ومبادئ :

وبالاستصحاب تقررت جملة قواعد و مبادئ ، قامت عليه وتفرعت منه، ومنها :

أولاً: الأصل في الاشياء الاباحة:

وقد تفرع عن هذا الأصل بأن العقود والتصرفات وشتى المعاملات بين الناس ، حكمها الإباحة ، إلا إذا وجد النص بالتحريم. وهذا قول فريق من الفقهاء .

ثانياً: الأصل براءة الذمة ، أو الأصل في الذمة البراءة :

وقد أخذ بهذا الأصل في القضايا المدنية والجزائية على حد سواء . فمن ادعى عل غيره حقاً ، فالأصل عدمه ، إلا إذا أثبت المدعي ذلك .

____________________

(1) الشوكاني ص 508.

-270-

ياسمين الجزائر
2016-10-10, 09:52 PM
والمتهم بريء حتى تثبت إدانته ، ومن هنا جاء القول : الشك يفسر لمصلحة المتهم . والخطأ في براءة متهم خير من الخطأ في إدانة بريء.

ثالثاً: اليقين لا يزول بالشك. فمن توضأ ثم شك في الانتفاض بقي على وضوئه، ومن ثبت نكاحه فلا تزول الزوجية عنه إلا بيقين ، ومن تملك عيناً بسبب شرعي فلا تزول ملكيته إلا بتصرف ناقل للملكية ، والعلة في هذه القاعدة : أن اليقين صار أمراً موجوداً لا ارتياب فيه، فيستصحب هذا اليقين ، إلا إذا قام الدليل على انتفائه ، أما مجرد الشك فلا يقوى على زعزعة اليقين فلا يعتد به .

















-271-


#ff0000
























-272-
#ff0000



الباب الثالث

طرق استنباط الأحكام و قواعده











-273-

#ff0000













-274-

ياسمين الجزائر
2016-10-10, 09:57 PM
257- تمهيد :
تكلمنا في الباب الأول عن الحكم وما يتعلق به . وفي الباب الثاني عن أدلة الأحكام . ونريد في هذا الباب أن نتكلم عن طرق استنباط الأحكام من مصادرها، والقواعد التي يسترشد بها المجتهد وهو بسبيل استنباطها والتعرف عليها من هذه ا لمصادر .
وأول هذه المصادر التشريعية : هي نصوص الكتاب والسنة .. فهي مرجع كل استنباط وسند كل دليل .. وحيث أن هذه النصوص وردت بلغة العرب ، فلا بد من معرفة القواعد اللغوية الخاصة بتفسير النصوص ... وقد اعتنى الأصوليون ببيان هذه القواعد بعد استقرائهم أساليب اللغة العربية ، واستعمالات الألفاظ في معانيها ، ودلالات الألفاظ على المعاني .. والخ ..وهذه القواعد ، ونسميها بالقواعد الأصلية(1) ، لا تكفي وحدها لفهم
______________________
(1) هذه القواعد ضرورية لتفسير أي نص قانوني مكتوب باللغة العربية ، لأن هذه القواعد، موازين وضوابط لفهم العبارة العربية ، فما دام القانون مكتوباً باللغة العربية فهو يخضع في فهم ألفاظه و عباراته لهذه الموازين والضوابط ، وهذا سواء كان القانون وضع ابتداء باللغة العربية أو ترجم عن لغة أجنبية . ولهذا فإن عدم مراعاة هذه القواعد في تفسير النصوص تؤدي إلى الخطأ في فهم القانون ومعرفة أحكامه وما يجب تطبيقه من نصوصه على الوقائع المختلقة ، وبالتالي تضيع حقوق الناس ، لان القاضي يطبق القانون حسب فهمه، فإذا كان فهمه سقيماً أو معيباً أو غير صحيح أدى ذلك إلى ضياع الحقوق على أصحابها وايصالها الى غير
مستحقيها أو ادانة البريء وبراءة المجرم . وأخيرا فإن من المفيد أن نبين هنا أن تفسير القوانين يكون على ثلاثة أنحاء (الأول) التفسير الفقهي وهو الذي يعالجه الفقهاء في شروحهم للقوانين وهذا النوع عن التفسير يتسم بالتجريد والمنطق البحث وعدم مراعاة الواقع. (الثاني) التفسير القضائي وهذا يتسم بمراعاة الواقع و الوقائع المطروحة امام القاضي فهو تفسير تغلب عليه الصفة العملية والتأثر بالواقع بخلاف التفسير الفقهي . هذا و ان القاضي يمارس تفسير القانون عند نظره في وقائع الدعوى فهو يفسره تمهيدا لتطبيقه، و لهذا لا يجوز الطلب ابتداءاً واستقلالاً من الحاكم أن يصدر تفسيراً لنص قانون معين ، لأنه لا يفسره إلا عند‏ تطبيقه على الوقائع لأن هذا التفسير ضروري للتطبيق. (الثالث)التفسير التشريعي وهو الذي يتولاه المشرع نفسه ليزيل غموضاً في نص أو إبهاماً في عبارة منه، أو تقييداً لمطلقه أو رفعاً للنزاع و الاختلاف في تفسيره، و هذا النوع من التفسير يلحق بالنص الأصلي و يعتبر جزء منه. و التفسير بأنواعه يستعين بقواعد تفسير النصوص التي أشرنا إليها، لمعرفة المراد من منطوق النص، أما عند عدم وجود النص، فيستعان بالقياس و مقاصد التشريع و نحو ذلك لمعرفة الحكم المطلوب.


-275-

#ff0000
النصوص وتفسيرها على الوجه الأكمل ، بل لا بد من معرفة مقاصد الشارع العامة من تشريعه الأحكام .
وينبغي أيضاً للمجتهد أن يعرف القواعد التي يستعان بها على دفع ما قد يبدو من تعارض بين النصوص أو بين الأحكام ، و كيفية رفع هذا التعارض وطرقه بما في ذلك معرفة الناسخ والمنسوخ ، وقواعد الترجيح بين الأدلة والأحكام .
فطرق الاستنباط وقواعده ، تقوم على العلم بالقواعد الأصولية اللغوية ومقاصد التشريع العامة ، وكيفية رفع التعارض بين الأدلة وترجيح بعضها على بعض ومعرفة الناسخ والمنسوخ.
وعلى هذا سنقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول:
الأول : في القواعد الأصولية .
الثاني : في مقاصد التشريع العامة .
الثالث : في الناسخ والمنسوخ والتعارض والترجيح .



-276-
#ff0000


الفصل الأول

القواعد الأصولية اللغوية

258- تمهيد:
هذه القواعد تتعلق بألفاظ النصوص من جهة إفادتها للمعاني ، كما أشرنا من قبل . والإحاطة بهذه القواعد تستلزم الوقوع على أقسام اللفظ بالنسبة للمعنى، ومعرفة ما يندرج تحت كل قسم من فروع و تقسيمات .
واللفظ عند الأصوليين ، بالنسبة للمعنى وعلاقته به ، ينقسم إلى أربعة أقسام :
القسم الأول: باعتبار وضع اللفظ للمعنى . وهو بهذا الاعتبار، خاص وعام و مشترك .
القسم الثاني: باعتبار استعمال اللفظ في المعنى الموضوع له أوفي غيره . وهو بهذا الاعتبار حقيقة و مجاز ، وصريح وكناية .
القسم الثالث : باعتبار دلالة اللفظ على المعنى ، أي من حيث وضوح المعنى وخفاؤه من اللفظ المستعمل فيه . وهو بهذا الاعتبار، ظاهر ونص ومفسر ومحكم وخفي ومجمل ومشكل و متشابه .
القسم الرابع : باعتبار كيفية دلالة اللفظ على المعنى المستعمل فيه، وطرق فهم المعنى من اللفظ ، وبهذا الاعتبار تكون دلالة اللفظ على المعنى إما بطريق العبارة أو الإشارة أو الدلالة أو الاقتضاء .





-277-
#ff0000
وسنتكلم عن كل قسم من هذه الأقسام في مبحث على حدة ، بالترتيب الذي ذكرناه ، لأنه هو الترتيب الطبيعي ، فاللفظ يوضح للمعنى أولاً ، ثم يستعمل فيه، ثم ينظر في دلالته على المعنى من جهة الوضوح والخفاء ، ثم يبحث عن طريق معرفةالمعنى ، سواء كان واضحاً أو خفياً .







-278-

ياسمين الجزائر
2016-10-10, 10:03 PM
المبحث الأول
في وضع اللفظ للمعنى



259- اللفظ باعتبار وضعه للمعنى، ينقسم إلى خاص وعام ومشترك .

والخاص يندرج تحته المطلق والمقيد والأمر النهي. وعلى هذا سنقسم هذا المبحث إلى ثلاثة مطالب : الأول في الخاص ، والثاني في العام ، والثالث في المشترك.


المطلب الأول
الخاص



‏تعريفه وأنواعه:

260- الخاص في اللغة : هو المنفرد من قولهم : اختص فلان بكذا ، أي انفر به . وفي اصطلاح الأصوليين : هو كل لفظ وضع لمعنى واحد على الانفراد(1).

وهو ثلاثة انواع : خاص شخصي ، كأسماء الأعلام ، مثل: زيد و محمد . وخاص نوعي، مثل : رجل و امرأة و فرس. وخاص جنسي ، مثل : إنسان. و من الخاص اللفظ الموضوع للمعاني لا للذوات مثل: العلم و الجهل ، و نحوهما(2).

وإنما كان النوعي والجنسي من الخاص ، لأن المنظور إليه في الخاص هو تناول اللفظ لمعنى واحد ، من حيث أنه واحد بغض النظر عن كونه له أفراد في الخارج ، أو
_________________________

(1) ((أصول السرخسي)) ج 1 ص 125. ((شرح المنار)) ص 64- 65.

(2) ((أصول التشريع الإسلامي)) للأستاذ علي حسب الله ص 180.


-279-

#ff0000
ليس له أفراد. ولا شك أن الخاص النوعي مثل ((رجل)) موضوع لمعنى واحد ، وهو الذكر الذي تجاوز حد الصغر ، وكون هذا المعنى له أفراد في الخارج لا يهم كما قلنا .
وكذلك الخاص الجنسي مثل ((إنسان)) موضوع لمعنى واحد، أي حقيقة واحدة، وهي الحيوان الناطق ، وكون هذه الحقيقة الواحدة لها أنواع في الخارج لا يهم لأنها غير منظور إليها . وعلى هذا فالخاص النوعي والخاص الجنسي كلاهما له معنى واحد، فهما من هذه الناحية كالخاص الشخصي الموضوع لمعنى واحد وهو الذات المشخصة .

ويتضح من تعريف الخاص وأنواعه ، أن ألفاظ الأعداد كالثلاثة والعشرة والعشرين والمئة و نحو ذلك ، كلها من الخاص باعتبار أنها من الخاص النوعي ، وبهذا صرع بعض الأصوليين(1)، فالثلاثة ونحوها من أسماء العدد موضوعة لمعنى واحد لأنها موضوعة لنفس هذا العدد ، أي مجموع الوحدات من حيث المجموع من غير نظر إلى شيء آخر ، وتركبه من أفراد لا يقدح في خصوصه ولا يوجب كثرة فيه، لأنه بمنزلة كثرة أجزاء زيد ، يوضحه أن معنى الثلاثة لا يوجد في كل واحد من أجزائها ، كما لا يوجد معنى الزيدية في ضمن أجزاء زيد. ولكن البعض الآخر جعل أسماء الأعداد من الخاص ، لا على أساس أنها من الخاص النوعي ، ولكن على أساس أنها تدل على أفراد كثيرة محصورة بنفس اللفظ ، وما كان كذلك فهومن الخاص . ولهذا يعرف هذا الفريق من الأصوليين الخاص : بأنه اللفظ الموضوع لكثير محصور كأسماء الأعداد ، أو الموضوع للواحد سواء كان الواحد باعتبار الشخص كزيد ، أو باعتبار النوع كرجل ، أو باعتبار الجنس كإنسان(2). وسواء أخذنا بالتعريف الأول وبقول أصحابه، أو أخذنا بالتعريف الثاني وبقول أصحابه ، فإن أسماء الأعداد تعتبر من الخاص .

_____________________

(1) ((حاشية الإزميري)) ج 1 ص 128 ، ((التلويح)) ج 1 ص 34. ((تسهيل الوصول إلى علم الأصول)) للمحلاوي ص 34.

(2) ((التلويح و التوضيح)) ج 1 ص 32-34. و بعضهم عرف الخاص بأنه اللفظ الذي يتناول شيئا محصورا إما واحدا أو اثنين أو ثلاثة أو أكثر. أنظر رسالة ((شرح ورقات إمام الحرمين)) للحطاب ص 30، و ((لطائف الإشارات)) ص 30.

-280-

ياسمين الجزائر
2016-10-11, 11:07 PM
الخاص بينٌ في نفسه ، فلا إجمال فيه ولا إشكال ، ولهذا فهو يدل على معناه الموضوع له دلالة قطعية ، أي بدون احتمال ناشئ عن دليل ويثبت الحكم لمدلوله على سبيل القطع لا الظن ، مثل قوله تعالى في كفارة اليمين : ﴿ فمن لم يجد فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ﴾ [المائدة:89 ]، فالحكم المستفاد من هذا النص هو وجوب صيام ثلاثة أيام ، لأن لفظ الثلاثة من ألفاظ الخاص فيدل على معناه قطعاً ولا يحتمل زيادة ولا نقصاً. ومثله: أنصبة الورثة الواردة في القرآن فكلها قطعية لأنها من الخاص .
ومثله أيضاً: قوله عليه الصلاة والسلام : ((في كل أربعين شامةً شاةٌ)) فتقدير نصاب الزكاة بأربعين شاة تقدير لا يحتمل الزيادة ولا النقصان ، لأنه من ألفاظ الخاص ، و هذا هو حكم الخاص ، فلا يجوز أن يقال : إن نصاب زكاة الماشية تسع وثلاثون أو خمسون مثلاً . كما أن تقدير زكاة الأربعين بشاة هو الآخر لا يحتمل الزيادة ولا النقصان ، لأنه من الخاص أيضاً ، وهذا هو حكم الخاص. ولكن إذا قام الدليل على تأويل الخاص ، أي إرادة غير معناه الموضوع له ، أو إرادة معنى آخر منه ، فإن الخاص يحمل في هذه الحالة على ما اقتضاه الدليل ، ومثاله ما ذهب إليه الحنفية من حمل الشاة الواردة في الحديث الشريف الذي ذكرناه على الشاة الحقيقية أو على قيمتها ، ودليلهم عل ذلك ملاحظة مقصد التشريع ، ذلك أن الشارع الحكيم إنما أراد بتشريعه الزكاة ، وبهذا النص نفع الفقراء وسد حاجتهم ، وهذا المعنى يتحقق بإخراج الشاة عيناً ، كما يتحقق بإخراج قيمتها.
وحيث أن حكم الخاص هوما بيناه ، وهو محل اتفاق بين العلماء ، فإن الحنفية احتجوا به في المسائل التي اختلفوا فيها مع غيرهم ، ونذكر من هذه المسائل واحدة فقط .
اتفق الفقهاء على أن عدة المطلقة من ذوات الحيض المدخول بها غير الحامل ثلاثة قروء، لقوله تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:228 ]. و لكنهم اختلفوا في المراد من "القروء"، فعند الحنفية المراد منها،: الحيض،

-281-

#ff0000
فتعتد المطلقة ثلاث حيضات . وقال مخالفوا الحنفية : المراد: هو الاطهار. احتج الحنفية بأن لفظ "ثلاثة " ، خاص ، فهو يدل على معناه بصورة قطعية ، فيكون الحكم وجوب العدة بثلاثة قروء ، بدون زيادة ولا نقصان . فإذا حملنا معنى لفظ " القروء" على الاطهار، فإن المدة تكون أكثر من ثلاثة قروء أو أنقص ، وهذا لا يجوز ، إذ هو خلاف مقتضى النص ، وخلاف حكم الخاص ، وذلك لأن الطهر الذي يطلق فيه الزوج زوجته إن لم نعتبره من العدة فإنها تكون ثلاثة أطهار وبعض الطهر، وان اعتبرناه تصير العدة طهرين وبعض الطهر وهذا خلاف حكم النص كما قلنا . أما إذا اعتبرنا " القروء" بمعنى الحيض، فإن العدة تكون ثلاث حيضات بلا زيادة ولا نقصان، وهذا هو حكم النص ومقتضى الخاص، فيجب المصير إلى أن معنى "القروء" هو الحيض لا الاطهار(1).
262- الأمثلة من القوانين الوضعية :
من أمثلة الخاص في القوانين الوضعية المادة 244 من القانون المدني العراقي، حيث نصت على أنه: ((لا تسمع دعوى الكسب دون سبب في جميع الاحوال المتقدمة بعد انقضاء ثلاث سنوات من اليوم الذي علم فيه الدائن بحقه في الرجوع . ولا تسمع الدعوى كذلك بعد انقضاء خمس عشرة سنة من اليوم الذي نشأ فيه حق الرجوع)) فالمدد المذكورة في هذه المدة من ألفاظ الخاص ، وهي تدل دلالة قطعية على معناها ، و يثبت الحكم بصورة قطعة بعد انقضاء هذه المدد وهو عدم سماع دعوى الكسب دون سبب .
ومن أمثلة الخاص أيضاً: العقوبات المقدرة في قانون العقوبات العراقي، والمدد المقررة في قانون أصول المرافعات المدنية للطعن في الأحكام الصادرة من
المحاكم . ومن أمثلتها أيضاً: المدد التي اشترط قانون الخدمة المدنية قضاءها من قبل الموظف في كل درجة حتى يمكن ترفيعه إلى الدرجة التي تليها.
___________________________
(1) (( أصول)) السرخسي ج 1 ص 128 ((شرح المنار)) لابن ملك ص 78.
-282-
#ff0000
ومن أمثلة الخاص أيضاً في قانون التقاعد المدني رقم 33 لسنة 1966: الحصص التقاعدية التي حددها هذا القانون ، والواجب استقطاعها من كل موظف يبلغ راتبه حداً معيناً ، فتلك الحصص ومبلغ الراتب كلها من ألفاظ الخاص فيثبت الحكم على النحو المذكور في القانون من جهة مقدار الاستقطاع بصورة قطعة لا تحتمل التأويل.








-283-
#ff0000
الفرع الأول


المطلق و المقيد

236- تعريف المطلق والمقيد :
المطلق : هو اللفظ الدال على مدلول شائع في جنسه(1)، ، وبعبارة أخرى : هو اللفظ الدال على فرد ، أو أفراد غير معينة ، وبدون أي قيد لفظي(2) ، مثل : رجل و رجال ، وكتاب وكتب .
والمقيم : هو اللفظ الدال على مدلول شائع في جنسه مع تقييده بوصف من الأوصاف(3) ، وبعبارة أخرى : هو ما كان من الألفاظ الدالة على فرد أو وأفراد غير معينة مع اقترانه بصفة تدل على تقييده بها ، مثل: رجل عراقي ، ورجال عراقيين وكتب قيمة . وهذا وإن المقيد فيما عدا ما قيد به يعتبر مطلقاً ، بمعنى : أن المقيد يعتبر مقيداً بالقيد الموصوف به ، ولا يجوز تقييده بغيره بلا دليل . فقولنا : رجل عراقي، مقيد من جهة الجنسية العراقية فقط ، أما ما عدا هذا القيد فهو مطلق ، فيشمل أي رجل عراقي ، سواء كان غنياً أو فقيراً ، حضرياً أو قروياً ، وهكذا .
264- حكم الطلق :
أنه يجرى على إطلاقه ، فلا يجوز تقييده بأي قيد ، إلا اذا قام الدليل على التقييد ، وتكون دلالته على معناه قطعية ، ويثبت الحكم لمدلوله ، لأنه من أقسام
__________________________
(1) الآمدي ج 3 ص 2 ((إرشاد الفحول)) ص 144.
(2) ((شرح مسلم الثبوت)) ج 1 ص 360.
(3) الآمدي ج 3 ص 3 – 4 ، ((إرشاد الفحول)) ص 144.

-284-

ياسمين الجزائر
2016-10-11, 11:14 PM
الخاص، وهذا هو حكم الخاص.
ومن أمثلة المطلق ، قوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:3 ]فكلمة ((رقبة)) وردت في النص مطلقة من كل قيد، فتحمل على إطلاقها ، فيكون الواجب تحريرأي رقبة إذا أراد المظاهر العود إلى زوجته.
ومثله أيضاً ، قوله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾ [البقرة:234 ]فكلمة ((أزواجاً)) وردت مطلقة ، فلا يجوز تقييدها بالدخول ، فيشمل النص الزوجات المدخول بهن وغير المدخول بهن، وتكون عدة الوفاة في حقهن أربعة أشهر وعشرة أيام.
ومثال المطلق الذي قام الدليل عل تقيده، قوله تعالى : ﴿ مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:11 ]، فكلمة ((وصية)) وردت في النص مطلقة. ومقتضي ذلك جواز الوصية بأي مقدار كان ، ولكن قام الدليل عل تقييدها بالثلث .
ودليل التقيد هو الحديث المشهور عن سعد بن أبي وقاص ، حيث منعه الرسول عليه السلام من الوصية بأكثر من الثلث ، والسنة المشهورة تقيد مطلق الكتاب عند الفقهاء ، الحنفية وغيرهم . أما سنة الآحاد فتقيد مطلق الكتاب عند الجمهور ولا تقيده عند الحنفية .
265- حكم المقيد:
‎ ‏ لزوم العمل بموجب القيد فلا يصح إلغاؤه ، إلا إذا قام الدليل على ذلك . و مثال ذلك قوله تعالى: - في سياق تعداد المحرمات- : ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ ﴾ [النساء:23 ]، و على هذا فالبنت تحرم على من تزوج أمها و دخل بها، لأن حرمة البنت مقيدة بنكاح أمها و الدخول بها لا بمجرد العقد عليها. و أما كلمة ((في حجوركم))، فهي ليست بقيد احترازي، و إنما هي قيد أكثري لا تأثير له في الحكم، بدليل قوله تعالى بعد ذلك: ﴿ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ



-285-

#ff0000
فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ [النساء:23 ]، ولوكان من قيد الحرمة كون البنت في حجر الزوج ورعايته وتربيته لذكر عند بيان الحل ، ورفع الحرمة عند عدم تحقق القيد وهو الدخول بالأم . ومن أمثلته أيضاً: قوله تعالى في كفارة الظهار : ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:4 ]،فصيام شهرين مقيد بالتتابع . ومنه أيضاً: قوله تعالى في كفارة القتل الخطأ: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ [النساء:92 ]،فلا تجزىء إلا رقبة بوصف أنها مؤمنة.
266- حمل المطلق على المقيد(1):
قد يرد اللفظ مطلقاً في نص ، ويرد نفس اللفظ مقيداً في نص آخر ، فهل يحمل المطلق على المقيد ، بمعنى : أن المطلق يراد به المقيد ، أو يعمل بالمطلق على إطلاقه فيما ورد فيه ، ويعمل بالمقيد على تقييده فيما ورد فيه؟ للجواب ، لابد من بيان الحالات التي يرد فيها اللفظ مطلقاً في نص ، ومقيداً في نص آخر وحكم كل حالة .وهذه الحالات هي :
أولاً: إذا كان حكم المطلق والمقيد واحداً، وكذا سبب الحكم ، ففي هذه الحالة يحمل المطلق على المقيد ،مثاله : قوله تعالى ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ ﴾ وقوله تعالى : ﴿ قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا ﴾ [الأنعام:145 ]فلفظ ((الدم)) ورد في الآية الأولى مطلقاً ، وورد في الثانية مقيداً بكونه مسفوحاً ، والحكم في الآيتين واحد هو حرمة تناول الدم ، و سبب الحكم واحد وهو الضرر الناشئ ‎عن ‏ تناول الدم . فيحمل المطلق على المقيد ، ويكون المراد من الدم المحرم تناوله هو الدم المسفح، دون غيره: كالكبد، و الطحال، و الدم الباقي في اللحم و العروق، فكل ذلك حلال غير محرم.
____________________________
(1) ((الآمدي)) ج 3 ص 3 و ما بعدها، ((فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت)) ج 1 ص 316 و ما بعدها. ((المسودة)) ص 145-147 ، ((إرشاد الفحول)) ص 145-146 ، و ((لطائف الإشارات)) ص 32-33.


-286-
#ff0000
ثانياً: أن يختلف المطلق والمقيد في الحكم والسبب. مثل: قوله تعالى : ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ [المائدة:38 ] وقوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ﴾ [المائدة:6 ]
فكلمة ((الأيدي)) في الآية الأولى وردت مطلقة ، وفي الثانية مقيدة ((إلى المرافق)) والحكم مختلف : ففي الآية الأولى : قطع يد السارق والسارقة، وفي الثانية : وجوب غسل الأيدي . وسبب الحكم في الآية الأولى : السرقة ، وفي الثانية : إرادة الصلاة . ففي هذه الحالة لا يحمل المطلق على المقيد، بل يعمل بالمطلق في موضعه و بالمقيد في موضعه، إذ لا صلة ولا ارتباط أصلاً بين موضعي النصين، وكان مقتضى الإطلاق في آية السرقة أن تقطع يد السارق كلها عملا بالإطلاق، ولكن السنة قيدت هذا الإطلاق، إذ وردت بأن النبي ﷺ قطع يد السارق من الرسغ، وهذه السنة مشهورة عند الحنفية فيصح بها تقييد مطلق الكتاب .
ثالثاً: أن يختلف الحكم ويتحد السبب. وفي هذه الحالة يبقى المطلق على إطلاقه ويعمل به في موضعه الذي ورد فيه. مثاله قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ﴾ [المائدة:6 ]
وقوله تعالى ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ منه﴾ [المائدة:6 ]فالحكم : في النص الأول : وجوب غسل الأيدي التي وردت مقيدة ، والحكم في النص الثاني: مسح الأيدي التي‎ ‏ وردت مطلقة ، والسبب للحكمين متحد و هو إرادة الصلاة. ففي هذه الحالة لا يحمل المطلق على المقيد، بل يعمل كل منهما في موضعه بموجب إطلاقه أو تقييده.
رابعاً: أن يكون حكم المطلق و المقيد واحداً، و لكن سبب الحكم فيهما مختلف، ففي هذه الحالة يعمل بالمطلق على إطلاقه فيما ورد فيه، و بالمقيد على تقييده فيما ورد فيه، فلا يحمل المطلق على المقيد، و هذا عند الحنفية و الجعفرية، و عند

-287-

#ff0000
غيرهم كالشافعية : يحمل المطلق على المقيد ، ومثاله : قوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ﴾ [المجادلة:3 ]وفي كفارة القتل الخطأ : ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ [النساء:92 ] فلفظ ((رقبة)) جاء في النص الأول مطلقاً ، وفي الثاني مقيداً.
وحجة أصحاب القول الثاني : هي أن الحكم ما دام متحداً مع ورود اللفظ مطلقاً في نص ، و مقيداً في نص آخر ، فينبغي حمل المطلق على المقيد لتساويهما في الحكم ، دفعا للتعارض ، و تحقيقاً للانسجام بين النصوص .
وحجة الحنفية : أن اختلاف السبب قد يكون هو الداعي إلى الاطلاق والتقييد ، فيكون الإطلاق مقصوداً في موضعه ، والتقييد مقصوداً في موضعه ، ففي كفارة القتل الخطأ قيدت الرقبة بكونها مؤمنة تغليظاً على القاتل . وفي الظهار جعلت الكفارة رقبة مطلقة تخفيفاً عن المُظاهرِ، حرصاً على بقاء النكاح . و أيضاً، فإن حمل المطلق على المقيد إنما يكون لدفع التعارض بينهما عند عدم إمكان العمل بموجب كل منهما، ومع اختلاف السبب لا يتحقق التعارض ولا يتعذر العمل بكل منهما في موضعه الذي ورد فيه . والراجح هو قول الحنفية والجعفرية .
267- أمثلة المطلق والمقيد في القوانين الوضعية :
أولاً: نصت الفقرة الثانية من المادة 59 من قانون الأحوال الشخصية العراقي على ما يأتي: ((تستمر نفقة الأولاد إلى أن تتزوج الأنثى ، ويصل الغلام إلى الحد الذي يكتسب فيه أمثاله ما لم يكن طالب علم .
فلفظ "علم" مطلق ، وبالتالي لا يحوز عند تطبيق هذه المادة اشتراط أي صفة للعلم، ‎ ‏ لأن هذه الكلمة وردت مطلقة، و المطلق يجرى على إطلاقه، و بالتالي فنفقة الولد تستمر و إن بلغ الحد الذي يكسب فيه أمثاله مادام طالب علم، سواء كان هذا العلم يتعلق بالطب أو باللغة أو بفقه الشريعة.

-288-

ياسمين الجزائر
2016-10-11, 11:17 PM
ثانياً: نص قانون الخدمة المدنية العراقي رقم 24 لسنة 1960 في الفقرة الرابعة من المادة التاسعة عشرة على ما يأتي :
((كل موظف مثبت اشترك في دورة تدريبية لا تقل مدتها عن ستة أشهر متصلة، وأكملها بنجاح، يعطى قدماً لمدة ستة أشهر لغرض الترفيع ، وإذا كان قد حصل على شهادة اختصاص جامعية فيعطى قدماً لمدة سنة لغرض الترفيع)).
في هذا النص ما يأتي :
أ‌- وردت كلمة "دورة" في المادة مقيدة بجملة قيود هي : أن تكون تدريبية ، وأن لا تقل مدتها عن ستة أشهر متصلة ، وأن يكملها الموظف بنجاح . وعلى هذا لا يجوز إضافة أي قيد آخر على قيود الدورة ، كأن يشترط لها أن تكون داخل أو خارج العراق، صباحية أو مسائية، لأن المقيد فيما عدا ما قيد به يبقى مطلقاً.
ب‌- وردت عبارة "ستة أشهر متصلة" فالستة الأشهر، إذن، مقيدة بقيد التتالي، فإن كانت الدورة مدتها ستة أشهر، ولكنها غير متتالية، فإن الموظف لا يستفيد من هذه المادة حتى ولو نجح في الدورة ، لأن قيد التتالي في مدتها لم يتوفر.
ج- وردت عبارة "شهادة اختصاص جامعية" فالقيد في الشهادة التي يحصل عليها الموظف لينال قدماً مدته سنة لغرض الترفيع ، هذا الشرط هو أن تكون شهادة اختصاص جامعية .. وعلى هذا لا يجوز إضافة قيد آخر لهذه الشهادة ما دامت هي شهادة اختصاص جامعية ، كأن يشترط فيها أن تكون ذات علاقة بوظيفته ، أو إنها من جامعة في العراق أوفي خارجه ، فكل هذه القيود لم يرد بها القانون وبالتالي لا يجوز إضافتها أو اشتراطها، لأن المقيد كما قلت، فيما عدا ما قيد به يبقى مطلقاً. و قد

-289-

#ff0000
ذهب البعض الى أن شهادة الاختصاص الجامعية هذه يحب أن تكون ذات علاقة بوظيفة الموظف . وهذا غير صحيح لما قلناه من أن المطلق يجرى على إطلاقه ، إلا إذا نص على تقييده وأن المقيد فيما عدا ما قيد به يبقى مطلقاً. ونضيف إلى ذلك أن المشرع لو أراد هذا القيد وهو أن تكون هذه الشهادة ذات علاقة بوظيفة الموظف لنص عليه صراحة ، كما فعل في الفقرة الثانية من المادة 11 من هذا القانون .
ثالثاً: نص القانون المدني العراقي على ما يأتي :
المادة 213 - فقرة – 2 : فمن سبب ضرراً للغير وقاية لنفسه أو لغيره ، من ضرر محدق يزيد كثيراً على الضرر الذي سببه لا يكون ملزماً إلا بالضرر
الذي تراه المحكمة مناسباً.
فكلمة "ضرر" جاءت مطلقة فتصدق على أي ضرر مهما كان نوعه وصفته ومتعلقة ، أي سواء كان قليلًا بذاته أو كثيراً ، متعلقاً بجسم الإنسان أو ماله ، لأن كلمة ضرر مطلقة كما قلنا.
ونصت أيضاً الفقرة الثانية من المادة 214 من القانون المدني العراقي (( فإذا هدم أحد داراً بلا إذن صاحبها ، لمنع وقوع الحريق في المحلة وانقطع هناك الحريق ، فإن كان الهادم هدمها بأمر أولي الأمر لم يلزمه الضمان ، وإن كان هدمها من تلقاء نفسه ألزم بتعويض مناسب)) كلمة دار وردت مطلقة فتصدق على أي نوع من أنواع الدور. كذلك وردت كلمة "حريق" مطلقة، فتصدق على أي حريق مهما كانت جسامته أو سببه. أما كلمة " بتعويض مناسب " فهي مقيدة فلا يكفي أي تعويض يحكم به الحاكم، بل لا بد أن يكون هذا التعويض مناسباً للضرر الذي أصاب صاحب الدار المهدومة.
رابعاً: ونص القانون المدني العراقي أيضاً على ما يأتي :
المادة 1184- الفقرة الأولى : إذا حاز أحد أرضاً أميرية باعتباره متصرفاً


-290-

ياسمين الجزائر
2016-10-11, 11:32 PM
فيها ، وزرعها عشر سنوات متوالية من غير منازع ، وبث له حق القرار عليها المادة 1233- الفقرة الأولى : يفقد المتصرف في الأرض الأميرية حق تصرفه فيها إذا لم يزرعها ، لا بالذات ولا بطريق الإجارة أو الإعارة ، وتركها دون زراعة ثلاث سنوات متواليات من غير أن يكون له في ذلك عذر صحيح.
فعبارة ((عشر سنوات متوالية )) و ((ثلاث سنوات متواليات )) من المقيد ، والقيد هو التوالي ، فيثبت الحكم المذكور في المادتين بعد مضي هاتين المدتين يقيد التوالي ويتحقق قيام المتصرف بما ذكرته المادتان .
خامساً: نص قانون العقوبات العراقي في المادة 75:
(( إذا اتهم حدثٌ بارتكاب أكثر من جريمة ، جازت محاكمته عن جميع تلك الجرائم في دعوى واحدة)) .
فكلمة "حدث " وردت مطلقة ، فتصدق على أي حدث مهما كانت صفته، وبالتالي تطبق عليه هذه المادة إذا توافرت شروطها .
ونصت المادة 47 من قانون العقوبات العراقي : يعد شريكاً في الجريمة : 1- ...، 2- ...، 3- من أعطى الفاعل سلاحاً أو آلات أو أي شيء آخر مما استعمل في ارتكاب الجريمة مع علمه بها أو ساعده .. الخ.
فكلمة "سلاحاً" و " آلات " لا مطلقة تصدق على أي شيء يسمى سلاحاً أو آلة دون تقيد بأي قيد ما دام هذا السلاح أو الآلة قد استعمل في ارتكاب الجريمة، وبالتالي يعتبر معطيها للفاعل شريكاً له في الجريمة .


-291-

#ff0000


الفرع الثاني
الأمر


268- الأمر من أقسام الخاص، و هو اللفظ الموضوع لطلب الفعل على سبيل الاستعلاء(1). ويتحقق طلب الفعل بصيغة الأمر المعروفة "افعل " ، أو بصبغة المضارع المقترن بلام الأمر، أو بالجمل الخبرية التي يقصد بها الأمر والطلب لا الإخبار، و بأساليب و تعابير أخرى .
فمن الأول : قوله تعالى : ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء:78 ] ،و قوله: ﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ [المائدة:92 ]، ومن الثاني : قوله ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:185 ]، وقوله عليه السلام ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)). .
ومن الثالث : قوله تعالى : ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:233 ]، فالمقصود بهذه الصيغة أمر الوالدات بإرضاع أولادهن ، لا الإخبار بوقوع الإرضاع من الوالدات.
269- موجب الأمر(2):
صفة الأمر ترد لمعان كثيرة منها الوجوب والندب والإباحة والتهديد والإرشاد والتأديب والتعجيز والدعاء وغير ذلك من المعاني(3).
_________________________
(1) ((التوضيح)) ج 1 ص 140. ((مرقاة الوصول و حاشية الإزميري)) ج 1 ص 155-156 و الآمدي ج 2 ص 204. و يلاحظ هنا أمران (الأول) أن القيد الوارد بالتعريف و هو (على سبيل الإستعلاء) للدلالة على أن علو الامر في الواقع ليس بشرط بل شرطه عد الأمر نفسه عالياً سواء كان عاليا في الواقع أو لا (و الثاني) أن الأمر حقيقة في القول المخصوص باتفاق العلماء و الجمهور على ان الامر مجاز في الفعل كقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود:97 ]أي فعله، من باب اطلاق السبب على المسبب . انظر ((إرشاد الفحول)) ص 91 و ((المنار و شرحه)) ص 108-109. و الآمدي ج 2 ص 188 و ما بعدها.
(2) أنظر الآمدي ج 2 ص 207 و ما بعدها.
(3) الوجوب: مثل قوله تعالى: ﴿ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور:56 ]


-292-

#ff0000
ولورود صيغة الأمر في هذه المعاني الكثيرة، حصل الاختلاف فيما أريد بالأمر من معنى على وجه الحقيقة ، وبتعبير آخر اختلف العلماء في المعنى الذي وضعت له صيغة الأمر عند تجردها من القرائن الدالة عل المعنى المراد . والاتفاق حاصل على أن صيغة الأمر ليست حقيقة في جميع هذه المعاني ، فهي مجاز في غير الوجوب والندب والإباحة . فالإختلاف إذن في هذه المعاني الثلاثة بمعنى : هل الأمر وضع في الأصل للدلالة على هذه المعاني الثلاثة ، أو على بعضها ، أو على واحد منها بعينه؟
قال بعض العلماء : إن الأمر مشترك بين هذه المعاني الثلاثة بالاشتراك اللفظي، فلا يتبين المعنى المراد إلا بمرجح ، كما هو الشأن في اللفظ المشترك .
وقال آخرون : الأمر مشترك بين الإيجاب والندب فقط اشتراكاً لفظياً ، ولابد من مرجح لتعيين واحد منهما.
وقال آخرون : و منهم الغزالي : لا ندري أهو حقيقة في الوجوب فقط أو في الندب فقط أو فيهما معاً بالاشتراك ، فلا حكم للأمر عند هؤلاء أصلاً بدون القرينة إلا التوقف حتى يتجلى المطلوب بالأمر، لأنه من قبيل المجمل لازدحام المعاني فيه .أما عامة العلماء ، فقالوا : إن الأمر حقيقة في واحد من هذه المعاني عيناً من غير اشتراك ولا إجمال ، بمعنى : أن الأمر وضع في الأصل للدلالة على معنى واحد من هذه

_______________________
الندب : مثل قوله تعالى : ﴿ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:33 ]
الإباحة : مثل قوله تعالى : ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:2 ]
التهديد : مثل قوله تعالى : ﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت:40 ]
الارشاد : مثل قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:282 ]
التأديب : مثل قوله عليه السلام لعبد الله بن عباس و كان صغيراً ((كل مما يليك))
التعجيز : مثل قوله تعالى : ﴿ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ ﴾ [البقرة:23 ]
الدعاء : مثل قوله تعالى : ﴿ رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ ﴾ [نوح:28 ]
الامتنان : مثل قوله تعالى : ﴿ كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الانعام:142 ]
الاكرام : مثل قوله تعالى : ﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ [الحجر:46، ق:34 ]
الاهانة : مثل قوله تعالى : ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:49 ]



-293-
#ff0000
المعاني الثلاثة ، فدلالته على هذا المعنى دلالة حقيقية مستمدة من أصل الوضع ، وفيما عدا هذا المعنى الواحد مجاز.
واختلف هؤلاء في هذا المعنى الواحد المراد . فقال بعض أصحاب مالك : إنه الإباحة ، لأنه لطلب وجود الفعل وأدناه المتيقنة إباحته . وقال جمع - وهو أحد قولي الشافعي - إنه الندب ، لأن الامر وضع لطلب الفعل ، فلابد من رجحان جانبه على جانب الترك وأدناه الندب ، لاستواء الطرفين في الإباحة فلا يصار إليها .
وقال الجمهور : إنه الوجوب ، أي إن الأمر المطلق وضع للدلالة على الوجوب ، فهو حقيقة فيه مجاز في غيره، فلا يصار إلى غير الوجوب إلا بقرينة ، فإن كانت القرينة تدل عل الندب ، كان موجب الأمر و مقتضاه الندب. وان كانت القرينة دالة على الإباحة ، كان موجب الأمر الإباحة ، وهكذا . وهذا القول هو الصحيح ، على أساسه يجب أن تفهم النصوص وتستنبط الأحكام ، والأدلة على صحة هذا القول كثيرة ، نذكر منها ما يأتي(1):
1- جاء في القرآن الكريم : ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور:63 ]، ووجه الدلالة بهذه الآية : أنها مسوقة للتحذير عن مخالفة الأمر بأن تصيب المخالف فتنة أو عذاب أليم ، ولا يكون في مخالفة الأمر خوف الفتنة أو العذاب ، إلا إذا كان المأمور به واجباً إذ لا محذور في ترك غير الواجب .
2- ومن السنة قوله عليه السلام: (( لولا أن أشق على امتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة )) وهو دليل الوجوب ، لأنه لوكان الأمر للندب لكان السواك مندوباً ، ولما كان في الأمر به مشقة .
____________________________
(1) ((المسودة في أصول الفقه)) لابن تيمية ص 5 ، ((الإحكام)) لابن حزم ج 3 ص 263 ،((شرح مسلم الثبوت)) ج 1 ص 373-374، ((إرشاد الفحول)) ص 95 ، ((التلويح)) ص 153-154. ((كشف الأسرار)) ج 1 ص 106 و ما بعدها. ((حاشية)) الإزميري، و الآمدي ج 2 ص 207-212 و ما بعدها. ((شرح المنار)) ص 123 و ما بعدها. و يلاحظ هنا: أن اختلاف العلماء فيما وضع له الأمر حقيقة أدى إلى اختلاف واسع في فهم النصوص، و لو جعلنا القاعدة هي دلالة الامر على الوجوب وضعا لكان الاختلاف يضيق إلى حد كبير و لكن لا يزول، لأن الاخذ بهذه القاعدة لا يعني اهدار القرائن الصارفة عن الوجوب، و حيث أن الأفهام و الأنظار تختلف في الوقوف على القرينة الصارفة عن الوجوب و في اعتبارها و الاعتداد بها و في المعنى الذي تدل عليه فان الاختلاف في تفسير النصوص و استنباط الأحكام يبقى و لكن على نطاق

-294-

ياسمين الجزائر
2016-10-11, 11:40 PM
3- استدلال السلف من الصحابة والتابعين بصيغة الأمر على الوجوب إلا لقرينة في وقائع لا تحصى ، سواء كان الأمر مصدره النص القرآني أو النص النبوي ، و قد شاع فيهم هذا الاستدلال بدون نكير، فدلّ ذلك على إجماعهم على أن الأمر المطلق يفيد الوجوب وطلب المأمور به على وجه الحتم والإلزام لا الندب .
4- إن الوجوب هو المتبادر إلى الذهن من الأوامر المجردة عن القرائن الصارفة عنه إلى غيره.
5- اتفاق أهل اللغة على أن من أراد طلب الفعل مع المنع من تركه فإنه يطلب بصيغة الأمر. فدل ذلك على أن الأمر وضع لطلب الفعل جزماً وهو الوجوب .
يوضحه أن الأمر من تصاريف الأفعال ، وكلها وضعت لمعان مخصوصة كسائر الكلمات من الأسماء والحروف: كرجل و زيد ، لأن الغرض من وضع الكلام إفهام المراد للسامع ، فإذا كان المقصود إيجاد الفعل من المخاطب عل وجه الحتم و الإلزام ، لم يكن ذلك إلا بصيغة الأمر، فدل على أن الأمر وضع في الأصل للدلالة على هذا المعنى ، وإفادته للسامع .
6- وصف أهل اللغة من خالف الأمر بالعصيان ، والعصيان اسم ذم ، ولا يتأتى في غير الوجوب .
270- الأمر بعد النهي:
اختلف القائلون بأن الأمر للوجوب ، في حكم الأمر بالشيء بعد النهي عنه و تحريمه ، فذهب الحنابلة وهو قول مالك وأصحابه وظاهر قول الشافعي : إلى أنه يدل على الإباحة ولا شيء أكثر من الإباحة مستدلين بأنه ورد هكذا في نصوص كثيرة، مثله قوله تعالى : ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:2 ]فقد ورد هذا الأمر(( فَاصْطَادُوا)) بعد تحريم الاصطياد بقوله تعالى : ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ﴾ [المائدة:1 ]و الاتفاق على أن الأمر بالاصطياد يدل على الإباحة فقط ، ولا يدل على الوجوب. ومثل قوله تعالى : ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴾ [الجمعة:10 ]هذا النص ورد بعد تحريم البيع عند النداء لصلاة

-295-

#ff0000
الجمعة ، و الابتغاء من فضل الله ، يعني: الكسب والبيع وسائر التجارات ، وهومباح هنا باتفاق العلماء ولو أنه ورد بعد التحريم .
وذهب آخرون ومنهم عامة الحنفية : على أن الأمر بعد الحظر والتحريم يفيد الوجوب ، كما لو ورد الأمر بشيء دون سبق تحريمه . واستدل أصحاب هذا القول بأن الأدلة الدالة على الرجوب لا تفرق بين أمر ورد بعد التحريم ، وبين أمر غير مسبوق بالتحريم .
أما ما استدل به أصحاب القول الأول فغير وارد ، لأن الابتغاء من فضل الله، والاصطياد ونحوهما مما شرع لمصلحتنا ، فكان ذلك قرينة صارفة عن الوجوب إلى الإباحة ، لأنه لوكان ذلك واجباً لكان علينا لا لنا و لأَثِمْنَا بتركه ، فيعود على موضوعه بالنقض وهذا لا يجوز . فالأمر المجرد عن القرائن يدل عل الوجوب ، سواء سبقه نهي أو لم يسبقه ، فإذا اقترنت به قرينة انصرف إلى المعنى الذي تدل عليه القرينة ، ولا خلاف في هذا .
و ذهب بعض الحنابلة و هو اختيار الكمال بن الهمام من الحنفية : أن الأمر بعد الحظر يرفع الحظر ، ويعيد حال الفعل المأمور به إلى ما كان عليه قبل الحظر، فإن كان مباحاً كان مباحاً ، وإن كان واجباً أو مستحباً كان كذلك(1).
ويبدو لي أن القول الأخير أدنى للقبول ، ويدل عليه استقراء النصوص التي وردت فيها الأوامر بعد النواهي ، فالاصطياد كان مباحاً قبل التحريم ، فلما جاء الأمر به بعد زوال سبب التحريم عاد إلى الإباحة . والكسب بأسبابه كان مباحاً قبل النهي عنه عند سماع نداء الصلاة للجمعة ، فلما جاء الأمر به بعد زوال المانع عاد إلى الإباحة . والقتال في غير أشهر الحرم كان واجباً على المسلمين، فلما جاء النهي عنه في أشهر الحرم صار حراماً، ثم لما جاء الأمر بالقتال بعد انتهاء الأشهر الحرم عاد حكم القتال إلى الوجوب كما كان قبل التحريم.
______________________________
(1) ((شرح مسلم الثبوت)) ج 1 ص 380. الآمدي ج3 ص 260-262. ((المسودة في أصول الفقه)) لآل تيمية ص 18.


-296-

#ff0000


271- دلالة الأمر على التكرار:
التكرار.. هو أن تفعل فعل فعلاً ثم تعود إليه فهل يقتضي الأمر إيجاد المأمور به على وجه التكرار ، أي فعله المرة بعد المرة ، أم لا؟
المختار من الأقوال في هذا الصدد : أن الأمر لا يدل على التكرار، لأن صيغة الأمر لا تدل إلا على مطلق طلب الفعل من غير إشعار بوحدة أو تكرر ، إذ هي موضوعة لهذا المعنى فتكرار المأمور به أو إيقاعه مرة واحدة خارج عن ماهية صيغة الأمر ولا دلالة فيها على واحد منها حسب الوضع . ولكن لما كان تحصيل المأمور به لا يمكن بأقل من مرة واحدة صارت المرة الواحدة ضرورية للإتيان بالمأمور به، لا أن الصيغة بذاتها تدل عليها(1).
وعلى هذا فالأمر المطلق يدل على مجرد طلب إيقاع الفعل المأمور به ، ويكفي للامتثال إيقاعه مرة واحدة ، إلا إذا اقترن به ما يدل على إرادة التكرار كأن يعلق الأمر على شرط ، أو على صفة ، اعتبرهما الشارع سبباً للمأمور به ، مثل: تعليق الأمر بالوضوء على ارادة الصلاة في قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ﴾ [المائدة:6 ]، فتكرار الوضوء مستند إلى تكرار سببه وهي إرادة الصلاة لا إلى الأمر. و مثل قوله تعالى: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:2 ]، فالأمر بإيقاع الجلد على الزاني يستند الى تحقق علته وهي الزنى ، فكلما تكرر الزنى تكرر الجلد ، فالتكرار هنا مبني على تكرر علة الجلد ، لا إلى الأمر بالجلد(2).
وإزاء هذا القول المختار قيلت أقوال أخرى ، منها : إن الأمر يقتضي التكرار المستوعب لمدة العمر مع الإمكان ، إلا إذا قام دليل يمنع من ذلك . وهذا قول بعض أصحاب الشافعي وأكثر الحنابلة ، وادعوا أن هذا هو المفهوم لغة من صيغة الأمر،
_________________________
(1) ((المسودة)) ص 20 ، (( الإحكام)) لابن حزم ج 3 ص 318، (( لطائف الإشارات)) ص 24 ، و الآمدي ج 2 ص 225 و ما بعدها، و قال بعضهم: ان صيغة الأمر بذاتها تدل على إتيان المأمور به مرة واحدة، الشوكاني ص 97.
(2) الآمدي ج 2 ص 225-236، و الشوكاني ص 97.

-297-

#ff0000
بدليل ما روي أن النبي عليه السلام قال : ((أيُّها النَّاس إن الله كَتَبَ عليكُم الحجّ)) فقام رجل من المسلمين ، وقال : أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال عليه السلام : لو قُلْتُها لوجَبَت ، ولو وجَبَت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا ، إن الحج مرة وما زاد فتطوع.
و وجه الدلالة بهذا الخبر أن السائل كان عارفاً باللغة العربية ، فلو لم يكن الأمر مقتضياً للتكرار لغة لما سأل ذلك الرجل هذا السؤال ، ولخطأه الرسول ﷺ(1).
والحق أن هذا الاستدلال ضعيف ، ولا ينهض حجة لما ذهبوا إليه ، إذ يمكن أن يقول : إن هذا الخبر يدل على عكس ما ذهبوا إليه ، لأنه لوكان الأمر يدل على التكرار لغة فلم سأل هذا السؤال؟ ألا يدل سؤاله على أن المفهوم لغة من الأمر هو مجرد طلب الفعل لا تكراره ، فأراد أن يتأكد من بقاء هذا المفهوم بالنسبة للحج أو إلحاقه بالعبادات المتكررة كالصلاة والزكاة؟ يوضحه أن بعض العبادات كالصلاة والصيام والزكاة تتكرر بتكرر الأوقات . والحج متعلق بالزمان والمكان فكان له شبه بالعبادات المتكررة ، فاستشكل عليه الأمر، أيلحق بها باعتبار تعلقه بالزمان ، أو لا يلحق بها باعتبار تعلقه بالمكان؟ و لهذا سأل الرسول ﷺ دفعاً لهذا الإشكال .
272- دلالة الأمر على الفورية أو التراخي(2):
هل يدل الأمر على فعل المأمور به فوراً أو على التراخي؟ اختلاف عند الفقهاء ، فالقائلون بالتكرار، يقولون بالفور. وأما غيرهم فيقولون : الأمر إما مقيد بوقت ، وإما غير مقيد بوقت.
والأول إما أن يكون مقيداً بوقت موسع أو مضيق . فالموسع يجوز فيه التأخير إلى آخر الوقت ، أي يجوز تأخير أداء الواجب الى آخر الوقت، والمضيق لا يحتمل التأخير.
وأما غير المقيد بوقت محدد كالأمر بالكفارات ، فهو لمجرد طلب الفعل في المستقبل ، فيجوز التأخير، أي إتيان المأمور به على التراخي كما يجوز إتيانه فوراً.
_______________________
(1) ((شرح المنار)) ص 136 و ما بعدها . ((شرح مسلم الثبوت)) ص 384 . ((المسوّدة)) ص 20.
(2) ((لطائف الإرشادات)) ص 24 ، ((الإحكام)) لابن حزم ج 3 ص 294، ((ارشاد الفحول)) ص 8، الآمدي ج 2 ص 242 و ما بعدها.

-298-

ياسمين الجزائر
2016-10-11, 11:45 PM
وهذا هو الصحيح عند الحنفية والجعفرية ومن وافقهم ، وهو الراجح عندنا، لأن صيغة الأمر لا تدل إلا على مجرد الطلب في الزمان المستقبل في أي جزء منه ، وإنما تستفاد الفورية من القرينة ، كقول القائل لخادمه : اسقني ماء ، فإن العادة قاضية بأن طلب السقي لا يكون إلا عند الحاجة ولحوق العطش ، فيكون الأمر دالاً على الفورية في هذه الحالة للقرينة .
ومع أن الأمر للتراخي لا للفور، فإن المسارعة إلى أداء الواجب خير من التأخير، لأن في التأخير آفات، وربما يلحق الإنسان الموت قبل أداء الواجب، لأن الآجال مجهولة وهي بيد الله ، ولهذا المعنى تستحب الفورية . قال تعالى: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ [المائدة:48] ، وقال تعالى : ﴿ وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ [آل عمران:133] ، فلفظ ((فاستبقوا)) و ((سارعوا)) تدلان على استحباب المبادرة إلى أداء الواجب، و لا تدلان على الوجوب ، لأنه لا يقال لمن يأتي بالواجب في وقته : مستبق أو مسارع(1).
273- ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب:
علمنا مما تقدم : أن الأمر يفيد الوجوب، أي إيجاد الفعل المأمور به على وجه الحتم والإلزام ، وصيرورة هذا الفعل واجباً في حق المخاطب . ولكن إيجاد الفعل المأمور به ، أي الواجب، قد يتوقف على إيجاد شيء آخر، فهل يكون هذا الشيء واجباً أيضاً بنفس الأمر الأول الذي أثبت أصل الواجب ، أم لا؟ للجواب على هذا السؤال لا بد من شيء من التفصيل، فنقول : الشيء الذي يتوقف عليه إيجاد الواجب قسمان :
القسم الأول : أن لا يكون مقدوراً للمكلف ، مثل : الاستطاعة لأداء واجب الحج ، و النصاب للزكاة ، و تكامل العدد اللازم لأداء صلاة الجمعة ، و نحو ذلك.
فهذا القسم لا يكلف به الإنسان ولا يتناوله الأمر، فلا يجب على المكلف تحصيل
____________________________
(1) ((شرح مسلم الثبوت)) ج 1 ص 288 – 289 ، ((شرح المنار)) ص 222 و ما بعدها.
(2) ((تيسر التحرير)) ج 2 ص 365 و ما بعدها، ((المستصفى)) للغزالي ج 1 ص 71 – 72 ، ((المسودة في أصول الفقه)) ص 65.


-299-


#ff0000
الاستطاعة ليؤدي الحج ، ولا تحصيل النصاب ليؤدي الزكاة ، ولا إيجاد العددالمطلوب لصحة أداء الجمعة .
القسم الثاني : أن يكون الشيء مقدوراً للمكلف وهو نوعان:
النوع الأول : ما ورد في وجوبه أمر خاص ، وهذا لا كلام لنا فيه ، ولا يدخل في موضوع تساؤلنا ، ولا هو مقصود بحثنا هنا . ومن هذا النوع الوضوء للصلاة، فإنه واجب على المكلف بأمر مستقل ، لا بقوله تعالى : ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ ، وهذا الأمر المستقل هو قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:6] .
النوع الثاني: ما يتوقف عليه أداء الواجب ، ولم يرد بوجوبه أمر خاص.
وهذا هو المقصود بسؤالنا الذي قدمنا . وقد قرر الأصوليون أن هذا النوع يكون واجباً بنفس الأمر الأول الذي ثبت به أصل الواجب . والأمثلة على ذلك كثيرة :
الأمر بالحج يقتضي السفر إلى مكة لأداء هذا الواجب، فيكون هذا السفر واجباً بنفس الأمر بالحج ، لأن واجب الحج لا يتم أداؤه إلا بهذا السفر . والأمر بأداء الصلاة جماعة - على قول القائلين بالوجوب - لا يتم إلا بالسعي إلى المساجد ، فيكون هذا السعي واجباً بنفس الأمر بأداء الصلاة جماعة . والأمر بإعداد القوة الكافية من قبل الأمة ، الثابت بقوله تعالى: «﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾ [الأنفال:60] لا يتم إلا بتعلم العلوم الحديثة التي استجدت في مجال الصناعة والكيمياء والفيزياء ونحوها ، فنكون تعلم هذه العلوم واجباً على الكفاية بنفس الأمر القاضي بإعداد القوة . والأمر بإقامة العدل بين الناس ودفع الظلم عنهم يقتضي تعيين القضاة للقيام ‎ بواجب إقامة العدل، فتعيين القضاة واجب بنفس الأمر القاضي بإقامة العدل .. هكذا.
و يخلص لنا مما تقدم : أن الأمر بواجب أمر بالشيء الذي ‏يتوقف عليه أداء هذا الواجب إذا لم يأت به أمر خاص.



-300-

ياس
2016-10-12, 01:26 AM
الفرع الثالث
النهي


274- النهي في اللغة : المنع ، وسمي العقل نهية : لأنه ينهى صاحبه عن الوقوع فيما يخالف الحق والصواب .

وفي الاصطلاح: طلب الكف عن الفعل على جهة الاستعلاء ، بالصيغة الدالة عليه .

ومن صيغ النهي: الصيغة المشهورة ((لا تفعل))، كقوله تعالى : ((وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنى )) [الاسراء :32] . ومنها نفي الحل ، كقوله تعالى : ((فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ)). والتعبير بلفظ يدل بمادته على النهي والتحريم، كقوله تعالى: ((وَيَنْهَى? عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ)) [النحل:90] وقوله تعالى : ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ))[النساء: 23] الاآية.

وقد يأتي النهي باستعمال صيغة الأمر الدالة على النهي ، مثل قوله تعالى : ((وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ)) [الانعام: 120].

275- موجب النهي(1):

صيغة النهي استعملت في عدة معان : كالتحريم والكراهة، والدعاء ، والتأييس ، والإرشاد ، وغيرها ، فمن الأول : (( وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ))[الأنعام:151 ،الإسراء:23]. ومن الثاني: قول النبي صلى الله عليه وسلم : ((لا تُصَلُّوا في مَبَارِك الإبل)). ومن الثالث: قوله تعالى : ((رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ))[آل عمران:8]. ومن الرابع: قوله تعالى: ((لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ)) [التحريم:7].




_____________________________________
1-((منهاج الوصول إلى علم الأصول)) للبيضاويص49، ((المسودة)) ص82، ((إرشاد الفحول))ص96، الآمدي ج2 ص274-275.


301

#ff0000


الخامس : قومه تعالى : ((لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ))[المائدة:101].
ولاختلاف المعاني التى يستعمل فيها النهي ، اختلف العلماء في معناه الحقيقى ، أي في موجبه أي في حكمه ، أي فيما يدل عليه النهي إذا تجرد عن القرائن . فقال قوم: إنه يدل على الكراهة ، وهذا هومعناه الحقيقي ، ولا يدل على غيرها إلا بقرينة ، وقال آخرون : إنه مشترك بين الكراهة والتحريم ، وهذا هو أصل معناه، والقرينة هي التي تصرفه إلى واحد منهما . وقال الجمهور: إن موجب النهي هو التحريم ، فهذا هومعناه الحقيقي الذي وضع له ، ولا يستعمل في غيره إلا على سبيل المجاز ، والقرينة هي التي تدل على إرادة هذا للجاز، أما لوتجرد عن القرائن ، فيفهم
منه التحريم لا غير. وقول الجمهور هو الراجح ، فصيغة النهي ، وضعت لتدل على طلب الكف عن الفعل جزماً ، والعقل يفهم الحتم من صيغة النهي المجردة عن القرينة ، ولا معنى للتحريم إلا هذا ، يؤيده أن السلف كانوا يستدلون بصيغة النهي المجردة عل التحريم .

276- هل يقتضي النهي الفور والتكرار(1)؟
ذهب البعض إلى أن النهي لا يدل بصيغته على الفور والتكرار ، لأن طبيعته لا تستلزم ذلك ، وإنما يجيء ذلك من أمر خارج عن الصيغة ، أي بالقرينة الدالة على الفور والتكرار .
وذهب البعض: إلى أن النهي ، في أصله ، يفيد الفور والتكرار، تكرار الكف ، واستدامته في جميع الأزمنة ، كما يقتضي ترك الفعل فوراً ، أي في الحال ، فإذا نهى الشارع عن شيء فعلى المكلف الكف عنه حالاً ودائماً، لأن الامتثال في باب النهي لا يتحقق الا بالمبادرة الى الامتناع عن الفعل حالاً ،والاستمرار عل هذا الامتناع .
وأيضاً فإن الفعل إنما نهى الشارع عنه لمفسدته، ولا يمكن درء هذه المفسدة إلا بالامتناع عنه حالاً ودائماً، وهذا ما نرجحه.


___________________________________
‎ ‏1-((المسودة))ص81،((لطائف الإشارات))ص25،الامدي ج2ص284 وما بعدها.
302
#ff0000


277- هل يقتضي النهي فساد المنهي عنه(1)؟

النهي كما قلنا ، على الراجح من الأقوال ، يفيد التحريم ، إذ تجردت صيغته من القرائن ، فلا يجوز للمكلف فعل المنهي عنه وإلا لحقه الإثم والعقاب في الآخرة، وهذا جزاء أخروي. ولكن هل يقتضي النهي فساد المنهي عنه إذا كان من العبادات والمعاملات ، فلا تتعلق بها الآثار الشرعية المقررة لها لو كانت وقعت صحيحة؟ اختلف العلماء في هذه المسألة ، ونحن نوجز خلاصة أقوالهم فيما يلي :

أولاً: إذا انصب النهي على ما يؤثرفي حقيقة الفعل وكيانه الشرعي ، كم لو ورد النهي عن بيع الجنين في بطن أمه ، أو بيع المعدوم ، أو عن الصلاة بلا وضوء ، أو نكاح الأمهات ، فإن النهي في هذه الحالة ، يقتضي فساد المنهي عنه وبطلانه واعتبار كأن لم يكن ، فهو والمعدوم سواء ، والمعدوم لا يترتب عليه الأثر المقرر له شرعاً لوكان قد وجد صحيحاً . وهذا النوع من المنهي عنه هوما يعبر عنه بعض العلماء بقولهم : هو مانهى عنه الشارع لعينه ، أي لذات الفعل أو لجزئه.

ثانياً : إذا كان النهي غير متوجه إلى ذات الشيء ، وإنما إلى أمر مقارن أو مجاور له ولكنه غير لازم للفعل ، كالنهي عن البيع وقت والأذان لصلاة الجمعة ، وكالصلاة في الأرض المغصوية ، فإن أثر النهي هنا ، هو كراهة الفعل، لا فساده وبطلانه ، بمعنى : أن الفعل تترتب عليه آثاره المقررة شرعاً، مع لحوق الكراهة به لنهي الشارع عنه . وهذا هو قول جمهور الفقهاء ، وذهب قليل منهم ، كالظاهرية ، إلى فساد الفعل في هذه الحالة ، لأن النهي عندهم يقتضي الفساد ، سواء كان وروده لذات الشيء وما به قوامه ، أو لأمر مقارن له.

ثالثاً : إذا كان النهي ، في حقيقته ، يلاقي بعض أوصاف الفعل الحلة اللازمة له ، أي
بعض شروط وجوده ، ولا يتجه إلى ذات الفعل وحقيقته ، كما في النهي عن البيع بثمن آجل مع جهالة الأجل ، وكالبيع بشرط فاسد، وكالصوم في يوم




___________________________________
1- ((لطائف الأشارات)) ص25-26، ((إرشاد الفحول))ص98، الآمدي ج2 ص275 وما بعدها


303


#ff0000



عيد ، فالجمهور يذهبون إلى فساد الفعل وبطلانه ، والحنفية يفصلون فيقولون بفساد وبطلان الفعل إن كان من العبادات ، وبالفساد لا البطلان إن كان من المعبادات ، والفاسد عندهم تترتب عليه بعض الآثار ،بعكس الباطل إذ لا يترتب عليه أثر ما . وحجتهم في ذلك : أن العبادة وضعت للاختبار والامتثال والطاعة ابتغاء رضوان الله، ولا سبيل لهذا كله إلا بإيقاعها كما أمر الشارع ، ولا يتحقق هذا الإيقاع المطلوب إلا إذا لم تحصل فيه مخالفة لا في ذاته ولا في وصفه، ومن ثم كان الفساد في العبادات كالبطلان فيها ، فالفاسد هو الباطل عندهم في العبادات .

اما المعاملات ، فالمقصود بها تحقيق مصالح العباد ،وآثارهاتتوقف عل أركان وشروطها،فإذا تحققت هذه الأركان فقد وجد الشيء ، وثبت له كيانه . إلا أن هذا الكيان قد يكون كاملاً إذا وجدت أوصافه كافة ، وفي هذه الحالة يكون صحيحاً . وقد يكون كيانه مختلاً، مع وجوده ، لفوات بعض أوصافه ، وفي هذه الحالة قد تتحقق به مصلحة ما ، فيجب أن تترتب عليه
بعض الآئار،وهذا هوالفاسد ، فهو مرتبة بين الباطل والصحيح .

فكأنَّ الحنفية أعطوا للفعل ما يستحق من رعاية بناء على وجود كيانه ، وأعطوا النهي حقه نظراً لفوات بعض أوصاف الفعل ، فقالوا بالفساد ، لا البطلان.

ويقول الشوكاني : ((والحق أن كل نهي من غير فرق بين العبادات والمعاملات يقتضي تحريم المنهي عنه وفسادهم المرادف للبطلان اقتضاء شرعياً، ولا يخرج عن ذلك إلا ما قام الدليل على عدم اقتضائه لذلك . ومما يستدل به قوله صلى الله عليه وسلم :«كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد» ، والمنهي عنه ليس عليه أمرنا فهو رد ، وما كان مردوداً فهو باطل، وهذا هو المراد بكون النهي مقتضياً للفساد))(1).




_____________________
1-((إرشاد الفحول))ص97-98.

304


#ff0000



المطلب الثاني
العام



278- تعريف العام:

العام في اللغة : الشامل المتعدد ، ومنه قولهم : عمَّهم الخير، أى شملهم.
وفي الاصطلاح : لفظ يستغرق جميع ما يصلح له ، بوضع واحد دفعة واحدة
من غيرحصر(1).
ومعنى هذا : أن العام لفظ وضع في اللغة وضعاً واحداً لا متعدداً ، لشمول جميع أفراد مفهومه ، أي لجميع الأفراد التي يصدق عليها معناه ، من غير حصر بعدد معين ، أي من غير أن يكون في اللفظ دلالة على انحصاره بعدد معين ، وإن كان في الخارج والواقع محصوراً، كالسموات مثلاً، وكعلماء البلد .
فكلمة (( الرجال)) لفظ عام ، لأنه وضع في اللغة وضعاً واحداً للدلالة على شمول جميع الآحاد التي يصدق عليها معنى هذا اللقظ ، وبدفعة واحدة(2).

279- ألفاظ العموم(3):

الألفاظ الدالة عل العموم كثيرة، من أشهرها ما يلى
اولاً : لفظ ((كل وجمع)). وهما يفيدان العموم فيما يضافان إليه ، مثل قوله تعالى:




___________________________________
ا - البيضاوي ص 0 5 ، المحلاوي ص 36 ، «المسودة» ص574، الآمدي ج 2 ص 286-287.
2- ومن تعريف العام يتبين الفرق بينه وبين المطلق ، فالعام يشمل كل فرد من افراده دفعة واحدة بينما المطلق لا يتناول ولا يشمل دفعة واحدة الا فردا شائعاً أو أفرادا شائعة لا جميع الافراد .
3-المحلاوي ص65 وما بعدها. ((المسودة))ص89.


305

#ff0000



((كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ)) ، وقوله تعالى : ((كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ))[الطور:21]،
وقوله عليه الصلاة والسلام : ((كلُّ راعٍ مسؤول عن رعيته)).

ثانياً : الجمع المعرف بأل للاستغراق ، أو بالإضافه .
فمن الأول : قوله تعالى : ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)) ((وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ? لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ))[البقرة:233]،(( لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ))[النساء:7]و((وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ))[البقرة:228]فألفاظ
الجموع الواردة في هذه النصوص ، تفيد استغراق أفرادها.أما الجموع المنكرة مثل : مسلمين، رجال، فإنها لا تفيد العموم، وإنما تحمل على أقل الجمع وهو ثلاثة(1).
ومن المعرّف بالإضافة : قوله تعالى : ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ)) ((خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً))[التوبة:103] ((يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ? لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ))[النساء:11].
ولا يهم كون الجمع ،جمع مذكر سالم ،أو مؤنث سالم أو تكسير،فكلها من الفاظ العموم إذا ما عرفت بأل الاستغراق أو بالاضافة .
ثالثاً : المفرد المعرف بأل المفيدة للاستغراق ، مثل قوله تعالى : ((وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ))[العصر:1-3]
فلفظ الإنسان هنا يشمل جميع أفراد الإنسان . ومنه أيضاً قول الله جل جلاله : ((وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا))[البقرة:275] ((الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ))[النور:2]((وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا ))[المائدة:38] وقول النبي صلى الله عليه وسلم((مطل الغني ظلم)).
ويلاحظ هنا : ان المفرد المعرف بأل، إنما يكون من ألفاظ العموم ، إذا لم
‎ ‏
‎ ‏


______________________
1-((المسودة))ص105.

306

#ff0000



تكن ((أل)) للعهد أو للجنس ، فإذا كانت لواحد منهما، لم يكن اللفظ من الفاظ العموم ، فمن ((أل)) العهدية كلمة «الرسول» في قوله تعالى : ((كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ ))[المزمل: 15،16] ومن ((أل))الجنسية، لفظ الرجل والمرأة في قول القائل: ((الرجل خير من المرأة))، أي إن جنس الرجل خير من جنس المرأة ، فلا تفيد كلمة الرجل ولا المرأة العموم ، فالتفضيل هنا منصب على الجملة، فهوتفضيل جملة على جملة،
لا تفضيل فرد على فرد.

رابعاً : المفرد المعرف بالإضافة:
مثل قوله تعالى : ((وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا))[إبراهيم:34، النحل: 18] وقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم : ((هو الطهور ماؤه الحلُّ مَيْتَتُه))، يدل على حل ميتة البحر بجميع أنواعها .

خامسا: الأسماءالموصولة كما في قوله تعالى : ((إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا))[النساء:10] (( وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَ?لِكُمْ)) [النساء: 24] فكلمة ((ما)) تشمل كل ما عدا المحرمات المذكورة قبل هذه الآية.
وقوله تعالى : ((مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ? وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ))[النحل:96] ((وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ))[ الطلاق:4] ((وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ))[النساء:22] ((وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ))[النساء:34].
سادساً: أسماء الاستفهام مثل(من) كقوله تعالى: ((مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ))[البقرة:245، الحديد: 11].
سابعاً: أسماء الشرط ، مثل: من، وما، وأين. مثل قوله تعالى((فَمنْ شَهِدَ مِنْكُم الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ))البقرة:185] ((وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ)) [البقرة:
‎ ‏
‎ ‏
‎ ‏
‎ ‏
‎ ‏

‎ ‏307
#ff0000



197] ((وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا))[النساء:93]((فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ))[الزلزلة:7،8]((أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ))[النساء:78].
ثامناً : النكرة الواردة في سياق النفي أو النهي، مثل قوله تعالى : (( وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً ))[االتوبة:48] وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( لا يقتل والدٌ بولده)) و(( لا
وصية لوارث)) و((لاضرر ولا ضرار)). وهي تفيد العموم ظاهراً إذا لم يكن فيها حرف (من)،فإن دخل عليها حرف (من) أفادته قطعاً ولم تحتمل التأويل ، كقولك : ما رأيت من رجل ، وماجاءَني من أحد(1).
أما النكرة الواردة في سياق الإثبات فليست من ألفاظ العموم ، كقوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً))[البقرة:67]وقد تدل على العموم
بقرينة كقوله تعالى في نعيم الجنة وأهلها : ((لَهًمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ))[يس: 57]فالفاكهة، هنا تشمل جميع أنواعها، بقرينة الامتنان على العباد . وكذلك تدل على العموم إذا كانت في سياق الشرط مثل : من يأتني بأسير فله دينار . فهذا يعم كل أسير.

280- دخول الإناث في خطاب الذكور:
ويلاحظ هنا : أن الفاظ الجموع من حيث دلالتها على الذكور والاناث،
أقسام :
فمنها : ما يختص بالدلالة على الذكور دون النساء ، وبالعكس ، إلا بدليل خارج عن اللفظ ، كلفظ «رجال» خاص بالذكور ، ولفظ (( النساء )) خاص بالإناث، ولا ينصرف أحدهما إلى معنى الآخر إلا بدليل خارج عن اللفط .
ومنهما : ما يشمل الذكور والإناث بحسب وضعه ، وهو الذي لم تظهر فيه علامة تذكير ولا تأنيث: كالناس ، والإنس ، والبشر.



______________________________
1-((المسودة))ص103

308
#ff0000



ومنها : ما يشملها بأصل وضعه ولا يختص باحدهما إلا ببيان ، وذلك نحو: ما ومن .

ومنها : ما يستعمل بعلامة التأنيث في جمع المؤنث السالم مثل : مسلمات، وبعلامة التذكير في جمع المذكر السالم ، مثل : مسلمون . وكاستعمال الواو في جموع التذكير. والنون في جمع الإناث ، فمن الأول : فعلوا ، ومن الثاني : فعلن ،فهل تشمل هذه الجموع الصنفين من الذكور والإناث ، أو يختص كل جمع بما تدل عليه علامته؟
ذهب الجمهور إلى الاختصاص ، فلا يدخل النساء فيما هو للذكورإلا بدليل، كما لا يدخل الرجال فيما هو للنساء إلا بدليل، لأن الأسماء وضعت للدلالة على مسمياتها ، فحصل بهذا الوضع تمييز كل نوع عن غيره، ولكن قد تقوم قرائن تقتضي دخول الإناث في جمع المذكر، كما في قرينة عموم التشريع للجميع ، وقد لا تقوم قرينة ومع ذلك تلحق الإناث بالذكور على سبيل التغليب، كما في قوله تعالى : (( قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَميعاً))[البقرة:38].

وقال البعض: إن جوع المذكر تشمل الإناث بالوضع.
وقول ا لجمهورهو الراجح الذي ينبغي المصير إليه(1).

281-أقل الجمع:
اختلف العلماء في أقل الجمع: هل هو اثنان أو ثلاثة؟ قال الجمهور: إنه اثنان ، وعلى هذا يصح إطلاقه لفظ الجمع على الاثنين على وجه الحقيقة لا المجاز، وقال البعض : إنه ثلاثة ، فلا يطلق على الاثنين إلا على وجه المجاز. واحتج كل فريق بجملة أدلة ، والراجح هو قول الجمهور(2).

282- دخول النبي صلى الله عليه وسلم في خطاب امته:
هل يدخل النبي صلى الله عليه وسلم في الخطابات القرآنية ، مثل : ((يَا أَيُّها الَّذِينَ


___________________________
1-((المسودة))ص49، الآمدي ج2ص386-392، ((إرشاد الفحول))ص112.
2- انظر ادلة الفريقين في كتاب((الإحكام))للآمدي ج2ص324-335.

309
#ff0000



آمنوا )) ((يَا أَيُّهَا النَّاس)) ((يَا عِبَادِي))؟ قال الجمهور بالإيجاب،وقال البعض بالنفي.
والراجح قول الجمهور ، لأن هذه الصيغ عامة لكل إنسان ولكل مؤمن ، وهو صلى الله عليه وسلم سيد الناس وسيد المؤمنين ، فلا يخرج منها إلا بدليل(1).

283-تخصيص العام(2):

قلنا : إن العام يستغرق جميع أفراد مفهومه ، وإن الحكم المتعلق به يثبت لكل أفراده . ولكن قد يقوم الدليل على أن مراد الشارع من العام ابتداء ليس هوالعموم، أي ليس هو استغراق جمع افراد مفهومه ، ولا ثبوت الحكم لجميع أفراده، وإنما مراده ابتداء بعض افراد العام ، وثبوت الحكم لهذا البعض وهذا هو المقصود بتخصيص العام . فالتخصيص ، إذن ، هو قصر العام على بعض مسمياته ، أي أفراده ، والدليل الذى دل عليه يسمى ((المخصص)). وقد اشترط البعض كالحنفية
في المخصص أن يكون مقارناً للعام ، ومستقلاً عن الكلام الذي ورد فيه ، فإن لم يكن
مقارناً للعام كان ناسخاً لا مخصصاً، وكذلك إن لم يكن مستقلاً عن لفظ العام ،كالاستثناء ، لا يسمى : مخصصاً، وإنما يسمى: صرف العموم به عن عمومه، وقصره على بعض أفراده قصراً ، وهو دليل القصر .
ولكن الجمهور ،لم يشترطوا في المخصص ما اشترطه الحنفية فيه ، فعندهم قد يكون التخصيص بدليل مستقل أو غيرمستقل ، مقارن للنص العام أو غير مقارن له ، ولكن بشرط أن لا يتأخر وروده عن وقت العمل به ، وإلا عد ناسخاً لا مخصصاً(3).



____________________________
1-الآمدي ج2 ص397-399.
2-((كشف الأسرار))ج1 ص306، ((شرح مسلم الثبوت))ج1 ص300،المحلاوي ص72،الآمدي ج2 ص407 وما بعدها.
3- من الفروق بين النسخ والتخصيص، أن النسخ رفع للحكم بعد ثبوته، والتخصيص بيان ما قصد باللفظ العام . والتخصيص لا يكون الا لبعض الافراد بخلاف النسخ فانه يكون لكل الافراد((ارشاد الفحول))ص125.

310

#ff0000

ياس
2016-10-12, 01:53 AM
ونذكر فيما يلي دليل التخصيص على قول غير الحنفية ، وهو قول الجمهور:

284-دليل التخصيص: (1):

أدلة تخصيص العام نوعان : متصل ، ومنفصل ، أما المتصل : فهو ما لا يستقل بنفسه ، بل يكون مذكورا مع العام ، ويتعلق معناه باللفظ الذي قبله ، ويكون جزءاً من الكلام الذي اشتمل على اللفظ العام . أما المنفصل : فهو ما يستقل بنفسه ولا يكون جزءاً من ا لكلام الذي اشتمل على اللفظ العام .

285- المخصص المنفصل، أي المستقل:

وهو أربعة أنواع : الأول : الكلام المستقل المتصل بالعام . الثاني : الكلام المستقل المنفصل عن العام . الثالث : العقل . الرابع : العرف .

أولاً : الكلام ا لمستقل المتصل بالعام :

ومعنى (( مستقل)) أي تام بنفسه . ومعنى متصل بالعام أي مذكورمعه بأن يأتي عقبه.
ومثاله : قوله تعالى : (( فَمنْ شَهِدَ مِنْكُم الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)) [البقرة:185] فالعموم الوارد فيه يشمل كل من حضر شهر الصوم، فيجب عليه صيامه ، ولكن خص هذا العموم بمن عدا المريض والمسافر بدليل ما جاء بعده من كلام مستقل متصل به ، وهو قوله تعالى : ((وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)) فالمريض والمسافر غيرمشمولين بعموم النص القاضي بوجوب الصيام على من شهد الشهر .

ثانياً: الكلام المستقل المنفصل:
وهو الكلام التام بنفسه ، ولكنه غير موصول بالنص الوارد فيه اللفظ العام .
ومثاله : قوله تعالة: (( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)) [البقرة:


_______________________________
1- ((الموافقات)) للشاطبي ج3 ص181 وما بعدها، ((تيسير التحرير)) ج1 ص375 وما بعدها،البيضاوي ص54 وما بعدها ، الآمدي ج2 ص416 وما بعدها، ((شرح مسلم الثبوت)) ج1 ص300 وما بعدها ، المحلاوي ص72 ، ((التوضيح)) ج1 ص42، ((سلم الوصول لعلم الأصول)) ص191،

311
#ff0000



228]، فلفظ «المطلقات» عام يشمل كله مطلقة ، مدخول بها أو غير مدخول بها، فتجب عليها العدة بما ذكر من القروء ، ولكن هذا العموم خص بالمطلقات المدخول بهن ، أي أن النص ينصرف إلى المدخول بهن دون غيرهن ، بقوله تعالى -وهو المخصص هنا - : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا)) [الأحزاب: 49]. ومثله قوله تعالى: ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اْلمَيْتَةُ)) [المائدة :3] عام في كل ميتة
فيكون حكمها التحريم ، ولكن خص بغير ميتة البحر، لقول الني صلى الله عليه وسلم عن البحر: ((هو الطَّهُورُ ماُؤه، الحِلُّ مَيْتَتُهً)).

ومثاله أيضاً : قوله تعالى ، في القذف وعقوبته : (( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)) [النور: 4،5]، أفاد هذا النص عموم القاذفين ،لأن اللفظ(( الذين ))عام، فيدخل فيه الأزواج وغيرهم إذا قذفوا ،كما يدخل في عموم لفظ ((المحصنات)) زوجات القاذفين وزوجات غيرهم، فيجب حد كل قاذف زوجاًكان أو غير زوج ، ولكن هذا العموم المستفاد من هذا النص خص بغير الزوج ،بدليل قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ))[النور: 6-9] فهذا النص خصص عموم النص الأول، وجعله قاصراً على غير الأزواج إذا قذفوا ،أما الأزواج إذا قذفوا زوجاتهم فيشملهم ما جاء بالنص المخصص. وهذا على رأي الجمهور، لأنهم لايشترطون في المخصص أن يكون مقارناً للعام .أما الحنفية، فلا يعتبرون هذا تخصيصاً بل يعتبرونه نسخاً جزئياً ،أي إن النص الثاني نسخ من حكم العام ما يتعلق بالأزواج وقذفهم لزوجاتهم، فأبطل حكم العام عنهم، وخصهم بحكم دون غيرهم.

‎ ‏
‎ ‏

‎ ‏

312
#ff0000



ثالثاً: العقل(1):

وهو يصلح أن يكون دليلاً على تخصيص جميع النصوص المشتملة عل تكليفات شرعية ، بقصرها على من هم أهل للتكليف دون غيرهم من صغار ومجانين ، وقد أيد الشرع دليل العقل، فجعل مناط التكليف البلوغ مع العقل ،كما ذكرنا من قبل.

ومثال التخصيص بالعقل ، قوله تعالى: ((أَقِيمُوا الصَّلَاةَ)) ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ))، ونحوذلك من النصوص العامة في التكليفات الشرعية ، كلها خصت بغير الصغار والمجانين ، والمخصص هو العقل ، والشرع دل على ما دل، عليه العقل .

وكذلك النصوص العامة ، التي لا تشتمل على تكليفات، ولكن العقل يقضي بتخصيصها ، مثاله قوله تعالى : ((الله خَالِقُ كُلَّ شَيْءٍ))[الزمر:62] خاص بما عدا الله جل جلاله ، فهو الدائم الباقي غير المخلوق .

وكذلك قوله تعالى : ((والله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ)) فلا تشمل القدرة خلق الله نفسه لما قلناه آنفاً .
رابعاً : العرف(2):

وهو يصلح أن يكون مخصصا للفظ العام ، وهذا مذهب المالكية ، قال القرافي : وعندنا العوائد مخصصة للعموم . ومن أمثلة تخصيص العموم بالعرف ما قالوه في قوله تعالى : ((وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ? لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ))[البقرة:233] إنه خص بغير الوالدات اللاتي ليس من عادتهم إرضاع ل أولادهن .

ومنه ايضا : تخصيص لفظ الطعام الوارد في الحديث : ((نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام بجنسه متفاضلاً ))، بالطعام الذي كان يطلق عليه هذا الاسم عرفاً في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، كما ذهب إلى هذا غير واحد من العلماء .

ومنه أيضاً : قول الله تعالى عن الريح التي دمرت بعض الأمم الظالمة ، ((تُدَمِّرُ


_____________________________
1-((المسودة))ص118،الآمدي ج2 ص459-465.
2-((المسودة))ص123-124،((الفروق))للقرافي ج1 ص187.

313
#ff0000



كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا)) [الأحقاف: 25] أي تدمركل شيء جرت العادة بتدميره بمثل
هذه الريح ، بدليل ما ذكره الله تعالى بعد هذه العبارة ، وهوقوله تعالى : (( فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ)) (1).
ومنه أيضاً ما قاله تعالى عن ملكة سبأ : ((وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ))[النمل: 23] أي أوتيت من كل شيء مما يحوزه أمثالها من ذوي الحكم والسلطان(2).

ومن التخصيص بالعرف ما إذا أوصى ((بدوابه)) ، وكان في بلد يقضي عرفه بإطلاق هذا الاسم على الخيل ققط دون غيرها من الدواب ، فإن وصيته تحمل على الخيول دون ما عنده من أبقار وأغنام .

286- المخصص المتصل ، أي غير المستقل(3):
وهو، كما قلنا : ما كان جزء مِن عبارة النص التي اشتملت على اللفظ العام .
فهو، إذن، كلام غير تام بنفسه ، وهوأنواع :

أولاً : الاستثناء :

الاستثناء : هو عبارة عن لفظ متصل بجملة، وهذا اللفظ لا يستقل بنفسه بل بحرف ((إلا)) أو أخواتها ، على أن مدلوله غيرمراد مما اتصل به ، وهو ليس بشرط ولا صفة ولا غاية .

ومن صيغ الاستثناء : إلا ، وهي المشهورة ، وغير، وعدا ، وما عدا ، وما خلا ، وليس ، ونحوها .

ويشترط لصحة الاستثناء أن يكون متصلا بالمستثنى منه من غير تخلل فاصل بينهما ، أو ما هو في حكم المتصل ، وقيل بصحة الاستثناء المنقصل وإن طال الزمان



___________________________
1- ((الموافقات)) للشاطبي ج3 ص172.
2- يسمي البعض دليل التخصص في هذا المثال والذي قبله ب ((دليل الحس)) اي ان الحس يشهد باختصاص العام ببعض افراده . انظر «ارشاد الفحول» ص 128.
3- الآمدي ج2 ص416 وما بعدها، ((لطائف الإشارات))ص30-31 ((إرشاد الفحول))ص129-135.




314
#ff0000


شهراً ، وهذا قول مرجوح ،والراجح ماذكرناه،وعليه جمهور الفقهاء
ومثاله أيضاً : قوله تعالى: ((مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ))[النحل:106] الاستثناء هنا قصر ((من كفر)) وهولفظ عام ، على من كفر باختياره ورضاه ، أما من كفر مكرهاً فلا يكون كافراً.

ومثله أيضاً : قوله تعالى : ((وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَ?ئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ))[الفرقان: 68-70] فالإثم يلحق من فعل هذه المنكرات ولم يتب ويؤمن ويعمل الصالحات .
هذا ومن المفيد بيانه هنا : أن الاستثناء إذا ورد بعد جمل متعاطفة فإنه يعود الى الجمع ما لم يخصه دليل . وذهب البعض إلى أن الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة، إلا أن يقوم الدليل على التعميم، ومن أمثلة ذلك : قوله تعالى : (( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلّا الّذِينَ تَابُوا ....)) فإن الاستثناء راج إلى الفاسقين ، لا إلى القائلين برجوع الاستثناء إلى جميع الجمل، وحجتهم: أن الدليل خص الاستثناء في هذه الآية بالجملة الأخيرة.
ومثله : قوله تعالى في القتل الخطأ : ((فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا)) [النساء:92] فالاستثناء راجع إلى الدية دون الإعتاق،لأن الدية هي الجملة الأخيرة فقط ، أو لأن الدليل دل على تخصيص الاستثناء بالدية فقط على رأي القائلين برجوع الاستثناء إلى جميع الجمل المتعاطفة.

ثانياً: الصفة:
والمقصود بها هنا كما قال الشوكاني: الصفة المعنوية لا مجرد النعت المذكور في




315
#ff0000





علم النحو، كقوله تعالى : (( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ- إلى قوله تعالى -وَرَبَئِبُكُمُ اللاتِي في جُحُورِكُم مِنْ نِسَائِكُمْ الَّلاتيِ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ...)) فتحريم الربائب مقصور على بنات الزوجات المدخول بهن . هذا وإذا ورددت الصفة بعد جمل ، فالكلام في عود الصفة إلى الجملة، الأخيرة أو إلى جميع الجمل: كالكلام في رجوع الاستثناء ،الذي الذي تكلمنا عنه قبل قليل.

ثالثاً: الشرط:

وهو، كما قال الغزالي ، ما لا يوجد المشروط دونه ، ولا يلزم أن يوجد عند وجوده . وصيغه كثيرة، منها: إن الشرطية، وإذا، ومن، ومهما، وحيثما، وأينما، مثل قوله تعالى: (( فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ))[البقرة:233] فنفي الجناح - وهوعام لأنه نكرة في سياق النفي -مشروط بالشرط المذكور في الآية ،أي إن نفي الجناح مقصورعلى هذه الحالة. ومثله قوله تعالى: (( وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ-إلى قوله تعالى - وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ))[النساء:12] فميراث النصف والربع مقصور على حالة عدم وجوه الولد للمورث الميت.

رابعاً: الغاية:

وهي نهاية الشىء المقتضية لثبوت الحكم لا قبلها وانتفائه عما بعدها . وصيغها: إلى، وحتى ، ولا بد أن يكون حكم مابعدها مخالفاً لما قبلها . وهي لاتخلو أيضاً إما أن تكون مذكورة عقب جملة واحدة أو جمل متعددة ، فإن كانت عقب جملة واحدة كان ذلك دالاً على إخراج مابعد الغاية من عموم اللفظ ، واختصاص ماقبلها بالحكم، مثل قولنا((أنفق على طلاب الكلية إلى أن يتخرجوا))، وأن كانت الغاية متعددة وهي عقب جملة واحدة ،ينظر فإن كانت الغاية على الجمع،
أي ورودها بواو العطف، فالحكم مختص بما قبلها ،وإن كانت على البدل، أي ورودها بحرف التخيير، فالحكم مختص بما قبل إحدى الغايتين مثل: ((أَنفق على طلاب الكلية إلى أن يتخرجوا،ويسافروا الى بلادهم))فالحكم مختص ومقصور على الطلاب قبل

‎ ‏

‎ ‏316
#ff0000

تخرجهم وسفرهم ، ولا يكفي تخرجهم دون سفرهم لإيقاف الإنفاق ، وهذا بخلاف قولنا ، «أنقق على طلاب الكلية إلى أن يتخرجوا ، أو يسافروا إلى بلادهم)) فإن الإنفاق مقصور عل الطلبة قبل تخرجهم أو قبل سفرهم ، فالإنقاق يقف عندتحقق إحدى الغايتين . هذا وإن العلماء اختلقوا في الغاية نفسها هل تدخل في المغيا ، ققال بعضهم : أنها تدخل فيما قبلها ، وقال غيرهم: لا تدخل . ومثاله قوله تعالى : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ)) فهل تدخل المرافق في الغسل؟ على قول البعض لا تدخل ، وعلى قول غيرهم تدخل، والاحتياط يقضي بدخولها .

287-دلالة العام (1):

العام يدل على أفراده على سبيل الاستغراق ، كما قلنا غير مرة ، ولكن العلماء اختلفوا في دلالته على هذا الشمول ، أهي قطعية أم ظنية؟ قولان للعلماء .
فذهب بعضهم ، ومنهم الحنفية ، إلى أن دلالته على أفراده قطعيةما لم يخصص ، فإذا خصص صارت دلالته على ما بقي من أفراده ظنية لا قطعية .
ومعنى القطعية التي يثبتها هؤلاء للعام ، هو انتفاء احتمال التخصيص الناشيء عن دليل ، لا نفي احتمال التخصيص مطلقاً، فإذا لم يقم دليل على تخصيصه ، فإن دلالته على العموم تبقى قطعية .

وقال ا لجمهو ر: إن دلالة العام على شمول جميع أفراده دلالة ظنية لا قطعية قلبل
التخصيص وبعده.

‎ ‏288- احتج أصحاب القول الأول بأن اللفظ العام وضع لغة لاستغراق جميع أفراده، وهذا هو المعنى الحقيقي للفظ العام، فيلزم حمله عليه عند أطلاقه ، ولا يجوز صرفه عنه إلا بدليل يدل على تخصيصه وقصره على بعض أفراده . أما احتمال التخصيص دون أن ينهض دليل على هذا الاحتمال، فهو مما لا يؤبه به ولا يلتفت



____________________________________
1- ((إرشاد الفحول))ص117 وما بعدها، ((أصول))السرخسي ج1 ص 132-134، ((فواتح الرحموت)) ج1 ص265 وما بعدها، ((الموافقات)) للشاطبي ج3 ص166 وما بعدها، ((المحلاوي)) ص70-71
‎ ‏
‎ ‏


317
#ff0000


إليه ، ولا يعول عليه ، فتبقى دلالة العام على شمول أفراده قطعية ولا يؤثر فيها مجرد احتمال التخصيص بلا دليل ، إذ أن هذا الاحتمال من قبيل التوهم ، ولا عبرة بالوهم ولا بالتوهم

298- واحتج أصحاب القول الثاني ، وهم الجمهور ، بأن الغالب في العام تخصيصه ، وعلى هذا دل استقراء النصوص الشرعية التي وردت فيها ألفاظ العام، فما من عام إلا وقد حصص إلا في القليل النادر ، حتى شاع بين أهل العلم : أنه ما من عام إلا وقد خص منه البعض .. فإذا كان تخصيص العام هو الغالب الشائع ، فإن احتمال تخصيصه يكون قريباً ، لا وهماً ولا توهماً ، وبالتالي لا تكون دلالته على الاستغراق قطعية.

290- ثمرة الخلاف في دلالة العام :

وقد ترتب على خلاف العلماء في قوة دلالة العام ، أي من جهة قطعيتها أو ظنيتها ، اختلافهم في أمرين:

الأمر الأول:
تخصيص عام القرآن بخاص خير الآحاد . فالعلماء متفقون على أن اللفظ العام الوارد في القرآن يجوز تخصيصه بالقرآن أو بالسنة المتواترة ، ولكنهم يختلفون في جواز تخصيصه بسنة الآحاد، لأن القران قطعي الثبوت ، والسنة الآحادية ظنية الثبوت ، فلا يقوى الظني على تخصيص القطعي ، وهذا ما قال به الأحناف ، فلا يجوز عندهم تخصيص عام القرآن بسنة الآحاد ،الا إذا خصص عام القرآن بمخصص في قوته كنص من القرآن أو بسنة متواترة، لأنه بعد التخصيص يصير ظني الدلالة، فيخصصه ما هو ظني أيضاً كخبر الآحاد. ويقولون أيضاً إن تخصيص العام من قبيل البيان للمراد منه ، فلا بد أن يكون المبيِّن في قوة المبيَّن أو أقوى منه .
وعند غير الأحناف ، وهم جمهورالعلماء ،يحوز تخصيص اللفظ العام الوارد في القرآن.




______________________________________
1- ((المسودة)) ص119-134 ، الآمدي ج 2 ص472 وما بعدها ،((فواتح الرحموت)) ج1 ص265، ((أصول)) السرخسي ج1 ص133-142 و (( التوضيح والتلويح)) ج1 ص41، ((أصول الفقه)) لأستاذنا ابو زهرة ص171 وما بعدها .


318
#ff0000

باللفظ الخاص الوارد في سنة الآحاد ، لأن خبر الآحاد إن كان ظني الثبوت فهو قطعي الدلالة لكونه خاصاً ، وعام القرآن إن كان قطعي الثبوت فهو ظني الدلالة فتعادلا ، فجاز أن يخصص عام القرآن بخاص الآحاد .
ومن الأمثلة لتخصيصات عمومات القرآن بأخبار الآحد ، تخصيص قوله تعالى : ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ اْلمَيْتَةُ)) بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((هو الطهور ماؤُه،الحلُّ ميتته))، وحديث: ((لا يتوارث أهل ملتين شتى)) خصص عموم الوارث في آيات المواريث ،
وخصصه أيضاً حديث : (( لا يرث القاتل )) ، وخصص عموم قوله تعالى : (( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا...)) بقول النبي صلى الله عليه وسلم «لا قطع في أقل من ربع دينار))، وحديث : (( لا تُنْكَح المرأة عل عمتها ولا على خالتها)) خصص العموم الوارد في قوله
تعالى : ((وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَ?لِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ))[النساء:24].

فوقع التخصيص بسنة الآحاد لعموم القرآن والاحتجاج به ، دليل على صحته.

والحنفية يجيبون على حجة الجمهور بأن التخصيص بهذه الأحاديث لأحد سبين : الأول : إما أن عام القرآن خصص بدليل قطعي ، فصارت دلالته على الباقي من أفراده ظنية ، فجاز تخصيص العموم في الباقي بدليل ظني كما في آية : ((وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَ?لِكُمْ ..))الآية، فإن ((ما))
لفظ عام يشمل بعمومه المشركات وغيرهن،ولكن خص بقوله تعالى: ((وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ))[البقرة:221] فصار بعد هذا التخصيص قابلاً للتخصيص بدليل ظني كخبر الآحاد الذي قالوه وهو : (( لا تُنْكَح المرأة عل عمتها ولا على خالتها)).

أما الأحاديث الأخرى التي احتجوا بها، فهي من السنة المشهورة المستفيضة، والسنة المشهورة يجوز تخصيص عام القرآن بها.

والحق، إن تخصيص القرآن بسنة الآحاد قد وقع ،واحتج به العلماء،وما دفع به الحنفيةمن أن هذه الأحاديث مشهورة،لا يسلم لهم، إذ لا دليل لهم عليه، وإذا

‎ ‏

‎ ‏319
#ff0000

صحت شهرة بعض الآحاد . فإن البعض الآحر يبقى من أخبار الآحاد كما بين علماء الحديث .
وعلى أية حال ، فإن الخلاف بين الأحناف والجمهور تضيق دائرته إذا علمنا ، كما ذكرنا في بحث السنة ، أن من أنواع خبر الآحاد ، عند الجمهور، السنة المشهورة ، وهذه السنة يجوز بها تخصيص عام القرآن على رأي الحنفية .

291- الأمر الثاني :

عند اختلاف حكم العام مع الخاص ، بأن يدل أحدها على حكم يخالف ما دل عليه الآخر في مسألة معينة ، يثبت أصحاب القول الأول ، القائلون بالقطعية ، التعارض بينهما لاستوائهما في قطعية الدلالة ، وفي هذه الحالة إذا علم اقترانهما في الزمان كان الخاص مخصصاً للعام ، وإن تأخر عنه في الورود كان الخاص ناسخاً للعام في بعض أفراده ، وإن جهل تاريخ الورود عمل بالراجح منهما حسب قواعد الترجيح . فإن لم يوجد تساقطا ولم يحتج بواحد منهما .

أما أصحاب القول الثاني ، القائلون بظنية دلالة العام على العموم ، فإنهم لا يثبتون التعارض بين العام والخاص، لأن الخاص قطعي الدلالة ، والعام ظني الدلالة ، والقطعي يقدم على الظني فيعمل به دونه ، أي يخصص به العام سواء علمنا أيهما أسبق تاريخاً أو جهلنا التاريخ ، وهذا عند الحنابلة والشافعية ومن واققهم .

من ذلك ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ما سَقَتْه السماء ففيه العشر)) ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة)) ، فالحديث الأول عام يشمل قليل الزرع وكثيره ،وأن فيه العشر .. والثاني خاص لا يشمل غير ما ورد فيه ، وهو خمسة أوسق ، فلا يشمل ما هو أقل منه ، فالجمهور اخذوا بالثاني ، لأنه خاص ودلالته قطعية ،ولم يأخذوا بالأول، لأنه عام ودلالته ظنية، فلم يوجبوا الزكاة فيما دون خمسة أوسق.
والحنفية، من أصحاب القول الأول،أخذوا بالحديث الأول وإن كان عاماً، لأن دلالته قطعية كدلالة الخاص ،ولأنه يوجب الزكاة في القليل والكثير خلافاً

‎ ‏
‎ ‏
‎ ‏

‎ ‏320
#ff0000

ياس
2016-10-12, 02:13 AM
للثاني ، وحيث ان الاحتياط في الوجوب واجب ، فيترجح الأخذ بالحديث الأول دون الثاني ، كما إن الحديث الأول أشهر من الثاني ، والأخذ به أنفع للفقراء.

292-أنواع العام(1):

العام ثلاثة أقسام : الأول : عام دلالته على العموم قطعية ، بأن يقوم الدليل على انتفاء احتمال إرادة الخصوص به ، مثل قوله تعالى : ((وَمَا مِنْ دَابَّةٍ في اْلأَرْضِ إِلا عَلَى الله رِزْقُهَا))[هود:6].
الثاني: عام يراد به الخصوص قطعاً لقيام الدليل على أن المراد بهذا العام بعض أفراده لا كلهم ، مثل قوله تعالى : (( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا))[آل عمران:97]وقوله تعالى : (( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ )) وقوله تعالى : (( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ))[البقرة:185] فالناس ،وضمير الجماعة في أقيموا ،و((من)) ألفاظ العموم ، ولكن يراد بها بعض المكلفين لا كلهم ، لأن العقل يقضي
بإخراج المجانين ونحوهم من عديمي الأهلية من واجب التكليف ، كما أن الحديث الشريف أخرجهم من التكليف ، فقد جاء في الحديث : (( رُفِعَ القلم عن ثلاث : عن الصبي حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يفيق ، وعن النائم حتى يستيقظ)). ومثله أيضاً : قوله تعالى مخبراً عن النار : (( وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ))[البقرة: 24،التحريم:6]
فالمراد بالناس بعضهم لا كلهم بدليل قوله تعالى : (( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُولَ?ئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ))[الانبياء:101].
الثالث: عام مخصوص ، وهوالعام المطلق الذي لم تصحبه قرينة تنفي احتمال تخصيصه ، ولا قرينة تنفي دلالته على العموم ، مثل قوله تعالى : ((وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)) [البقرة: 228].
‎ ‏
‎ 293-أمثلة العام وتخصيصه من القوانين الوضعية:

أولاً: من أمثلة العام:‏
‎ ‏
‎ نص القانون المدني العراقي في المادة السابعة على ما يأتي: ((من استعمل حقه


______________________________
1-((الرسالة))للإمام الشافعي ص58 وما بعدها، وخلاف ص217-218.‏
‎ ‏
‎ ‏
‎ ‏321
#ff0000

استعمالاً غير جائز، وجب عليه الضمان)) كلمة (من) تفيد العموم ، لأنها من الفاظه .

ونص قانون العقوبات العراقي في المادة 253:

((كله من طلب أو أخذ أو قبل عطية أو وعداً يشيء لأداء الشهادة زوراً يعاقب ، ومن أعطى أو وعد أو من تدخل بالواسطة في ذلك بالعقويات المقررة للرشرة أو شهادة الزور أيهما اشد)).

كلمة ((كل من )) تفيد العموم، لان كلمة ((كل)) تفيد عموم ما أضيفت إليه ،وكذلك كلمة «من) الواردة في النص تفيد العموم ، لأنها من ،ألفاظه .

ونص قانون العقوبات العراقي في المادة 67 .

إذا ارتكب الحدث مخالفة يحكم عليه بدلاً من العقوبة المقررة لها له القانون بانذاره في الجلسة ...الخ.

كلمة ((الحدث)) تفيد العموم ، لأنها مفرد معرف بأل التعريف التي تفيد الاستغراق .

ونص قانون الأحوال الشخصية العراقي في مادته العاشر:

يسجل عقد الزواج في المحكمة المختصة بدون رسم في سجل خاص ، وفقاً للشروط الاتية :

فعبارة (( عقد الزواج)) تفيد العموم ، لأن المضاف إلى معرفة يفيد العموم .

ثامنا : ومن أمثلة تخصيص العام :
1- نص قانون الأحوال الشخصية العراقي في مادته الثامنه والخمسين على ما يأتي:

((نققة كل انسان في ماله إلا الزوجة فنفقتها على زوجها )) المخصص هنا الاستثناء ، إذ خصص نققة كل إنسان في ماله بما عدا الزوجة ، أى ان الاستثناء


322

#ff0000

قصر (( نفقة كل إنسان في ماله )) وهي عام على ما عدا الزوجة إذ تجب نفقتها على زوجها في جميع الأحوال ، وإن كانت ذات مال .

2 - نص قانون الأحوال الشخصية العراقي في مادته العاشرة على ما يأتي:
يسجل عقد الزواج قي الحكمة المختصة بدون رسم في سجل خاص وفقاً للشروط الآتية:

فكلمة ((المحكمة)) عام ، ولكنه خص بالمحكمة التي أعطاها القانون اختصاص تسجيل عقود الزواج ، والمخصص هنا الصفة وهي كلمة ((المختصة)).

3- القانون المدني العراقي في الفقرة الأولى من مادته السابعة والعشرين ، على ما يأتي:

(( الالتزامات غيرالتعاقدية يسري عليها قانون الدولة التي حدثت سنيها الواقعة المنشئة للالتزام)) المخصص هنا، الصفة وهي (( غير التعاقدية)) خصصت(( الالتزامات )) وهي لفظ عام ، بالالتزامات الموصوفة بأنها غيرالتعاقدية ، أي لم تنشا من العقد، فهذه هي التي يسري عليها قانون الدولة التي حدوث فيها الواقعة المنشئة للالتزام ، وليس قانون القاضي .

4- نص قانون الخدمة المدنية العراقي في الفقرة الرابعة من المادة التاسعة عشرة على ما يأتي :
(( كل موظف مثبت اشترك في دورة تدريبة لا تقل مدتها عن ستة أشهر متصلة وأكملها بنجاح يعطى قدماً لمدة ستة أشهر لغرض الترفيع . . الخ )).
حكم هذه المادة مقصور على الموظفين المثبتين دون غيرهم من الموظفين غير المثبتين ، لأن الصفة وهي كلمة ((مثبت)) خصصت عبارة ((كل موظف)) وهي من العام بالموظفين المثبتين ، فلا يسري حكم المادة على هؤلاء.
323

#ff0000





5- نص قانون العقوبات العراقي في مادته 311 على ما يأتي:

((يعفى الراشي أو الوسيط من العقوبات إذ بادر بإبلاغ السلطات القضائية أو الادارية بالجريمة ، أو اعترف بها قبل اتصال المحكمة بالدعوى)).
حكم المادة هو (( اعفاء الراشي والوسيط من العقوبة))وهما - أي الراشي والوسيط - من ألفاظ العموم ، مخصوص بأولئك الذين يقومون بالإبلاغ المذكور في المادة ، والمخصص هنا الشرط .

294-العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب(1):
اشتهر على ألسنة الأصوليين والفقهاء . قولهم : العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السيب ... ويريدون بهذه العبارة ، أن العام يبقى على عمومه وإن كان وروده بسبب خاص كسؤال أو واقعة معينة . فالعبرة بالنصوص وما اشتملت عليه من أحكام ، وليست العبرة بالأسباب التي دعت الى مجيء هذه النصوص . فإذا جاء النص بصيغة عامة لزم العمل بعمومه ، دون التفات إلى السبب الذي جاء النص العام من أجله ، سؤالاً كان هذا السبب أو واقعة حدثت ، لأن مجيء النص بصيغة العموم ،يعني أن الشارع أراد أن يكون حكمه عاماً لا خاصاً بسببه. وهذا مذهب الحنابلة والحنفية وغيرهم .

والأمثلة على ذلك كثيرة منها:

أولاً : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من
الماء ، فإن توضأنا به عطشنا ، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال صلى الله عليه وسلم «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» . فقوله : ((الطهور ماؤه)) عام حال السعة والاضطرار، ولا عبرة
بخصوص السؤال وهو السؤال عن التوضيء به لحاجة السائل إلى الماء الذي يحمله ، كما أن الحكم لا يختص بالسائل ، بل يعم الجميع .
ثانيا ً : إن النبي صلى الله عليه وسلم مر بشاة ميتة، فقال : هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به )) وفي رواية اخرى : قال النبي صلى الله عليه وسلم ((أيما إهاب دبغ فقد طهره )) فقول
النبي صلى الله عليه وسلم


_______________________
1- ((المسودة))ص130، ((إرشاد الفحول)) ص117-118.

324

#ff0000

جاء عاماً لا خاصاً بالشاة الميتة التي رآها ، ولا بجلد الشاة الميتة دون غيرها ، فيشمل كل جلد من حيث طهارته بالدباغة.
ثالثاً: جاء في السنة أن امرأة سعد بن الربيع جاءت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت
له : هاتان ابنتا سعد بن الربيع ، قتل ابوهما معك في أحد، وقد أخذ معهما مالهما ..
فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعم البنتين: أعط البنتين الثلثين، والزوجة الثمن، ومابقي فهو لك.
فهذا الحكم من النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة. لا يختص بتلك الواقعة. بل يعم جميع
الناس في مثل هذه الواقعة ، ولا عبرة بكون أن أبا البنتين قتل في سبيل الله ، أو أن البنتين لا مال لهما .
رابعاً : آية اللعان وإن نزلت بسبب واقعة معينة، هي قذف هلال بن أمية زوجته. إلا أنها عامة في جميع الأزواج إذا قذفوا زوجاتهم .
وهكذا فكل عام ورد لسبب خاص من سؤال أو حادثة ، فإنه يعمل بعمومه ولا عبرة بخصوص سببه ، لأنه كما قال الإمام الشافعي : السبب لا يصنع شيئأ إنما تصنع الألفاظ ، وهكذا كان يفعل فقهاء المسلمين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وفي العصور التي تلته دون إنكار فكان إجماعاً.
ومن الجدير بالتنويه : أن أكثر عمومات القرآن والسنة جاءت بسبب أسئلة يتقدم بها الناس ، أو وقائع تحديث ... ومع هذا فقد عمل بعمومها الفقهاء دون إنكار ، كما قلنا .
ومثل هذا يقال في القوانين الوضعية ، فالعبرة بالفاظها ونصوصها العامة وما اشتملت عليه من أحكام عامة ، وإن كان تشرع الأحكام لأسباب خاصة أو وقائع
معينة دعت إلى تشريعها.

325

#ff0000
المطلب الثالث
المشترك(1)


295-تعريفه:

المشترك عند الأصوليين : لفظ يتناول أفرادا مختلفة الحدود على سبيل البدل .
أو بتعبير آخر المشترك : لفظ وضع لمعنيين أو أكثر بأوضاع متعددة. فهو إذن لم يوضع لمجموع ما يدل عليه بوضع واحد ، بل بأوضاع متعددة، أي وضع لكل معنى من معانيه بوضع على حدة كأن يوضع لهذا المعنى ثم يوضع مرة ثانية لمعنى آخر، وهكذا .

فمن المشترك الموضوع لمعنيين ققط « القرء» ، فقد وضع للطهر والحيضة .
ومن المشترك الموضوع لاكثر من معنيين ، لفط ((العين)) ، فقد وضع لعدة معان ، منها : العين الباصرة ، وعين الماء ، والجاسوس، والسلعة . ووضع هذا اللفظ لهذه المعاني ، كان وضعاً متعدداً ، أي وضع لكل معنى عن هذه المعاني بوضع على حدة. وكالمولى وضع للمعتق وللعتيق .

296- أسباب وجود المشترك في اللغة:

الألفاظ المشتركة موجودة في اللغة العربية ، فلا سبيل إلى إنكارها . وقد ذكر العلماء لهذا الوجود اسهاباً ، أهمها:
أولاً : اختلاف القبائل العربية في وضع الألفاظ لمعانيها ، فقد تضع قبيلة هذا اللفظ لمعنى ،وأخرى تضع نفس اللفظ لمعنى آخر،وثالثة تضعه لمعنى ثالث ، فيتعدد

__________________________________________________ ____
1-((شرح المنار)) ص339،الحلاوي ص81-82،و((أصول الفقه))لاستاذنا ابو زهرة ص160 وما بعدها ((أصول التشريع الإسلامي))علي حسب الله ص217 وما بعدها،((علم أصول الفقه))للشيخ عبد الوهاب خلاف ص207 وما بعدها.
326

#ff0000


الوضع وينقل إلينا اللفظ مستعملاً في هذه المعاني دون ان ينص علماء اللغة على تعدد الوضع أو الواضع .
ثانياً : قد يوضع اللفظ لمعنى، ثم يستعمل في غيره مجازاً، ثم يشتهر استعمال المجازي ، حتى ينسى أنه معنى مجازي للفظ ، فينقل إلينا على أنه موضوع للمعنيين الحقيقي والمجازي .

ثالثاً : أن يكون اللفظ موضوعة لمعنى مشترك بين المعنيين ،فيصح إطلاق اللفظ على كليهما ، ثم يغفل الناس عن هذا المعنى المشترك الذي دعا إلى صحة إطلاق اللفظ على كلا المعنيين ، فيظنون ان اللفظ من قبيل المشترك اللفظي ، كلفظ القرء فإنه في اللغة يطلق عل كل زمان اعتيد فيه أمر معين ، فيقال للحمى قرء، أي زمان دوري معتاد تكون فهه . وللمرأة قراء ، أي وقت دوري تحيض فيه ، ووقت آخر تطهر فيه ، وكالنكاح لفظ وضع لمعنى الضم ، فصح إطلاقه على العقد ذاته ، لأنه فيه ضم اللفظين الإيجاب والقبول ، وصح إطلاقه على الوطء أيضاُ، ولكن اشتهر إطلاقه على العقد ، فظن البعض أنه حقيقة فيه مجاز في غيره ، وظن البعض الآخر أنه في الوطء حقيقة وفي العقد مجاز .

رابعاً : أن يكون اللفظ موضوعاً لمعنى في اللغة ، ثم يوضع في الاصطلاح لمعنى آخر، كلفظ (( الصلاة)) وضع لغة للدعاء ، ثم وضع في اصطلاح الشرع للعبادة المعروفة .

297- حكم المشترك:

إذا ورد لفظ مشترك في نص شرعي من الكتاب أو السنة ، ينظر: فإن كان مشتركاً بين معنى لغوي ومعنى اصطلاي شرعي ، وجب حمله على المعنى الثاني .
وإن كان مشتركاً بين معنيين أو أكثر لغة ، وجب حمله على معنى واحد منها بدليل يدل على هذا الحمل .

298- الأمثلة:
327

#ff0000



أولاً : في قوله تعالى ((الطّلَاقُ مَرَّتَانِ)) يحمل الطلاق على معناه الاصطلاحي الشرعي ، وهو حل الرابطة الزوجية الصحيحة ، ولا يحمل على معناه اللغوي وهو حل القيد مطلقاً .

وقوله تعالى : (( أَقِمُوا الصَّلَاةَ)) يراد بلفظ ((الصلاة)) المعنى الشرعي الاصطلاحي وهو العبادة المعروفة بمهيآتها وأركانها ، لا المعنى اللغوي وهو الدعاء .

والسبب في حمله المشترك على معناه الا صطلاحي لا اللغوي ، هو أن الشارع لما نقل هذا اللفظ عن معناه اللغوي إلى معناه الاصطلاحي الشرعى الذي استعمله فيه ، كان اللفظ في عرف الشارع متعين الدلالة على ما وضعه الشارع له ، فيجب المصير إليه (1).

ثانياً : وفي قوله تعالى : (( وَاْلمُطلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَّ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ))[البقرة: 228].
لفظ « القرء» استعمل هنا في معناه اللغوي ، وهو إما الطهر وإما الحيضة ، فعلى المجتهد أن يبذل جهده لمعرفة المراد منه ، لأن الشارع ما أراد إلا أحد معنييه.

والمجتهدون يختلفون في تبين المراد منه حسب اجتهادهم وأنظارهم ، ومدى ترجيحهم للقرائن الدالة على هذا المعنى أو ذلك ، ولهذا نراهم اختلقوا في
معنى (( القروء)) ققال بعضهم : إنها الاطهار وقال بعضهم : هي الحيض.

استدل القائلون بالاطهار بقرائن منها : إن (( الثلاثة)) جاءت بتاء التأنيث، والتأنيث يدل على أن المعدود مذكر ،والمذكر هو الطهر لا الحيصة ، فيكون هو المراد من القرء.

واحتج الآخرون يجملة قرائن منها : إن لفظ (( ثلاثة)) خاص ، فيدل على معناه


___________________________________
1- وكذلك يعمل في الالفاظ الواردة في النصوص القانونية الوضعية ، ان كان لها معنيين: معنى لغوي، ومعنى قانوني اصطلاحي، فانها تحمل على المعنى القانوني الاصطلاحي لا اللغوي .

328

#ff0000



قطعاً ، فتكون مدة العدة ثلاثة قروء بلا زيادة ولا نقص ، ولا سبيل إلى هذا المقدار إلا بحمل معنى القرء على الحيضة . ويؤكد هذا المعنى ويرجحه على الأول ، أن العدة يراد بها تعرف براءة الرحم من الحمل ، والحيض هو الذى يعرفنا هذا .

ومن ذلك أيضاً : قوله تعالى : ((وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ))[النساء: 12] فالكلالة لفظ مشترك يطلق على من لم يترك والداً ولا ولداً ، ويطلق أيضاً على من ليس بوالد ولا ولد من المخلفين ((أي الورثة ))، ويطلق ايها على القرابة من جهة غير الوالد او الولد . فعلى المجتهد ان يتبين المعنى المراد من كلمة «كلالة» بالرجوع الى القرائن ونصوص المواريث ، وقد رجح جمهور الفقهاء ، بعد استقرائهم نصوص المواريث : أن المقصود بها هو المعنى الأول ، أى من ليخلف والداً ولا ولداً .

299-عموم المشترك(1):

ومعناه : أن يطلق اللفظ المشترك ويراد به جميع معانيه التي وضع لها. وقد اختلف الاصوليون في هذه المسألة عل أقواله :
القول الأول : المنع من إرادة العموم ؛ فلا يجوز استعماله المشترك إلا في معنى واحد ، فلا يجوز أن يراد به كل معانيه التي وضع لها باستعمال واحد . وهذا ما ذهب إليه جمهور الأصوليين .

والحجة لهذا القول : أن المشترك لم يوضع لجميع ما يدل عليه بوضع واحد ،بل بأوضاع متعددة ، أي وضع لكل معنى من معانيه بوضع على حدة ، فإرادة جميع معانيه بإطلاق واحد يخالف أصل وضعه ، وهذا لا يجوز . يوضحه أن المشترك يدل على معانيه على سبيل البدل لا الشمول ،أي يدل على هذا المعنى أو ذاك ، ولا يدل عليها جميعاً دفعة واحدا ، لأن وضعه لها كان وضعاً متعدداً، وهذا هو الفرق بينه وبين العام ، إذ أن العام يدل علم جميع ما يشتمل عليه لفظه من أفراد على سبيل الشمول والاستغراق ، لا على سيل البدل .


_________________________________
‎ ‏1- الآمدي ج2 ص352 وما بعدها ((شرح المنار)) ص431 وما بعدها ،((فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت))ج1 ص200.
329

#ff0000



القول الثاني : الجواز؛ فالمشترك ، وإن كان الأصل فيه إطلاقه على معنى واحد ، إلا أنه يجوز أن يراد به كل معانيه دفعة واحدة ، فيكون كالعام في شموله على ما يدل عليه . والحجة لهذا القول ، وروده في القرآن بهذا الشمول ، قال تعالى : ((أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ))[الحج:18] ، فالسجود يعني : وضع الجبهة على الأرض، وهذا في حق الناس ، ويعني : الخضوع والانقياد الجبري وهذا في حق غير الإنسان،فهما معنيان مختلفان مرادان من لفظ ( يسجد)) الواردة في النص . وفي هذا دليل عل جواز استعمال المشترك وإرادة جميع معانيه في هذا الاستعمال.

إلا أن أصحاب القول الأول يردون على هذا الاستدلال بأن السجود في الآية معناه : غاية الخضوع والانقياد ، بغض النظر عن كونه اختيارياً أو قهرياً، وهذا المعنى يتحقق في الإنسان وغيره، ف هومن قبيل المشترك المعنوي لا اللفظي . أما ذكر ((كثير من الناس)) ففيه إشارة إلى الخضوع الاختياري.

القول الثالث : الجواز بتفصيل؛ فيجوز أن يراد به العموم في النفي دون الإثبات ، كما لو حلف أن لا يكلم موالي فلان ، فإنه يحنث إذا كلم المولى الأعلى والأسفل.

وإذا أوصى بثلث ماله لمواليه أو مولاه ، بطلت الوصية ، لجهالة الموصى له ، لأن اسم المولى مشترك بين المعتق والعتيق ، ولا عموم للمشترك في الاثبات .

والراجح هوقول الجمهور، فلا يراد بالمشترك إلا أحد معانيه ، ويعرف المعنى المطلوب بالقرينة المعتبرة .
330

#ff0000

ياس
2016-10-12, 07:39 PM
المبحث الثاني
اللفظ باعتبار استعماله في المعنى
أولاً: الحقيقة(1)


300- اللفظ باعتبار استعماله في المعنى الموضوع له أو في غيره ، ينقسم إلى أربعة أقسام هي : الحقيقة ، والمجاز، والصريح ، والكناية ونتكلم عن كل واحد منها يإيجاز .

301- الحقيقة هي اللفظ المستعمل فيما وضع له . وقد تكون هذه الحقيقة لغوية ، وقد تكون شرعية ، وقد تكون عرفية . فاللغوية منسوبة إلى واضع اللغة، والشرعية منسوبة إلى الشارع ، والعرفية منسوية ألى العرف الخاص أو العام .

فالحقيقة اللغوية : وهي اللفظ المستعمل في معناه اللغوي الموضوع له، كالشمس والقمر و النجوم ، فهذه الألفاظ موضوعة لغة لهذه الأجرام المضيئة المعروفة .
والحقيقة الشرعية : هي اللفظ المستعمل في معناه الشرعي ، أي في المعنى الذي أراده الشرع ، كالصلاة والحج والزكاة ، للعبادات المخصوصة المعروفة ......
وكالزواج والطلاق والخلع للمعاني الشرعية الموضوعة لها .
والحقيقة العرفية : هي اللفظ المستعمل في معناه العرفي ، أي في المعنى الذي جرى العرف في استعمال اللفظ فيه، سواء كان هذا العرف عرفاً عاماً ،أو خاصاً بأرباب حرفة معينة أو علم خاص ، كلفظ السيارة ، فقد جرى العرف العام على إطلاقها على واسطة النقل المعروفة ، وكالدابة على ذات الأرجل الأربعة ، وكالألفاظ الاصطلاحية المستعملة في عرف أصحاب الحرف ، أوعلم من العلوم ، كما في الرفع

_______________________________
‎ ‏1-((أصول))السرخسي ج1 ص170-171،((منهاج الوصول إلى علم الأصول))للبيضاوي ص2 والمحلاوي ص91-93.

331
#ff0000


والنصب في عرف اللغويين ، والحد والماهية عند علماء المنطق ، والفقه عند علماء الفقه ، والإنذار والنسخ والإقالة عند علماء القانونى ، وهكدا .

302- حكم الحقيقة :
حكم الحقيقة بأنواعها ، ثبوت المعنى الذي وضع له اللفظ في اصطلاح المتخاطبين وعدم انتقائه عنه ، وتعلق الحكم به . وعلى هذا إذا أوصى شخص لولد زيد بألف دينار ، ثبتت الوصية له دون غيره ، لأنه لا يمكن أن يقال لولد زيد أنه ليس بولده .
وقوله تعالى : ((وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ)) القتل حقيقة في إزهاق روح الإنسان ، والنهي منصب على هذه الحقيقة فلا يحوز إرتكابها بغيرحق . ومن حكم الحقيقة أيضاً رجحانها على المجاز ، ولهذا يثبت لها الحكم دون المجاز كلما أمكن حمل اللفظ على الحقيقة . فمن أوصى لولد زيد يشيء ، ثبتت له الوصية دون ولد ولد زيد ، لأن الولد حقيقة في الولد الصلبي مجاز في ولد الولد ، فيحمل اللفظ على الحقيقة لا على المجاز، لأنه متى أمكن العمل بالحقيقة سقط المجاز، لأنه خلف عنها والخلف لا يعارض الأصل .

ثانياً المجاز(1)
303- المجاز : هو اللفظ المستعمل في غيرما وضع له لعلاقة بينهما وقرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقى للفظ ، كاستعمال لفظ أسد للرجل الشجاع ، والعلاقة هى المعنى الجامع بين المعنى الأصلي للفظ والمعنى المستعمل فيه اللفظ وهي الشجاعة .
ويقصد بالقرينة : العلامة الصالحة للدلالة على عدم إرادة المعنى الحقيقي للفظ من قبل المتكلم ، وإنما أراد المعنى المجازي .

304- أنواع العلاقة :
أ- المشابهة : أي الاشتراك في وصف معين بين المعنى الحقيقي للفظ ، وبين معناه المجازي المستعمل فيه ، كما في قول أهل المدينة للرسول صلى الله عليه وسلم لما قدم إليهم :


________________________________
1-((أصول))السرخسي ج1 ص171 وما بعدها،((شرح التلويح على التوضيح))ص73 وما ص169، المحلاوي ص97-94،محاضرات في أصول الفقه، للأستاذ بدر المتولى عبد الباسط ج2 ص21 وما بعدها.

332
#ff0000


((طلع البدرعلينا)) بجامع الإنارة بين البدرفي السماء وبين وجه النبي الكريم ..
وكما في قولنا : خالد أسد ، لاشتراكهما في وصف الشجاعة .. وكما في تسميتنا الماكر المخادع بالثعلب ، بجامع وصف المكر بينهما ، وهكذا.

ب - الكون : ومعناهُ تسمية الشيء بما كان عليه ، أي تسميته بما كان متصفاً به من قبل ، مثل قوله تعالى : ((وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ)) [النساء:2] أي البالغين الراشدين الذين كانوا يتامى ، لأن دفع المال إلى اليتيم - وهو الصغير الذي مات أبوه- لا يكون إالا بعد البلوغ والرشد بدليل قوله تعالى : ((وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ))[النساء:6].
ج- الأول: أي أن يسمى الشىء بما يؤول إليه في المستقيل ، كما في قولي تعالى
حكاية عن صاحب يوسف في السجن ، وهو يقص رؤياه : (( إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا )) [يوسف: 36] أي أعصر عنباً يؤول إلى الخمر .

د - الاستعداد : وهو أن يسمى الشيء بما فيه من قوة واستعداد لإحداث أثر معين
كما في قولنا : السم مميت ، أي فيه قوة الإماتة.

ه- الحلول : بإن يذكر المحل ويراد به الحال ، كما في قوله تعالى (( وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ )) [يوسف:82] أي أهلها ، فذكر المحل وأراد الحال فيها . ومثله : جرى النهر، أي ماؤه .

و- الجزئية وعكسها : بأن يطلق الجزء ويراد به الكل ، ويطلق الكل ويراد به الجزء

فمن الأولى : قوله تعالى : ((فَكُّ رَ قَبَةٍ)) وقوله تعالى في كفارة الظهار : ((فَتَحْريرُ رَقَبَةٍ )) فالمراد بالرقيةفي الآيتين شخص الرقيق ، فيراد تحريره، ومثله : (( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ )) أطلق الجزء وأراد الكل ، أي شخص أبي لهب.

ومن الثاني : قوله تعالى : ((يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم))[البقرة:19]، أي أناملهم ،فأطلق الكل وأراد الجزء.

333
#ff0000


ز- السببية : بأن يطلق السبب ويراد المسبب ، أو بالعكس .

من الأول : قول القائلين : فلان أكل دم أخيه ، اي ديته ، لأن إراقة دمه سبب الدية التي استحقها الأخ.

ومن الثاني : قول الزوج لزوجته : اعتدى ، يريد طلاقها لأن العدة سببها الطلاق ، فأطلق المسبب وأراد السبب .

هذا وإن المجاز الذي علاقته المشابهة يسمى استعارة . والذي علاقته غير المشابهةيسمى المجاز المرسل
305- أنواع القرينة:

القرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي للفظ أنواع :

أ- قرينة حسية : كقوله القائل : أكلت من هذه الشجرة ، أي من ثمرتها ، لأن الحس
يمنع إرادة أكل عين الشجرة

ب - قرينة عادية أو حالية : أي حسب العادة وظروف الحال ، كما في قول الزوج لزوجته ، وهى تريد الخروج وهو يريد منعها : إن خرجت فأنت طالق ، فيحمل كلامه على الخروج في ذلك الظرف دون غيره .

ج- قرينة شرعية : كما في التوكيل بالخصومة ، تحمل على إعطاء الجواب ومدافعة حجج الخصم أمام القضاء ، ولا تحمل على النزاع والخصام والاعتداء على الخصم ، لأن هذه المعاني ممنوعة شرعاً . وكما في الفاظ العموم الواردة بصيغ المذكر مثل: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) تُحمَل على الذكور والإناث ، لما عرف في الشرع من عموم التكليف بالنسية للرجال والنساء .

306- حكم المجاز :
أ- ثبوت المعنى المجازي للفظ ، وتعلق الحكم به ، كما في قوله تعالى : ((أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ))[النساء:43،المائدة:6]، يراد بالغائط هنا: الحدث

334
#ff0000


الأصغر ،ولا يراد معناه الحقيتي : وهو المحل المنخفض ، ويتعلق الحكم به:

وهو التيمم عند إرادة الصلاة إذا لم يتيسر الماء ، ومثله قول تعالى : (( أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ)) يراد بالملامسة هنا معناها المجازي وهو الوطء، لا معناها الحقيقي وهو
المس باليد .

ب - لا يصار إلى المجاز إذا أمكن المعنى الحقيقي ، أي إن الكلام يحمل على الحقيقة كلما أمكن هذا الحمل ، لأن الحقيقة أصل ، والمجاز خلف عنه وفرع ، ولا يصار إلى الخلف أو الفرع إذا أمكن الأصل . ولكن إذا تعذر حمل الكلام على الحقيقة فإنه يصار إلى المجاز، لأن إعمال الكلام خير من إهماله .
وعلى هذا إذا أوصى لولد زيد بألف دينار، حمل الكلام على الحقيقة فلا تثبت الوصية إلا لولد زيد الصلبي ، فإن لم يكن له ولد صلبي ، ينظر : فإن كان له ولد ولدٍ، حمل الكلام عليىه وثبتت له الوصية ، لأنه المعنى المجازي لكلمة الولد ، وقد تعذرت الحقيقة فيصار إلى المجاز . وإذا لم يوجد له ولد ولد ،أهمل الكلام لتعذر حمله على واحد منهما ، ومثال إهمال الكلام : دعوة البنوة إذا كان المدعى عليه بها أ كبر سناً من المدعي .
307- الجمع بين الحقيقة والمجاز :
لا يمكن أن يراد باللفظ الواحد الحقيقة والمجاز في حالة واحدة على أن يكون كل واحد منها مراداً، مثاله : لا تقتل الأسد ، وتريد به السبع والرجل الشجاع ، لأن المعنى الجقيقي هو المتبادر من اللفظ عند الإطلاق، وإذا وجدت قرينة على إرادة المعنى المجازي تعين اللفظ لهذا المعنى المجازي ، وانتفت إرادة المعنى الحقيقي .
وذهب بعضهم إلى جواز ذلك ، والصواب الأول .
نعم ، يجوز استعماله اللفظ في معنى مجازي يندرج تحته المعنى الحقيقي ،وهو الذي يسمونه عموم المجاز فيمكن ، مثل حمل لفظ الأم على الأصل ، فيشمل الأم الوالدة والجدات ، ومثله ايضاً: إذا حلف شخص أن لا يضع قدمه في دار فلان فيراد من وضع القدم الدخول ، لأنه سبب ، فذكر اسم اسبب وأراد المسبب ، وهو معنى

335
#ff0000



مجازي شامل للدخول حافياً أو منتعلاً ، فيحنث بعموم المجاز لا بالجمع بين الحقيقة والمجاز.

ثالثاً : الصريح والكناية(1)

308- الصريح : هو اللفظ الذي ظهر المراد منه ظهوراً تاماً لكثرة استعماله فيه ، حقيقة كان أو مجازاً فمن الأول : أنت طالق ، فإنه حقيقة شرعية في إزالة النكاح صريح فيه.
ومن الثاني قوله تعالى : (( وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)) فهو صريح وإن كان مجازاً ، لأنه صريح في أن المراد به: وأسأل أهل القرية . ومثله أيضاً : قول القائل : والله لاآكل من هذه الشجرة ، فإنه مجاز مشتهر لهجر الحقيقية ، لأن أكل عين الشجرة متعذر عادة ، فينصرف يمينه إلى المجاز وهو أكل ثمرها.

309- حكم الصريح:

وحكم الصريح : ثبوت موجبه بلا نية ، أي تعلق الحكم بنفس الكلام دون توقف ذلك على نية المتكلم ، أي سواء نوى معناه أو لم ينوه لظهور معناه ووضوحه كلفظ الطلاق جعله الشارع سبباً لوقوع الفرقة ، فيثبت هذا الحكم قضاء بمجرد التلقظ بلفظ الطلاق إذا ما توافرت شروط صحة الطلاق ، ولا يصدق في أنه نوى الخلاص من القيد ، لأن اللفظ صريح في الطلاق فيحكم القاضي بظاهر. وكلفظ
البيع - إذا ما اقترن به القبول- جعله الشارع سبباً لانتقال ملكية المبيع من البائع الى المشتري ، فثبت هذا الحكم بمجرد ذكرهما إذاما توافرت الشروط اللازمة لاعتبار البيع وصحته ، سواء نوى العاقدان معنى ما تلفظا به أو لم ينويا .

310- الكنابة:
وهي في اللغة : أن تتكلم بشيء وتريد به غيره.
وفي الاصطلاح : لفظ استتر المعنى المراد به بحسب الاستعمال ، ولا يفهم إلا بقرينة ، سواء كان هذا اللفظ حقيقة أو مجازاً غير متعارف(2) ، مثل قول الرجل


____________________________________
1- المحلاوي ص98-100،((أصول))السرخسي ج1 ص187 وما بعدها.
2- قال الاصوليون ، الحقيقة المهجورة كتاية ، والمستعملة صريحة ، والمجاز المتعارف صريح وغير المتعارف كناية . المحلاوي ص 99


336
#ff0000


لزوجته : حبلك على غاربك ، أو الحقي بأهلك ، أو اعتدي ، فهذه العبارات كناية عن الطلاق .

وحكم الكناية : عدم ثبوت موجبها إلا بالنية أو بدلالة الحال ، كقول الرجل لزوجته : اعتدي ، يريد الطلاق . أو قال لها ذلك بعد أن طلبت هي منه الطلاق .

ومن أحكام الكناية أيضاً : أنه لا يثبث بها ما يندرىء بالشبهات كحد القذف، فلو قال شخصى لآخر : أما أنا فلست بزانٍ . فهذا لا يعتبر قذقاً موجباً لحد القذف
لأن الكناية ، فكان خفاء المراد منها شبهة تدرأ حد القذف عن القائل .



337
#ff0000


‫المبحث الثالث‬
‫دلالة اللفظ على المعنى‬


‫‪ اللفظ باعتبار وضوح دلالته على معناه ‪ -311
،أو خفاء هذه الأدلة ينقسم الى‬ ‫قسمين‪ :‬واضح الدلالة وغير واضح الدلالة‪ .‬ونتكلم عن كل قسم في مطلب على‬ ‫حدة ‪.‬‬

‫المطلب الأول‬

‫الواضح‬ ‫الدلالة‬


‫‪ - 312 ‬الواضح الدلالة أربعة أقسام ‪ :‬الظاهر‪ ،‬والنص ‪ ،‬والمفسر‪،‬‬ ‫والمحكم ‪ .‬وأساس هذه القسمة تفاوت هذه الأقسام في قوة وضوح دلالتها وضعفها‪،‬‬ ‫فأقلها وضوحاً ‪ :‬الظاهر‪ ،‬ثم يليه النص ‪ ،‬ثم يشتد الوضوح في المفسر‪ ،‬ثم يبلغ‬ ‫ذروته في المحكم ‪ ،‬ونتكلم فيما يلي عن كل واحد منها على انفراد ‪.‬‬

‫أولاً ‪ :‬الظاهر(1)

‫‪ - 313‬الظاهر في اللغة‪ :‬هو الواضح ‪ ،‬وفي الاصطلاح ‪ :‬هو الذي ظهر المراد‬ ‫منه بنفسه‪ ،‬أي من غير توقف على أمر خارجي ‪ ،‬ولم يكن المراد منه هو المقصود أصالة‬ ‫من السياق‪ ،‬أي من سياق الكلام ‪.‬‬

‫مثاله‪ :‬قوله تعالى : (( و‪ أحل الله البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)) [البقرة‪[ 275 :‬ ظاهر في‬ ‫إحلال البيع وتحريم الربا ‪ ،‬لأن هذا المعنى هو المعنى الظاهر المتبادر فهمه من كلمتي ‪:‬‬


1- ((‬أصول)) السرخسي ج ‪ 1‬ص163-164 ‪‬ ((فواتح الرحموت))‪ ‬ج ‪ 2‬ص 19، ‪ ‬شرح المنار‪ ،‬ص349-350 ،‬‫‪ ‬وعبد الوهاب خلاف ص188-189. ‪ ‬‬
‫‪338
#ff0000



‫أحل وحرم ‪ ،‬من غير حاجة إلى قرينة خارجية‪ ،‬وهو غير مقصود اصالة من سياق الآية‬ ‫الكريمة‪ ،‬لأن المقصود الأصلي منها هو نفي المماثلة بين البيع والربا‪ ،‬ورداً على الذين‬ ‫قالوا‪ :‬إنما البيع مثل الربا ‪.‬‬

‫ومثاله أيضاً‪ :‬قوله تعالى‪ )) :‬وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عنه فانتهوا))‬ ‫[الحشر‪ [ 7:‬ظاهر في دلالته على وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يأمر به أو ينهى‬ عنه ‪ ،‬وهذا المعنى هو المتبادر فهمه من نفس ألفاظ الآية الكريمة‪ ،‬إلا انه ليس هو‬ ‫المقصود الأصلى من سياق الآية‪ ،‬لأن الآية مسوقة أصلاً للدلالة على وجوب طاعة‬ ‫الرسول صلى الله عليه وسلم في قسمة الفيء‪ ،‬وتدل تبعاً على وجوب طاعته مطلقاً‪.‬‬

‫ومثاله أيضاً‪:‬‬

‫قوله تعالى‪)) :‬فانكحوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النساءِ مَثْنَى وثُلَاثَ ورُباعَ فَإنْ خِفْتُمْ‬ ‫ألاَّ تَعْدِلوا فَواحِدةً)) [النساء‪ . [3 :‬ظاهر في إباحة نكاح ما حل من النساء‪،‬‬ ‫وهذا المعنى غير مقصود أصالة من سياق الآية‪ ،‬وإنما المقصود الأصلي من‬ ‫سياقها هو إباحة تعدد الزوجات إلى حد أربع زوجات عند أمن الجور‪ ،‬وإلا‬
‫فواحدة غند الخوف من عدم العدل ‪.‬‬

‫وقوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن طهورية ماء البحر‪)) :‬هو الطهور ماؤه ‪ ،‬الحل ميتته)) ‫فهو ظاهر في حكم ميتة البحر‪ ،‬لأنه ليس هو المقصود أصالة من البيان ‪ ،‬لأن السؤال‬ ‫وقع عن ماء البحر لا عن ميتته ‪.‬‬

‫‪ 314‬ - حكم الظاهر‪:‬‬

‫‪ - 1‬إنه يحتمل التأويل‪ ،‬أي صرفه عن ظاهره وارادة معنى آخر منه‪ ،‬كأن يخصص إن‬ ‫كان عاماً‪ ،‬ويقيد إن كان مطلقاً‪ ،‬ويحمل على المجازلا على الحقيقة‪ ،‬وغير ذلك‬ ‫من أنواع التأويل ‪.‬‬

‫‪ ‬2- وجوبه العمل بمعناه الظاهر ما لم يقم دليل يقتضي العدول عنه‪ ،‬أي تأويله إلى‬ ‫غير معناه الظاهر‪ ،‬لأن الأصل عدم صرف اللفظ عن ظاهره‪ ،‬إلا بدليل‬ ‫يقتضى ذلك‪ ،‬مثاله‪ :‬قوله تعالى‪)) :‬وَأَحَلّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّيا)) ظاهر في‬ ‫عموم البيع وحله‪ ،‬ولكن خص منه بيع الخمر فلا يجوز‪ ،‬وكذابيع الإنسان ما‬
‫‪



339
#ff0000


‫ليس عنده وغير ذلك من البيوع التي نهى الشارع عنها‪ ،‬فلا تندرج في عموم‬ ‫البيع الحلال المستفاد من ظاهر الآية ‪.‬‬
‫‪ ‬3- يقبل النسخ في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه لا نسخ بعده صلى الله عليه وسلم ‪.‬‬

‫ثانياً‪:‬‬ ‫النص (1)‬‬

‫‪- 315‬النص‪ ‬في الاصطلاح‪ :‬ما دل بنفس لفظه وصيغته على المعنى دون‬ ‫توقف على أمر خارجي ‪ ،‬وكان هذا المعنى هو المقصود الأصلي من سوق الكلام (2).‬‬ ‫وعلى هذا فإن النص أظهر من الظاهر في‬ ‫دلالته‬ علي معناه وأظهريته‬ ‫هذه جاءت‬ بسبب سوق الكلام لبيان هذا المعنى‪ ،‬لا لذات صيغته‪ ،‬مثاله‪ :‬قوله تعالى‪)) :‬وَأَحَل‬ ‫الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)) فإنه ظاهر في تحليل البيع وتحريم الربا‪ ،‬ونص في التفرقة بين‬ ‫البيع والربا‪ ،‬لأن هذا المعنى ‪ -‬وهو التفرقة بين البيع والربا ‪ -‬هو المتبادر فهمه من‬
‫الأية ‪ ،‬وهذا المعنى هو المقصود الأصلي من سياق الآية‪ ،‬لأنها وردت للرد على الكفار‬ ‫الذين قالوا‪ :‬إنما البيع مثل الربا ‪.‬‬

‫‪ ‬316- حكم النص‪:‬‬
‫أنه يقبل التأويل‪ ،‬ويقبل النسخ في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فقط‪ ،‬ويجب العمل به ما‬
‫لم يقم دليل على تأويله‪ ،‬أي ما لم يقم دليل على العدول عنه وإرادة غير ما نص عليه‪،‬‬ ‫فيعمل بموجب التأويل ‪.‬‬
‫‪- 317‬الفرق بين الظاهر والنص‪:‬‬

‫أولاً‪ :‬إن دلالة النص على معناه أوضح من دلالة الظاهر على معناه‪.‬‬
‫ثانياً‪ :‬إن معنى النص هو المقضود الأصلي من سوق الكلام ‪ ،‬أما الظاهر فمعناه‬ ‫مقصود تبعاً لا أصالة من سوق الكلام ‪.
‫ثالثاً‪ :‬إن احتمال النص للتأويل أبعد من احتمال الظاهر له.


________________________________________
1- ((أصول ))السرخسي ج1 ص 164-165، ((فواتح الرحموت))ج2 ص109 المحلاوي ص84-85.

‫2- ويطلق «النص» على كل آية قرآنية أو حديث نبوي فيقال ‪ :‬نصوص القرآن والسنة‪ ،‬فيشمل لفظ‬
‫((النص ))‪ ،‬بهذا المعنى ‪ :‬الظاهر والنص والمفسر والمحكم بمعانيها الاصطلاحية‪.‬‬

340
#ff0000

ياس
2016-10-12, 07:53 PM
رابعاً :عند التعارض بينهما يرجح النص على الظاهر.
318- التأويل (1) :

التأويل في اللغة مأخوذ من :آل يؤول أي رجع ،ومنه قوله تعالى : (( وَابْتِغَاءَ تَأْوِيِلِهِ» [آل عمران : 7] أي ما يؤول إليه أي ما يرجع إليه .وفي الاصطلاح الشرعي ، التأويل من حيث هو تأويل ،هو حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه مع احتماله له. وأما التأويل الصحيح فهو حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه مع احتماله بدليل يعضده. وعرفه صاحب ((التلويح )) بأنه صرف اللفظ عن معناه
الظاهر إلى معنى مرجوح يحتمله لدليل دل على ذلك .

وقد قلنا :إن كُلّاً من الظاهر والنص يحتمل التأويل فيصرف عن معناه الظاهر المتبادر إلى معنى آخر لدليل يقتضي هذا التأويل.والأصل عدم صرف اللفظ عن ظاهره، ومعنى ذلك أن حمله على غير ظاهره، أي تأويله لا بد أن يستند إلى دليل مقبول ، ولهذا كان التأويل قسمين: صحيح مقبول ،وفاسد مرفوض. فالصحيح ما توافرت فيه شروط صحة التأويل وهي:

أولاً: أن يكون اللفظ قابلاً للتأويل وهو الظاهر والنص. أما المفسر والمحكم فلا يقبل واحد منهما التأويل .
ثانياً: أن يكون اللفظ محتملاً للتأويل ،?أي يحتمل المعنى الذي يصرف إليه اللفظ ولو احتمالاً مرجوحاً? ،أما إذا لم يحتمله أصلاً فلا يكون التأويل صحيحاً.

ثالثاً: أن يكون التأويل مبنياً على دليل معقول من نص أو قياس أو إجماع أو حكمة التشريع ومبادئه العامة. فإذا لم يستند التأويل إلى دليل مقبول كان تأويلاً غير مقبول .

رابعاً: أن لا يعارض التأويل نصاً صريحاً.


__________________________
1- الأمدي ج 3ص 73وما بعدها (( ،فواتح الرحموات )) ج 2ص 22وخلاف ص 191وما بعدها. ((والتلويح والتوضيح)) ج 1ص 125 ((إرشاد الفحول)) ص177.

341
#ff0000


والتأويل بعد هذا ،قد يكون تأويلاً قريباً إلى الفهم يكفي في إثباته أدنى دليل.
وقد يكون تأويلاً بعيداً عن الفهم فلا يكفي فيه أي دليل، بل لا بد فيه من دليل قوي
يجعله تأويلاً سائغاً مقبولاً، وإلا كان بمنزلة التأويل غير المقبول فيرفض.

319- فمن التأويل الصحيح ،تخصيص عموم البيع المستفاد من قوله تعالى : «وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ» بالسنة التي نهت عن بيوع معينة كبيع الإنسان ما ليس عنده.
ومن التأويل الصحيح أيضاً: أن عموم المطلقات المستفاد من قوله تعالى : «والمُطَلَّقَاتُ يَتَرَيُصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ» خص بالمدخول بهن، بدليل قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا» [الأحزاب 49 :] كما خص عمومات المطلقات بغير الحامل، لأن عدة الحامل وضع الحمل، بدليل قوله تعالى : (( وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ))[الطلاق: 4].
ومن التأويل السائغ : تأويل الشاة في الحديث الشريف)) : وفي كل أربعين شاة ،شاة)) بالقيمة ،فيكون معنى الحديث الشريف : أن الواجب في زكاة الأربعين شاة هو شاة أو قيمتها. دليل هذا التأويل : هو أن المقصود من الزكاة سد حاجة الفقراء، وهذا المقصود كما يحصل في إخراج الشاة بعينها وإعطائها للفقير، يحصل أيضاً بإخراج قيمتها وتوزيعها على المستحقين (1).

ومن التأويل السائغ : حمل البيع على الهبة وبالعكس ، لدليل دل على ذلك لاحتمال كل من اللفظين للأخر من حيث الجملة .

وقد يكون التأويل بعيداً لا يستند إلى دليل مقبول، فلا يكون تأويلاً سائغاً فلا يقبل، ومثاله: جاء في الحديث الشريف أن فيروزا الديلمي أسلم على أختين، أي إنه أسلم وعنده زوجتان هما أختان ،فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( أمسك أيتهما شئت ، وفارق الأخرى)) المعنى الظاهر المتبادر إلى الفهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لفيروز أن يفارق أيتهما شاء ، ويمسك الأخرى ، إلا أن الحنفية أولوا هذا الحديث فقالوا : إن معناه إمساك


______________________________
1- اعتبر الأمدي هذا التأويل من الحنفية من التأويلات البعيدة وبالتالي لم يعتبره مقبولا. الآمدي ج3ص79.
342
#ff0000



الزوجة الأولى ومفارقة الأخرى إذا كان الزواج بهما جرى في عقد واحد. ودليل تأويل الحنفية القياس على المسلم إذا تزوج أختين في عقد واحد أو في عقدين متتاليين.
وهذا دليل ضعيف فيكون تأويلهم بعيداً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل فيروزاً عن كيفية زواجه بهما، وهل جرى في عقد واحد أو في عقدين ، ولو كان المراد من الحديث ما قاله الأحناف ،لسأله هذا السؤال أو لبين له الحكم ابتداء ، لأنه حديث عهد بأحكام الإسلام فينبغي تعريفه بها، وحيث لم يحدث شيء من هذا، فإن تأويل الأحناف يبدو ضعيفاً مرجوحاً فلا يُقبَل.


320- التأويل في القوانين الوضعية :
والتأويل في الظاهر والنص كما يجوز في النصوص الشرعية، يجوز كذلك في النصوص القانونية إذا كان سائغاً، ومن أمثلة ذلك: كلمة «الليل» الواردة في قانون العقوبات المصري في جريمة السرقة ،واعتباره ظرفاً مشدداً في المادة 313والمادة ،713وكذلك جعل ((الليل)) ظرفاً مشدداً في تخريب آلات الزراعة المنصوص عليها في المادة 352 ، 356من قانون العقوبات المصري .فالظاهر من كلمة الليل هو من غروب الشمس إلى شروقها، ولكن يحتمل التأويل إلى وقت اشتداد ظلمة الليل.
بقرينة أن الداعي لتشديد العقوبة هو اغتنام السارق فرصة الظلام لإيقاع جريمته ، والظلام لا يعم أثر غروب الشمس مباشرة. وعلى كل حال يجب التأني في التأويل والحذر من مباشرته، والتأكد من وجود الدليل على صحته لئلا يقع الفقيه في الخلط ، واتباع الأهواء بزعم التأويل .

ثالثاً : المفسر(1)

321- المفسر مأخوذ من الفسر وهو الكشف ،فهو المكشوف معناه. وفي الاصطلاح: هو ما ازداد وضوحاً على النص ودل بنفسه على معناه المفصل على وجه
لا يبقى فيه احتمال للتأويل ،ومثاله قوله تعالى: (( وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً ))[التوبة :36] فإن كلمة المشركين اسم ظاهر عام ولكن يحتمل التخصيص، فلما
___________________________________
1-((فواتح الرحموت))ج2 ص19-20،المحلاوي ص85-86، خلاف ص193،((أصول)) السرخسي ج1 ص 165.
343
#ff0000



ذكر بعده كلمة ((كافة)) ارتفع احتمال التخصيص فصار مفسراً.
ومثاله أيضاً: قوله تعالى : (( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً )) [النور: 4] فإن لفظ ثمانين لا يحتمل التأويل، لأنه عدد معين لا يقبل الزيادة والنقصان فيكون من المفسر .

ومثاله أيضاً: قوله تعالى في نفي العدة عن المطلقات قبل الدخول: (( فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدّةٍ تَعْتَدُّونَهَا))[الاحزاب:49] فإن كلمة ((تعتدوتها)) نفت احتمال تأويل العدة بغير المدة المعهودة التي تتربصها المطلقة، فتكون العدة هنا من قبيل المفسر . ومثاله أيضاً: طلقي نفسك واحدة . فإن كلمة «طلقي » خاص يحتمل التأويل بالثلاث ، ولكن بذكر الواحدة ارتفع احتمال التأويل .

ومثاله أيضاً: الألفاظ التي وردت في القرآن الكريم مجملة، وفصلتها السنة تفصيلاً قطعياً أزال إجمالها ،فإنها تصير من المفسر، كقوله تعالى: (( أقيمُوا الصَّلاة وَآتُوا الزَّكاة)) (( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا )) [آل عمران : 97]. فإن النبي صلى الله عليه وسلم فصل معاني الصلاة والزكاة والحج ، وبين المقصود منها بأقواله وأفعاله، فصارت هذه الألفاظ من المفسر الذي لا يحتمل التأويل .

322- أما حكم المفسر: فهو وجوب العمل به كما فصل، وبما دل عليه قطعاً مع احتماله النسخ في عهد الرسالة إذا كان من الأحكام القابلة للنسخ . أما بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فكل من القرآن والسنة من المحكم الذي لا يحتمل النسخ الانقطاع الوحي.

323- الفرق بين التفسير والتأويل :
التفسير الذي يكون به المفسر غير قابل للتأويل ، هو التفسير المستفاد من نفس الصيغة كما في الأمثلة التي ذكرناها من النصوص القرآنية، أو المستفاد من بيان تفسيري قطعي وارد من الشارع نفسه، كما ذكرنا في أمثلة الصلاة والزكاة والحج ، التي فسرتها السنة النبوية وجعلتها غير قابلة للتأويل، ويعتبر هذا التفسير ملحقاً بنفس الصيغة أو اللفظ ويكون جزءاً من النص. وأما التأويل فهو بيان للمراد من

344
#ff0000



اللفظ بدليل ظني عن طريق الاجتهاد، ولكنه ليس قطعياً كما هو بالمفسر الذي جاءه التفسير، أي بيان المراد من النص ، من قبل الشارع نفسه، ولهذا كان تأويل المجتهدين غير قطعي ، ويمكن أن يكون المراد غير ما ذكروه.
324- المفسر في القوانين الوضعية :
إذا جاءت النصوص القانونية الوضعية دالة بنفس صيغها على معانيها المفصلة على وجه ينفي احتمال تأويلها، كانت في هذه الحالة من المفسر مثاله: المادة 451 من القانون المدني العراقي التي نصت على ما يأتي : (( تكون السندات الرسمية حجة على الناس كافة بما دون فيها من أمور قام بها الموظف العام في حدود مهمته أو وقعت من ذوي الشأن في حضوره ما لم يتبين تزويرها بالطرق المقررة قانوناً ))فالسندات المذكورة في هذه المادة حجة على جميع الناس بلا استثناء، لأن ورود كلمة كافة بعد الناس نفي احتمال التخصيص فصار من المفسر.
325- ما ومن المفسر في القوانين الوضعية جميع الألفاظ الواردة فيها والتي بينت هذه القوانين نفسها المعنى المراد منها، والغالب في القوانين العراقية الوضعية أنها تبين المعاني المقصودة من العبارات والألفاظ الواردة فيها، فتعتبر هذه النصوص وهذه الألفاظ والعبارات من المفسر الذي لا يحتمل التأويل ،مثاله: المادة الثانية من قانون الخدمة المدنية المعدل رقم 24لسنة 1960. حيث نصت هذه المادة على الآتي.
يقصد في هذا القانون بتعبير:
الموظف : كل شخص عهدت إليه وظيفة دائمة داخلة في الملاك الخاص بالموظفين .

المستخدم : كل شخص تستخدمه الحكومة في خدمة داخلة في الملاك الدائم الخاص بالمستخدمين .

الملاك : مجموع الوظائف والدرجات المعينة لها المصادق عليها بموجب قانون الميزانية أو من قبل وزير المالية .
الوزير: رئيس الوزراء فيما يختص بموظفي ومستخدمي ديوان مجلس الوزراء

345
#ff0000


والدوائر التابعة له ، والوزير المختص فيما يختص بموظفي ومستخدمي وزارته.....الخ.
فالمعنى المراد من الموظف أو المستخدم أو الملاك أو الوزير.. إلخ ، بينه القانون نفسه على نحو ينفي احتمال تأويله إلى غير المعنى الذي بينه ، فيكون من المفسر.

326- ومن المفسر أيضاً في القوانين الوضعية، أن يقوم المشرِّع الوضعي بنفسه بإيراد التفسير لنص قانوني، ويبين معناه بتفصيل وتحديد ينفي عنه احتمال إرادة غير المعنى الذي فصله وحدده ،?فيكون النص في هذه الحالة من المفسر، ويلحق التفسير بالنص الأصلي ويكون جزءاً منه ،سواء صدر هذا التفسير من المشرِّع نفسه كما قلنا ، أو صدر ممن خوله حق إصدار هذا التفسير، ومن أمثلة هذا التفسير الصادر ممن خوله المشرع الوضعي إصداره ، أن القانون المصري رقم 164لسنة 1952 أضاف إلى قانون الإصلاح الزراعي المصري رقم 178لسنة 1952مادة جديدة برقم14( مكرر) يعطي الهيئة العليا للإصلاح الزراعي سلطة تفسير أحكام هذا القانون ، واعتبر قراراتها في هذا الشأن تفسيراً تشريعياً ملزماً، وتنشر هذه القرارات في الجريدة الرسمية(1).

رابعاً: المحكم(2)

327- المحكم في اللغة: المتقن ، وفي الاصطلاح الشرعي : هو اللفظ الذي ظهرت دلالته بنفسه على معناه ظهوراً قوياً على نحو أكثر مما عليه المفسر، ولا يقبل التأويل ولا النسخ .

فهو لا يحتمل التأويل، لأن وضوح دلالته بلغت حداً ينتفي معها أي احتمال للتأويل . وهو لا يقبل النسخ ، لأنه يدل على حكم أصلي لا يقبل بطبيعته التبديل والتغيير، أو يقبله بطبيعته، ولكن اقترن به ما ينفي احتمال نسخه .
_________________________
1- ((المدخل للعلوم القانونية)) لاستاذنا الدكتور عبد المنعم البدراوي ص 211-
2- ((المسودة)) ص ، 161-162 المحلاوي ص 86 -87، السرخسي ج1 ص165،خلاف ص 195-196.

346
#ff0000



فمن الأحكام الأصلية الأساسية التي لا تقبل بطبيعتها أي نسخ ، النصوص الواردة بالإيمان بالله واليوم الآخر والرسل، وتحريم الظلم ، ووجوب العدل ونحو ذلك .

ومن الأحكام الجزئية التي اقترن بها ما يدل على تأييدها، قوله تعالى في قاذفي
المحصنات : (( وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدَاً )) [النور:4]، وقوله تعالى في تحريم نكاح أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من بعده : (( وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ الله وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدَاً )) [الأحزاب: 53] ،وقوله صلى الله عليه وسلم : (( الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة)).
ويسمى هذا النوع : محكماً لعينه ، وهذا القسم هو المراد هنا. وقد يكون المحكم لانقطاع الوحي بموته صلى الله عليه وسلم ،ويسمى : محكاً لغيره، وهو غير مقصود هنا.

328- حكم المحكم :
وجوب العمل بما دل عليه قطعياً، ولا يحتمل إرادة غير معناه، ولا يحتمل نسخاً ولا إبطالاً.

329- مراتب واضح الدلالة :
قلنا: إن واضح الدلالة أربعة أنواع : الظاهري، النص، المفسر، المحكم .
وكلها واضحة الدلالة، ولكنها تتفاوت في قوة وضوح دلالتها على المراد منها، فأقواها في وضوح الدلالة :المحكم، ثم المفسر، ثم النص، ثم الظاهر. ويظهر أثر هذا التفاوت عند التعارض ،فإذا تعارض ظاهر ونص قدم النص ، لأنه أوضح دلالة من الظاهر. وإذا تعارض نص ومفسر رجح المفسر على النص ،ويرجح المحكم على الجميع . وسنذكر الأمثلة على ذلك عند الكلام عن التعارض والترجيح في الفصل
الثالث .

المطلب الثاني
غير الواضح الدلالة

330- وهو اللفظ الذي في دلالته على معناه خفاء وغموض ، فلا يدل على


347
#ff0000



المراد منه بنفسه ، بل يتوقف ذلك على أمر خارجى . وهو في الخفاء على مراتب : أعلاها المتشابه ،وأقل منه خفاء المجمل ، ثم المشاكل ، ثم الخفى . ونتكلم فيما يلي عن كل واحد على حدة .

أولاً : الخفي(1)

331- الخفي لفظ دلالته على معناه ظاهرة، إلا ان فى انطباق معناه على بعض أفراده غموضاً وخفاءً يحتاج إلى شيء من النظر والتأمل لإزالة هذا الغموض أو الخفاء بالنسبة إلى هذا البعض من الافراد .

مثاله : لفظ السارق في قوله تعالى: (( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا )) والسارق هو من يأخذ مال الغير خفية من حرز مثله. والظاهر من لفظ السارق أنه يتناول جميع أفراده ، حتى من يسرق الناس في يقظتهم بنوع من المهارة وخفة اليد وهو المسمى «الطرار»، كا يتناول لفظ السارق،حسب الظاهر، من يسرق أكفان الموتى من قبورهم وهو المسمى بالنباش . ولكن اختصاص الأول باسم الطرار، واختصاص الثاني باسم النياش، جعل لفظ السارق خفى المعنى بالنسبة إليهما، لأن انطباق
معناه عليهما لا يفهم من نفس اللفظ، بل لابد له من أمر خارجى. ووجه الخفاء ما يرد إلى الذهن من أن اختصاصهما بهذين الاسمين يعنى أنهما ليسا من أفراد السارق. ولكن بالنظر والتأمل يتبين أن اختصاص الطرار بهذا الاسم مرده زيادة في معنى السرقة لحذقه ومهارته في مسارقة الأعين المستيقظة، منتهزاً غفلة المسروق منه، فسرقته بهذا الاعتبار أخطر وجريمته أفظع، فيتناوله لفظ السارق، ويقام عليه حد
السرقة. أما النباش فقد اختص بهذا الاسم لنقصانه في معنى السرقة، لأنه لا يأخذ مالاً مرغوباً فيه من حرز أو حافظ، لأن القبر لا يصلح حرزاً والميت لا يصلح حافظاً ، فلا يتناوله لفظ السارق فلا يقام عليه حد السرقة وإنما يعزر، وهذا على مذهب بعض الفقهاء كأبي حنيفة رحمه الله .

وقال الجمهور: إن لفظ السارق يتناول النبَّاش، لأن اختصاصه بهذا الاسم

____________________________
1- ((أصول )) السرخسي ج1 ص167 ، المحلاوي ص87-88 خلاف ص 198-200.
348
#ff0000



‫لا ينفي انطباق معنى السارق عليه‪ ،‬وإنما يكون هذا الاختصاص كاختصاص نوع‬ معين من أنواع الجنس باسم فيبقى مندرجاً تحت هذا الجنس‪ ،‬وهنا يكون النباش‬ نوعاً من أنواع جنس السارق‪ ،‬فيصدق عليه اسم السارق‪ .‬أما كون القبر غير حرز‪،‬‬ ‫فمردود ‪ ،‬لأنه يصلح أن يكون حرزاً بالنسبة للكفن‪ ،‬لأن حرز كل شيء بما يناسبه‪،‬‬ ‫وكون الكفن غير مرغوب فيه لا يمنع ماليته وتقومه‪ ،‬فيتحقق الشرط في المسروق وهو‬ كونه مالاً منقوماً‪ ،‬وعلى هذا يقام حد السرقة على النباش‪ .‬وقول الجمهور هذا هو‬ ‫الراجح ‪.‬‬

‫ومثاله أيضاً‪ :‬لفظ القاتل في الحديث الشريف‪)) :‬لا يرث القاتل‪ ((‬فهو لفظ‬ عام يشمل بظاهره القاتل عمداً وخطأ‪ .‬ودلالته على القاتل عمداً ظاهرة‪ ،‬ولكن في‬ ‫انطباق معناه على القاتل خطأ شيئاً من الخفاء والغموض سببه وصف القتل بالخطأ‪،‬‬ ‫لأن الحرمان من الإرث عقوبة ‪ ،‬والخطأ عادة يختلف عن العمد في استحقاق‬ ‫العقوبة ‪ ،‬فهل يساويه هنا في الحرمان من الإرث ‪ ،‬وينطبق عليه معنى الحديث أم لا؟‬

‫ذهب بعض الفقهاء إلى مساواته في العقوبة فيكون لفظ القاتل متناولاً للقاتل خطأ‬ كتناوله للقاتل عمداً‪ ،‬فيحرم كلاهما من الميراث‪ .‬وحجة هذا الرأي أن القاتل خطأ ‫يصدق عليه اسم قاتل ‪ ،‬ولأنه قصر في الاحتياط والتحرز فيحرم من الميراث جزاء‬ ‫تقصيره‪ ،‬ولأن الحرمان من الميراث عقوبة قاصرة لا عقوبة كاملة فلا مانع من مساواته‬ ‫فيها للقاتل العمد واختلافه معه في عقوبة القصاص‪ ،‬ولأنه إذا لم يعاقب بهذه العقوبة‬ ‫القاصرة فإنه يؤدي إلى شيوع القتل بين الورثة وادعاء الخطأ فيه‪ .‬فسداً لهذا الباب‬ ‫ومنعاً لذريعة الإجرام واستعجال الشيء قبل أوانه‪ ،‬يجب حرمانه من الميراث‪.‬‬
‫وذهب البعض الآخر من الفقهاء إلى أن لفظ القاتل في الحديث الشريف لا‬ يشمل القاتل خطأ لانعدام القصد السيء عنده‪ ،‬فلا يستحق العقوبة الكاملة وهي‬ ‫القصاص ‪ ،‬ولا يستحق العقوبة القاصرة وهي الحرمان من الميراث ‪.‬‬

‫وهكذا الحال في كل لفظ ظاهر الدلالة على معناه مع خفاء في انطباق هذا‬ ‫المعنى على بعض أفراده‪ ،‬فهو خفي بالنسبة إلى هذا البعض من الأفراد‪ ،‬فإما أن‬ ‫ينطبق عليه بعد التأمل والنظر فيسري عليه حكمه‪ ،‬وإما أن لا ينطبق عليه معناه فلا‬



349
#ff0000




‫يجرى عليه حكمه كما مثلنا ‪ .‬وأنظار الفقهاء تختلف في هذا المجال ‪.‬‬

‫‪ - 332‬ومن أمثلة الخفي في القوانين الوضعية المادة ‪ 311‬من قانون العقوبات‬ ‫المصري التي نصت كل من اختلس منقولاً مملوكاً لغيره فهو سارق‪ ،‬فهل ينطبق‬ ‫النص على سارق التيار الكهربائي؟ سبب الخفاء في اعتبار التيار الكهربائي مالاً‬ ‫منقولاً‪ ،‬إن المنقول عادة ما أمكن نقله من مكان إلى مكان آخر فهل ينطبق هذا المعنى‬ على التيار الكهربائي ؟ والذي انتهت إليه محكمة النقض المصرية أنه يعتبر منقولاً‪،‬‬ وبالتالي ينطبق على سارقه نص هذه المادة‪.‬‬

‫‪ - 333‬حكم الخفي ‪:‬‬
‫وجوب النظر والتأمل في العارض الذي أوجب الخفاء في انطباق اللفظ على‬ ‫بعض أفراده‪ ،‬فإن رُئيَ أن اللفظ يتناوله جعل من أفراده وأخذ حكمه كما في الطرار‪،‬‬ وإن رُئيَ أن اللفظ لا يتناوله لم يأخذ حكمه كما في النباش ‪ .‬وقد يتفق الفقهاء في نتيجة‬ ‫تأملهم ونظرهم وقد يختلفون ‪.‬‬

‫ثانياً‪ :‬المشكل (1)‬‬
‫‪ - 334‬المشكل ‪ :‬مأخوذ من قول القائل ‪ :‬أشكل علي كذا‪ ،‬أي دخل في‬ ‫أشكاله وأمثاله‪ ،‬وفي الاصطلاح ‪ :‬اسم لما يشتبه المراد منه بدخوله في أشكاله على‬ ‫وجه لا يعرف المراد إلا يدليل يتميز به من بين سائر الأشكال‪ .‬وبتعبير آخر‪،‬‬ ‫المشكل‪ :‬اسم لكلام أو لفظ يحتمل المعاني المتعددة‪ ،‬ويكون المراد واحداً منها‪ ،‬لكنه‬ قد دخل في أشكاله وهي تلك المعاني المتعددة فاختفى بسبب هذا الدخول على‬

‫السامع وصار محتاجاً إلى الطلب والتأمل ليتميز عن أشكاله وأمثاله‪ .‬فسبب الخفاء في‬ ‫المشكل نفس لفظه وصيغته‪ ،‬فهو لا يدل بصيغته على المراد منه ‪ ،‬بل لا بد من قرينة‬ ‫خارجية تبين المراد منها‪ ،‬وهذا بخلاف الخفي ‪ ،‬فإن خفاءه ليس من نفس اللفظ وإنما‬

_______________________________
1- ((أصول )) السرخسي ج1 ص 168، ‪ ‬المحلاوي ص ‪89‬-‪ 88‬ خلاف ص200-201 (( ‪ ‬أصول الفقه‪‫))
لاستاذنا ابو زهرة ص 122-123. ‪ ‬‬
350
#ff0000





‫من الاشتباه في انطباق معناه على بعض الأفراد لعوامل خارجة عن اللفظ كما بينا ‪.‬‬

‫‪ - 335‬ومن أمثلة المشكل‪ :‬اللفظ المشترك‪ ،‬فإنه موضوع في اللغة لأكثر من‬ معنى ‪ ،‬فلا يدل بنفسه على معنى معين‪ ،‬وإنما الذي يحدد المعنى المراد منه هو وجود‬ ‫القرائن الخارجية ‪ .‬وهذا ما تختلف فيه أنظار المجتهدين‪ ،‬كما في لفظ القرء في قوله‬‫تعالى‪:‬‬ ‫(( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)) فهو موضوع للطهر وللحيض ‪،‬‬ ‫والقرائن هي التي تعين المراد منه‪ .‬ومثله أيضاً‪ :‬كلمة (أنَّى ) ‪‬في قوله تعالى ‪:‬‬
((نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ)) [البقرة‪ ،[ 223:‬فكلمة (أنَّى)‬ ‫تستعمل لغة بمعنى «كيف» كما تستعمل بمعنى «من أين»‪ ،‬والقرائن وسياق النص هي‬ ‫التي تعين المراد‪ ،‬وقد عينته‪ ،‬فدل النص على تعميم الأحوال دون المحال‪.‬‬

‫‪ 336‬- ومن أمثلة المشكل في القوانين الوضعية ‪ :‬المادة الثامنة من قانون‬ ‫الأحوال الشخصية العراقي رقم ‪ 188‬لسنة ‪ 1959‬ونصها‪:‬‬
‫((تكمل أهلية الزواج بتمام الثامنة عشرة‪ (( ‬فهذا النص يبين أن أهلية الزواج‬ ‫تكمل بتمام الثامنة عشرة‪ ،‬أي الثامنة عشرة سنة‪ ،‬ولكن كلمة سنة تحتمل أن تكون‬ ‫سنة قمرية أو سنة شمسية‪ ،‬فهي إذن من المشكل‪ ،‬فلا بد من تبين المراد من السنة‪،‬‬ ‫وهل هي قمرية أو شمسية؟ وعند التأمل نجد أن هذا القانون يتناول مسائل الأسرة‪،‬‬ ‫وهي محكومة بالشريعة الإسلامية‪ ،‬سواء منها ما قنن من أحكامها في هذا القانون أو‬ ‫ما ترك لها في غير المنصوص عليه في هذا القانون‪ ،‬كما جاء في المادة الاولى منه‪ ،‬وحيث‬ أن الشريعة الإسلامية تعتبر السنة في حسابها السنة القمرية‪ ،‬فيكون ذلك قرينة على‬ ‫أن المقصود بتمام الثامنة عشرة‪ ،‬هو تمام الثامنة عشرة سنة قمرية‪.‬‬

‫‪ - 336‬حكم المشاكل ‪:‬‬

‫وعلى هذا‪ ،‬فإن حكم المشكل ‪ :‬هو البحث والنظر في القرائن والدلائل الدالة‬ ‫على المعنى المراد من اللفظ المشاكل والعمل بما يؤدي إليه البحث والنظر‪ ،‬وذلك بأن‬ ‫ننظر أولاً في مفهومات اللفظ جميعها فتضبطها‪ ،‬ثم نتأمل فيها لاستخراج المعنى‬ ‫المقصود ‪.‬‬
‫‪
351
#ff0000



‫ثالثاً‪ :‬المجمل (1)
‬‬
‫‪ - 337‬المجمل في اللغة‪ :‬المبهم ‪ ،‬مأخوذ من أجمل الأمر أيهمه ‪ .‬وفي‬ ‫الاصطلاح كما يقول الإمام السرخسي ‪ :‬لفظ لا يفهم المراد منه إلا باستفسار من‬ ‫المجمل ‪ ،‬وبيان من جهته يعرف به المراد ‪ .‬فهو لفظ خفي المراد منه بحيث لا يدرك إلا‬ ‫ببيان من المتكلم به ‪ ،‬إذ لا قرينة تدل على معناه الذي قصده المتكلم ‪ .‬فسبب الخفاء‬ ‫في المجمل لفظي لا عارضي ‪ ،‬أي ان اللفظ المجمل لا يدل بصيغته على المراد منه، ‬‬‫ولا توج تي ان لفظية أو حالية تبينه‪ ،‬بل لا بد من الرجوع إلى الشارع نفسه لمعرفة‬ ‫المراد من اللفظ ‪.‬‬

‫وسبب الإجمال قد يكون لأن اللفظ من المشترك الذي لا توجد معه قرائن تعين‬ ‫المعنى المطلوب منه‪ ،‬وقد يكون السبب غرابة اللفظ كما في لفظ (( هلوع )) في قوله‬ ‫تعالى : ((إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً)) [المعارج:19] ولهذا فسرته الآية إذ جاء فيها ‪‫بعده‪)):‬إِذَا مَسَّهُ الشِّرُ جَرُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً)) ‪ .‬ومثله لفظ ((القارعة‪ ((‬التي جاء‬ ‫تفسيرها في نفس الآية وهي قوله تعالى ‪: ))‬الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ. يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ. وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ))[القارعة: 1-5].‬‬ ‫وقد يكون سبب الإجمال نقل اللفظ عن معناه اللغوي إلى معناه الاصطلاحي‬ ‫كلفظ الحج والصلاة والزكاة‪ ،‬ولهذا بينت السنة النبوية المعاني الشرعية المرادة من‬ ‫هذه الألفاظ ‪ ،‬ولولا بيان الشارع لما أمكن معرفة المعنى الشرعي الذي أراده الشارع‬ ‫من هذه الألفاظ ‪.‬‬

‫‪ - 388‬حكم المجمل ‪:‬‬

‫التوقف في تعيين المراد منه فلا يجوز العمل به إلا إذا وَرَدَ من الشارع ما يزيل‬ ‫إجماله ويكشف معناه‪ .‬فإذا كان البيان وافياً قطعياً صار المجمل من المفسر كالبيان‬ ‫الذي صدر عنه صلى الله عليه وسلم للزكاة والصلاة ونحوهما‪ ،‬وإن لم يكن البيان بهذه الكيفية صار‬

________________________________________
1-((أصول)) السرخسي ج‬‫‪ 1‬ص‪ ، 168 ‬خلاف ص 304‬‬.
‫‪



352
#ff0000



‫المجمل من المشكل فيحتاج إلى نظر وتأمل لإزالة إشكاله ومعرفة المقصود منه ‪ ،‬لأن‬ ‫الشارع لما بين ما أجمله بعض التبيين‪ ،‬فتح الباب للتأمل والاجتهاد لمعرفة المعنى‬ ‫المقصود‪ .‬ومثاله الربا‪ ،‬ورد في القران مجملا‪ ،‬وبينته السنة النبوية بحديث الأموال‬ ‫الربوية الستة‪ ،‬ولكن هذا البيان ليس وافياً‪ ،‬لأنه لم يحصر الربا فيها‪ ،‬فجاز‬ ‫الاجتهاد لبيان ما يكون فيه الربا قياساً على ما ورد في الحديث ‪.‬‬

‫رابعاً‪:‬‬

‫المتشابه(1)‬‬

‫‪ - 339‬هو اللفظ الذي خفي المراد منه ‪ ،‬فلا تدل صيغته على المراد منه ولا‬ ‫سبيل إلى إدراكه‪ ،‬إذ لا توجد قرينة تزيل هذا الخفاء‪ ،‬واستأثر الشارع بعلمه ‪.‬‬
‫هذا ما قاله علماء الأصول في تعريف المتشابه‪ ،‬ومثلوا له بالحروف المقطعة في‬ ‫أوائل السور مثل «حمعسق»‪ .‬كما مثلوا له بآيات الصفات كقوله تعالى : ((الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى)) [طه: 5‬]‪ ((يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)) ،
‫والحق أن المتشابه بالمعنى الذي أراده الأصوليون ليس من بحث الأصول وإنما‬ ‫هو من أبحاث علم الكلام ‪ ،‬ويكفينا هنا أن نقول متعجلين ‪ :‬إن الحروف المقطعة‬ ‫وآيات الصفات ليست من قبيل المتشابه الذي يريدونه ‪ ،‬فالحروف المقطعة جاء ت‬ ‫لبيان أن القرآن الكريم مؤلف من هذه الحروف وأمثالها‪ ،‬ومع هذا فقد عجز البشر‬ ‫عن محاكاته وهذه آية إعجازه وكونه من عند الله ‪ .‬وآيات الصفات معناها معروف‪،‬‬
‫وتحمل على المعنى اللائق بالله عز وجل ‪ ،‬أي تثبت له هذه الصفات على نحو يخالف‬ صفات المخلوقين ‪ ،‬فكما أن ذات الله لا تشبه الذوات فكذلك صفاته لا تشبه‬ ‫الصفات‪ ،‬وعلى هذا تدل الآية الكريمة ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)).

‫ويلاحظ هنا ‪ :‬أن الألفاظ المتشابهة لا توجد في آيات وأحاديث الأحكام‬ ‫الشرعية العملية كما ثبت ذلك بالاستقراء ‪ ،‬لأن نصوص الأحكام يراد بها العمل‬ ‫والتطبيق لا مجرد الاعتقاد‪ ،‬ولا يمكن العمل بها إذا كانت متشابهة‪ ،‬وحيث أنها‬ شرعت للعمل بمقتضاها فيلزم أن لا يكون فيها أي اشتباه أو تشابه ‪.‬‬

______________________________
‫1- ((‬أصول‪ ((‬السرخسي ج1 ص169، ‪ ))‬أصول الفقه‪ ((‬لاستاذنا ابو زهرة ص128-129، خلاف ص205.
‫‪

353
#ff0000



‫المبحث الرابع‬
‫كيفية دلالة اللفظ على المعنى‬

340-تمهيد:
‫‪ ‬‬

‫تكلمنا في المبحث الثالث على تقسيمات‬ ‫اللفظ من حيث وضوح دلالته على‬ ‫المعنى أو خفائها‪ .‬ونتكلم في هذا المبحث على طرق دلالة اللفظ على المعنى ‪ .‬واللفظ‬ بهذا الاعتبار ينقسم إلى أربعة أقسام‪ :‬دال بعبارة النص ‪ ،‬أو بإشارته ‪ ،‬أو بدلالته‪ ،‬أو‬ ‫باقتضائه ‪.‬‬

‫ووجه هذا التقسيم أن المعنى قد يفهم من اللفظ عن طريق عبارة النص‪ ،‬أو‬ ‫إشارته ‪ ،‬أو دلالته ‪ ،‬أو اقتضائه ‪ ،‬وهذه هي أقسام دلالة اللفظ على المعنى ‪ ،‬وزاد‬ ‫الجمهور‪ ،‬غير الأحناف ‪ ،‬دلالة خاصة هي مفهوم المخالفة‪ .‬ونتكلم فيما يلي عن كل‬ ‫نوع من أنواع هذه الدلالات على حدة‪.‬‬

‫أولاً ‪ :‬عبارة النص(1)

‫‪ - 341‬وهي دلالة اللفظ على المعنى المتبادر فهمه من نفس صيغته ‪ ،‬سواء كان‬ هذا المعنى هو المقصود من سياقه أصالة أو تبعاً‪ .‬فكل معنى يفهم من ذات اللفظ‪،‬‬ واللفظ مسوق لإفادة هذا المعنى أصالة أو تبعاً يعتبر من دلالة العبارة‪ .‬ويطلق عليه ‫المعنى الحرفي للنص ‪ ،‬أي المعنى المستفاد من مفردات الكلام وجمله ‪.‬‬

‫‪ - 342‬مثاله قوله تعالى‪)) :‬وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ التيِ حَرَّمَ الله إِلاَ بالْحَقِّ)) دلت‬ هذه الآية بعبارتها‪ ،‬أي بنفس ألفاظها على حرمة قتل النفس ‪ .‬ومثله ‪ ،‬قوله تعالى ‪:‬‬

__________________________________
1- ((أصول)) السرخسي ‪ 1‬ج ص ‪ 236‬المحلاوي ص ‪101‬‬
354
#ff0000

ياس
2016-10-12, 08:11 PM
‫﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ‪ ﴾ ‬دلت الآية بعبارتها على فريضة الصلاة والزكاة‪ ،‬وهذا‬ ‫المعنى هو المقصود أصالة من سوق الأية ‪.‬‬
وقد يكون سوق الكلام لإفادة معنيين أو ثلاثة أصالة وتبعاً‪ ،‬مثل قوله تعالى ‪:‬‬ ﴿وَأَحَلّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ يفهم منه بدلالة العبارة معنيان‪ :‬الأول‪ :‬نفي المماثلة‬ ‫بين البيع والربا‪ ،‬وهذا المعنى هو المقصود الأصلي الذي سيقت الآية من أجله رداً على‬ ‫قول المشركين: ﴿إنما البيع مثل الربا﴾والمعنى الثاني: ‪ ‬هو حل البيع وتحريم الربا‪،‬‬ ‫وهذا المعنى هو المقصود التبعي من الآية أي ان سوق الكلام ما كان لبيان هذا المعنى‬ ‫أصالة‪ ،‬بل تبعاً‪ ،‬بدليل أنه كان من الممكن النص على نفي المماثلة من غير بيان حل‬ ‫البيع أو حرمة الربا‪ ،‬فلما ذكر هذا المعنى دل ذلك على أنه مقصود تبعاً من سوق الآية‬ ‫ليتوصل به إلى إفادة المعنى المقصود الأصلي من الآية ‪.‬‬

‫ومثله أيضاً‪ :‬قوله تعالى : ﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾[النساء: 3] ‪ ‬دلت الآية بعباراتها على ثلاثة‬ ‫معان ‪:‬‬

‫الأول ‪ :‬إباحة النكاح‬
‫الثاني ‪ :‬قصر عدد الزوجات على أربع كحد أقصى للتعدد‪.‬‬
‫الثالث ‪ :‬الاقتصار على واحدة عند خوف الجور‪.‬‬

‫وهذه المعاني الثلاثة تفهم من عبارة النص وألفاظه‪ ،‬وكلها مقصودة من‬ سياقه ‪ ،‬إلا أن المعنى الأول هو المقصود التبعي من سياق الآية ‪ ،‬لأن الآية سيقت‬ ‫أصلاً للدلالة على المعنيين الأخيرين‪.‬‬

‫‪ - 343‬عبارة النص في القوانين ‪:‬‬

‫والأمثلة على المفهوم من عبارة النص في القوانين الوضعية كثيرة جداً‪ ،‬لأن كل‬ ‫نص قانوني إنما ساقه واضع القانون ليدل به على حكم خاص‪ ،‬وصاغ ألفاظ النص‬


355
#ff0000




‫وعباراته لتدل دلالة واضحة عليه ‪ .‬فكل نص قانوني في أي قانون‪ ،‬لا بد أن يكون له‬ معنى تدل عليه عبارته ‪ ،‬من ذلك نص المادة ‪ 1050‬من القانون المدني العراقي ‫يجوز أن يحرم أحد من ملكه إلا في الأحوال التي قررها : (( القانون وبالطريقة التي‬ ‫يرسمها‪ ،‬ويكون ذلك في مقابل تعويض عادل يدفع إليه مقدما‪ ((‬فهذا النص دل‬ بعبارته على صيانة حق الملكية وعدم نزعها من صاحبها إلا في الأحوال التي نص‬ ‫عليها القانون‪ ،‬وبعد دفع التعويض العادل مقدماً‪ ،‬وهذا المعنى هو المقصود أصالة‬ ‫من سياق النص.

‫ومثله أيضاً‪ :‬ما نص عليه قانون العقوبات في المادة 60: ‪ يسأل جنائياً من‬ ‫كان وقت ارتكاب الجريمة فاقد الإدراك أو الإرادة الجنون أو عاهة في العقل أو بسبب‬ ‫كونه في حالة سكر أو تخدير نتجت عن مواد مسكرة أو مخدرة أعطيت له قسراً‪ ،‬أوعلى‬ ‫غير علم منه بها ‪. .‬‬

‫ومثله أيضاً‪ :‬المادة ‪ 139‬من القانون المدني العراقي ويضمن الغاصب إذا‬ ‫استهلك المال المغصوب أو أتلفه أو ضاع منه أو تلف كله أو بعضه بتعديه أو بدون‬ ‫تعديه )).‬

‫ثانياً‪ :‬إشارة النص (1)


‫‪ - 344‬هي دلالة اللفظ على معنى غير مقصود من سياقه لا أصالة ولا تبعاً‪،‬‬ ‫ولكنه لازم للمعنى الذي سيق الكلام من أجله ‪ .‬فالنص لا يدل على هذا المعنى بنفس‬ ‫صيغته وعبارته‪ ،‬وإنما يشير ويومىء إلى هذا المعنى بطريق الالتزام ‪ ،‬أي ان المعنى‬ ‫الذي يدل عليه النص بعبارته يستلزم هذا المعنى الذي يشير إليه‪ ،‬فكانت دلالة اللفظ‬ ‫عليه بطريق الإشارة لا العبارة‪ ،‬ولهذا قد يعبرون عن هذه الدلالة بأنها دلالة اللفظ‬ على المعنى الذي لم يقصد من السياق دلالة التزامية‪ .‬هذا ومن الجدير بالذكر أن دلالة‬ ‫الإشارة قد تكون خفية تحتاج إلى تعمق في النظر والتأمل ‪ .‬كما يجب التأكد من وجود‬

______________________________
1-((أصول)) السرخسي ج1 ص 236-237 ، ‬الآمدي ‪٣‬ج ص ‪ 93-92‬وخلاف ص ‪ 166‬وما بعدها‪،‬‬ ‫المحلاوي ص102.

356
#ff0000


تلازم حقيقي بين المعنى الذي يدل عليه النص بعبارته،وبين المعنى الذي يدل عليه بإشارته‪ ،‬بل لا بد أن يكون التلازم بينهما لا انفكاك له ومن اللوازم الحقيقية ‪.‬‬

345- ‬الأمثلة من النصوص الشرعية ‪:‬‬

‫أولاً‪ :‬قوله تعالى:﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾[البقرة :233].
‫دلت هذه الآية بعبارتها على أن نفقة الوالدات المرضعات وكسوتهن على‬ ‫الوالد‪ ،‬وعلى أن نسب الولد إلى الأب دون الأم ‪ ،‬لأن الآية الكريمة أضافت الولد ‫لوالده بحرف الاختصاص وهو اللام في قوله تعالى : ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ ومن لوازم ‪هذا المعنى الأخير معان أخرى تفهم بإشارة النص‪ ،‬ومنها‪:‬‬

‫أ‪ -‬إن الأب ينفرد في وجوب النفقة عليه لولده‪ ،‬فكما لا يشاركه أحد في نسبة الولد‬ ‫‪إليه ،لا يشاركه أحد في النفقة عليه ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬للأب أن يأخذ من مال ولده ما يسد به حاجته‪ ،‬لأن الولد نسب إلى الأب بلام‬ ‫الملك في قوله تعالى‪: ‬ ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ وتملك ذات الولد لا يمكن لكونه حراً‪،‬‬ ‫ولكن تملك ماله يمكن ‪ ،‬فيجوز عند الحاجة إليه‪.‬‬

‫ثانياً : ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾[البقرة: 187]. ‫يفهم من عبارة النص إباحة مخالطة الزوجة إلى آخر جزء‬ ‫من‬ ‫الليل ‪ ،‬ولما‬ ‫كانت هذه الإباحة وامتدادها إلى هذا الوقت تستلزم أن الصائم قد يصبح جنباً‪،‬‬ ‫فيجتمع في حقه وصفان‬ ‫الجنابة والصيام ‪ ،‬واجتماعهما يستلزم عدم تنافيهما وعدم‬ فساد الصوم بالجنابة نظراً لإباحة أسبابها ومقدمتها‪ .‬فالآية إذن دلت بعبارتها على‬ ‫إباحة قربان الزوجة إلى آخر لحظة من الليل‪ ،‬ودلت بإشارتها إلى جواز أن يصبح‬ ‫الصائم جنباً‪،‬‬ ‫وهذا غير مقصود من سياق الأية ‪ ،‬لكنه لازم للمعنى‬ ‫الذي دلت عليه‬ ‫الآية بعبارتها ‪.‬‬


ثالثاً : ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا

357
#ff0000




‫مِنَ الله وَرِضْوَاناً﴾ [الحشر:8]. سيقت هذه الآية للدلالة على أن المهاجرين ‫يستحقون نصيباً من الفيء‪ ،‬ويفهم منها بدلالة الإشارة أن هؤلاء المهاجرين قد زال‬ ‫ملكهم عن أموالهم في مكة‪ ،‬لأن الآية الكريمة عبرت عنهم بلفظ ﴿للفقراء﴾ فزوال‬ ‫ملكهم عن أموالهم معنى غير مقصود من سياق الآية لا أصالة ولا تبعاً‪ ،‬ولكنه‬ ‫لازم للفظ ورد في الآية وهو ﴿للفقراء﴾ ‪.‬‬

‫رابعاً‪ :‬قوله تعالى‪﴿ :‬فَاسْألُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء : 7]‬‬ ‫‪ دلت الآية بعبارتها على وجوب سؤال أهل الذكر‪ ،‬لأن هذا المعنى هو المقصود‬ ‫منها‪ ،‬وسؤال أهل الذكر يستلزم وجوب إيجاد أهل الذكر حتى يمكن أن يسألوا‪ ،‬وهذا‬ ‫المعنى غير مقصود من الآية‪ ،‬وإنما دلت عليه إشارة ‪.‬‬

‫خامساً‪ :‬قوله تعالى: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾[آل عمران:159]. ‬دلت الآية‬ ‫بعبارتها على أن الأصل في الحكم في الإسلام هو الشورى‪ ،‬وهذا المعنى يستلزم‬ ‫وجوب إيجاد طائفة من الأمة تستشار في أمرها‪ ،‬إذ لا يمكن مشاورة كل فرد من الأمة‪،‬‬ ‫وهذا المعنى غير مقصود من سياق الآية فتكون دلالتها عليه بالإشارة ‪.‬‬

‫سادساً‪ :‬قوله تعالى ‪:‬‬ ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾[الاحقاف :15] ‫وقوله تعالى‪﴿ :‬وَفِصَالُهُ في عَامَين﴾ [لقمان :14].‪ ‬يفهم من الآيتين بطريق الإشارة‬ ‫أن أقل مدة الحمل ستة أشهر‪ ،‬كما هو واضح من ملاحظة الآيتين ‪.‬‬

‫سابعاً‪ :‬ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : (( ‬أغنُوهُم عن المسألة في مثل هذا اليوم‪ ((‬فالحكم‬
‫الثابت بعبارة النص وجوب أداء صدقة الفطر في‬ ‫يوم‬ ‫العيد إلى الفقير‪ ،‬لأن هذا‬ ‫الحديث الشريف مسوق أصلاً لبيان هذا الحكم وهو يفهم من نفس عبارته ‪ .‬والثابت‬ بطريق الإشارة جملة أحكام منها:

‫أ ‪ -‬أنها لا تجب إلا على الغني ‪ ،‬لأن الإغناء إنما يتحقق من الغني ‪.‬‬
‫ب ‪ -‬يجب الصرف إلى المحتاج لا إلى الغني حتى يتحقق الإغناء ‪.‬‬
‫ع‪ - -‬الواجب يتأدى بمطلق المال‪ ،‬لأنه اعتبر الإغناء وهذا يحصل بالنقود وبغيرها ‪.‬‬
‫‪


358
#ff0000




‫ويلاحظ من الأمثلة السابقة أن المعاني الالتزامية المستفادة من إشارة النص قد‬‫تكون خفية لا تدرك إلا بتأمل دقيق ونظر عميق ‪ ،‬وقد لا يتفطن إليها البعض ‪ ،‬ولا‬ ‫يستطيع إدراكها إلا الفقهاء الراسخون في الفقه‪ ،‬فضلاً عن أن العقول تتفاوت في‬ ‫الفهم فتختلف في إدراك المستفاد من النصوص بطريق الإشارة‪ ،‬وهذا بخلاف ما‬ ‫يدرك من المعاني بدلالة عبارة النص ‪ ،‬إذ هذه تكون بدرجة من الوضوح بحيث‬
‫يدركها حتى غير الفقيه ‪.‬‬

‫‪ - 346‬الأمثلة على دلالة الإشارة في القوانين الوضعية ‪:‬‬

‫أولاً ‪ :‬نصت الفقرة الأولى من المادة ‪ 378‬من قانون العقوبات العراقي رقم ‪111‬‬ ‫لسنة ‪: 1969‬‬

‫«لا يجوز تحريك دعوى الزنى ضد أي من الزوجين أو اتخاذ أي إجراء فيها‬ ‫إلا بناء على شكوى الزوج الآخر‪ ،‬فهذه المادة دلت بطريق الإشارة على أن‬ جريمة الزنى من قبل أحد الزوجين تعتبر جناية على حق الزوج الأخر وليس‬ ‫جناية على المجتمع ‪ ،‬لأن هذا المعنى لازم لمعنى مفهوم من عبارة النص ‪ ،‬وهو‬
‫عدم تحريك الدعوى إلا من قبل الزوج الأخر‪ .‬إذ لو كانت جريمة الزنى في‬ ‫نظر واضع القانون‪ ،‬جناية على المجتمع يتعلق بها الحق العام كالسرقة‬ ‫مثلاً‪ ،‬لما توقف تحريك الدعوى على شكوى الزوج الآخر‪ ،‬كما هو الشأن في‬ ‫الجرائم العامة التي تعتبر اعتداء على المجتمع‪ .‬ومسلك القانون العراقي‬ ‫مخالف لمسلك الشريعة الإسلامية التي تعتبر الزنى اعتداء على المجتمع‬ ‫والعقاب عليه حق لله‪ ،‬أي حق للمجتمع‪ ،‬ولا يتوقف تحريك دعوى الزنا‬ ‫على شكوى أحد الزوجين إذا كان الزنى وقع من أحدهما‪.‬‬
‫ونفس هذا المعنى المفهوم عن طريق الإشارة‪ ،‬يفهم وبنفس الطريق ‪ ،‬من‬ نص الفقرة الثانية من المادة ‪ 379‬من قانون العقوبات العراقي ونصها ‪:‬‬ ‫(( وللزوج كذلك أن يمنع السير في تنفيذ الحكم الصادر على زوجه ‪ ((‬فالمفهوم‬




359
#ff0000



‫بالإشارة‪ :‬أن زفى أحد الزوجين جناية على حق الزوج الآخر وليس جناية‬ ‫على المجتمع‪ ،‬لأن هذا المعنى لازم لحق إيقاف سير تنفيذ الحكم‪ ،‬لأنه لو‬ ‫كانت هذه الجريمة جناية على المجتمع ما ثبت له حق إسقاط العقوبة ‪.‬‬
‫ثانياً ‪ :‬ومن المفهوم با لإشارة أيضاً ما تدل عليه المادة ‪ 6‬من قانون العقوبات العراقي ‪،‬‬
‫ونصها ‪:‬‬
‬‬
«تسري أحكام هذا القانون على جميع الجرائم التي ترتكب في العراق ‪. .‬‬ وفي جميع الأحوال يسري القانون على كل من ساهم في جريمة وقعت كلها أو‬ ‫بعضها في العراق ‪ ،‬ولو كانت مساهمته في الخارج‪ ،‬سواء أكان فاعلاً أو‬ ‫شريكاً»‪.‬‬
‫دلت هذه المادة بعبارتها على وجوب تطبيق أحكام قانون العقوبات العراقي‬ على جميع مرتكبي الجرائم الواقعة في العراق بغض النظر عن جنسياتهم ‪.‬‬
‫ودلت بإشارتها على أن لا امتياز للأجانب في العراق من جهة الخضوع‬ ‫لقانون العقوبات العراقي ‪ ،‬فهم كالعراقيين في الخضوع لأحكامه ‪.‬‬

‫ثالثاً‪ :‬ومن أمثلة المفهوم بالإشارة‪ ،‬ما دلت عليه المادة الخامسة عشرة من قانون‬ التقاعد المدني رقم ‪ 33‬لسنة ‪ 1966‬والتي نصت على أنه «لا تعتبر من الخدمة‬
‫التقاعدية» ‪:‬‬

‫‪ - 1‬مدة الخدمة التي يؤديها الموظف بعقد خاص ‪ . .‬إلخ ‪.‬‬
‫‪ - 2‬مدة خدمة الموظف قبل إكماله سن الثامنة عشرة من العمر‪ . .‬إلخ ‪.‬‬

‫‪ -3‬مدة خدمة الموظف بعد إكماله سن الثالثة والستين من العمر‪ ..‬إلخ ‪.‬‬
‫‪ - 4‬مدة الخدمة المعتبرة تقاعدية بموجب قانون آخر من قوانين التقاعد‬ ‫العراقية مع أحكام المادة العاشرة من هذا القانون ‪.‬‬
‫‪ - 5‬مدة الخدمة التي تكون خلالها خدمة الموظف مخالفة للقوانين المرعية‪.‬‬

360
#ff0000



‫فهذه المادة دلت بعبارتها على عدم احتساب مدة الخدمة المذكورة في فقراتها‬ خدمة تقاعدية‪ ،‬ودلت بإشارتها على عدم استيفاء حصة تقاعدية من الرواتب التي‬ ‫تقاضاها الموظف عن هذا النوع من الخدمات التي لا تعتبر خدمة تقاعدية‪ ،‬لأن هذا‬ ‫المعنى لازم لعدم اعتبار هذه المدد في هذا النوع من الخدمات خدمة تقاعدية‪ ،‬لأن‬ ‫استيفاء الحصة التقاعدية يكون من رواتب الخدمة التي تعتبر تقاعدية ‪.‬‬

‫ثالثاً ‪ :‬دلالة النص (1)‬‬

‫‪ - 347‬وهي دلالة اللفظ على أن حكم المنطوق‪ ،‬أي المذكور في النص‪ ،‬ثابت‬ لمسكوت عنه لاشتراكهما في علة الحكم التي تفهم بمجرد فهم اللغة‪ ،‬أي يعرفها كل‬ ‫عارف باللغة دون حاجة إلى اجتهاد ونظر‪ .‬وحيث أن الحكم المستفاد عن طريق دلالة‬ ‫النص يؤخذ من معنى النص لا من لفظه‪ ،‬سماها بعضهم «دلالة الدلالة»‪ ،‬وسماها‬ ‫آخرون ب((فحوى الخطاب»‪ ،‬لأن فحوى الكلام هو معناه‪ .‬وسماها الشافعية «مفهوم‬ ‫الموافقة»‪ ،‬لأن مدلول اللفظ في محل السكوت موافق لمدلوله في محل النطق ‪ ،‬فيكون‬ ‫المسكوت عنه موافقاً في الحكم للمنطوق به‪ .‬كما يسمي البعض هذه الدلالة بالقياس‬ ‫الجلي‪ ،‬ودلالة الأولى ‪ ،‬لأن المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به‪ ،‬لظهور العلة‬ ‫فيه على نحو أقوى من المنطوق به ‪.‬‬

‫فإذا دل النص بعبارته على حكم في واقعة معينة ووجدت واقعة أخرى تساوي‬ ‬الأولى في العلة أو هي أولى منها‪ ،‬وكانت هذه المساواة أو الأولوية تفهم بمجرد فهم‬ ‫اللغة وبأدنى نظر وبدون اجتهاد وتأمل‪ ،‬فإنه يتبادر إلى الفهم أن النص يتناوله‬ الواقعتين‪ ،‬وأن الحكم المنصوص عليه يثبت للمسكوت عنه‪ ،‬أي يثبت للواقعة‬ ‫الثانية ‪.‬‬

____________________________________
1- ((‬أصول)) السرخسي ج ا ص ‪242-243‬ (( التلويح والتوضيح ))ج ‪ 1‬ص ‪ 131‬المحلاوي ص 103، ‪ )) ‬المسودة)) ص ‪ 346‬والآمدي ج ‪ 3‬ص 97-95 ‪‬‬.
‫‪

361
#ff0000




‫‪ - 348‬الأمثلة من النصوص الشرعية والقوانين الوضعية ‪:‬‬
‫أ ‪ -‬من النصوص الشرعية‪:‬‬

‫أولاً ‪ :‬قوله تعالى: ﴿ ‪‬فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفِّ﴾ [الاسراء:23] ‬النص دل بعبارته على‬ ‫حرمة التأفيف للوالدين من الولد‪ ،‬لما في هذه الكلمة من إيذاء لهما، فيتبادر‬ ‫إلى الفهم أن النص يتناول حرمة ضربهما وشتمهما لما في الضرب والشتم من‬ ‫أيذاء وإيلام أشد مما في كلمة «اف» ‪ ،‬فيكون الضرب والشتم أولى بالتحريم‬ من التأفيف ‪ ،‬فيكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق‪ ،‬وهذا المعنى‬ ‫واضح لا يحتاج إلى اجتهاد أو تأمل‪.‬‬

‫ثانياً‪ :‬قوله تعالى:﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾[النساء:10] ‬فهذه الآية الكريمة أفادت بعبارتها‬ ‫تحريم أكل أموال اليتامى ظلماً‪ .‬ويفهم منها بدلالة النص تحريم إحراقها أو‬ ‫تبديدها أو إتلافها بأي نوع من أنواع الإتلاف ‪ ،‬لأن هذه الأمور تساوي أكل‬
‫أموالها ظلماً بجامع الاعتداء على مال اليتيم القاصر العاجز عن دفع الاعتداء‬ ‫عنه‪ .‬فيكون النص حرم بعبارته أكل أموال اليتامى ظلماً‪ ،‬وحرم إحراقها‬ ‫وإتلافها بطريق الدلالة ‪ .‬والمسكوت عنه في هذا المثال مساوٍ للمنطوق به في‬ ‫علة الحكم ‪.‬‬

‫ثالثاً‪ :‬قوله تعالى‪‪ ،﴾وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ﴿ : ‬يُفهَم من الأية‬ بدلالة العبارة وجوب العدة على المطلقة للتأكد من براءة الرحم ‪ ،‬وهذه العلة‬ يفهمها أهل اللغة‪ ،‬وهي موجودة في المفسوخ زواجها بسبب من أسباب‬ ‫فسخ النكاح كالردة مثلا‪ ،‬فتجب عليها العدة بدلالة النص ‪ ،‬والعلة هنا في‬
‫المسكوت عنه مساوية للعلة في المنطوق ‪.

‫ومن هذا يتضح أن الفرق بين دلالة النص وبين القياس هو أن مساواة المفهوم‬ ‫الموافق ‪ ،‬أي المسكوت عنه‪ ،‬للمنطوق به في العلة تفهم بمجرد فهم اللغة بلا حاجة‬ ‫إلى اجتهاد وتأويل‪ .‬أما مساواة المقيس للمقيس عليه في العلة فلا تفهم إلا بالتأمل‬
‫‪


362
#ff0000




‫والنظر والاجتهاد ‪ ،‬ولا يكفي فيها مجرد فهم اللغة ‪.‬‬

‫ومن أمثلة دلالة النص‪ ،‬أو مفهوم الموافقة كما يسميها البعض‪ ،‬الفقرة الأولى‬ من المادة ‪ 129‬من القانون المدني العراقي ‪ ،‬ونصها‪)) :‬لا يجوز أن يكون محل الالتزام‬ ‫معدوماً وقت التعاقد‪ ،‬إلا إذا كان ممكن الحصول في المستقبل وعين تعييناً نافياً‬ ‫للجهالة والضرر)) المفهوم الموافق لحكم هذا النص هو جواز أن يكون الموجود وقت‬ ‫التعاقد محلاً للالتزام ‪.‬‬
‫ومن أمثلته أيضاً‪ :‬نص المادة ‪ 1282‬من القانون المدني العراقي‪)) :‬ينقضي‬ حق الارتفاق بعدم استعماله خمس عشرة سنة‪ ،‬فإن كان الارتفاق مقررا لمصلحة عين‬ ‫كانت المدة ستا وثلاثين سنة)) ‪ .‬المفهوم الموافق انقضاء حق الارتفاق بعدم‬ ‫استعماله‬ ‫اكثر من المدة المذكورة في المادة ‪ ،‬لأن الانقضاء في هذه الحالة أولى مما نصت عليه المادة‬ ‫لزيادة مدة الترك ‪.‬‬

‫ومن الأمثلة أيضاً من القوانين الوضعية‪ :‬ما نص عليه قانون العقوبات ‫العراقي بشأن زنى الزوجين ‪ ،‬فقد نصت المادة ‪ 379‬في فقرتها الثانية: (( ‪ ‬وللزوج‬ ‫كذلك أن يمنع السير في تنفيذ الحكم الصادر على زوجه)) يفهم من دلالة هذا النص ان‬ ‫للزوج أن يطلب وقف السير في دعوى الزنى قبل الحكم فيها‪ ،‬لأن من يملك وقف‬ ‫تنفيذ الحكم بعد صدوره يملك بطريق الأولى وقف إجراءات الدعوى بشأنه‪.‬‬

‫رابعاً‪ : ‬اقتضاء النص(1)

‫‪ - 349‬الاقتضاء معناه في اللغة‪ :‬الطلب‪ .‬وفي الاصطلاح كما يقول‬

‫السرخسي: (( ‪ ‬هو عبارة عن زيادة على المنصوص عليه يشترط تقديمه ليصير المنظوم‬ مفيداً أو موجباً للحكم ‪ ،‬وبدونه لا يمكن إعمال المنظوم)) وبتعبير آخر‪ :‬يراد بدلالة‬

________________________________
‫1- ((‬أصول)) السرخسي ج ‪ 1‬ص248‬ ((الأمدي)) ج ‪ 3‬ص91 ، ‪ ‬المحلاوي105.

‫‪363
#ff0000


‫اقتضاء النص دلالة اللفظ على مسكوت عنه يتوقف صدق الكلام وصحته واستقامته‬ على ذلك المسكوت ‪ ،‬أي على تقديره في الكلام ‪.‬‬

350- الأمثلة:
‫أولاً ‪ :‬قوله تعالى‪﴿ :‬حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ ﴾...‪ إلخ ‬تقدير معنى‬ ‫النص ‪ :‬حرام عليكم نكاح أمهاتكم وبناتكم ‪ . .‬إلخ ‪ .‬وهذا المعنى دل عليه‬ ‫اللفظ عن طريق الاقتضاء‪ ،‬لأن التحريم لا ينصب على الذوات‪ ،‬وإنما على‬ ‫الفعل المتعلق بها‪ ،‬وهو هنا النكاح ‪.‬‬

‫ثانياً‪ :‬قوله تعالى‪﴿ :‬حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحمُ الخنزير‪ ﴾ ..‬أي أكلها‬ والانتفاع بها‪ ،‬وهذا المعنى استفيد بدلالة اللفظ اقتضاء‪ ،‬لأن التحريم لا‬ يتعلق بالذات كما قلنا‪ ،‬وإنما يتعلق بفعل المكلف فيقدر المقتضى في كل نص‬ بما يناسبه ‪.‬‬

‫ثالثاً‪ :‬قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( ‪‬إنَّ الله رَفَعَ عن أُمتي الخطأ والنسيانَ وما استُكْرِهُوا عليه‪.((‬‬
‫فظاهر الكلام يدل على رفع الفعل الواقع خطأ أو نسياناً أو إكراهاً‪ ،‬أو ان‬ ‫الخطأ والنسيان والإكراه لا يوجد ولا يقع في الأمة‪ .‬وكلا المعنيين غير‬ ‫صحيح‪ ،‬لأن ما يقع لا يمكن رفعه‪ ،‬ولأن هذه الأمور موجودة فعلاً في‬ ‫الأمة ‪.‬‬
‫فيقتضي صدق الكلام وصحته تقدير محذوف هو كلمة «حكم» أو‬ ‫كلمة «إثم» فيكون معنى الحديث الشريف‪ :‬رفع عن أمتي حكم هذه‬ ‫الأشياء عمن صدرت عنه‪ .‬فيكون الإثم مسكوتاً عنه‪ ،‬وقد توقف صدق‬ ‫الكلام على تقديره فيعتبر من مدلول الحديث بدلالة الاقتضاء ‪.‬‬

‫رابعاً‪ :‬قول الإنسان لأخر يملك شاة ‪ :‬تصدق بها على الفقراء عني بعشرة دنانير‪.‬‬
‫فهذا الكلام يدل اقتضاء على شراء الشاة من مالكها بعشرة دنانير‪ ،‬لأن‬ ‫مالك الشاة لا ينوب عنه في التصدق بها على الفقراء ‪ ،‬إلا بعد أن يتملكها‬ ‫الآمر بالشراء ‪ ،‬فالشراء ثابت بدلالة اقتضاء النص ‪.‬‬



364
#ff0000



‫‪ - 351‬الخلاصة في الدلالات ‪:‬‬

‫وخلاصة ما قلناه في دلالة العبارة والإشارة والدلالة والاقتضاء‪ ،‬أن دلالة‬ العبارة هي دلالة النص بصيغته وألفاظه على الحكم مع سوق الكلام له، ويقال لهذا
‫الحكم ‪ :‬إنه ثابت بعبارة النص ‪.‬‬

‫وإن دلالة الإشارة هي دلالة النص بصيغته وألفاظه على الحكم من غير أن‬ ‫يكون الكلام مسوقاً له‪ ،‬ويقال للحكم‪ :‬إنه ثابت بإشارة النص‪.‬‬
‫وإن الدلالة ‪ ،‬أي دلالة النص‪ ،‬هي دلالته على الحكم لا بصيغة النص وألفاظه‬ ‫بل بروحه ومعقوله ‪ ،‬ويقال للحكم ‪ :‬إنه ثابت بدلالة النص ‪.‬‬
‫وإن دلالة الاقتضاء بماهي دلالة النص لا بصيغته وألفاظه ولا بمعناه‪ ،‬ولكن بأمر‬ ‫زائد اقتضى تقديره في الكلام ضرورة صحة واستقامة الكلام وصدقه ‪..‬‬

‫ومن هذه الخلاصة في الدلالات التي مرت يظهر لنا أن كل معنى يفهم من‬ ‫النص بطريق من طرق هذه الدلالات يعتبر من مدلولات النص وثابتاً به‪ ،‬والنص‬ دليلاً وحجة عليه‪ ،‬ولهذا تعتبر هذه الدلالات الأربع دلالة منطوق‪ ،‬أي منطوق‬ ‫النص وهي تقابل‬ دلالة المفهوم أي مفهوم المخالفة الذي سنتكلم عنه في الفقرة ‫التالية ‪.‬‬


365
#ff0000



‫خامساً ‪: ‬مفهوم‬ ‫المخالفة (1)‬‬

‫‪ - 352‬قلنا‪ :‬إن دلالة اللفظ على مساواة المسكوت عنه للمنطوق في الحكم هو‬
‫من الدلالات اللفظية ‪ ،‬ويسمى ‪ :‬دلالة النص أو مفهوم الموافقة ‪.‬‬

‫أما دلالة اللفظ على ثبوت نقيض حكم المنطوق للمسكوت عنه‪ ،‬أي أن يكون‬ ‫المسكوت عنه مخالفاً للمنطوق به في الحكم‪ ،‬فهذا يسمى مفهوم المخالفة‪ .‬والحكم‬ ‫المخالف ودليل الخطاب ‪ .‬وفي هذا المعنى يقول الآمدي : (( ‬وأما مفهوم المخالفة فهو‬ ‫ما يكون مدلول اللفظ في محل السكوت مخالفاً لمدلوله في محل النطق‪ ،‬ويسمى‪ :‬دليل‬ الخطاب أيضاً . وإنما سمي دليل الخطاب لأن الخطاب دل عليه .

‫‪ - 353‬أنواعه ‪:‬‬
‫ومفهوم المخالفة عند القائلين به أنواع‪ ،‬أهمها وأشهرها ما يأتي ‪:‬‬

‫أولاً‪ :‬مفهوم الصفة‪:‬‬
‫وهو دلالة اللفظ المقيد بوصف على نقيض حكمه عند انتفاء ذلك الوصف ‪.‬‬
‫والمقصود بالوصف هنا مطلق القيد غير الشرط والغاية والعدد ‪ .‬فالوصف هنا يراد به‬ ‫ما هو أعم من النعت‪ ،‬أي سواء كان نعتاً نحوياً مثل‪ :‬في الغنم السائمة زكاة‪ ،‬أو‬ ‫مضافاً نحو‪ :‬سائمة الغنم‪ ،‬أو مضافاً إليه‪ ،‬نحو‪ :‬مطل الغني ظلم‪ ،‬أو ظرف زمان‪:‬‬ ‫كقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ أو ظرف مكان‪ ،‬نحو‪ :‬بع في‬ ‫بغداد ‪.‬‬

‫مثاله‪ :‬قوله تعالى:﴿ ‪ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ‬﴾ [النساء:25] دلت الآية الكريمة‬ على إباحة نكاح الإماء المؤمنات عند العجز عن نكاح الحرائر‪ ،‬ودلت الآية بمفهوم‬

______________________________________
1- الآمدي ج ‪ 3‬ص ‪ 99‬وما بعدها‪ ،‬المحلاوي ص ‪108‬وما بعدها «المسودة» ص ‪ 357‬وما بعدها ‪،‬‬ ‫«أصول» السرخسي ‪ 1‬ج ص 255 وما بعدها ‪، ‬ (( الإحكام ‪ (( ‬لابن حزم ج ‪ 7‬ص ‪ 87‬وما بعدها «إرشاد‬ ‫الفحول» ص109 وما بعدها‪ ،‬الشيخ خلاف ص ‪ 180‬وما بعدها ‬.‬
‫‪

366
#ff0000

ياس
2016-10-12, 08:43 PM
‫المخالفة على النهي عن نكاح الإِماء غير المؤمنات ‪.‬‬

‫ومثاله أيضاً‪ :‬قوله تعالى : ﴿وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ﴾[ النساء:23] ‬أفادت هذه الآية بمفهوم المخالفة حل حلائل الأبناء الذين ليسوا من الأصلاب ‪.‬‬
‫ومثاله أيضاً‪ :‬قول النبي صلى الله عليه وسلم : ((‬في السائمة زكاة‪ ((‬المفهوم المخالف‪ :‬عدم‬ ‫وجوب ‫الزكاة في غير السائمة ‪.‬‬
‫وقوله صلى الله عليه وسلم : ((‬فمن باع نخلةً مؤبرة فثمرتها للبائع‪ ((‬المفهوم المخالف ‪ :‬أن ثمرة ‫النخلة غير المؤبرة لا تكون للبائع ‪.‬‬
‫ومثاله أيضاً‪ :‬قول جابر‪)) :‬قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل شركة لم‬ ‫تقسم )) ‪ .‬والمفهوم المخالف ‪ :‬عدم مشروعية الشفعة فيما قسم ‪.‬‬
‫ومثله أيضاً‪ :‬الحديث النبوي الشريف‪)) :‬لي الواجد يحل عرضه وعقوبته‪(( ‬‬
‫،يدل بمفهومه‬ ‫المخالف ‪:‬‬ ‫أن لي ‪ -‬أي مطل ‪ -‬المدين الفقير لا يحل عرضه وعقوبته‪.‬‬

‫ثانياً‪ :‬مفهوم الشرط‪:‬‬

‫هودلالة اللفظ المفيد الحكم معلق بشرط على ثبوت نقيضه عند انتفاء الشرط ‪،‬ ‫أي إن التعليق بالشرط يوجب وجود الحكم عند وجود الشرط ‪ ،‬ويوجب عدم الحكم‬ عند عدم الشرط ‪.‬‬

‫الأمثلة ‪:‬‬

‫أ ‪ -‬قوله تعالى‪﴿ :‬وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ المفهوم المخالف‪ :‬عدم إباحة نكاح ‫الإماء المؤمنات عائلا القدرة على نكاح الحرائر ‪.‬‬

‫ب ‪ -‬قوله تعالى : ﴿وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾[الطلاق:6].
أفادت هذه الآية الكريمة بدلالة العبارة‪ :‬وجوب النفقة للمطلقة‬ طلاقاً بائناً إذا كانت حاملاً ‪ ،‬ودلت بمفهوم المخالفة على انتفاء هذا الحكم عند‬
‫‪

367
#ff0000




‫عدم الحمل ‪.‬‬

‫جـ‪ -‬قوله تعالى : ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾ [النساء: 4].‪ ‬أفادت الآية الكريمة ‪ :‬أن للزوج أن يأخذ من ‫مهر زوجته ما تطيب به نفسها برضاها ‪ .‬وأفادت بمفهوم‬ ‫المخالفة ‪ :‬حرمة أخذ‬ شيء من المهر إذا لم ترض الزوجة ‪.‬‬

‫د ‪ -‬قول النبي صلى الله عليه وسلم : (( ‬الواهب أحق بهبته إذا لم يثب عنها))‪ .‬أفاد الحديث ‪ :‬أن للواهب‬ حق الرجوع في هبته إذا لم يكن قد أخذ عوضاً عنها‪ .‬والمفهوم المخالف‪ :‬ليس ‫للواهب الرجوع عن هبته إذا أخذ عوضاً عنها‪.‬‬

‫ثالثاً ‪ :‬مفهوم الغاية ‪:‬‬
‫هودلالة اللفظ الذي قيد الحكم فيه بغاية على نقيض ذلك الحكم بعد الغاية ‪.‬‬

‫مثاله ‪ :‬قوله تعالى: ﴿ ‪ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ‬ ﴾[البقرة :230].
‬دل هذا النص على عدم حل المطلقة ثلاثاً‪ ،‬وهذا الحكم مقيد بغاية‬ هي زواجها بغير مطلقها‪ ،‬فيدل مفهوم المخالف على حل زواجها بمطلقها بعد هذه ‫الغاية‪ ،‬أي بعد فرقتها من زوجها الثاني وانتهاء عدتها منه‪.‬‬

‫ومثله أيضاً‪ :‬قوله تعالى : ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾[ البقرة : 187]. ‪ ‬أفاد النص ‪ :‬إباحة الأكل والشرب في ‫ليالي الصيام إلى طلوع الفجر ‪ .‬وأفاد بمفهومه المخالف ‪ :‬حرمة الأكل والشرب بعد ‫هذه الغاية ‪ ،‬أي بعد طلوع الفجر ‪.‬‬

‫ومثله أيضاً : ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾[البقرة: 222]. ‬مفهومها المخالف‪ :‬إباحة قربانهن‬ ‫بعد التطهر‪.‬‬

‫ومثاله أيضاً‪ :‬قوله تعالى : ﴿ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾

368
#ff0000‪


‫[الحجرات‪ ، [9 :‬دل بمفهومه المخالف على نفي القتال إذا فاءت الفئة الباغية إلى أمر‬
‫الله ‪.‬‬
‫رابعاً‪ :‬مفهوم العدد‪:‬‬
‫وهو دلالة اللفظ الذي قيد الحكم فيه بعدد نقيض ذلك الحكم فيما عدا ذلك‬ ‫العدد‪ ،‬أي إن تعليق الحكم بعد مخصوص يدل على انتفاء الحكم فيما عدا ذلك العدد‬ زائداً كان أو ناقصاً‪.‬‬
‫مثاله ‪ :‬قوله تعالى : ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ ،‬مفهومه المخالف‪ :‬عدم‬ جواز ‫الجلد أقل أو أكثر من هذا العدد‪.‬‬
ومثاله أيضاً : ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾، مفهوم المخالفة : عدم إجزاء الصيام بغير هذا العدد من الأيام.
‫ومثاله أيضاً : ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ، ‬يدل ‫بمفهوم المخالفة على عدم جواز الجلد في حد الزنى أقل أو أكثر من هذا العدد‪.‬‬

‫خامساً‪ :‬مفهوم اللقب ‪:‬‬
‫هو دلالة اللفظ الذي علق الحكم فيه بالاسم العلم على نفي ذلك الحكم ‫عن غيره‪ ،‬والمراد بالاسم العلم هنا‪ :‬اللفظ الدال على الذات دون الصفة‪ ،‬سواء ‫كان عَلَماً نحو‪ :‬قام زيد‪ ،‬أو اسم نوع مثل ‪ :‬في الغنم زكاة ‪.‬‬
‫"‬
‫مثاله‪ :‬قوله تعالى : ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ﴾ [الفتح‪ ،[ 29 :‬مفهومه المخالف‪:‬‬
‫غير محمد ليس رسول الله ‪.‬‬
‫ومثاله أيضاً‪ :‬قوله تعالى : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ..﴾ ‬الخ‪ ،‬مفهوم‬ المخالفة : عدم تحريم غير المذكورات في الآية .
‫ومثاله أيضاً‪ :‬قول النبي صلى الله عليه وسلم : ((‬في البر صدقة‪ ((‬مفهومه المخالف‪ :‬غير البر‬
‫ليس فيه صدقة ‪.‬‬

369
#ff0000‬‬


‫‪ - 354‬شروط العمل بمفهوم المخالفة ‪:‬‬

‫مفهوم المخالفة بجميع أقسامه يدل على ثبوت نقيض حكم المنطوق ‫للمسكوت‪ ،‬سواء أكان حكم المنطوق إثبات أو نفياً‪ .‬ويشترط للعمل به عند القائلين‬ ‫به أن لا يكون للقيد الذي قيد به الحكم فائدة أخرى سوى نفي حكم المنطوق‬ ‫للمسكوت ‪ ،‬أي نفي الحكم عند نفي القيد ‪ ،‬فإن كان له فائدة أخرى غير ذلك فإنه‬ ‫لا يكون حجة‪ ،‬ولا يصلح للعمل به‪ ،‬كأن يكون القيد أكثرياً‪ ،‬أي إن القيد خرج ‫مخرج الغالب في أمور النساء كما في قوله تعالى في المحرمات من النساء: ﴿ ‪ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ ﴾ [النساء:23] ‬فقيد ﴿في‬ ‫حُجُورِكُمْ﴾ ليس قيداً إحترازياً‪ ،‬وإنما هو قيد أكثري بناء على أن عادة الناس جرت‬ ‫أن المرأة إذا تزوجت برجل وكان لها بنت من زوج سابق أنها تأخذها معها إلى بيت‬
‫زوجها الجديد تربيها فيه‪ ،‬فلا يعمل بمفهومه المخالف‪ ،‬بمعنى أن الربيبة تحرم على‬ ‫الزوج بدخوله بأمها‪ ،‬سواء أكانت في حجره ورعايته أم لم تكن ‪.‬‬

‫ومثله أيضاً : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾[آل عمران:130] ‬لا يعمل بمفهومه المخالف وهو جواز أكل الربا إذا لم يكن أضعافاً‬ ‫مضاعفة‪ ،‬لأن هذا القيد خرج مخرج الغالب في أمر التعامل بالربا‪ ،‬وهو ابتداؤه بقدر ‫قليل ثم صيرورته مضاعفاً بمرور الزمن‪ ،‬أو إن هذا القيد ذكرالبيان الواقع‪ ،‬فالقيد‬ ‫إذن ‪ ،‬ليس قيدا احترازيا‪ ،‬فلا يفيد العمل بمفهوم المخالفة ‪.‬‬

‫وكذلك لا يعمل بمفهوم المخالفة إذا كان القصد من القيد إفادة التكثير والمبالغة‬ ‫كقوله تعالى : ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة :80]. ‬فذكر السبعين ليس بقيد احترازي‪ ،‬وأنما أريد به المبالغة في‬ ‫الاستغفار‪ ،‬وأنه مهما أكثر المستغفر فلا ينتفع به المستغفر له‪ ،‬فلا يدل بمفهومه‬ ‫المخالف على أن الاستغفار الزائد على هذا العدد ينتفع به المستغفر له ‪.‬‬

‫‪ - 355‬حجية مفهوم المخالفة ‪:‬‬
‫ذهب جمهور العلماء إلى عدم العمل بمفهوم المخالفة في مفهوم اللقب‪ ،‬وهو‬


370
#ff0000


‬‬

ياس
2016-10-12, 11:22 PM
‫الصحيح‪ ،‬لأنه لا يفهم منه نفي الحكم عما سوى الاسم الذي أسند إليه الحكم‪.‬‬
‫فقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ‪((في الغنم زكاة‪ ،‬لا يفهم منه عدم وجوب الزكاة في الإبل‬ ‫والبقر‪ .‬وقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ((‬في البر صدقة)) لا يفهم منه عدم وجوب الزكاة في‬ ‫الشعير والذرة ‪.‬‬

‫ولا فرق بين النصوص الشرعية ونصوص القوانين الوضعية وعبارات المؤلفين‬ ‫وعقود الناس في عدم الاحتجاج بمفهوم اللقب‪ .‬فقول القائل: (( ‬دَينْ المتوفَّى يُؤَدَّي‬ ‫من تركته)) لا يفهم منه أن وصاياه الصحيحة النافذة لا تؤدى من تركته‪ .‬وقول‬ ‫القائل ‪ : ((‬البيع ينقل الملكية)) ‪ ‬لا يعني أن غير البيع لا ينقل الملكية ‪ . .‬وهكذا ‪.‬‬
‫واتفق الأصوليون على الاحتجاج بمفهوم الوصف والشرط والغاية والعدد في‬ ‫غير النصوص الشرعية‪ ،‬أي في عقود الناس وتصرفاتهم وأقوالهم وعبارات المؤلفين‬ ‫والفقهاء ‪ .‬وعلى هذا‪ ،‬إذا قال الواقف ‪ :‬وقفت داري من بعدي على طلبة العلم في‬ بغداد ‪،‬‬دل كلامه بمنطوقه على شمول هؤلاء بوقفه دون غيرهم ‪ .‬وإذا قال الموصي ‪:‬‬ ‫أوصيت بثلث مالي لأقاربي الفقراء‪ ،‬كانت وصيته لهؤلاء دون أقاربه غير الفقراء ‪.‬‬

‫والسبب في حجية مفهوم المخالفة في أقوال الناس هو أن عرف الناس واصطلاحهم‬ ‫في الفهم والتعبير على هذا الوجه ‪ ،‬فإذا لم يعمل بمفهوم المخالفة كان في هذا إهدار‬ لعقودهم وإرادتهم وهذا لايجوز.

‫واختلف الأصوليون في الاحتجاج بمفهوم الوصف والشرط والغاية والعدد في‬ ‫النصوص الشرعية خاصة‪ .‬فذهب جمهورهم إلى الاحتجاج به‪ ،‬وذهب الأحناف إلى‬ ‫عدم الاحتجاج به ‪.‬‬
‫وعلى هذا إذا ورد النص الشرعي دالاً على حكم في واقعه‪ ،‬وكان مقيداً‬ ‫بوصف أو شرط أو حدد بغاية أو عدد فإنه يدل على نقيض حكمه في الواقعة التي‬ عريت من هذه القيود‪ ،‬على رأي الجمهور‪.‬‬
‫وعند الأحناف لا يكون النص حجة إلا على حكمه في واقعته التي ذكر فيها‬ بهذه القيود‪ ،‬وأما الواقعة التي انتفت عنها هذه القيود فإن النص لا يدل بمفهومه‬
‫‪

371
#ff0000


‫المخالف على حكمها ‪،‬‬ ‫وإنما يكون حكمها مسكوتاً عنه ويبحث عنه بأي دليل‬ شرعي، فإذا لم يوجد
‫دليل أخذ بدليل الاستصحاب ‪ ،‬وهو أن الأصل في الأشياء‬ ‫الإباحة‪.‬‬

‫وحجة الأحناف‪ :‬أن القيود التي ترد في النصوص الشرعية لها فوائد كثيرة‪،‬‬ ‫فإذا لم تظهر لنا هذه الفوائد لا نستطيع أن نجزم أن الفائدة لتلك القيود هي تخصيص‬
‫الحكم بما وجد فيه القيد ونفيه عما سواه ‪ .‬والسبب في ذلك ‪ :‬أن مقاصد الشارع كثيرة‬ ‫لا يمكن الإحاطة بها ‪ ،‬بخلاف مقاصد البشر إذ يمكن حصرها ‪ ،‬ولهذا كان مفهوم‬ ‫المخالفة حجة في أقوالهم وليس بحجة في أقوال الشارع ‪.‬‬

‫واحتجوا أيضاً ‪ :‬بأنه ليس من المطرد في أساليب اللغة العربية ثبوت نقيض‬ ‫حكم المنطوق للمسكوت عنه‪ ،‬يدل على ذلك أن من قال لغيره ‪ :‬إذا جاءك فلان‬ ‫صباحاً فأكرمه‪ ،‬لا يفهم من ذلك‪ :‬إذا جاءه مساء لا يكرمه‪ ،‬ولهذا يصح منه‬ ‫السؤال ‪ :‬وإذا جاءني مساء ألا أكرمه ؟ وإذا كانت دلالة المنطوق على المسكوت ليست‬ ‫قطعية ‪ ،‬فلا يمكن أن يكون النص الشرعي حجة عليه بمجرد احتمال هذه الدلالة‪،‬‬
‫لأن الشأن في الاحتجاج بالنصوص الشرعية الاحتياط‪ ،‬والاحتياط يقضي بعدم‬ ‫الأخذ بمفهوم المخالفة ‪.‬‬

‫واحتجوا أيضاً بأن كثيراً من النصوص الشرعية التي دلت على الحكم في‬ ‫الوقائع المقيدة ثبت نفس الحكم في الوقائع التي انتفى عنها القيد كقصر الصلاة بشرط‬ ‫الخوف ‪ ،‬فإن القصر ثبت مع انتفائه مما يدل على عدم قطعية الأخذ بمفهوم المخالفة‪.‬‬

‫وأيضاً‪ :‬فالملاحظ أن الشارع إذا أراد الأخذ بمفهوم المخالفة فإنه ينص عليه صراحة‪،‬‬ ‫كما في قوله تعالى: (( ‬وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطْهَّرْنَ فَآتُوهُنَّ مِنْ حَيْتُ أَمَرَكُمُ ‫الله )) ‪.‬‬

‫وحجة الجمهور‪ :‬أن القيود التي ترد في النصوص الشرعية لم ترد عبثاً‪ ،‬وإنما‬ جاءت لفائدة ‪،‬‬ ‫فإذا لم تكن لها فائدة سوى تخصيص الحكم‬ ‫بما وجد فيه القيد ‪ ،‬فإنه‬ يجب نفي الحكم عما لا يوجد فيه القيد‪ ،‬أي الأخذ بمفهوم المخالفة‪ ،‬لئلا يكون ذكر‬
‫‪


372
#ff0000



‫القيد عبثاً ينزه عنه كلام الشارع ‪ .‬كما احتجوا ‪ :‬أن المألوف في أساليب اللغة العربية‬ ‫أن تقييد الحكم بقيد يدل على انتفائه ‪ ،‬حيث يتنفي القيد‪ ،‬وهذا هو المتبادر الى‬ ‫الفهم ‪ ،‬فمن سمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( مطل الغني ظلم ))، ‬يفهم : أن مطل الفقير‬ ليس ظلماً .

‫وقول الجمهور هو ما تميل إليه ميلاً خفيفاً‪ ،‬لأن مقاصد الشريعة وإن كانت‬ ‫كثيرة لا يحاط بها ‪ ،‬إلا إذا لم تظهر للمجتهد فائدة للقيد سوى ما يظهر له من تخصيص‬ ‫الحكم بما وجد فيه القيد فإنه يغلب على ظنه أن ورود القيد إنما كان لهذه الفائدة‪،‬‬ ‫فينتفي الحكم عما لا يوجد فيه هذا القيد‪ .‬ويكفي الظن الغالب في العمل بدلالة‬ مفهوم المخالفة،لأن دلالة هذا المفهوم ظنية لا قطعية باتفاق القائلين به.

356- ثمرة الخلاف ‪:‬‬
‫وثمرة الخلاف تظهر عند ورود نص مقيد بقيد ‪،‬‬ ‫فالقائلون بمفهوم‬ ‫المخالفة‬ ‫يثبتون الحكم لمنطوقة بهذا القيد‪ ،‬وينفونه حيث ينتفي القيد‪ .‬أما من لم يأخذ بمفهوم‬ ‫المخالفة فإنه يثبت الحكم لمنطوقه في المحل الذي ورد فيه‪ ،‬ولا يثبت نقيض الحكم‬ ‫حيث ينتفي القيد ‪ ،‬وإنما يبحث عن حكمه في ضوة الأدلة الأخرى .

‫‪ - 357‬الأخذ بمفهوم المخالفة في تفسير القوانين الوضعية ‪:‬‬
‫مفهوم المخالفة‪ ،‬عدا مفهوم اللقب‪ ،‬طريق سليم من طرق تفسير النصوص‬ ‫والتعرف على الأحكام التي دلت عليها‪ ،‬ومن ثم يجب الأخذ به ‪ ،‬كما يجب الأخذ‬ ‫بمفهوم الموافقة عند تفسير نصوص القوانين الوضعية‪ ،‬بل إن الأخذ به نص عليه أكثر ‫من قانون عراقي ‪ ،‬فقد جاء في الفقرة الأولى من المادة الأولى من القانون المدني‬ ‫العراقي رقم ‪ 40‬لسنة ‪ 1951‬على ما يأتي ‪:‬‬

‫‪ - 1‬تسري النصوص التشريعية على جميع المسائل التي تتناولها هذه النصوص‬ في لفظها أو فحواها‪


373

#ff0000‬‬


‫ونصت الفقرة الأولى من المادة الأولى من قانون الاحوال الشخصية العراقي‬ ‫رقم ‪ 188‬لسنة ‪ 1959‬على ما يأتي ‪:‬‬
‫((تسري النصوص التشريعية في هذا القانون على جميع المسائل التي تتناولها هذه‬ ‫النصوص في لفظها أوفحواها ))‬والمقصود بكلمة «فحواها»‪ :‬معناها‪ ،‬أي مفهومها سواء قلنا‪ :‬إن المقصود بمفهومها مفهومها الموافق والمخالف‪ ،‬أو قصرنا المراد بمفهومها على‬ ‫المفهوم المخالف فقط‪ ،‬والأول أظهر وأرجح ‪ ،‬فيشمل معنى «فحواها» مفهومها‬ ‫الموافق والمخالف‪.‬‬

‫‪ - 358‬الأمثلة من القوانين على مفهوم المخالفة ‪:‬‬

‫أولاً ‪ :‬نصت الفقرة ‪ 4‬من المادة السادسة من قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم‬ ‫‪ 188‬لسنة 1959. ‪

‫«للزوجة طلب فسخ العقد عند عدم إيفاء الزوج بما اشترط ضمن عقد‬
‫الزواج»‪.‬‬

‫مفهوم المخالفة ليس للزوجة طلب فسخ العقد إذا أوفى الزوج بما اشترط‬ ضمن عقد الزواج ‪ ،‬وهذا النوع من المفهوم هو مفهوم الشرط‪.‬‬

‫ثانياً ‪ :‬نصت المادة الثامنة من قانون الأحوال الشخصية العراقي : (( ‪‬تكملة أهلية‬ ‫الزواج بتمام الثامنة عشرة )) ‬مفهومها المخالف ‪ :‬أن أهلية الزواج لا تكمل‬ ‫قبل تمام الثامنة عشر «مفهوم العدد» ‪.‬‬

‫ثالثا ‪ :‬نصت الفقرة الثانية من المادة الخامسة عشرة من قانون التقاعد المدني رقم ‪33‬‬ ‫لستة ‪: 1966‬‬
‫(( لا تعتبر من الخدمة التقاعدية ‪ :‬مدة خدمة الموظف قبل إكماله سن الثامنة‬ عشرة من العمر‪ ،‬وتستثنى من ذلك الممرضة فتحسب مدة خدمتها تقاعدية‬ بعد إكمالها سن السادسة عشرة من العمرة ‪((

‫المفهوم المخالف ‪ :‬تعتبر خدمة الموظف خدمة تقاعدية بعد إكماله سن‬ ‫الثامنة عشرة من العمر‪ ،‬وعدم احتساب مدة خدمة الممرضة قبل إكمالها‬
‫‪

374

#ff0000


‫سن السادسة عشرة من العمر خدمة تقاعدية «مفهوم‬ ‫الغاية » ‪.‬‬

‫رابعاً‪ :‬نصت المادة ‪ 60‬من قانون العقوبات العراقي رقم ‪ 111‬لسنة ‪ 1999‬على ما‬
‫يأتي ‪:‬‬
‫(( لا يسأل جزائياً من كان وقت ارتكاب الجريمة فاقد الإدراك أو الإرادة‬ ‫لجنون أو عاهة في العقل‪ ،‬أو بسبب كونه في حالة سكر أو تخدير نتجت عن‬ ‫مواد مسكرة أو مخدرة أعطيت له قسراً‪ ،‬أو على غير علم منه بها‪ ،))‬مفهومها‬ ‫المخالف ‪ :‬معاقبة مالك الإدراك أو الإرادة ومن تناول المواد المسكرة أو‬ ‫المخدرة ‪ ،‬وهو مختار أو عالم بها «مفهوم الوصف » ‪.‬‬

‫خامساً‪ :‬نصت المادة ‪ 311‬من قانون العقوبات العراقي على ما يلي ‪:‬‬
‫«يعفى الراشي أو الوسيط من العقوبات إذا بادر بإبلاغ السلطات‬ ‫القضائية أو الإدارية بالجريمة‪ ،‬أو اعترف بها قبل اتصال المحكمة‬ ‫بالدعوى» ‪.‬‬

‫المفهوم المخالف‪ :‬إعفاء الراشي أو الوسيط من العقوبات إذا قام بالإبلاغ‬ ‫المطلوب ‪ ،‬قبل اتصال المحكمة بالدعوى ((مفهوم الشرط‪ ((‬كما يمكن اعتبار‬ هذا النوع من مفهوم المخالفة مفهوم الغاية‪ ،‬فيعفى الراشي أو الوسيط‬ ‫لقيامه بالإبلاغ المطلوب إلى غاية محددة بالنص وهي اتصال المحكمة‬ ‫بالدعوى فقبل الاتصال هذا ‪ ،‬يعفى المبلغ من العقوبة‪ ،‬وبعد الاتصال لا‬‬ ‫يعفى وإن بلغ ‪.‬‬

‫سادساً‪ :‬نصت المادة 547من القانون المدني العراقي على ما يأتي‪:‬‬
‫((إذا هلك المبيع في يد البائع قبل أن يقبضه المشتري يهلك على البائع ولا‬ شىء على‬ ‫المشتري ‪ ،‬إلا إذا حدث الهلاك بعد إعذار المشتري لتسلم‬ ‫المبيع )) ‪.‬‬

‫المفهوم المخالف ‪ :‬تبعه الهلاك على المشتري بعد قبضه المبيع‪ ،‬أو بعد‬
‫‪


375

#ff0000


‫إعذاره لتسلمه «مفهوم الغاية» ‪.‬‬

‫سابعاً‪ :‬نصت المادة السادسة من القانون المدني العراقي ‪:‬‬

((الجواز الشرعي ينافي الضمان‪ ،‬فمن استعمل حقه استعمالاً جائزاً لم‬ ‫يضمن ما ينشأ عن ذلك من الضرر»‪.‬‬
‫المفهوم المخالف ‪ :‬الجواز غير الشرعي لا ينافي الضمان ‪ ،‬واستعمال الحق‬ ‫استعمالاً غير جائز يترتب عليه الضمان «مفهوم الوصف»‪.‬‬

‫ثامناً‪ :‬نصت المادة ‪ 1220‬من القانون المدني العراقي ‪:‬‬

‫(( إذا مات المتصرف في أرض أميرية ولم يخلف أحداً من أصحاب حق‬ ‫الانتقال ‪،‬‬ ‫فإن أرضه تنحل» ‪.‬‬
‫المفهوم المخالف ‪ :‬عدم انحلال الأرض الأميرية بموت المتصرف فيها إذا‬ خلف أحداً‪ ،‬من أصحاب الانتقال «مفهوم الشرط » ‪.‬‬

‫تاسعاً‪ :‬نصت المادة ‪ 1282‬من القانون المدني العراقي في فقرتها الأولى‪:‬‬
‫«ينقضي حق الارتفاق بعدم استعماله خمس عشرة سنة‪ ،‬فإن كان‬ ‫الارتفاق مقرر لمصلحة عين موقوفه كانت المدة ستاً وثلاثين سنة»‪.‬‬
‫المفهوم‬ ‫المخالف ‪ :‬عدم انقضاء حق الارتفاق بعدم‬ ‫استعماله ‪،‬‬ ‫أقل من المدد‬ ‫المذكور «مفهوم العدد» ‪.‬‬

‫عاشراً‪ :‬نص قانون جامعة بغداد رقم ‪ 181‬لسنة ‪ 1968‬في مادته الثامنة والثلاثين‬
‫على ما يأتي ‪:‬‬
‫أ‪ -‬يلغى القانون رقم ‪ 54‬لسنة ‪ 1968‬ وتبقى الأنظمة والتعليمات الصادرة‬ ‫بموجب القانون رقم ‪ 51‬لسنة ‪ 1963‬التي لا تتعارض وأحكام هذا‬ ‫القانون نافذة حتى يستبدل بها غيرها» ‪.‬‬

‫المفهوم المخالف ‪ :‬أن الأنظمة والتعليمات التي تشير إليها المادة لا تبقى‬

‫‪376
#ff0000

‫‪.‬‬

‫نافذة بعد أن يستبدل بها غيرها «مفهوم الغاية»‪ ،‬كذلك لا تبقى قبل‬ ‫استبدالها إذا كانت تتعارض وأحكام هذا القانون «مفهوم الوصف»‪.‬‬

‫أحد عشر‪ :‬نص قانون الأحوال الشخصية العراقي في الفقرة ‪ ٢‬من المادة التاسعة‬ والخمسين على ما يأتي:
‫((تستمر نفقة الأولاد إلى أن تتزوج الأنثى ويصل الغلام إلى الحد الذي‬ يتكسب فيه أمثاله ما لم يكن طالب علم)).
‫المفهوم‬ ‫المخالف ‪ :‬أن‬ ‫النفقة تنقطع عند بلوغ الغاية التي نصت‬ ‫عليها هذه المادة وهي ‪ :‬زواج الأنثى ‪ ،‬أو بلوغ الغلام السن الذي‬ ‫يكتسب فيه أمثاله ما لم يكن طالب علم «مفهوم الغاية»‪.‬‬

‫اثنا عشر ‪ :‬نص قانون جامعة بغداد رقم ‪ 51‬لسنة ‪ 1963‬في الفقرة (ب) من المادة‬ ‫‪ 15‬على ما يأتي ‪:‬‬
((يتم تعين رئيس الجامعة بمرسوم جمهوري لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد)).
‫المفهوم المخالف ‪ :‬عدم جواز تعيينه لمدة أقل أو أكثر من ثلاث سنوات‬‫«مفهوم‬ العدد» ‪.‬‬

‫‪377
#ff0000

‫الفصل الثاني‬
‫مقاصد الشريعة الاسلامية (1)‬‬

‫‪ - 359‬معرفة مقاصد الشريعة العامة أمر ضروري لفهم النصوص الشرعية‬ ‫على الوجه الصحيح ‪ ،‬ولاستنباط الأحكام من أدلتها على وجه مقبول ‪ ،‬فلا يكفي أن‬ ‫يعرف المجتهد وجوه دلالات الألفاظ على المعاني ‪ ،‬بل لا بد له من معرفة أسرار‬ ‫التشريع والأغراض العامة التي قصدها الشارع من تشريعه الأحكام المختلفة حتى‬ ‫يستطيع أن يفهم النصوص ويفسرها تفسيراً سلياً‪ ،‬ويستبط الأحكام في ضوء هذه‬
‫المقاصد العامة ‪.‬‬

‫‪ - 360‬وقد ثبت بالاستقراء وتتبع الأحكام المختلفة في الشريعة أن القصد‬ ‫الأصلي لها هو تحقيق مصالح العباد وحفظ هذه المصالح ودفع الضرر عنهم ‪ ،‬إلا ان‬ ‫هذه المصالح ليست هي مايراه الإنسان مصلحة له ونفعاً حسب هواه‪ ،‬وإنما المصلحة ما‬ ‫كانت مصلحة في ميزان الشرع لا في ميزان الأهواء والشهوات ‪ ،‬فالإنسان قد يرى ‪-‬‬ مدفعواً بهواه ‪ -‬النافع ضاراً‪ ،‬والضار نافعاً‪ ،‬متأثراً بشهواته النفسية وتطلعه‬واستشرافه إلى النفع العاجل اليسير‪ ،‬دون التفات إلى الضرر الآجل الجسيم ‪ ،‬فقد‬ ‫يرى أن من النفع له أكل مال الناس بالباطل بالأساليب الخفية الملتوية‪ ،‬أو باحتكار‬ ‫أقواتهم‪ ،‬أو بأخذ الربا ليزيد ماله بهذا الطريق المحرم الخبيث ‪ ،‬أو يقعد عن الجهاد‬ ‫ليتمتع بمتع الحياة‪ ،‬وينسى هذا الإنسان أن هذه المنافع صورية لا حقيقية‪ ،‬إذ هي في‬

___________________
1- ((‬الموافقات )) للشاطبي ج ‪ ٢‬ص ‪ ٢٥٢‬وما بعدها ‪ ،‬الشيخ خلافه من ‪ ٢٣٢‬وما بعدها‪ ،‬((مذكرات في‬ ‫أصول الفقه ))‪ ‬لاستاذنا الزانز ف رحمه الله تعالى‬

378
#ff0000


‫جوهرها ضرر محض في العاجل والآجل ‪.‬‬
من أجل هذا كله كان لا بد من بيان مقاصد الشريعة العامة‪ ،‬ليكون المكلف‬ على علم بها فيعرف ما يأخذ وما يذر، ويزن بها مصالحه وأضراره.
‫ومقصد الشريعة‪ ،‬كما قلنا ‪ :‬تحقيق مصالح العباد بالإيجاد لها أولاً‪ ،‬ثم بحفظها‬ ‫ثانياً‪ .‬وهذه المصالح هي ‪ -‬حسب الاستقراء ‪ -‬ثلاثة أنواع ‪:‬‬ الضروريات ،‫والحاجيات ‪ ،‬والتحسينيات ‪ .‬ولكل نوع منها مكملات ‪ ،‬كما أنها ليست في الأهمية‬ على مرتبة واحدة ‪ ،‬وهاك البيان ‪:‬‬

361- الضروريات:

‫ويقصد بها ‪ :‬المصالح التي تتوقف عليها حياة الناس وقيام المجتمع‬ ‫واستقراره ‪ ،‬بحيث إذا فاتت اختل نظام الحياة وساد الناس هرج ومرج ‪ ،‬وعمت‬ ‫أمورهم الفوضى والاضطراب ولحقهم الشقاء في الدنيا والعذاب في الآخرة‪.‬‬
‫وهذه‬ ‫الضروريات هي ‪ :‬الدين ‪ ،‬والنفس ‪ ،‬والمقل ‪ ،‬والنسل ‪ ،‬والمال ‪.‬‬.
‫وهذه المصالح راعتها الشرائع جميعاً‪ ،‬وإن اختلفت في طرق رعايتها والمحافظة‪‬‬ عليها‪ .‬والشريعة الإسلامية ‪ -‬وهي خاتمة الشرائع ‪ -‬راعتها على أتم وجوه الرعاية‪،‬‬ فشرعت الأحكام لإيجادها أولاً‪ ،‬والمحافظة عليها ثانياً‪.‬‬
‫فالدين شرع لإيجاده‪ :‬الإيمان بأركانه‪ ،‬وأركانه هي ‪ :‬الشهادتان ولوازمهما‪،‬‬ ‫والعقائد الأخرى كالإيمان بالبعث والحساب ‪ .‬وأصول العبادات‪ :‬كالصلاة والصيام‬ ‫والحج والزكاة‪ .‬فبهذه الأمور يوجد الدين وتستقيم أمور الناس وأحوالهم ‪ ،‬ويقوم‬ ‫المجتمع على أساس قوي متين ‪.‬‬
‬‬‫وشرع للمحافظة على الدين ‪ :‬الدعوة إليه‪ ،‬ورد الاعتداء عنه‪ ،‬ووجوب‬ ‫الجهاد ضد من يريد إبطاله ومحو معالمه‪ ،‬وعقوبة من يرتد عنه‪ ،‬ومنع من يشكك الناس‬ ‫في عقيدتهم ‪ ،‬ومنع الافتاء بالباطل‪ ،‬أو بتحريف الأحكام ونحو ذلك‪.‬‬
‫والنفس شرع لإيجادها‪ :‬الزواج ‪ .‬وشرع لحفظها‪ :‬وجوب تناول ما به قوامها‬

379
#ff0000‬


‫من طعام وشراب ومعاقبة من يعتدي عليها‪ ،‬وتحريم تعريضها للهلكة ‪.‬‬
‫والعقل ‪ ،‬وهبهُ الله‬ ‫للناس فهم في أصله سواء ‪ .‬وشرع‬ ‫لحفظه ‪:‬‬ تحريم ما‬ ‫يفسده من كل مسكر ‪ ،‬ومعاقبة من يتناول المسكرات والمخدرات ‪.‬‬

‫والنسل ‪ ،‬شرع لإيجاده ‪ :‬الزواج الشرعي ‪ .‬وشرع لحفظه وعدم‬ اختلاطه : تحريم الزنى وعقوبة مرتكبيه ،وتحريم القذف ومعاقبة القاذف .وتحريم الإجهاض ومنع الحمل إلا للضرورة ‪.‬‬
‫والمال ‪ ،‬شرع لإيجاده ‪ :‬إباحة‬ المعاملات المختلفة ووجوب ‫السعي ‪ ،‬وشرع‬ ‫للمحافظة عليه ‪ :‬تحريم السرقة ‪ ،‬وحد السارق ‪ ،‬وتحريم إتلاف مال الغير وتضمين ما‬ ‫يتلفه ‪ ،‬والحجر على السفيه والمجنون ونحوهما ‪.‬‬

‫‪ 362‬ـ الحاجيات ‪:‬‬

‫وهي الأمور التي يحتاج إليها الناس لرفع الحرج والمشقة عنهم ‪ ،‬وإذا فاتت لا‬ ‫يختل نظام الحياة ولكن يلحق الناس المشقة والعنت والضيق ‪ .‬والحاجيات كلها ترجع‬ ‫إلى رفع الحرج عن الناس ‪ ،‬وقد جاءت الشريعة بالأحكام المختلفة لتحقيق هذا‬ ‫الغرض ‪.‬‬

‫ففي العبادات‪ ،‬شرعت الرخص دفعاً للحرج‪ ،‬فأباح الشارع الفطر‬ ‫للمريض والمسافر‪ ،‬والصلاة من قعود عند المرض ‪ ،‬والجمع في السفر‪ ،‬والتيمم عند‬ ‫فقد الماء ‪ ،‬والاتجاه لغير القبلة في السفينة أو الطائرة إذا غيرت اتجاهها عن القبلة التي‬ ‫بدأ صلاته إليها‪.‬‬

‫وفي المعاملات‪ ،‬شرعت أنواع المعاملات استثناء من القواعد العامة‪ ،‬فأباح‬ ‫الشارع السلم والاستصناع والإجارات والمزارعة‪ ،‬وشرع الطلاق للخلاص من‬ ‫زوجية لم تعد صالحة للبقاء والاستمرار‪.‬‬
‫وفي العقوبات ‪ ،‬شرع قاعدة درء الحدود بالشبهات ‪ ،‬والدية على العاقلة في‬ ‫القتل الخطأ تخفيفاً عن القاتل ‪.‬‬

380
#ff0000

ياس
2016-10-14, 09:57 PM

هذا وقد دل على مراعاة الشريعة للمصالح الحاجية‪ ،‬فضلاً عن النصوص‬ ‫الجزئية‪ ،‬النصوص العامة من ذلك قوله تعالى‪﴿ :‬مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ‬ ‫حرّج﴾[المائدة‪﴿ [6 :‬وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج‪[87 :‬‬ ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾[البقرة‪.[581 :‬‬

‫‪ - 363‬التحسينيات ‪:‬‬

‫وهي التي تجعل أحوال الناس تجري على مقتضى الأداب العالية والخلق‬ القويم ‪ ،‬وإذا فاتت لا يختل نظام الحياة ‪ ،‬ولا يلحق الناس المشقة والحرج ‪ ،‬ولكن‬ ‫تصير حياتهم على خلاف ما تقتضيه المروءة ومكارم ‫الأخلاق والفطر السليمة ‪ .‬وقد ‫راعت الشريعة هذه المصالح التحسينية في العبادات والمعاملات والعادات‬ ‫والعقوبات ‪.‬‬

‫ففي العبادات ‪ ،‬شرع ستر العورة‪ ،‬ولباس الثياب الجيدة عند دخول‬ ‫المساجد ‪ ،‬والتقرب بالنوافل همران الصدقات والصلاة والصيام .
وفي‬‫المعاملات ‪،‬‬ ‫شرع الامتناع عن بيع النجاسات‪ ،‬وعن الإسراف ‪،‬‫وبيع ‫الإنسان على بيع أخيه ‪.‬‬
‫وفي العادات ‪ ،‬ندب إلى الأخذ بآداب الأكل والشرب‪ ،‬كالأكل باليمين ومما يلي‬ ‫الإنسان وترك المآكل الخبيثة‪ ،‬والتخلق بالأخلاق الفاضلة ‪.

‫وفي العقوبات ‪ ،‬حرم التمثيل بالقتل قصاصاً أو في الحروب‪ ،‬كما حرم قتل‬ ‫النساء والأطفال والرهبان في الحروب‬.

‫‪ - 436‬مكملات المصالح‬:
‫ولكل من الضروريات والحاجيات والتحسينيات مكملات تؤدي إلى تحقيقها‬ ‫وحفظها على أتم الوجوه‬.
‫ففى الضروريات ‪ ،‬شرع الأذان والصلاة جماعة تكملة لفريضة الصلاة ‪.‬‬
‫‪

381
#ff0000


‫وشرع وجوب التماثل بين الجاني والمجني عليه لوجوب القصاص حتى يؤدي غرضه‬ ‫من الزجر والردع ‪ ،‬ويمنع إثارة العدوان والبغضاء ‪ .‬ولما شرع الزواج لإيجاد النفس‬ ‫والنسل شارع الكفاءة بين الزوجين ليكون ذلك أدعى إلى حسن العشرة بين الزوجين‬ ‫ودوام الألفة بينهما‪ ،‬كما شرع جواز النظر إلى المخطوبة ‪ .‬ولما حرم الزنى حفظاً للنسل‬ حرم ما يفضي إليه من الخلوة بالمرأة والنظر إليها بشهوة وسفر المرأة منفردة من غير‬ ‫محرم ‪ .‬ولما شرع لحفظ العقل تحريم الخمر ومعاقبة شاربها حرم شرب القليل منها وإن‬
‫لم يسكر ‪ .‬رداً لذريعة مفسدة الإسكار بشرب الكثير‪ .‬ولما شرع لإيجاد المال أنواع‬ ‫المعاملات شرع ما يكملها محافظة على المقصود منها‪ ،‬فنهى عن الغرر وبيع المعدوم‬ ‫وجهالة المبيع ‪ ،‬ونحو ذلك ‪.‬‬

‫وفي الحاجيات ‪ ،‬لما شرع أنواع المعاملات الدافعة للحرج عن الناس شرع‬ ‫الشروط الجائزة‪ ،‬ومنع المحظورة التي تثير النزاع بين الناس ‪ .‬ولما شرع الدية على‬ ‫العاقلة تخفيفاً عن القاتل خطأ‪ ،‬شرعها منجمة‪ ،‬وعلى القادرين على أدائها‪ ،‬وبمقادير‬ ‫يسيرة يسهل أداؤها‪.‬‬

‫وفي التحسينات لما ندب إلى التطوع في الصدقات شرع تحري الوسط من المال‬ ‫للإنفاق منه ‪ ،‬وجعل الشروع في نوافل العبادات موجبا إلى إكمالها ‪.‬‬

‫ويلاحظ أخيراً في موضوع المكملات ‪ :‬أن الحاجيات تعتبر مكملة‬ ‫للضروريات‪ ،‬وأن التحسينات تعتبر مكملة للحاجيات‪.‬‬

‫‪ - 365‬مراتب المصالح في الأهمية ‪:‬‬
‫والمصالح بأنواعها الثلاثة‪ ،‬ليست سواء في الأهمية‪ ،‬فأولاها بالرعاية ‪:‬‬
‫الضروريات‪ ،‬ثم الحاجيات ‪ ،‬ثم التحسينات ‪ ،‬وعلى هذا فيما شرع من أحكام للأولى‬ ‫أهم مما شرع للثانية‪ ،‬وما شرع للثانية أهم مما شرع للثالثة‪ ،‬ويترتب على هذا وجوب‬ ‫رعايتها بهذا الترتيب ‪ ،‬بمعنى أنه لا يجوز العناية بالحاجيات إذا كانت مراعاتها تخل‬ ‫بالضروريات ‪ ،‬ولا يجوز مراعاة التحسينيات إذا كان في ذلك إخلال بالضروريات‬



382

#ff0000
‬‬

‫والحاجيات ‪ ،‬ولا يجوز مراعاة المكملات إذا كان في مراعاتها إخلال فيما هو أصل لها ‪.‬‬
‫وبناء على هذه الضوابط يباح كشف العورة‪ ،‬وإن كان سترها مطلوباً‪ ،‬إذا كان كشفها‬ ‫يستدعيه إجراء‬ ‫الفحص والعلاج ، لأن ستر العورة تحسيني ، والعلاج لحفظ النفس ضروري ‪.‬‬
‫ويباح تناول الخبائث كالميتة حفظا للنفس ‪ ،‬لأن حفظها ضروري ‪.‬‬
‫ولا‬ يجوز دفع الحرج والمشقة عن الإنسان إذا كان في هذا الدفع تفويت لما
هو ضروري ‪،‬‬ ‫فالعبادات مثلاً تجب‪ ،‬وإن كان فيها شيء من المشقة‪ ،‬لأن إتيانها ضروري لحفظ‬ الدين ، وحفظ الدين من المصالح الضرورية.
‫وكما لا يراعى تحسيني او حاجي إذا كان في هذه المراعاة إخلال بالضروري ‪،‬‬ ‫فكذلك الضروريات لا يراعى أقلها أهمية إذا كان في هذه المراعاة تفويت لما هو أكثر‬ ‫أهمية منها ‪ .‬فلا يجوز القعود عن الجهاد جبناً وضناً بالنفس‪ ،‬لأن في هذا القعود تفويتاً‬ ‫لحفظ الدين ورد الاعتداء وصيانة دار الإسلام ‪ ،‬وهذه أمور ضرورية أهم من حفظ‬ ‫النفس‪ ،‬وإن كان كلاهما ضرورياً‪ .‬ويباح شرب الخمر‪ ،‬بل لا يجوز الامتناع عنه إذا‬ ‫تعين طريقاً لحفظ النفس من الهلاك‪ ،‬لأن حفظها أهم من حفظ العقل‪.‬‬

‫‪ - 366‬ما يترتب على هذه المقاصد من مبادىء وقواعد ‪:‬‬
‫وعلى أساس مراعاة المصالح الضرورية والحاجية والتحسينية ‪ ،‬نتجت جملة
مبادىء عامة استنبطها الفقهاء‪ ،‬بناء عليها‪ ،‬وفرعوا منها فروعاً كثيرة‪ .‬ومن هذه‬
‫المبادىء والقواعد العامة ما يأتي ‪:‬‬

‫أولاً ‪:‬‬ الضرر يزال ‪.‬‬
‫وينبني على هذا المبدأ ويتفرع عنه‪ :‬ثبوت حق الشفعة لمن له هذا الحق ‪،‬‬
‫ووجوب الضمان في‬ المتلفات ‪،‬‬ وخيار الرد بالعيب ‪ ،‬والأخذ بأساليب الوقاية‬
الطبية أيام فشو الأمراض والأوباء‪ ،‬إلخ ‪.‬‬

‫ثانياً‪ :‬يدفع الضرر العام بتحمل الضرر الخاص ‪.‬‬
‫ومن فروع هذه القاعدة ‪ :‬القصاص من القاتل ‪ ،‬وقطع يد السارق ‪ ،‬وهدم‬
383

#ff0000

الجدار المائل في الطريق، ومنع الطبيب الجاهل والمفتي الماجن، وتسعير البضائع عند الضرورة ..إلخ

‫ثالثاً‪ :‬يدفع أشد الضررين بتحمل أخفهما‪.‬‬
‫ومن فروع هذه القاعدة ‪ :‬تطليق الزوجة للضرر أو للعجز عن النفقة أو‬ ‫ستر العورة عند تعذر سترها‪ ..إلخ.

‫رابعاً‪ :‬درء المفاسد أولى من جلب المنافع‪.‬‬
‫ومن فروعها‪ :‬منع المالك من التصرف في ملكه على نحو يضر بالآخرين ‪،‬‬ ‫ومنع تصدير بعض السلع إذا كان في الناس حاجة إليها‪ ،‬وإن فوت على‬ ‫البعض بعض الأرباح ‪.‬‬

‫خامساً‪ :‬الضرورات تبيح المحظورات ‪.‬‬
‫ومن فروعها ‪ :‬تناول المحرمات عند الضرورة‪ ،‬وتقييد بعض المباحات ‪.‬‬

‫سادساً‪ :‬الضرورات تقدر بقدرها‪.‬‬
‫ومن فروعها‪ :‬عدم تناول المحرم عند الضرورة إلا بقدر ما تندفع به‬ ‫الضرورة ‪ ،‬وما جاز لعذر يبطل بزوال العذر ‪.‬‬

‫سابعاً‪ :‬المشقة تجلب التيسير‪.‬‬
‫ومن فروعها ‪ :‬تشريع الرخص ‪ ،‬وفسخ النكاح إذا وجدت الزوجة في‬ ‫زوجها عيبا كانت تجهله وقت العقد‪ ،‬وجواز القرض والحوالة والحجر‪.‬‬

‫ثامناً‪ :‬الحرج مرفوع‪.‬‬
‫من فروعها ‪ :‬قبول شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال‪ ،‬والاكتفاء‬ ‫بالظن الراجح دون الجزم في قبول الشهادة ‪.‬‬
‫‪

384

#ff0000
‬‬

‫تاسعاً‪ :‬لا يجوز ارتكاب ما يشق على النفس ‪.‬‬
‫ومن فروعها ‪ :‬منع القيام طوال الليل ‪ ،‬والوصال في الصوم ‪ ،‬والرهبانية‬ ‫كالامتناع عن النكاح‬.











385

#ff0000

‫الفصل الثالث‬
‫تعارض الأدلة والترجيح والنسخ‬

‫‪ 367‬- تمهيد ‪:‬‬

‫التعارض بين الأدلة الشرعية‪ ،‬معناه في أبحاث الأصول‪ :‬تناقضها‪ ،‬بأن‬ يقتضي دليل شرعي حكماً معيناً في مسألة معينة، ويقتضي دليل آخر حكماً آخر في نفس المسألة.
‫والتعارض بهذا المعنى لا يتصور وقوعه في الأدلة الشرعية في الواقع وحقيقة‬ ‫الأمر‪ ،‬لأن الأدلة في الشريعة نصبت لإفادة الأحكام والدلالة عليها‪ ،‬وبهذا يمكن‬ ‫العمل بمقتضاها ويتحقق شرط التكليف ‪ ،‬وهو إمكان العلم بالأحكام ما دام المكلف‬ عاقلاً بالغاً‪ .‬فيستحيل إذن أن تتعارض الأدلة ويفهم المقصود منها‪ ،‬لأن التعارض‬ يعني التناقض والتجهيل وإبهام المقصود وقوات شرط التكليف ‪ ،‬وكل هذا لا يجوز في‬ ‫الشريعة الإسلامية ‪ ،‬ويستحيل على المشرع الحكيم عز وجل ‪.‬‬

‫إلا انه إذا استحال وقوع التعارض في واقع الأمر‪ ،‬فإنه لا يستحيل بالنسبة‬ لأنظار المجتهدين ، فقد يبدو لبعضهم أن بعض الأدلة يعارض بعضاً لقصور في فهم ‫المجتهد وضعف في إدراكه وعدم إحاطته بأدلة المسألة ووجوهها‪ ،‬فيكون التعارض‬ ‫ظاهرياً لا حقيقياً‪ .‬وقد وضع الأصوليون قواعد لإِزالة هذا التعارض الظاهري في‬ ‫النصوص والأدلة ‪.‬‬

‫ومن هذه‬ ‫القواعد‪ :‬العلم بالناسخ والمنسوخ ‪ ،‬وطرق ترجيح‬ ‫دلالات الألفاظ بعضها على بعض‪ ،‬وغير ذلك من طرق الترجيح وإزالة التعارض مما‬ ‫سنذكره في هذا الفصل ‪.‬‬
‫‪

386

#ff0000


‫وعلى هذا سنقسم هذا الفصل إلى مبحثين ‪:‬‬

‫المبحث الأول ‪ :‬للكلام عن النسخ خاصة وبيان معناه ومحله وزمانه وما يتعلق‬ بذلك ‪.‬‬

المبحث الثاني: للكلام عن قواعد الترجيح ورفع التعارض بين الأدلة ‫والنصوص ‪.‬‬

‫‪







387

#ff0000
‬‬

‫المبحث الأول‬
‫النسخ‬



368- النسخ لغة ‪:‬‬ ‫الإِزالة والنقل‬
‫وفي الاصطلاح ‪ :‬رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر عنه‪ .‬ويسمى هذا‬ ‫الدليل بالناسخ ‪ .‬ويسمى الحكم الأول بالمنسوخ ‪ .‬ويسمى هذا الرفع بالنسخ ‪.‬‬
‫وقد وقع النسخ في القرآن‪ ،‬ومن أظهره الذي لا ينازع فيه أحد‪ ،‬نسخ التوجه‬ ‫إلى بيت المقدس في الصلاة إلى التوجه إلى المسجد الحرام‪ ،‬قال تعالى : ﴿ ‪ ‬قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾[البقرة:144].

‫والنسخ قد يكون كلياً‪ ،‬أي برفع الحكم الأول كله‪ ،‬كما في نسخ القبلة من ‫بيت المقدس إلى المسجد الحرام‪ ،‬وقد يكون جزئياً‪ ،‬أي برفع الحكم السابق عن‬ ‫بعض أفراده الذين كان الحكم ينطبق عليهم ‪ ،‬ومثاله‪ :‬قوله تعالى في القذف‪:‬‬
‫﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: 4]. ‬فقد نسخ حكم هذه الآية‪ :‬عند الحنفية‪،‬‬ ‫بالنسبة للأزواج إذا قذفوا زوجاتهم بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور:6] إلخ . ‬فصار حكم الزوج إذا قذف زوجته ولم يكن عنده بينة أن‬
‫يلاعن‪ ،‬أي يحلف أمام القاضي أربع مرات بالله تعالى إنه لمن الصادقين فيما رماها به‬ ‫من الزنى ويحلف الخامسة أن عليه لعنة الله إن كان من الكاذبين ‪ ،‬ثم تحلف الزوجة‬




388

#ff0000


‫أربع مرات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماها به من الزنى ‪ ،‬والخامسة أن غضب الله‬ عليها إن كان من الصادقين ‪ ،‬فإذا تم اللعان بين الزوجين فرق القاضى بينهما ‪.‬‬

‫‪ - 369‬حكمة النسخ ‪:‬‬

‫النسخ وقع فعلاً في الشريعة كما قلنا‪ ،‬والحكمة منها‪ :‬مراعاة مصالح العباد‪،‬‬ ‫ذلك أن المقصد الأصلي من تشريع الأحكام ‪ :‬تحقيق مصالح العباد ‪ ،‬كما بينا سابقاً‪،‬‬ ‫فإذا رُئي أن المصلحة تقتضي في زمان ما تبديل هذا الحكم‪ ،‬كان هذا التبديل يتفق‬ ‫والقصد من التشريع‪ .‬كما إن النسخ يتفق والأصل المقرر في الشريعة وهو التدرج في‬ ‫تشريع الأحكام رعاية لمصالح العباد‪ ،‬فمن ذلك‪ :‬الصلاة شرعت أولاً ركعتين في‬ ‫الغداة‪ ،‬وركعتين في العشي ‪ ،‬ثم جعلت خمس صلوات في أوقاتها الحالية وبركعاتها‬ ‫المعروفة‪ ،‬بعد أن تروضت النفوس عليها وأطمأنت بها‪.‬‬

‫‪ - 370‬النسخ والتخصيص ‪:‬‬

‫قد يلتبس النسخ الجزئي بالتخصيص‪ ،‬ذلك أن تخصيص العام يرفع حكمه‬ ‫عن بعض أفراده ويجعله قاصراً على ما عدا ما تناوله المخصص‪ .‬وكذلك النسخ‬ ‫الجزئي‪ ،‬يرفع حكم العام عن بعض أفراده ويجعل الحكم قاصراً على البعض الآخر‪.‬‬
‫ومع هذا فإن بينهما فرقاً‪ ،‬هو أنه في حالة النسخ يكون الحكم قد تناول جميع الأفراد‬ ‫ابتداء ‪ ،‬ثم رفع بالنسبة إلى بعضها بالدليل الناسخ وبقي الحكم فيما عدا ذلك ‪ .‬أما‬ ‫في حالة التخصيص‪ ،‬فإن حكم العام تعلق ببعض أفراده ابتداء‪ ،‬بمعنى ‪ :‬أن‬ ‫المخصص كشف لنا أن مراد المشرع من العام من أول الأمر لم يكن شمول جميع أفراد‬ ‫العام بالحكم بل بعضها‪ ،‬ولهذا يشترط في المخصص أن يكون مقارناً للعام‪ ،‬أوعلى‬
‫الأقل وارداً قبل العمل به‪ .‬وبخلاف النسخ الجزئي‪ ،‬إذ يشترط فيه أن يكون متراخياً‬ عن وقت العمل به ‪.‬‬
‫‪



389

#ff0000


‫‪ -371‬أنواع النسخ ‪:‬‬

‫النسخ قد يكون صريحاً بأن ينص الشارع صراحة على النسخ‪ ،‬ومثاله‪ :‬قول‬ ‫النبي صلى الله عليه وسلم ‪﴿ :‬كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور‪ ،‬ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة ﴾.‬‬

‫وقد يكون النسخ ضمنياً‪ ،‬بمعنى‪ :‬أن الشارع لا ينص صراحة على النسخ‪،‬‬ ‫ولكن يشرع حكماً معارضاً لحكم سابق دون نص صريح على نسخ الأول ولا يمكن‬ ‫الجمع بينهما‪ ،‬فيكون تشريع الحكم اللاحق ناسخاً ‪ -‬ضمناً ‪ -‬للحكم السابق‪.‬‬
‫ومثال النسخ الضمني ‪ :‬قوله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة:240] ‬فهذه الآية أفادت‬ ‫أن عدة المتوفى عنها زوجها سنة كاملة‪ ،‬وقد كان هذا الحكم في أول الإسلام ‪ ،‬ثم‬ ‫ورد قوله تعالى : ﴿ ‪ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ﴾ [البقرة :234] فهذه الآية دلت على أن عدة المتوفى عنها زوجها‬ ‫هي أربعة أشهر وعشرة أيام‪ ،‬فتكون ناسخة ‪ -‬ضمناً‪ -‬لحكم الآية الأولى‪ ،‬لأنها نزلت‬ ‫بعدها ‪.‬‬

‫‪ - 372‬وقت النسخ ‪ ،‬وما يجوز نسخه من الأحكام ‪:‬‬
‫النسخ إنما يكون في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فقط ‪ ،‬فلا يجوز بعد وفاته‪ ،‬لأن النسخ‬ يكون بالوحي ولا وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬ولأن النسخ يجب أن يكون بقوة‬ المنسوخ ‪ ،‬كما سنذكر‪ ،‬ولا شيء في قوة الوحي إلا الوحي ‪ ،‬وقد انقطع بعد وفاة‬ ‫الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ‪ .‬وعلى هذا لا يجوز بتاتاً نسخ شيء من أحكام الشريعة‬ ‫الإسلامية بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ‪.‬‬

‫أما الأحكام التي يجوز نسخها‪ ،‬فهي الأحكام الفرعية التي تقبل التبديل‬ والتغيير‪ ،‬أما الأحكام الأخرى فلا يجوز نسخها‪ ،‬مثل الأحكام الأصلية ‪ :‬كأحكام‬ ‫العقائد‪ ،‬مثل الإيمان بالله واليوم الآخر والحساب‪ ،‬ومثل حرمة الشرك والظلم‬ ‫والزنى‪ ،‬ومثل أمهات الفضائل والأخلاق كالعدل والصدق وبر الوالدين‪ ،‬فهذه‬



390

#ff0000

ياسمين الجزائر
2016-10-15, 02:00 PM
الأحكام لا يتصور أن تكون في وقت أو حال أو ظرف على صفة تستدعي تبديلها أو تغييرها ، فهي ثابتة مهما تغيرت الظروف والأحوال والأزمان . وكذلك الأحكام الفرعية التي لحق بها ما جعلها مؤبدة لا يجوز نسخها ، مثل قوله ﷺ (( والجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة )).
373- ما يجوز به النسخ :
القاعدة في النسخ : إن الدليل الناسخ يجب أن يكون في قوة الدليل المنسوخ، أو أقوى منه ، وأن يرد بعده لا قبله . وعلى هذه القاعدة تفرعت عدة قواعد وترتبت عدة نتائج منها: -
أولاً: نصوص القرآن يجوز نسخ بعضها ببعض ، لأنها في قوة واحدة .
ثانياً: يجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة وبالعكس ، لأن المتواتر من السنة كالقرآن في قطعية الثبوت ووحدة المصدر وهو الوحي .
ثالثاً: يجوز نسخ سنة الآحاد بمثلها، أو بأقوى منها.
رابعاً: الإجماع لا يكون ناسخاً لنص من الكتاب أو السنة ، لأن النص إن كان قطعي الدلالة امتنع انعقاد الإجماع على خلافه ، و إن كان ظني الدلالة وانعقد الإجماع على خلافه ، كان معنى هذا وجود دليل آخر ترجح في نظر الفقهاء المجمعين على النص الظني الدلالة، فيكون ذلك الدليل الذى ابتني عليه الإجماع هو الناسخ لا الإجماع ذاته.
خامساً: لا يكون النص من الكتاب والسنة ناسخاً للإجماع ، لأن الناسخ يجب أن يكون متأخراً عن المنسوخ ، ونصوص الكتاب والسنة متقدمة على الإجماع، إذ الإجماع كدليل شرعي لا يعتبر حجة إلا بعد وفاة النبي ﷺ ، كما قلنا من قبل .
سادساً: الإجماع مبني على نص من الكتاب أو السنة أو القياس لا يجوز نسخه بإجماع آخر . أما الإجماع المبني على المصلحة فإنه يجوز نسخه بإجماع آخر إذا تغيرت


-391-

#ff0000
المصلحة و رُؤي أن تحقيق المصلحة يكون بالإجماع على حكم آخر .
سابعاً: لا يصلح القياس ناسخاً لنص من الكتاب أو السنة أو للإجماع ، ولا منسوخاً بها ، لأن القياس لا يصار إليه إلا عند عدم وجود الحكم في الكتاب أو السنة أو الإجماع ، كما إن من شروط القياس أن لا يخالف الثابت في واحد منها وإلا لم يصح اعتباره .
ثامناً: لا يصلح القياس ناسخاً لقياس آخر، لأن القياس مبناه الرأي والاجتهاد، وهو حجة بالنسبة الى المجتهد الذي توصل إليه باجتهاده ، أما غيره من المجتهدين فلا يكون حجة بالنسبة إليهم.
ولكن إذا كان القياسان صدرا عن مجتهد واحد ، فإن التعارض بينهما يثبت إلا إنه لا يكون أحدهما ناسخاً للآخر، لأن مبنى القياس : الرأي والاجتهاد ، ولا مجال للرأي في نسخ الأحكام . وعلى المجتهد في هذه الحالة أن يبحث في ترجيح أحدهما على الآخر، ويعمل بما يترجح في نظره، كما في الاستحسان حيث يتجاذب المسألة قياسان فيرجح المجتهد أحدهما ، وغالباً ما يكون الراجح هو القياس الخفي لقوة علته و تأثيرها في الحكم ، وهذا ما يسمى بالاستحسان كما بينا من قبل .



-392-
#ff0000

المبحث الثاني


التعارض والترجيح



374- قلنا : إن الأدلة الشرعية لا تتعارض أبداً ، و إنما يقع التعارض بينها في نظر المجتهد . ولهذا فهو تعارض ظاهري ، وبالنسبة للمجتهد ، وليس هو بتعارض حقيقي . وهذا التعارض الظاهري يعني اقتضاء كل واحد من الدليلين المتعارضين في وقت واحد حكماً معيناً في الواقعة المعينة التي يبحث المجتهد في معرفة حكمها، ويكون هذا الحكمان متعارضين أي مختلفين.
ويشترط لوقوع هذا التعارض الظاهري : أن يكون الدليلان في قوة واحدة كآيتين من القرآن الكريم ، أو كحديثين من سنة الآحاد . وفي هد الحالة يبحث المجتهد عن تاريخ ورود النصين، فإن علم تاريخهما حكم بأن المتأخر منهما ناسخاً للمتقدم . مثال ذلك : قوله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ﴾ و قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ .
أفادت الآية الأولى : أن عدة المرأة المتوفى عنها زوجها سنة ، وكان هذا في أول الإسلام ، وأفادت الآية الثانية : أن عدة المرأة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام ، وحيث أن هذه الآية متأخرة في النزول عن الأولى فتكون ناسخة لها ، ويكون حكمها هو الثابت.
ومثاله أيضاً: الآية: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾ و قوله تعالى: ﴿ وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ



-393-
#ff0000
حَمْلَهُنَّ ﴾ [الطلاق:4 ].
دلت الآية الأولى : عل أن عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً، لا فرق بين حامل وغير حامل ، و دلت الآية الثانية : على أن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها تنتهي بوضع الحمل .
وقد ذهب الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ، إلى أن الآية الثانية متأخرة في النزول عن الآية الأولى ، فتكون ناسخة لها بالنسبة للحامل، فتعتد بوضع الحمل طالت مدته أو قصرت .
375- وإذا لم يعلم تاريخ ورود النصين المتعارضين ، لجأ المجتهد إلى ترجيح أحد النصين على الآخر بطريق من طرق الترجيح الآتية :
أولاً ، يرجح النص على الظاهر(1):
ومثاله : قوله تعالى ، بعد أن بين المحرمات من النساء : ﴿ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ﴾ [النساء:24 ].
ظاهر الآية يدل على إباحة الزواج بأكثر من أربع زوجات من غير المحرمات من النساء . ولكن هذا الظاهر عارضه قوله تعالى : ﴿ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ فهذه الآية نص في تحريم نكاح ما زاد على الأربع، فيرجح على ظاهر الآية الأولى ، ويحرم نكاح ما زاد على أربع زوجات .
ثانياً: يرجح المفسر على النص:
و مثاله قول النبي ﷺ (( المستحاضة تتوضأ لكل صلاة)) نص في إيجاب الوضوء على المستحاضة لكل صلاة ولو في وقت واحد، لأن هذا المعنى هو المتبادر فهمه ، والمقصود أصالة من سياق الحديث ولكنه يحتمل التأويل ، و قد عارضه قول النبي ﷺ في الرواية الثانية لهذا الحديث وهي : (( المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة)) أي ليس عليها إلا وضوء واحد في وقت كل صلاة ولو صلت في الوقت عدة
____________________________
‎(1) قدمنا في البحث الثالث من الفصل الأول: ‏ أن اللفظ الواضح الدلالة ينقسم إلى أربعة أقسام هي: الظاهر والنص والمفسر والمحكم.


-394-

ياسمين الجزائر
2016-10-15, 02:09 PM
صلوات . وهذا المعنى لا يحتمل التأويل فهو من المفسر فيرجح على الأول ويكون العمل بمقتضاه.
ثالثاً: يرجح المحكم على ما سواه من ظاهر أو نص أو مفسر :
ومن أمثلة ذلك : قوله تعالى : ﴿ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ﴾ نص في إباحة النكاح بغير المحرمات المذكورات قبله ، فيشمل بعمومه إباحة الزواج بزوجات النبي ﷺ بعد وفاته ، ولكن قوله تعالى : ﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب:53 ]. محكم في تحريم الزواج بزوجات النبي ﷺ بعد وفاته ، فيقدم على نص الآية الأولى ، ويترجح عليها ، فيكون الحكم حرمة نكاح زوجات النبي ﷺ بعد وفاته .
رابعاً: يرجح الحكم الثابت بعبارة النص على الحكم الثابت بإشارته :
مثاله : قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:178 ]. وقوله تعالى : ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا ﴾ [النساء:93 ].
الآية الأولى : دلت بطريق العبارة على وجوب القصاص من القاتل . والآية الثانية ، دلت بطريق الإشارة على عدم الاقتصاص من القاتل العمد ، لأنها جعلت جزاءه الخلود في جهنم ، وقصرت هذا الجزاء على القاتل العمد وهي تبين عقوبته، وهذا يدل بطريق الإشارة على أنه لا تجب عليه عقوبة أخرى بناء على قاعدة معروفة هي: إن الاقتصار في مقام البيان يفيد الحصر. ولكن رجح المفهوم بالعبارة على المفهوم بالإشارة، ووجب القصاص من القاتل العمد .
خامساً: يرجح الثابت بإشارة النص على الثابت بدلالته :
‎ ‏ مثاله: قوله تعالى: ﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ [النساء:92 ]، و قوله تعالى: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا ﴾ [النساء:93 ].

-395-

#ff0000
يفهم من الآية الأولى بطريق العبارة : وجوب الكفارة على القاتل الخطأ، ويفهم منها أيضاً بطريق الدلالة : وجوب الكفارة على القاتل العمد أيضاً ، لأنه أولى من القاتل الخطأ في وجوب الكفارة عليه ، لأن سبب الكفارة جناية القتل وهي في العمد أشد و أفظع منها في الخطأ ، فكان وجوبها على العامد أولى من وجوبها على المخطئ .
ويفهم من الآية الثانية بطريق الإشارة على أن القاتل خطأ لا كفارة عليه في الدنيا ، لأن الآية قصرت جزاءه على الخلود في جهنم ، وهذا القصر في مقام البيان يفيد نفي أي جزاء آخر عنه . وهذا المعنى المستفاد بالإشارة يتعارض مع المعنى المستفاد من الآية الأولى بطريق الدلالة ، فيكون المفهوم بالإشارة أرجح من المفهوم بالدلالة ، ويكون الحكم عدم وجوب الكفارة على القاتل عمداً.
سادساً: ترجع دلالة المنطوق على دلالة المفهوم عند التعارض:
ومثاله : قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ﴾ فإذا اعتبرتا فيها مفهوم المخالفة فإنه يعارض قوله تعالى : ﴿ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة:279 ]، لأنه يفيد بمنطوقه حرمة الربا وان قل فيقدم على الأول.
376- الجمع و التوفيق:
وإذا تعذرت معرفة الناسخ ، وانعدمت طرق الترجيح التي ذكرناها ، وكان النصان في قوة واحدة ، كما ذكرنا ، فإن المجتهد يلجأ إلى الجمع والتوفيق بين النصين المتعارضين، فيوفق بينهما بطريق من طرق الجمع والتوفيق ويعمل بالنصين . و من الأمثلة على ذلك :
أ- قوله تعالى : ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة:180 ].
و قوله تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ۚ فَإِنْ كُنَّ

-396-
#ff0000
نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ۚ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ۚ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ۚ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء:11 ]، أوجبت الآية الأولى الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف . وأفادت الآية الثانية : أن الله سبحانه وتعالى عين نصيب الوالدين والأولاد والأقربين ولم يترك ذلك لمشيئة المورث.
فالآيتان متعارضتان ، ولكن يمكن التوفيق بينهما بأن تحمل الآية الأولى على وجوب الوصية للوالدين والأقربين الذين لا يرثون لمانع كاختلاف الدين، وتحمل الآية الثانية على الوارثين المذكورين فيها .
ب - قوله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ . و قوله تعالى: ﴿ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ذهب بعض الفقهاء إلى أن الآية الثانية لم تنسخ الآية الأولى بالنسبة للحامل المتوفى عنها زوجها، وعلى هذا وفق هؤلاء الفقهاء بين الآيتين وقالوا : تعتد الحامل المتوفى عنها زوجها بأبعد الأجلين، بمعنى: أنها إذا وضعت حملها قبل مضي أربعة أشهر وعشراً من حين وفاة زوجها أتمت العدة أربعة أشهر وعشراً.
وإن مضت هذه المدة ولم تلد استمرت في العدة الى حين وضع الحمل.
377- ومن طرق الجمع والتوفيق - إذا كان أحد النصين عاماً والآخر خاصاً أو كان إحداهما مطلقاً والثاني مقيداً - تخصيص العام بالخاص فيعمل الخاص فيما ‎ ‏ ورد فيه و يعمل بالعام فيما وراء ذلك. و يحمل المطلق على المقيد ، أو يعمل بالمقيد في موضعه و المطلق فيما عداه على النحو الذي بيناه في أبحاث العام و الخاص و المطلق و المقيد، و قد ذكرنا هناك الأمثلة على ذلك.
378- و من طريق التوفيق تأويل أحد النصين على نحو لا يعارض النص


-397-



#ff0000
الآخر .
379- الترجيح بقوة الدليل:
وإذا اختلفت الأدلة في القوة ، فالترجيح يجري بناء على قوة الدليل ، وإن كان هذا الترجيح في الحقيقة لا يكون ترجيحاً بين متعارضين ، لأن التعارض لا يكون بين أدلة مختلفة في القوة بل بين متساوية في القوة ، كما أشرنا الى هذا في أو ع هب ا المبحث. فمن طرق هذا الترجيح :
أ - يرجح نص الكتاب أو السنة الصحيحة على القياس ، لأن القياس دليل ظني ولا يعمل به في موضع النص .
ب - ويرجح الإجماع على مقتضى القياس ، لأن الإجماع قطعي والقياس ظني ، ولا يقوى الظني على معارضة القطعي .
جـ - يرجح الحديث المتواتر على حديث الآحاد .
د - يرجح حديث الآحاد الذي يرويه العدل الفقيه على حديث الآحاد الذي يرويه العدل غير الفقيه.
هـ - إذا تعارض قياسان عمل بالأقوى كأن تكون علة أحدهما منصوصاً عليها ، وهذا هو الأقوى ، وعلة الآخر مستنبطة . أو تكون علة الأول أقوى تأثيراً أو أكثر مناسبة للحكم من علة الآخر فيرجح الأول .
380- العدول عن الدليلين المتعارضين :
وإذا انعدم كل طريق من طرق دفع التعارض أو الترجيح ، عدل المجتهد عن الاستدلال بأحد الدليلين وانتقل إلى البحث عن دليل آخر أقل منهما في المرتبة كما لو تعارض نصان ولم يمكن الترجيح ، انتقل المجتهد إلى القياس .

-398-

ياسمين الجزائر
2016-10-15, 02:14 PM
البَابُ الرّابعْ

الإجتهاد وَ التقليدُ




-399-

#ff0000





-400-

ياسمين الجزائر
2016-10-15, 02:20 PM
الفصل الأول

الاجتهاد(1)

381- الاجتهاد في اللغة : بذل المجهود واستفراغ الوسع في فعل من الأفعال.
وفي اصطلاح الأصوليين : بذل المجتهد وسعه في طلب العلم بالأحكام الشرعية بطريق الاستنباط . ومن هذا التعريف الاصطلاحي للاجتهاد يتبين ما يأتي:
أولاً: أن يبذل المجتهد وسعه ، أي يستفرغ غاية جهده بحيث يحس من نفسه العجز عن المزيد عليه .
ثانياً : أن يكون الباذل جهده مجتهداً ، أما غيره فلا عبرة بما يبذله من جهد ، لأنه ليس من أهل الاجتهاد ، والاجتهاد إنما يكون مقبولاً إذا صدر من أهله .
ثالثاً : وأن يكون هذا الجهد لغرض التعرف على الأحكام الشرعية العملية دون غيرها ، فلا يكون الجهد المبذول للتعرف على الأحكام اللغوية أو العقلية أو الحسية من نوع الاجتهاد الاصطلاحي عند الأصوليين .
رابعاً : ويشترط في التعرف على الأحكام الشرعية أن يكون بطريق الاستنباط ، أي
_______________________
(1) (( الموافقات)) ج 4 ص 57 وما بعدها ، ((فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت)) ص 313 وما بعدها، ((المستصفى)) للغزالي ج 2 ص 103 و ما بعدها.

-401-


#ff0000
نيلها واستعادتها مس أدلتها بالنظر والبحث فيها . فيخرج بهذا القيد حفظ المسائل ، أو استعلامها من المفتي ، أو بإدراكها من كتب العلم ، فلا يسمى شيء من ذلك اجتهاداً في الاصطلاح .
382- المجتهد:
ومن تعريف الاجتهاد يعرف المقصود بالمجتهد : فهو من قامت فيه ملكة الاجتهاد ، أي القدرة على استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، وهو الفقيه عند الأصوليين ، فلا يعتبر الشخص مجتهداً ولا فقيهاً إذا عرف الأحكام الشرعية بطريق الحفظ والتلقين ، أو بتلقيها من الكتب أو من أفواه العلماء بلا بحث ولا نظر ولا استنباط .
والقدرة على الاجتهاد إنما تكون بتوافر شروط الاجتهاد التي بها يكون الشخص مجتهداً.
383- شروط الاجتهاد:
أولاً: معرفة اللغة العربية:
على المجتهد أن يعرف اللغة العربية على وجه يتمكن به من فهم خطاب العرب ، ومعاني مفردات كلامهم وأساليبهم في التعبير، إما بالسليقة وإما بالتعلم بأن يتعلم علوم اللغة العربية من نحو وصرف وبلاغة وأدب ومعان وبيان ، و إنما كان تعلم اللغة العربية على هذا الوجه ضرورياً للمجتهد ، لأن نصوص الشريعة وردت بلسان العرب فلا يمكن فهمها واستفادة الأحكام منها إلا بمعرفة اللسان العربي على نحو جيد ، لا سيما وان نصوص الكتاب والسنة وردت في غاية البلاغة والفصاحة والبيان ، فلا يمكن فهمها حق الفهم وتذوق معانيها وإدراك ما تدل عليه إلا بمعرفة اللغة العربية والإحاطة بأساليبها في التعبير وأسرارها البلاغية والبيانية ، وما توميء إليه كلماتها وعباراتها .. وبقدر تضلع المجتهد في معرفة اللسان العربي تكون قدرته على فهم النصوص وإدراك معانيها القريبة والبعيدة .. ولكن لا يشترط في المجتهد أن


-402-


#ff0000

يعرف اللغة معرفة أئمتها والمشهورين فيها ، و إنما يكفيه منها القدر اللازم لفهم النصوص الشرعية فهماً سليماً ، يمكنه من معرفة المراد منها .
ثانياً: معرفة الكتاب :
ومن شروط الاجتهاد التي تلزم المجتهد معرفة الكتاب ، إذ هو أصل الأصول ومرجع كل دليل ، فلا بد للمجتهد أن يعرف آياته جميعاً معرفة إجماليه ، ويعرف آيات الأحكام فيه معرفة تفصيلية ، لأن من هذه الآيات تستنبط الأحكام الشرعية العملية ، وقد قدرها يعض العلماء بخمس مئة آية .
والحق : إن آيات الأحكام غير محصورة بهذا العدد، إذ يمكن بالنظر الدقيق والتأمل العميق والإدراك الجيد استنباط الأحكام من الآيات الأخرى حتى لو كانت في القصص والأمثال . وعلى كل حال فلا يلزم المجتهد حفظ آيات الأحكام بل يكفيه أن يعرف موضعها من الكتاب حتى يسهل عليه الرجوع إليها وقت الحاجة ، وقد اعتنى العلماء بجمع هذه الآيات وشرحها و بيان الأحكام التي تدل عليها وصنفوا في هذا الموضوع مصنفات كثيرة مثل كتاب أحكام القرآن لأبي بكر أحمد بن علي الرازي المشهور بالجصاص المتوفى سنة 370هـ . وكتاب أحكام القرآن لأبي بكر ابن العربي المتوفى سنة 543هـ. كما أن بعض المفسرين للقرآن الكريم اعتنوا بتفسير آيات الأحكام عناية خاصة ، فوقفوا عندها وقفة طويلة، وبينوا الأحكام التي تستفاد من هذه الآيات، وأقوال الفقهاء فيها، ومن هذه التفاسير تفسير القرطبي المتوفى سنة 761هـ الذي سماه ((الجامع لأحكام القرآن)) وتفسير الطبرسي من فقهاء القرن السادس الهجري وقد سماه ((مجمع البيان في تفسير القرآن)). فهذه الكتب و نحوها تسهّل على المجتهد في الوقت الحاضر الرجوع إلى آيات الأحكام وإدراك ما تدل عليه من معان وأحكام.
ومن معرفة الكتاب ، المعرفة بالناسخ والمنسوخ من آيات القرآن الكريم ،وهذا النوع وإن كان قليلاً إلا أن معرفته لازمة للمجتهد ، ومن الكتب المؤلفة في هذا الباب

-403-


#ff0000
كتاب ((الناسخ و المنسوخ)) للإمام أبي جعفر محمد ابن أحمد المشهور بالنحاس، والمتوفى سنة 338هـ.
وعلى المجتهد ، فضلاً عما ذكر، أن يعرف أسباب نزول الآيات المتعلقة بالأحكام ، لأن هذه المعرفة تعينه كثيراً على فهم المراد من الآية .
ثالثاً: معرفة السنة:
بأن يعرف المجتهد صحيحها من ضعيفها ، وحال رواتها ، ومدى عدالتهم وضبطهم وورعهم وفقههم ، ويعرف متواتر السنة من مشهورها و آحادها ، وأن يفهم معاني الأحاديث وأسباب ورودها ، ويعرف درجات الأحاديث في الصحة والقوة وقواعد الترجيح فيما بينها ، والناسخ والمنسوخ منها . ولا يشترط أن يعرف جميع الأحاديث بل يكفيه أن يعرف منها أحاديث الأحكام. ولا يشترط في معرفة هذه الأحاديث أن يحفظها عن ظهر قلب ، بل يكفيه أن تكون عنده كتب السنة الصحيحة ويعرف مواضع أحاديث الأحكام فيها ، كما يكفيه أن تكون عنده كتب الجرح والتعديل لأئمة الحديث حتى يعرف حالة الرواة. وإنما قلنا : يكفيه ما ذكرنا ، لأن الوصول إلى معرفة السنة على الوجه الذي ذكرناه من قبل المجتهد نفسه أصبح من الأمور العسيرة في الوقت الحاضر فلا بد من الاعتماد والتعويل على علماء الحديث و أئمتهم .
وقد اعتنى العلماء بجمع أحاديث الأحكام ، وصنفوا فيها المصنفات ، ورتبوها حسب أبواب الفقه ، وشرحوها الشروح المختصرة والمطولة ، وبينوا ما فيها من أحكام ومقارنتها بمذاهب فقهاء الأمصار، وتكلموا عن أسانيدها ، مما سهل على المجتهد الوصول إلى أحاديث الأحكام ، والتعرف على معانيها وأحكامها ، ومن هذه الكتب (( نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار)) للشيخ محمد بن علي الشوكاني فضلاً عن كتب السنة الصحيحة وشروحها التي لم تقتصر على أحاديث الأحكام.
رابعاً: المعرفة بأصول الفقه :


-404-

ياسمين الجزائر
2016-10-15, 02:26 PM
علم أصول الفقه ضروري لكل مجتهد وفقيه ، كما ذكرنا في المقدمة ، إذ بهذا العلم يعرف المجتهد أدلة الشرع وترتيبها في الرجوع إليها وطرق استنباط الأحكام منها ، وأوجه دلالات الألفاظ على معانيها وقوة هذه الدلالات ، وما يقدم منها وما يؤخر، وقواعد الترجيح بين الأدلة إلى غير ذلك مما يبحثه علم أصول الفقه . وقد ألف العلماء قديماً وحديثاً المصنفات الكثيرة في هذا العلم مما جعل من الميسور على العلماء الوقوف على أبحاثه وقواعده .

خامساً: المعرفة بمواضع الإجماع :
وعلى المجتهد أن يعرف مواضع الإجماع حتى يكون على بينة منها ، فلا يخالفها
في المسائل التي يتصدى لبحثها والاجتهاد فيها .


سادساً: مقاصد الشريعة :
ومن شروط الاجتهاد معرفة مقاصد الشريعة وعلل الأحكام ومصالح الناس، حتى يمكن استنباط الأحكام التي لم تنص عليها الشريعة ، بطريق القياس ، أو بناء على المصلحة وعادات الناس التي ألفوها في معاملاتهم وتحقق لهم مصالحهم ، ولهذا كان من لوازم مراعاة مصالح الناس واستنباط الأحكام بناء عليها : الإحاطة بأعراف وعادات الناس ، لأن مراعاتها مراعاة لمصالحهم المشروعة .

سابعاً: الاستعداد الفطري للاجتهاد :
وهناك شرط ، هو في رأينا ، شرط ضروري وإن لم ينص عليه الأصوليون صراحة ، وهو أن يكون عند العالم استعداد فطري للاجتهاد. بأن تكون له عقلية فقهية مع لطافة إدراك ، وصفاء ذهن ، ونفاذ بصيرة ، وحسن فهم ، وحدة ذكاء . إذ بدون هذا الاستعداد الفطري لا يستطع الشخص أن يكون مجتهداً وإن تعلم آلة الاجتهاد التي ذكرناها في شروطه ، لأنها إذا لم تصادف استعداداً فطرياً للاجتهاد لا تجعل الشخص مجتهداً . وليس في قولنا هذا غرابة ، فإن تعلم الإنسان اللغة العربية وعلومها وأوزان الشعر لا تجعله شاعراً إذا لم يكن عنده استعداد فطري للشعر.

-405-



#ff0000
فكذلك الحال في الاجتهاد .. ونوابغ المجتهدين ما كانوا أكثر من غيرهم معرفة بعلوم الاجتهاد ووسائله وآلاته، وإنما كانوا أكثر من غيرهم في القابلية على الاجتهاد وفي الاستعداد الفطري له .
384- ما يجوز الاجتهاد فيه ، وما لا يجوز :
ليست الأحكام الشرعية كلها تصلح أن تكون محل اجتهاد ، ولهذا قال بعض علماء الأصول (( المجتهد فيه هو كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي )) ، أي إن الأحكام الشرعية التي فيها أدلة قطعية لا تحتمل الاجتهاد والاختلاف ، مثل : وجوب الصلاة ، والصيام ، وحرمة الزنى ، ونحو ذلك مما وردت فيه نصوص قطعية ، وشاع أمرها ، وعرفها الجاهل والعالم على حد سواء ، ولم يعذر أحد بجهلها .
أما الأحكام التي لم ترد فيها نصوص قطعية ، وإنما وردت فيها نصوص ظنية الثبوت أو الدلالة ، فهي التي يجرى فيها الاجتهاد . فإذا كانت نصوصاً ظنية الثبوت، وهذه تكون في السنة ، بحث المجتهد عن مدى ثبوت النص ومقدار صحة سنده وقوته والوثوق برواته والركون إليهم ، ونحو ذلك مما يقتضيه البحث والنظر .
والمجتهدون يختلفون في هذه المسائل اختلافاً كبيراً، فقد يثبت هذا الحديث عند مجتهد ولا يثبت عند مجتهد آخر فلا يعمل به .
أما الأحكام الظنية الدلالة ، فإن الاجتهاد فيها ينصب على كشف المعنى المراد منها ، بالتعرف على قوة دلالة اللفظ على المعنى وترجيح دلالة على أخرى ، والفقهاء يختلفون في هذه الأمور، وإن كانوا يتفقون عل الموازين العامة والقواعد الضابطة لدلالات الألفاظ وترجيح بعضها على بعض ، بل إنهم قد يختلفون في بعض هذه الموازين فيكون اختلافهم في الاستنباط واسعاً، كما في اختلافهم في موجب الأمر والنهي ، وفي دلالة العام على أفراده أهي قطعية أم ظنية ، والمطلق وعلاقته بالمقيد وغير ذلك مما أشرنا إلى بعضه في مواضعه.
ويجرى الاجتهاد أيضاً في المسائل التي لم يرد نص من الشارع بشأنها ، فيضطر

-406-


#ff0000
المجتهد إلى اللجوج إلى دلائل الشريعة الأخرى من قياس وغيره ، ولا شك أن أنظار المجتهدين تختلف في مدى صحة هذه الأدلة وفي كيفية الاستنباط منها وفي الأحكام المستنبطة بناء عليها.
385- الاجتهاد لا يتقيد بالزمان والمكان :
الاجتهاد لا يقيده زمان ولا مكان ، بمعنى: أنه ليس مخصوصاً بوقت دون وقت ولا بمكان دون مكان ، لأن مبناه توافر شروطه في الشخص ، وهذا أمر ممكن في كل عصر، فلا يجوز قصره على زمان دون زمان ، فإن فضل الله واسع غير محصور بالمتقدمين دون المتأخرين ، وقد نص أهل العلم على أنه لا يجوز أن يخلو زمان من مجتهد قائم يبين للناس ما نزل ربهم إليهم وبلغه سيدنا محمد ﷺ . وما أفتى به بعض العلماء من القول بسد باب الاجتهاد كان مبعثه الحرص على الشريعة من عبث الجهال أدعياء الاجتهاد ، وينصرف قولهم إلى هؤلاء دون أهل العلم وأرباب الاجتهاد .
وعلى هذا فالاجتهاد باق الى يوم القيامة ، ومباح للجميع ، بشرط أن تكمل في الشخص أدوات الاجتهاد وشروطه ، فلا يرقى إلى هذه المرتبة وهذا المنصب الشريف إلا أهله وهم أهل الاجتهاد حقاً. فليس الاجتهاد إذن ، حكراً على طائفة معينة ، أو سلالة معينة، أو بلد معين أو عصر دون عصر، و إنما هو مباح لجميع الخلق بشروطه ، لأن شرع الله شرع لجميع البشر وعليهم أن يتدبروه ويفهموا أحكامه، قال الله تعالى : ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [النساء:82 ] و لأن الاجتهاد أعلى مراتب العلم ، والعلم مباح للجميع ، بل ندب إليه الشرع الشريف واثنى على أصحابه ، وأمر بالاستزادة منه ، وعلم الناس أن يقلوا : ﴿ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ [طه:114 ]
386- حكم الاجتهاد :
الاجتهاد واجب عل من كان أهلاً له بأن قامت فيه ملكة الاجتهاد و تهيأت له أسبابه ووسائله . وعلى المجتهد أن يصل إلى الحكم الشرعي بطريق النظر و البحث في الأدلة ، وما يؤدي إليه اجتهاده هو الحكم الشرعي في حقه ، الواجب اتباعه ، فلا

-407-

#ff0000
يجوز له تركه تقليداً لغيره . وهو إن أصاب في اجتهاده فله أجران ، وإن أخطأ فله أجر واحد ، وبهذا جاء الحديث الشريف عن النبي ﷺ إذ يقول : ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران ، وإن أخطأ فله أجر واحد)).
387- تغير الاجتهاد ونقضه:
الاجتهاد مبناه النظر واستفراغ الوسع والطاقة للوصول الى الحكم الشرعي، فإذا بحث المجتهد في مسألة ، وأمعن النظر فيها ، وبذل غاية جهده حتى توصل إلى حكم في هذه المسألة ، كان هذا الحكم هو الواجب في حقه ، وهو الذي يفتي به، ولكن إذا تغير اجتهاده في هذه المسألة ذاتها فعليه ان يعمل بمقتضى اجتهاده الجديد، ويفتي به ويترك قوله الأول .
وإذا كان المجتهد حاكماً وقضى في مسألة بحكم معين حسب اجتهاده، فلا يجوز لحاكم آخر نقض هذا الاجتهاد ، لأن القاعدة : إن الاجتهاد لا ينقض بمثله، ولكن لو عرضت مسألة أخرى مثل الأولى على الحاكم نفسه ، وبدا له رأي جديد في هذه المسألة ، فإن عليه أن يحكم باجتهاده الجديد ، أما ما حكم به أولاً فلا ينتقض بل يمضي، و هذا يعني أن السوابق القضائية لا تفيد القاضي المسلم ، وعلى هذا دل عمل القضاة في الإسلام ، من ذلك : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قضى في المسألة الحجرية في الميراث بعدم توريث أولاد الأبوين ، ثم عرضت له نفس المسألة من بعد فقضى بتوريث أولاد الأبوين مع الأولاد لأم ، فاعترض عليه أصحاب القضية الأولى ، فقال: ذلك ما قضينا وهذا على ما نقضي . أما إذا كان الاجتهاد مخالفاً للنص القطعي ، فإنه ينقض ولا عبرة به ، إذ ليس هو في الحقيقة اجتهاداً.
388- تجزء الاجتهاد :
معنى تجزء الاجتهاد : هو كون العالم مجتهداً في مسألة دون غيرها ، أي أن يكون قادراً على الاجتهاد في بعض المسائل دون البعض ، نظراً لتوافر وسائل الاجتهاد له في هذه المسائل . كمن أحاط بجميع أدلة الميراث ونصوصه وما ورد فيه

-408-

ياسمين الجزائر
2016-10-15, 02:31 PM
من السنة ومن أقوال العلياء ، فإن له ان يجتهد في هذه السائل ، وإن كان غير قادر على الاجتهاد في غيرها ، لعدم توافر وسائل الاجتهاد عنده فيها.
وذهب بعض العلماء إلى منع تجزء الاجتهاد ، والقول الأول هو الراجح ، وتدل عليه سير المجتهدين القدامى ، فقد كان أحدهم يسأل عن مسائل كثيرة فلا يجيب إلا عن بعضها ، ويتوقف عن الباقي ويقول : لا أدري .





-409-




#ff0000
الفصل الثاني

التقليد


389- التقليد في اللغة : مأخوذ من القلادة التي يقلد الإنسان غيره بها . وفي الاصطلاح : قال الغزالي : (( هو قبول قول بلا حجة)) . وقال غيره : (( التقليد هو العمل بقول من ليس قوله إحدى الحجج بلا حجة )). وقال آخرون في معناه : إنه ((قبول قول القائل وأنت لا تعلم من أين قاله)) . ويخلص لنا من هذه التعاريف : إن التقليد يعني أخذ رأي الغير بلا معرفة دليله و لا قوته، كمن يرى جواز فسخ النكاح للعيب، لأن المجتهد الفلاني قال هذا القول دون أن يعرف دليله ، وقوة هذا الدليل .
390- حكم التقليد :

الأصل في الشريعة ذم التقليد ، لأنه اتباع بلا دليل ولا برهان ، فضلاً عما يؤدي إليه من تعصب ذميم بين جموع المقلدين .

وقد اختلف العلماء في جواز التقليد في الأحكام الشرعية العملية ، فذهب جمع الى عدم الجواز مطلقاً ، و أوجبوا على المكلف الاجتهاد وتعلم وسائله وأدواته . وقال آخرون بالجواز مطلقاً للقادر على الاجتهاد وللعاجز عنه . وذهب البعض إلى التفصيل : الجواز في حق العاجز، والتحريم في حق المجتهد القادر، وهذا القول هو الراجح .

وقد أكثر الناس الكلام في مسألة التقليد دفاعاً عنه وهجوماً عليه ، واشتدت اللجاجة والخصومة بين الفريقين .

والذي أراه : أن المسألة واضحة هينة لا ينبغي أن تكون مثار جدل وكلام طويل ، ذلك أن المطلوب من كل مكلف هو طاعة الله ورسوله ، وعلى هذا دلت النصوص الكثيرة الصريحة من ذلك قوله تعالى : ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ





-410-

ياسمين الجزائر
2016-10-15, 02:39 PM
تُرْحَمُونَ ﴾ [آل عمران:132 ] ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر:7 ]﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء:65 ]﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ [الأعراف:3 ].
فالواجب إذن ، على كل مكلف ، بلا استثناء ، طاعة الله و رسوله ، وهذا الواجب يستلزم حتماً معرفة ما شرعه الله جل جلاله في القرآن ، أو على لسان رسوله الكريم ﷺ . و معرفة ما شرعه الله إنما تكون بالرجوع الى نصوص القرآن والسنة واستفادة الأحكام منها بعد فهمها ومعرفة المراد منها . فإن لم يجد المكلف الحكم صريحاً في هذه النصوص تحول إلى الاجتهاد كما أمر الشرع ، فيجتهد في نطاق الشريعة وفي ضوء مبادئها العامة وفي ظل مقاصدها ومعانيها . هذا هو السبيل القويم للتعرف على الأحكام . ولا شك أن سلوك هذا السبيل يستلزم قدراً معيناً من المعرفة والإدراك ، يقل و يكثر حسب حال الشخص وعلمه حتى يصل إلى الحد الذي يؤهله لمنصب الاجتهاد الرفيع .. فإذا عجز المكلف عن معرفة الأحكام بهذا الطريق فإن عليه أن يعمل، كما أمره الله ، فيسأل أهل العلم عن حكم الله في الواقعة التي يريد معرفة حكمها ، قال تعالى : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 43 ، الأنبياء:7 ]. ولا يلزمه أن يسأل عالماً معيناً ، ولا يتقيد بواحد بعينه ، لأن الله لم يلزمه بهذا ، ولا التزام بلا إلزام شرعي ، والآية الكريمة أمرته بسؤال ((أهل العلم)) لا عالماً معيناً ، و إنما عليه أن يتخير الأعلم الأفضل الأعدل الأورع حسب ما يشيع و يشتهر، و هذا هو الذي يقدر عليه و ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:286 ].
‎ ‏
هذا ما نراه في مسألة الاجتهاد و التقليد، و هو ما تدل عليه نصوص القرآن، و سار عليه السلف الصالح، فقد كان المجتهد يتعرف على الاحكام بطريق الاستنباط و الاجتهاد. و كان العامي يسأل المجتهدين عن أحكام الشرع و لا يتقيد بسؤال واحد بعينه لا يسأل غيره.
391- تقليد المذاهب:
المذاهب الإسلامية، مدارس فقهية، عرفت بأسماء مؤسسيها، و هو مجتهدون


-411-


#ff0000
عظام ، مشهود لهم بالعلم والاجتهاد والصلاح والتقوى . ومن هذه المذاهب ما اندرس و عفت آثاره بموت أصحابه، ولم تبق من آرائه وأقواله إلا ما نجده في كتب الخلاف . ومن هذه المذاهب المندرسة مذهب الأوزاعي وسفيان الثوري وغيرهما . ومن المذاهب ما بقي حتى الآن وله اتباع ومؤلفات تحكي أقوال فقهائه . فهل يسوغ تقليد هذه المذاهب أم لا؟ قلنا : إن المجتهد عليه أن يتعرف على الأحكام من منابعها الأصلية عن طريق النظر والاجتهاد ولا يجوز له التقليد . أما العاجز عن الاجتهاد ، فقد قلنا : إن عليه أن يسأل أهل العلم ، وسؤال أهل العلم قد يكون مشافهة ، وقد يكون بالرجوع إلى أقوالهم المدونة في الكتب الموثوق بها التي تحكي أقوالهم وتنقلها نقلاً صحيحاً. وعلى هذا يسوغ للعامي أن يتبع مذهباً معيناً من المذاهب المعروفة والقائمة حتى الآن والمنقولة إلينا نقلاً صحيحاً على أن نستحضر في أذهاننا ما يأتي :
أولاً: إن المذاهب الإسلامية مدارس فقهية لتفسير نصوص الشريعة واستنباط الأحكام منها ، فهي مناهج فقهية في الاستنباط والتعرف على الأحكام، وليست هي شرعاً جديداً، ولا شيئاً آخر غير الإسلام.
ثانياً: إن الشريعة الإسلامية - وهي نصوص القرآن والسنة فقط - أكبر و أوسع من أي مذهب، وليس أي مذهب أكبر و لا أوسع منها .
ثالثاً: إن الشريعة الإسلامية حجة على كل مذهب ، وليس أي مذهب حجة على الشريعة الإسلامية .
رابعاً : إن المسوغ لاتباع هذه المذاهب هو أنها مظنة تعريف متبعيها بأحكام الشريعة ، أي إنها مظنة تعريفنا بحكم الله المنزل في القرآن أوفي السنة ، فإذا
تبين أن المذهب الفلاني أخطأ في هذه المسألة وأن الصواب فيها عند غيره، وظهر هذا الصواب ظهوراً كافياً فعلى متبع المذهب أن يتحول عن مذهبه في هذه المسألة إلى القول الصواب .
خامساً: يجوز لمتبع مذهب معين أن يتبع غيره في بعض المسائل، إذ لا إلزام عليه بالتقيد بجميع اجتهادات هذا المذهب. على أن يكون ذلك منه عن دليل


-412-


#ff0000

دعاه إلى هذا التحول عن مذهبه إلى مذهب آخر في هذه المسائل . كما له أن يسأل أي فقيه من غير مذهبه عن حكم الشرع في مسألة من المسائل، ويعمل بما يفتيه به .
سادساً: على المقلد أن يطهر نفسه من التعصيب الذميم للمذهب ، فليست المذاهب تجزئة للإسلام ، وليست هي أدياناً ناسخة للإسلام ، وإنما هي وجوه في تفسير الشريعة وفهمها ، ومنافذ تطل عليها ، ومناهج في البحث والدراسة والفهم ، وأساليب علمية في الاستنباط ، وكلها تريد الوصول إلى معرفة ما نزّل الله وما شرّعه.
سابعاً: لا نضيق أبداً باختلافات المذاهب ، لأن الاختلاف في الفهم والاستنباط أمر طبيعي بديهي ، لأنه من لوازم العقل البشري ، فإن العقول والمدارك و الأفهام مختلفة قطعاً ، فتختلف في الاستنباط والفهم حتماً ، بل إننا تعتز بهذا الاختلاف العلمي الفقهي الذي خلف لنا ثروة فقهية عظيمة ، ونعتبره من دلائل نمو الفقه وحياته ، ودلائل سعة تفكير فقهائنا العظام وقيامهم بواجبهم نحو خدمة الشريعة الإسلامية الغراء .
ثامناً: وأخيراً فعلينا أن نعرف أقدار المجتهدين في هذه المذاهب المختلقة و نبجلهم ونحترمهم ونتأدب معهم ، وندعو لهم ، ونعتقد أنهم مأجورون إذا أصابوا أو أخطأوا ، ونقول كما علمنا الله جل جلاله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ [الحشر:10 ].
والحمد لله أولاً وآخراً و صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه
المجاهدين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
- انتهى -



-413-

ياس
2016-10-15, 05:02 PM
الفهرست
‫المقدمة‬

‫الفقرة 1-16، الصفحة 7-19 ‪ ‬‬

‫علم أصول الفقه يبين مناهج الاستنباط وقواعده ـ تعريفه باعتباره مركباً‬ ‫إضافياً ‪ -‬تعريفه باعتباره اسماً ولقياً لعلم مخصوص ‪ -‬الغرض من دراسته ‪ -‬مدى‬ ‫الحاجة إليه في الوقت الحاضر ‪ -‬نشأته ‪ -‬مسالك العلماء في دراسته ‪ -‬منهج البحث‬

‫الباب الأول‬
‫مباحث الحكم‬
‫الفقرة 17-140 ‪ ، ‬الصفحة 23-44‬‬
‫الفصل الأول‬
‫الحكم وأقسامه‬

‫الفقرة 17-60 ،‪ الصفحة 23-68
‫المبحث الأول‬
‫التعريف بالحكم وأقسامه الأصلية‬
‫الصفحة ‪ 23‬- ‪25‬‬

‫تعريف الحكم عند الأصوليين ‪ -‬أقسام الحكم الشرعي ‪ -‬الحكم التكليفي‬ ‫والحكم الوضعي ‪ -‬تعريف كل منهما والفرق بينهما ‪ -‬أمثلة على القسمين‬
‫المبحث الثاني‬
‫اقسام الحكم التكليفي‬
‫الصفحة ‪ 30-29
‫المطلب الأول‬
‫الواجب‬
‫الصفحة 31-37
415
#ff0000
‫تعريف الواجب ‪ -‬أقسامه ‪ -‬الواجب بالنظر إلى وقت أدائه ‪ -‬الواجب بالنظر إلى‬ ‫تقديره وعدم تقديره ‪ -‬الواجب بالنظر إلى تعين المطلوب وعدم تعينه ‪ -‬الواجب بالنظر‬ ‫إلى المطالب به‪ :‬الواجب العيني والواجب الكفائي‪.‬‬
‫المطلب الثاني‬
‫المندوب‬
‫الصفحة ‪40 - 38‬‬

‫تعريفه ‪ -‬صيغ المندوب ‪ -‬اسماؤه- المندوب مقدمة الواجب - المندوب لازم‬ لازم ‫باعتبار الكل وغير لازم باعتبار الجزء‬
‫المطلب الثالث‬
الحرام أو المحرم
‫صفحة ‪4 4 - 4 1‬‬
‫تعريفه ـ صيغه ‪ -‬اقسامه ‪ -‬المحرم لذاته ‪ -‬المحرم لغيره‬
‫المطلب الرابع‬
‫المكروه‬
‫صفحة ‪46 - 45‬‬

‫تعريفه ‪ -‬صيغه ‪ -‬معناه عند الجمهور وعند الحنفية‬
‫المطلب الخامس‬
‫المباح‬
‫صفحة 47- ‪49‬‬
‫تعريفه ‪ -‬طرق التعرف عليه ‪ -‬الإباحة تتجه إلى الجزئيات لا إلى الكليات‬
المطلب السادس
‫العزيمة والرخصة صفحة ‪54 - 50‬‬
‫تعريف العزيمة والرخصة ‪ -‬أنواع الرخص ‪ -‬حكم الرخصة ‪ -‬رخصة الترفيه‬
416
#ff0000
‫ورخصة الإسقاط.‬‬
‫المبحث الثالث‬
‫اقسام الحكم الوضعي‬
‫الصفحة ‪68 - 55‬‬
‫المطلب الأول‬
‫السبب‬
‫الصفحة ‪ 55‬- ‪ 68‬‬

‫تعريفه ‪ -‬أقسامه ‪ -‬ربط الأسباب بالمسببات ‪ -‬السبب والعلة‬
‫المطلب الثاني‬
‫الشرط‬
‫الصفحة ‪62 - 59‬‬
‫تعريفه ‪ -‬الشرط والركن ‪ -‬الشرط والسبب ‪ -‬أقسام الشرط – الشرط للسبب –‬ ‫الشرط للمسيب ‪ -‬الشرط الشرعي والشرط الجعلي ‪ -‬تعليق العقود على الشروط ‪-‬‬ اقتران الشروط بالعقود ‪.‬‬

‫المطلب الثالث‬
‫المانع‬
‫الفصفحة ‪64 - 63‬‬
‫تعريفه ‪ -‬أقسامه ‪ -‬مانع الحكم ‪ -‬مانع السبب ‪ -‬لا يجوز إيجاد المانع للتهرب من‬ ‫الأحكام‬ ‫الشرعية ‪.‬‬

‫المطلب الرابع‬
‫الصحة والبطلان‬
‫الصفحة ‪ 68-65‬‬
‫معنى الصحة والبطلان ‪ -‬الصحة والبطلان من أقسام الحكم الوضعي ‪-‬‬

417
‬‬
#ff0000

‫البطلان والفساد والفرق بينهما ‪.‬‬
‫الفصل الثاني‬
‫الحاكم‬
‫الفقرة 61-67 ‬الصفحة 69-73
‫المقصود بالحاكم ‪ -‬الحاكم هو الله تعالى ‪ -‬وسيلة التعرف على أحكام الله ‪ -‬مسألة ‫التحسين والتقبيح وأقوال العلماء فيها ‪ -‬القول المختار من أقوالهم ‪ -‬ما يترتب على‬ ‫اختلافهم ‪.‬‬

‫الفصل الثالث‬
‫المحكوم فيه‬
‫الفقرة 68-76، ‬الصفحة ‪86 - 74‬‬
‫تعريفه ـ أمثلة عليه ‪ -‬تقسيم الفصل إلى مبحثين‬
‫المبحث الأول‬
‫شروط المحكوم فيه‬
‫الصفح76- 81

‫أولاً‪ :‬أن يكون الفعل معلوما للمكلف ‪ -‬المقصود بالعلم ‪ -‬العلم في دار‬ ‫الإسلام ـ لا يصبح الدفع بالجهل بالأحكام في دار الإسلام ‪ -‬العلم في دار الحرب ‪.‬‬

‫ثانياً‪ :‬أن يكون الفعل مقدوراً عليه ‪ -‬لا تكليف بالمستحيل ‪ -‬لا تكليف بما لا‬ ‫يدخل تحت إرادة الانسان ‪ -‬الميول القلبية ومدى صحة التكليف بها ‪ -‬الشاق من‬ ‫الأعمال ‪ -‬أنواع الأعمال الشاقة ‪ -‬ما يجري التكليف به من هذه الأعمال وما لا يجري‬ ‫به التكليف ‪.‬‬

‫المبحث الثاني‬
‫المحكوم فيه من ناحية الجهة التي يضاف إليها‬
‫الصفحة ‪86 - 82‬‬

418

#ff0000

‫المصلحة العامة والمصلحة الخاصة في أفعال المكلفين ‪ -‬حق الله ‪ -‬معنى هذا الحق ـ‬ ‫أنواعه ‪ -‬حق العبد ‪ -‬معناه وأنواعه ‪ -‬ما اجتمع فيه الحقان وحق الله فيه غالب ـ ما‬ ‫اجتمع فيه الحقان وحق العبد فيه غالب ‪ -‬اختلاف الشريعة والقانون الوضعي في‬ ‫نظريهما إلى جريمة القتل والزنى ‪.‬‬

‫الفصل الرابع‬
‫المحكوم عليه‬
‫الفقرة 77-79 ،‬الصفحة 87-90‬
‫تعريفه‪ -‬شروط صحة تكليف الإنسان باعتراض على هذه الشروط‪ -‬الرد على‬ ‫هذا الاعتراض ‪.‬‬

‫الفصل الخامس‬
‫الأهلية وعوارضها‬
‫الفقرة 80-140، الصفحة 91-144‬‬

‫المبحث الأول‬
‫الصفحة 92-99
‫تعريف الأهلية ‪ -‬أهلية الوجوب وأهلية الأداء ‪ -‬الأهلية الكاملة والأهلية‬ ‫الناقصة ـ أدوار الإنسان بالنسبة للأهلية ‪ -‬دور الجنين ‪ -‬دور الإنفصال إلى التمييز ‪-‬‬ ‫دور التمييز إلى البلوغ ‪ -‬دور ما بعد البلوغ ‪ -‬ما يتمتع به الإنسان من أهلية في كل دور‬- تعليل عدم ثبوت بعض الحقوق في ذمة الإنسان مع تمتعه بأهلية الوجوب الكاملة.
‪‬‬‫المبحث الثاني‬
عوارض الأهلية
‫الصفحة 100-101
‫تمهيد ‪ -‬أنواع العوارض ‪ -‬العوارضن السماوية والعوارض المكتسبة ‪ -‬تقسيم‬ ‫المباحث إلى مطلبين ‪.‬‬
‫‪
419

#ff0000

‫المطلب الأول‬
‫العوارض السماوية‬
‫الصفحة 102-111‬‬
‫أولاً ‪ -‬الجنون‬
‫الصفحة 102-104
‫تعريف الجنون ‪ -‬الحجر على المجنون ومتى يتم في الفقه والقانون المدني العراقي‬ ‫والقانون المدني المصري ‪.‬‬

ثانياً- العته
الصفحة 104-105
‫تعريفه – أنواعه ‪ -‬الحجر في الفقه والقانون العراقي والمصري ‪.‬‬

‫ثالثاً ‪ -‬النسيان ‪.‬‬
‫الصفحة105‬‬
‫تعريف النسيان ‪ -‬وأثره في الأهلية‬

‫رابعاً ‪ -‬النوم والإغماء‬
‫الصفحة 106‬
‫أثرهما في أهلية الوجوب وأهلية الأداء‬

‫خامساً ‪ -‬المرض‬
‫الصفحة 106-109‬
‫المقصود بالمرض كعارض من عوارض الأهلية ‪ -‬مرض الموت ‪ -‬تعريف مرض‬ ‫الموت ‪ -‬تصرفات المريض مرض الموت ‪ -‬نكاحه وطلاقه في الفقه والقانون العراقي‬ ‫والمصري ‪.‬‬

‫سادساً ‪ -‬الموت‬
‫الصفحة 110-111‬‬


420

#ff0000

‫اثر الموت في الأهلية بنوعيها ‪ -‬أقوال العلماء في ذلك ‪.‬‬
‫المطلب الثاني‬
‫العوارض المكتسبة‬
‫الصفحة 112‬‬
‫أولاً ‪ -‬الجهل‬
‫الصفحة 112-114‬‬
‫الجهل لا ينافي الأهلية ‪ -‬قد يكون عذراً في بعض الأحوال ‪ -‬الجهل في دار‬ ‫الإسلام ‪ -‬الجهل المتأني من الاجتهاد الباطل والاجتهاد السائغ ‪ -‬الجهل بالوقائع ‪.‬‬
‫القاعدة التي تحكم الجهل في القوانين الوضعية ‪ -‬الجهل في دار الحرب وهل يعتبر عذراً‫مقبولاً‪.‬‬

‫ثانياً‪ -‬الخطأ‬
‫الصفحة 115-116‬‬
‫المقصود بالخطأ ‪ -‬أثر الخطأ في حقوق الله وفي حقوق العباد ‪ -‬هل تقع تصرفات‬ ‫المخطىء ‪ -‬الراجح من أقوال العلماء في هذه المسألة‪.‬‬

‫ثالثاً‪ -‬الهزل‬
‫الصفحة 116-118‬‬
‫تعريف الهزل ‪ -‬الهزل لا ينافي الأهلية بنوعيها ‪ -‬الهزل يؤثر في بعض التصرفات‬ - أثره في الإخبارات ‪ -‬أثره في الاعتقادات ‪ -‬أثره في الإنشاءات ‪ -‬القول الراجح فيما‬‫اختلف فيه الفقهاء في مسألة أثر الهزل في التصرفات‪.‬‬

‫رابعاً ‪ -‬السفه‬
‫الصفيحة ‪128 - 118‬‬
‫تعريف السفه ‪ -‬السفه لا يؤثر في الأهلية ‪ -‬أثره في بعض الأحكام المتعلقة‬
‫بالسفيه‪- .‬‬


421

#ff0000

‫المسألة الأولى ‪ -‬في دفع المال لمن بلغ سفيهاً وأقوال العلماء في ذلك ‪ -‬المقصود‬ ‫بالرشد ‪ -‬أقوال العلماء في ذلك وبيان أدلتهم والراجح منها‪.‬‬
‫المسألة الثانية ‪ :‬الحجر على السفيه ‪ -‬أقوال العلماء في ذلك وبيان أدلتهم‬ ‫والراجح‬ ‫منها ‪.‬‬
‫المسألة الثالثة‪ :‬متى يتم الحجر على السفيه ‪ -‬أقوال العلماء في ذلك وبيان‬ الراجح منها‪.‬‬
‫المسألة‬ ‫الرابعة ‪ :‬حكم تصرفات السفيه المحجور ‪ -‬القاعدة والاستثناء في‬ ‫ذلك ‪.‬‬
‫المسألة الخامسة ‪ :‬السفه في القانوان المدني العراقي‬
‫المسألة السادسة ‪ :‬السفه في القانون المدني المصري ‪.‬‬

‫خامساً ‪ -‬السكر‬
‫المصفحة 128-134‬‬
‫تمهيد ‪ -‬تعريف السكر‪ -‬السكر بطريق مباح وما يترتب عليه ‪ -‬السكر بطريق‬ محظور ‪ -‬ما يترتب على السكر المحظور بالنسبة لتصرفاته القولية والفعلية ‪ -‬أقوال ‬‬ ‫العلماء في ذلك ‪ -‬بيان أدلتهم ‪ -‬القول الراجح من أقوالهم وأدلة الرجحان ‪ -‬حكم‬ ‫السكران في القوانين الوضعية‪ ،‬القانون العراقي والمصري ‪.‬‬

‫سادساً ‪ -‬الإكراه‬
‫الصفحة 134-144‬‬
‫تمهيد ‪ -‬تعريف الإكراه ‪ -‬شروط تحقق الإكراه ‪ -‬أنواع الإكراه ‪ -‬الإكراه الملجىء‬ وغير الملاجىء ‪ -‬هل ينافي الإكراه الأهلية؟ ‪ -‬أثر الإكراه في تصرفات المكره ‪ -‬القاعدة‬ عند الفقهاء ‪ -‬أثر الإكراه في أقوال المكره ‪ -‬ذكر مذاهب الفقهاء في ذلك وبيان أدلتهم‬ ‫والراجح منها ‪ -‬أثر الإكراه في أفعال المكره ‪ -‬ذكر مذاهب الفقهاء في ذلك وبيان أدلتهم‬ ‫والراجح منها ‪ -‬الإكراه في القانون العراقي والمصري ‪.‬‬
‫‪

422

#ff0000

‫الباب الثاني‬
‫أدلة الأحكام‬
‫الفقرة 141-256، ‬الصفحة 147-271‬‬
‫تمهيد ‪ -‬تقسيمات الأدلة ‪ -‬التقسيم الأول ‪ -‬التقسيم الثاني ‪ -‬مرجع الأدلة‬ ‫بأنواعها إلى الكتاب والسنة ‪ -‬مرجع السنة إلى الكتاب ‪ -‬ترتيب الأدلة‪.‬‬

‫الفصل الأول‬
‫الدليل الأول‬
‫القرآن‬
‫الفقرة ‪ 152 - 145‬الصفحة ‪160 - 152‬‬
‫تعريفه وحجيته ‪ -‬خواص القرآن ‪ -‬وجوه إعجازه ‪ -‬احكام القرآن ‪ -‬القسم‬ ‫الأول من أحكامه ‪ -‬القسم الثاني ‪ -‬القسم الثالث ‪ -‬بيان القرآن للأحكام وأنواع هذا‬ ‫البيان ‪ -‬النوع الأول بذكر القواعد والمبادىء العامة أو ذكر الأحكام بصورة مجملة‬ ‫الأمثلة على ذلك ‪ -‬أسلوب القرآن في بيان الأحكام ‪ -‬دلالة القرآن على الأحكام ‪.‬‬

‫الفصل الثاني‬
‫الدليل الثاني‬
‫السنة‬
‫الفقرة ‪ 168 - 153‬الصفحة ‪178 - 161 ‬‬
‫تعريف السنة ‪ -‬السنة مصدر للتشريع ‪ -‬الأدلة على ذلك من الكتاب والإجماع‬ ‫والمعقول ‪ -‬تساؤل ‪ -‬أنواع السنة من حيث ماهيتهاب السنة القولية ‪ -‬السنة الفعلية ‪-‬‬ ‫السنة التقريرية ‪ -‬أنواع السنة من حيث ورودها إلينا ‪ -‬السنة المتواترة ‪ -‬شروط السنة‬ ‫المتواترة ‪ -‬أنواع السنة المتواترة ‪ -‬السنة المشهورة‪ ،‬وتعريفها ‪ -‬سنة الآحاد وتعريفها ‪-‬‬ ‫سنة الآحاد واجبه الاتباع ومصدر للتشريع ‪ -‬شروط العمل بسنة الآحاد ‪ -‬أقوال‬ ‫العلماء في ذلك ‪ -‬شروط المالكية لقبول سنة الآحاد ‪ -‬شروط الحنفية لقبول سنة الأحاد‬
‫‪
423
‬‬
#ff0000

-القول الراجح من أقوال العلماء في شروط قبول سنة الآحاد -‬الأحكام التي جاءت‬ بها السنة- دلالة السنة على الأحكام‫.

‫الفصل الثالث‬
‫الدليل الثالث‬
‫الإجماع‬
‫الفقرة ‪ 179 - 169‬الصفحة ‪193 - 179‬‬
‫تعريف الإجماع ‪ -‬ما يبني على تعريفه ‪ -‬حجية الإجماع ‪ -‬أنواع الإجماع ‪ -‬الإجماع‬ ‫الصريح ‪ :‬معناه ومدى حجيته ‪ -‬الإجماع السكوتي‪ :‬معناه ومدى حجيته ‪ -‬أقوال‬ ‫العلماء في حجية الإجماع السكوقي ‪ -‬الراجح من أقوالهم ودليل الرجحان – اختلاف‬ ‫الفقهاء في مسألة على قولين ‪ -‬هل يجوز إحداث قول ثالث في المسألة؟ ذكر أقوال‬ ‫العلماء وأدلتهم ‪ -‬مناقشة أدلتهم وبيان الراجح من أقوالهم ‪ -‬مستند الإجماع ‪ -‬إمكان‬
‫انعقاد الإجماع ‪ -‬الخلاف في إمكان انعقاده ‪ -‬ذكر أقوال العلماء في ذلك ‪ -‬التفصيل في‬ ‫المسألة وبيان الراجح من أقوالهم ‪ -‬أهمية الإجماع في الوقت الحاضر وإمكان انعقاده‪.‬‬

‫الفصل الرابع‬
‫الدليل الرابع‬
‫القياس‬
‫الفقرة 180-205،‬الصفحة ‪229 - 194‬‬
‫تعريف القياس ‪ -‬أركان القياس ‪ -‬أمثلة على القياس ‪ -‬شروط القياس ‪ -‬شروط‬ ‫الأصل ‪ -‬شروط حكم الأصل ‪ -‬شروط الفرع ‪ -‬شروط العلة – العلة والحكمة والفرق‬ ‫بينهما ‪ -‬ربط الأحكام بعللها لا بحكمها وسبب ذلك ‪ -‬تعداد شروط العلة ‪ -‬أن تكون‬ ‫وصفاً ظاهراً ‪ -‬منضبطاً -مناسباً للحكم ‪ -‬متعدياً ‪ -‬أن تكون من الأوصاف التي لم يلغ‬ ‫الشارع اعتبارها المناسبة بين الحكم والعلة ‪ -‬المناسب المؤثر ‪ -‬المناسب الملائم ‪ -‬أوجه‬ ‫الملائمة مع الأمثلة ‪ -‬المناسب المرسل ‪ -‬المناسب الملغي ‪ -‬مسالك العلة ‪ -‬أولا‪ :‬النص ‪-‬‬
‫ثانياً‪ :‬الإجماع ‪ -‬ثالثاً‪ :‬السبر والتقسيم ‪ -‬تنقيح‬ ‫المناط ‪ -‬تخريج المناط وتحقيق المناط ‪-‬‬ ‫أقسام القياس ‪ -‬القياس الأولي ‪ -‬القياس المساوي ‪ -‬القياس الأدنى ‪ -‬ججية القياس ‪-‬‬


424

#ff0000

‫اختلاف العلماء في حجيته ‪ -‬ذكر‬ ‫أدلة‬ ‫القائلين بالقياس ـ مناقشة الأدلة وبيان القول‬ ‫الراجح ‪ -‬أدلة نفاة القياس ‪-‬‬

‫الفصل الخامس‬
‫الدليل الخامس‬
‫الاستحسان‬
‫الققرة 206-216 ،‬الصفحة 230 ‪ ‪235 -‬‬
‫تعريف الاستحسان ‪ -‬المقصود بالاستحسان في ضوء تعريفه ‪ -‬الأمثلة ‪ -‬أنواع‬ ‫الاستحسان من حيث مستنده ‪ -‬أولاً‪ :‬الاستحسان بالنص ‪ -‬ثانياً‪ :‬الاستحسان‬ ‫بالإجماع ‪ -‬ثالثاً‪ :‬الاستحسان بالعرف ‪ -‬رابعاً ‪ -‬الاستحسان بالضرورة ‪ -‬خامساً‪:‬‬ ‫استحسان بالمصلحة ‪ -‬سادسا ‪ :‬استحسان بالقياس الخفي ‪.‬‬

‫الفصل السادس‬
‫الدليل السادس‬
‫المصلحة المرسلة‬
‫الفقرة ‪ 227 - 217‬الصفحة ‪244 - 236‬‬
‫تعريف المصلحة المرسلة ‪ -‬المصالح المعتبرة ‪ -‬المصالح الملغاة ‪ -‬المصالح المرسلة‬ حجية المصالح ‪ -‬اختلاف العلماء في ذلك ‪ -‬أدلتهم فيما اختلفوا فيه ‪ -‬أدلة المنكرين‬‫للمصلحة المرسلة – أدلة القائلين بالمصلحة المرسلة ‪ -‬أدلة القائلين بالمصلحة المرسلة ‪-‬‬ ‫القول الراجح ‪ -‬شروط العمل بالمصلحة المرسلة ‪ -‬بعض الاجتهادات على أساس‬ ‫المصلحة ‪.‬‬

‫الفصل السابع‬
‫الدليل السابع‬
‫سد الذرائع‬
‫الفقرة ‪ 234 - 228‬الصفحة 245- 251‬

‫‪
425

#ff0000

‫تعريف الذرائع ‪ ،‬أنواع الذرائع ‪ ،‬الأنواع التي جرى فيها الخلاف بين‬ ‫الفقهاء ‪ -‬أدلة القائلين بسد الذرائع ‪ -‬أدلة المنكرين لها ‪ -‬القول الراجح ‪ -‬أدلة القول‬ ‫الراجح ‪ -‬سد الذرائع والمصالح المرسلة‪.‬‬

‫الفصل الثامن‬
‫الدليل الثامن‬
‫العرف‬
‫الفقرة ‪ 242 - 235‬الصفحة ‪259 - 252‬‬
‫تعريف العرف ‪ -‬العرف العملي والعرف القولي ‪ -‬العرف العام والعرف‬ ‫الخاص ‪ -‬العرف الصحيح والعرف الفاسد ‪ -‬حجية العرف ‪ -‬أدلة اعتبار العرف ‪-‬‬ ‫شروط اعتبار العرف لبناء الأحكام عليه ‪ -‬العرف مرجع لتطبيق الأحكام ‪ -‬تغير‬ ‫الأحكام بتغير الأزمان ‪.‬‬

‫الفصل التاسع‬
‫الدليل التاسع‬
‫قول الصحابي‬
‫الفقرة ‪ 245 - 243‬الصفحة ‪262 - 260‬‬
‫تمهيد ‪ -‬من هو الصحابي ‪ -‬قول الصحابي فيما لا يدرك بالرأي ‪ -‬حجيته عند‬ ‫العلماء ‪ -‬قول الصحابي الذي حصل عليه الاتفاق حجة ‪ -‬قول الصحابي ليس حجة‬ ‫ملزمة على صحابي مثله ‪ -‬قول الصحابي الصادر عن رأي واجتهاد هل يعتبر حجة‬ ‫شرعية ‪ -‬إختلاف الفقهاء في ذلك ‪ -‬القول الأول أنه حجة ملزمة وأدلة هذا القول ‪-‬‬ ‫القول الثاني أنه ليس بحجة ملزمة وأدلة ذلك ‪ -‬القول الراجح ‪.‬‬

‫الفصل العاشر‬
‫الدليل العاشر‬
‫شرع من قبلنا‬
‫الفقرة ‪ 251 - 246 ‬ الصفحة ‪266 -263‬‬


426

#ff0000
‫‪

‫المقصود بشرع من قبلنا ‪ -‬أنواع شرع من قبلنا ‪ -‬النوع الأول ‪ :‬مشروع في حقنا‬- النوع الثاني ‪ :‬منسوخ في حقنا ‪ -‬النوع الثالث ‪ -‬غير مشروع في حقنا ‪ -‬النوع الرابع ‪:‬‬‫ما لم يقم دليل في الشريعة الإسلامية على بقاء الأحكام السابقة أو نسخها ‪ -‬اختلاف‬ ‫العلماء في النوع الرابع ‪ -‬الخلاف لا يترتب عليه اختلاف في العمل والأمثلة على ذلك‪.‬‬

‫الفصل الحادي عشر‬
‫الدليل الحادي عشر‬
‫الاستصحاب‬
‫الفقرة ‪ 256 - 252‬الصفحة ‪271 - 267‬‬
‫تعريف الاستصحاب ‪ -‬أنواعه ‪ -‬أولاً ‪ -‬استصحاب حكم الإباحة الأصلية ‪-‬‬ ‫ثانياً‪ :‬استصحاب البراءة الأصلية ‪ -‬ثالثاً‪ :‬استصحاب الوصف المثبت لحكم شرعي ‪-‬‬ حجية الاستصحاب ‪ -‬عند الحنفية ‪ -‬الاستصحاب حجة في الدفع لا في الإثبات ‪ -‬عند‬ ‫الآخرين الاستصحاب حجة في الدفع وفي الإثبات ‪ -‬ما يلاحظ على الاستصحاب ‪-‬‬ ‫ما ابتنى على الاستصحاب من قواعد ومبادىء ‪.‬‬

‫الباب الثالث‬
‫طرق استنباط الأحكام وقواعده‬
‫الفقرة ‪ 257‬ـ- 380‬الصفحة 275 ‪398 -‬‬
‫تمهيد ‪ -‬تقسيم الباب إلى ثلاثة فصول ‪ :‬الأول في القواعد الأصولية اللغوية ـ‬ والثاني في مقاصد التشريع العامة ‪ -‬والثالث في الناسخ والمنسوخ والتعارض‬ والترجيح ‪.‬‬

‫الفصل الأول‬
‫القواعد الأصولية اللغوية‬
‫الفقرة ‪ 358 - 258‬الصفحة ‪ 377-‪277‬‬
‫تمهيد ‪ -‬هذه القواعد تتعلق بألفاظ النصوص من جهة إفادتها للمعاني ‪ -‬تقسيم‬


427

#ff0000

‫الفصل إلى أربعة مباحث ‪.‬‬

‫المبحث الأول‬
‫في وضع اللفظ للمعنى‬
‫الفقرة ‪299 - 259‬الصفحة 279-330
‫المطلب الأول‬
‫الخاص‬
‫الصفحة ‪304 - 279‬‬
‫تعريفه وأنواعه ‪ -‬الخاص الشخصي والخاص النوعي والخاص الجنسي‬ ‫ألفاظ الاعداد من الخاص ‪ -‬حكم الخاص ‪ -‬احتجاج العلماء بحكم الخاص في‬ ‫المسائل الخلافية وذكر مثال على ذلك ‪ -‬الأمثلة على الخاص من القوانين الوضعية ‪.‬‬

‫الفرع الأول‬
‫المطلق والمقيد‬
‫الصفحة 284 - 291‬‬
‫تعريف المطلق والمقيد‪ -‬حكم المطلق أنه يجرى على إطلاقه ‪ -‬حكم المقيد لزوم‬ ‫العمل بموجب القيد ‪ -‬حمل المطلق على المقيد ‪ -‬متى يحمل المطلق على المقيد ومق لا‬ ‫يحمل ـ حالات الاتفاق والاختلاف بين العلماء في ذلك ‪ -‬ضرب الأمثلة على مواضيع‬ ‫الاتفاق والاختلاف ‪ -‬أمثلة المطلق والمقيد في القوانين الوضعية ‪.‬‬

‫الفرع الثاني‬
‫الأمر‬
‫الصفحة 292- 300
‫الأمر من أقسام الخاص ـ تعريفه ‪ -‬موجب الأمر واختلاف العلماء‬ ‫في ذللك‬ ‫الندب هو موجب الأمر عند البعض ‪ -‬موجب الأمر هو الوجوب عند الجمهور‪ -‬قول ‫الجمهور هو الراجح وأدلة ذلك ‪ -‬الأمر بعد التهي ‪ -‬اختلاف العلماء في حكم الأمر بعد‬
‫‪
428

#ff0000


‫النهي وبيان الراجح من أقوالهم – دلالة الأمر على التكرار ‪ -‬دلالة الأمر على الفورية‬
‫ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ‪.‬‬

‫الفرع الثالث‬
‫النهي‬
‫الصفحة 301-304
‫تعريف النهي ‪ -‬موجب النهي واختلاف العلماء في ذلك ‪ -‬بيان القول الراجح ‪-‬‬ هل يقتضي النهي الفور والتكرار‪ -‬هل يقتضي النهي فساد المنهي عنه ‪ -‬حالات اتفاق‬ ‫واختلاف العلماء في هذه المسألة ‪.‬‬

‫المطلب الثاني‬
‫العام‬
‫الفقرة ‪ 294 - 278‬الصفحة 305-325‬‬
‫تعريف العام ‪ -‬الفاظ العموم دخول الإناث في خطاب الذكور ‪ -‬اقل الجمع ‪-‬ ‫دخول النبي صلى الله عليه وسلم في خطاب أمته تخصيص العام ودليل التخصيص – المخصص‬ ‫المنفصل أي المستقل ‪ -‬أولاً‪ :‬الكلام المستقل المتصل بالعام ‪ -‬ثانياً‪ :‬الكلام المستقل‬ المنفصل ‪ -‬ثالثاً‪ :‬العقل ‪ -‬رابعاً‪ :‬العرف ‪ -‬المخصص المتصل أي غير المستقل ‪ -‬أولاً‪:‬‬ ‫الاستثناء ‪ -‬ثانياً‪ :‬الصفة ‪ -‬ثالثاً‪ :‬الشرط‪ -‬رابعاً‪ :‬الغاية ‪ -‬دلالة العام ‪ -‬دلالة العام عند‬ ‫الحنفية قطعية ‪ -‬دلالته عند الجمهور ظنية ‪ -‬أدلة القولين ‪ -‬ثمرة الخلاف في دلالة العام‬
في أمرين ‪ -‬الأمر الأول‪ :‬جواز أو عدم جواز تخصيص عام القرآن بخاص خبر الآحاد‬ - الأمر الثاني ‪ :‬الحكم عند اختلاف حكم العام مع حكم الخاص ‪ -‬أنواع العام ‪ -‬أمثلة‬‫على العام وتخصيصه في القوانين الوضعية ‪ -‬العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب‬ ‫والأمثلة على ذلك ‪.‬‬

‫المطلب الثالث‬
‫المشترك‬
‫الصفحة 326-330

429

#ff0000

‫تعريفه ‪ -‬أسباب وجود المشترك في اللغة ‪ -‬حكم المشترك ‪ -‬الأمثلة ‪ -‬عموم‬ ‫المشترك وأقوال العلماء في ذلك ‪ -‬القول الأول ‪ :‬المنع من إرادة العموم وأدلته ‪ -‬القول‬ الثاني ‪ :‬الجواز وأدلته ‪ -‬القول الثالث ‪ :‬الجواز في النفي دون الإثبات ‪ -‬القول الراجح‬.

‫المبحث الثاني‬
‫اللفظ باعتبار استعماله في المعنى‬
‫الفقرة 300-310 ، ‬الصفحة ‪337 - 331‬‬
‫أولاً ‪ -‬الحقيقة‬
‫الصفحة 331-332‬‬
‫المقصود بالحقيقة ‪ -‬الحقيقة اللغوية‪ ،‬والشرعية‪ ،‬والعرفية ‪ -‬حكم الحقيقة ‪.‬‬

‫ثانياً ‪ -‬المجاز‬
‫الصفحة ‪ 336‬- ‪332‬‬
‫معنى المجاز ‪ -‬معنى العلاقة ‪ -‬معنى القرينة ‪ -‬أنواع العلاقة ‪ -‬أنواع القرينة ‪-‬‬ حكم المجاز‪ -‬الجمع بين الحقيقة والمجاز‪.‬‬

‫ثالثاً‪ :‬الصريح والكناية‬
‫الصفح336-337‬‬
‫تعريف الصريح ‪ -‬حكم الصريح ‪ -‬تعريف الكناية ‪ -‬خكم الكناية‬

‫المبحث الثالث‬
‫دلالة اللفظ على المعنى‬
‫الفقرة ‪339 - 311‬الصفحة ‪353 - 338‬‬

‫المطلب الأول‬
‫الواضح‬ الدلالة‬
‫الصفحة ‪346 - 338‬‬
‫أولاً‬- الظاهر
‫الصفحة 338 - 340


430

#ff0000
‬‬
‫تعريف الظاهر ‪ -‬حكم الظاهر ‪ -‬ذكر بعض الأمثلة لتعريفه وحكمه ‪.‬‬
‫ثانياً ‪ -‬النص‬
‫الصفحة 340-343‬‬
‫تعريفه ‪ -‬حكمه ‪ -‬الفرق بين الظاهر والنص ‪ -‬الظاهر والنص يقبلان التأويل ‪ -‬معنى‬ ‫التأويل ‪ -‬التأويل الصحيح والفاسد ‪ -‬شروط التأويل السائغ ‪ -‬التأويل البعيد ومثاله ‪-‬‬ ‫التأويل في القوانين الوضعية ‪.‬‬

‫ثالثاً ‪ -‬المفسر‬
‫الصفحة ‪ 343‬- ‪346‬‬
‫تعريفه ومثاله ‪ -‬حكمه ‪ -‬الفرق بين التفسير والتأويل ‪ -‬المفسر في القوانين‬ ‫الوضعية ‪.‬‬

‫رابعاً ‪ -‬المحكم‬
‫الصفحة ‪347 - 346‬‬
‫تعريفه ‪ -‬المحكم لا يقبل التأويل ولا النسخ وتعليل ذلك ذكر بعض الأمثلة ‪-‬‬ ‫محكمه ‪.‬‬
‫مراتب واضح الدلالة ‪ -‬أقواها المحكم ثم المفسر ثم النص ثم الظاهر‪.‬‬

‫المطلب الثاني‬
‫غير الواضح الدلالة‬
‫الصفحة 347- ‪353‬‬
‫أولاً ‪ -‬الخفي‬
‫الصفحة 348- 350‬‬
‫تعريفه ‪ -‬أسباب الخفاء ‪ -‬الأمثلة على ذلك ‪ -‬الخفي في القوانين الوضعية ‪ -‬حكم‬ ‫الخفي ‪.‬‬

431

#ff0000

‫ثانياً ‪ -‬المشكل‬
‫المصفحة 350-351
‫تعريفه ‪ -‬من أمثلة المشكل ‪ -‬من النصوص الشرعية والقوانين الوضعية ‪ -‬حكم‬ ‫المشكل ‪.‬‬

‫ثالثاً ‪ -‬المجمل‬
‫الصفحة 352-353
‫تعريفه – سبب الإجمال ‪ -‬حكم المجمل ‪ -‬ذكر بعض الأمثلة‪.‬‬

‫رابعاً ‪ -‬المتشابه‬
‫الصفحة ‪353‬‬
‫تعريفه ‪ -‬امثلته ‪ -‬ملاحظات على ما ذكره علماء الأصول في تعريفه وأمثلته‪.‬‬

‫المبحث الرابع‬
‫كيفية دلالة اللفظ على المعنى‬
‫الفقرة 340-358 ،‬الصفحة 354-365

‫أولاً‪ -‬عبارة النص‬
‫الصفحة 354-356‬
‫المقصود بعبارة النص ‪ -‬الأمثلة ‪ -‬عبارة النص في القوانين الوضعية ‪.‬‬
‫ثانياً ‪ -‬إشارة النص‬
‫الصفحة 356-361
‫المقصود بإشارة النص ‪ -‬الأمثلة من النصوص الشرعية ‪ -‬الأمثلة من القوانين‬
‫الوضعية ‪.‬‬

‫ثالثاً ‪ -‬دلالة النص‬
‫الصفحة 361- ‪363‬‬
‫‪
432
‬‬#ff0000

‫المقصود بدلالة النص‬ ‫– الأمثلة من‬ النصوص الشرعية‬ ‫– الأمثلة من ‫القوانين‬ ‫الوضعية ‪.‬‬

‫رابعاً ‪ -‬اقتضاء النص‬
‫الصفح‬‬ة 363-365
‫المقصود باقتضاء النص -الأمثلة على ذلك ‪ -‬الخلاصة في الدلالات ‪ -‬جميعها‬ ‫تعتبر من دلالة المنطوق ‪.‬‬

‫خامساً ‪ -‬مفهوم المخالفة‬
‫الصفحة ‪377 - 366‬‬
‫المقصود بمفهوم المخالفة ـ أنواعه ‪ -‬أولا ‪ :‬مفهوم الصفة وأمثلته ‪ -‬ثانياً‪ :‬مفهوم‬ ‫الشرط وأمثلته ‪ -‬ثالثاً‪ :‬مفهوم الغاية وأمثلته ‪ -‬رابعاً‪ :‬مفهوم العدد وأمثلته ‪ -‬خامساً ‫مفهوم اللقب وأمثلته‪ -‬شروط العمل بمفهوم المخالفة ـ حجية مفهوم المخالفة وأقوال‬ ‫العلماء في ذلك ‪ -‬لا حجة في مفهوم اللقب ‪ -‬الخلاف فيما عدا ذلك – ذكر أقوال‬ ‫المختلفين وأدلتهم وبيان الراجح منها‪ -‬ثمرة الخلاف ‪ -‬الأخذ بمفهوم المخالفة في تفسير‬ ‫القوانين الوضعية ‪ -‬الأمثلة من القوانين الوضعية على مفهوم المخالفة‪.‬‬

‫الفصـل الثاني‬
‫مقاصـد‬ ‫الشريعة‬ ‫العاملة‬
‫الفقرة 359-366 ،‬الصفحة 378-385
‫معرفة المقاصد العامة للشريعة الإسلامية أمر ضروري لفهم نصوصها‬ ‫واستنباط الأحكام منها‪ -‬المقصد الأصلي للشريعة تحقيق المصالح للعباد ودرء المفاسد‬ ‫عنهم – مصالح العباد ثلاثة أنواع ‪ -‬النوع الأول ‪ :‬الضروريات معناها‪ ،‬وأمثلتها‪ ،‬وما‬ ‫شرع لها ‪ -‬النوع الثاني ‪ :‬الحاجيات ‪ ،‬معناها ‪ ،‬وأمثلتها ‪ ،‬وما شرع لها ‪ -‬النوع‬ ‫الثالث‪ :‬التحسينات ‪ ،‬معناها ‪ ،‬امثلتها ‪،‬‬ ‫وما شرع لهلدمكملات المصالح – مراتب‬ ‫المصالح في الأهمية ‪ -‬ما يترتب على مقاصد الشريعة من مبادىء وقواعد‪.‬‬
‫‪
433
#ff0000

‫الفصل الثالث‬
‫تعارض الأدلة والترجيح والنسخ‬
‫الفقرة ‪ 367‬-380 ،‬الصفحة ‪389 - 386‬‬
‫تمهيد المقصود يتعارض الأدلة ‪ -‬كيفية رفعه ‪ -‬تقسيم الفصل إلى مبحثين‬

‫المبحث الأول‬
‫النسخ‬
‫الصفحة 388-392‬‬
‫معنى النسخ ‪ -‬وقوع النسخ ‪ -‬النسخ الكلي والجزئي ‪ -‬حكمة النسخ ‪ -‬النسخ‬ ‫والتخصيص ‪ -‬أنواع النسخ ‪ -‬وقت النسخ ‪ -‬ما يجوز نسخه من الأحكام وما لا يجوز ‪-‬‬ ‫ما يجوز به النسخ ‪.‬‬

‫المبحث الثاني‬
‫التعارض والترجيح‬
‫الصفحة 393-398‬‬
‫لا تعارض بين نصوص الشريعة التعارض في نظر المجتهد لا في نفس‬ النصوص ‪ -‬كيفية رفع التعارض ‪ -‬يرفع التعارض بمعرفة الناسخ إن وجد ‪ -‬إن لم يوجد‬ ‫ناسخ اخذ بقواعد الترجيح ‪ -‬القاعدة الأولى ‪ :‬يرجح النص على الظاهر ومثاله ‪-‬‬ ‫القاعدة الثانية ‪ :‬يرجح المفسر على النص ومثاله ‪ -‬القاعدة الثالثة ‪ :‬يرجح المحكم على ما سواه ‪ -‬القاعدة الرابعة ‪ :‬يرجح ما يثبت بعبارة النص على ما يثبت بإشارته ‪-‬‬ ‫القاعدة الخامسة ‪ :‬يرجح الثابت بإشارة النص على الثابت بدلالته ‪ -‬القاعدة‬ ‫السادسة ‪ :‬ترجح دلالة المنطوق على دلالة المفهوم ‪ -‬القاعدة السابعة‪ :‬الأخذ بالجمع‬ ‫والتوفيق ‪ -‬معنى الجمع والتوفيق ومتى يلجأ إليها المجتهد وأمثلة ذلك ‪ -‬الترجيح بقوة‬ ‫الدليل ‪ -‬العدول عن الدليلين المتعارضين ‪.‬‬
‫‪
434
#ff0000

‫الباب الرابع‬
‫الاجتهاد والتقليد‬
‫الفصل الأول‬
‫الاجتهاد‬

‫الفقرة 381-388، ‬الصفحة ‪ 409‬- ‪401‬‬
‫تعريف الاجتهاد ‪ -‬ما يبنى على تعريف الاجتهاد ‪ -‬المجتهد في الاصطلاح ‪-‬‬ ‫شروط الاجتهاد ‪ -‬أولاً‪ :‬معرفة اللغة العربية ‪ -‬ثانياً‪ :‬معرفة الكتاب ‪ -‬ثالثاً‪ :‬معرفة‬ ‫السنة النبوية المطهرة ‪ -‬رابعاً‪ :‬المعرفة بأصول الفقه ‪ -‬خامساً‪ :‬المعرفة بمواضع الإجماع‬ - سادساً‪ :‬معرفة مقاصد الشريعة ‪ -‬سابعاً‪ :‬الاستعداد الفطري للاجتهاد ‪ -‬ما يجوز‬‫الاجتهاد فيه وما لا يجوز- الاجتهاد لا يتقيد بالزمان والمكان ‪ -‬حكم الاجتهاد ‪ -‬تغير‬
‫الاجتهاد ونقضه ‪ -‬تجزء الاجتهاد‪.‬‬

‫الفصل الثاني‬
‫التقليد‬
‫الفقرة ‪ 391 - 389‬الصفحة 410-413
‫تعريف التقليد ‪ -‬حكم التقليد ‪ -‬اختلاف العلماء في جواز التقليد ‪ -‬القول‬ ‫الفصل في جواز التقليد أو عدم جوازه ‪ -‬ذكر الأدلة على ذلك ‪ -‬تقليد المذاهب ‪.‬‬
‫يسوغ للعامي ان يتبع مذهباً معنياً ‪ -‬على مقلدة المذاهب أن يستحضروا في‬ ‫أذهانهم ‪ -‬أولاً‪ :‬المذاهب الإسلامية مدارس فقهية لتفسير النصوص واستنباط‬ ‫الأحكام وليست هي شرائع قائمة بذاتها ‪ -‬ثانياً‪ :‬الشريعة الإسلامية أوسع من أي‬ ‫مذهب وحجة عليه وليس أي مذهب حجة على الشريعة ‪ -‬ثالثاً‪ : المسوغ لتقليد‬ ‫المذهب كونه مظنة تعريف المقلد بحكم الشرع ‪ -‬رابعاً‪ :‬على المقلد أن يطهر نفسه من‬
‫التعصب الذميم للمذهب الذي يقلده ‪ -‬خامساً‪ :‬لا إلزام على المقلد باتباع جميع‬ ‫أقوال مذهبه ولهذا له أن يسأل أي عالم من غير مذهبه عن حكم الشرع في مسألة تهمه‬- سادسا ‪ :‬لا نضيق باختلاف المذاهب

435
#ff0000

‫كتب وأبحاث للمؤلف‬

‫‪ - 1‬أحكام الذميين والمستأمنين في دار الاسلام‬.
2-أصول الدعوة.
3- السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد.
4 ـ الفرد والدولة في الشريعة الاسلامية‬
5-القصاص والديات في الشريعة الأسلامية.
6-القيود الواردة على الملكية الفردية.
‫‪ ‬7- مجموعة بحوث فقهية .
8- المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية.
9- المستفاد من قصص القرآن للدعوة والدعاة 3/1
10- المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم11/1
‬‬11-موجز الأديان في القرآن.
12-نظام القضاء في الإسلام.
13-الوجيز في أصول الفقه.


________________________

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما
واكرر على الاخوة النساخ ،بأن يتقيدوا بالشروط الموضوعة في أول الموضوع
تم الانتهاء من تحويل كتاب الوجيز الى نسخة (وورد)
الساعة الخامسة من عصر يوم السبت 14 محرم 1438

الموافق 15-10-2016 ميلادي

ياس
2016-10-15, 06:04 PM
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ،والشكر لله الذي انار لنا الدرب ،وفتح لنا ابواب الصبر والارادة ،لتتمة هذا العمل المبارك والحصري ،واخراجه بهذه الصورة المضيئة ،التي يتشرف بها منتدانا ..فمؤلف الكتاب علم من اعلام العراق ،ومؤلفاته شاهدة بذلك ومنها :هذا الكتاب القيم ،وإن اختلفنا
معه في توجهاته ..لكنه قضى حياته عاملا معطاءاً راسخ الفهم ونابغ الذكاء في خدمة الشرع والشريعة الغراء،،،فرحم الله الشيخ الدكتور عبد الكريم زيدان وادخله فسيح جناته،،وما عملنا هذا الا امتنان وشكر لما قدمه هذا الشيخ الجليل ،وفي نفس الوقت نشر لعلوم الشريعة التي لاغنى عنها في حياتنا اليومية...

أتوجه بالشكر الجزيل لكل من ساهم في إخراج هذا المشروع إلى حيز التنفيذ والانتهاء منه ...واخص بالذكر:

الاخت الطيبة والاستاذة المتميزة"ياسمين الجزائر" والتي شاركتني هذا الجهد،من اوله لآخره..ولا أقول لها سوى:
ولو انني اوتيت كل بلاغة **** وافنيت بحر النطق في النظم والنثر
لما كنت بعد القول الا مقصرا *** ومعترفا بالعجز عن واجب الشكر

واتقدم بالشكر للشيخ عدنان الفهداوي ...... على توجيهاته ونصحه السديد.
دون أن يفوتني شكر الادارة الغراء المتمثلة ب"العراقي"،"والحياة امل" ....على مساعدتهم واتاحتهم لنا الفرصة والمساحة في نشر هذا الكتاب في هذه الصيغة الحصرية ،وتشجيعهم لنا على اتمامه ...

نكرر مرة اخرى :على الاخوة الاعضاء والزوار عند نسخهم التقيد بالشروط الموضوعة في أول الموضوع ..



أخوكم :ابو عبدالله
الساعة الخامسة من عصر يوم السبت 14 محرم 1438
الموافق 15-10-2016 ميلادي

ياسمين الجزائر
2016-10-21, 10:53 PM
الحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات.
و أشكر الله عز و جل الذي وفقنا و أعاننا لإتمام هذا العمل المبارك.
و الله أسأل أن يجعل هذا الجهد خالصاً لوجهه الكريم.
و أنا بدوري أشكرك جزيل الشكر أستاذي الفاضل ياس على فكرتك القيّمة و جهدك المبارك و نشاطك المتميز بالمنتدى و أشكرك لأنك أشركتني في عملك هذا و شرفتني بأن يكون لي سهم فيه و لو قليل.
و رحم الله الشيخ الدكتور عبد الكريم زيدان وادخله فسيح جناته و بارك الله فيكم استاذ ياس على حرصكم الشديد لنفع النّاس و تسهيل طرق العلم عليهم، فقد كان و لازال أهل العراق منبعاً للعلم و العطاء و الانتاج.
فعليكم من الله سلام يا أهل العراق كلّما هبّ نسيم و فاح عطر
و كلّما جاد سحاب و لمع برق.
جزاكم الله خيرا
flwer1

هايدى مجدى
2016-10-23, 05:02 PM
باااااااااارك الله فيكم " جزاكم الله خيررر

ياس
2016-10-23, 07:15 PM
باااااااااارك الله فيكم " جزاكم الله خيررر

وفيكم بارك الرحمن..شكرا للمرور

جلمود صخر
2016-10-24, 01:03 PM
موضوع في قمة الخيااال
طرحت فابدعت
دمت ودام عطائك
ودائما بأنتظار جديدك الشيق
لك خالص حبي وأشواقي
سلمت اناملك الذهبيه على ماخطته لنا
اعذب التحايا لك

تحياتي

ياس
2016-10-24, 02:30 PM
موضوع في قمة الخيااال
طرحت فابدعت
دمت ودام عطائك
ودائما بأنتظار جديدك الشيق
لك خالص حبي وأشواقي
سلمت اناملك الذهبيه على ماخطته لنا
اعذب التحايا لك

تحياتي

جزاكم الله خيرا

الحياة أمل
2016-10-25, 09:42 PM
مآشآء الله .. تبآرك الله
بآرك الرحمن في جهودكم الكريمة
أستآذ ( يآس ) وأستآذة ( يآسمين الجزآئر )
والحمد لله الذي أعآنكم على هذآ النقل القيّم والحصري للمنتدى
جعله ربي في ميزآن حسنآتكم ورفع قدركم في الدنيآ والآخرة
طبتم وطآب سعيكم .. وأنآر الله دربكم ...~

ياس
2016-10-25, 09:59 PM
مآشآء الله .. تبآرك الله
بآرك الرحمن في جهودكم الكريمة
أستآذ ( يآس ) وأستآذة ( يآسمين الجزآئر )
والحمد لله الذي أعآنكم على هذآ النقل القيّم والحصري للمنتدى
جعله ربي في ميزآن حسنآتكم ورفع قدركم في الدنيآ والآخرة
طبتم وطآب سعيكم .. وأنآر الله دربكم ...~


اللهم آمين..
ولكم بمثل مادعوتم وزيادة
اشكرك أختي على كريم مرورك