المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ


ابو العبدين البصري
2013-03-23, 03:33 PM
إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ

قال تعالى:{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}( الأنعام :38).

قال سفيان بن عيينة: منهم من يكون على أخلاق السباع العادية, ومنهم من يكون على أخلاق الكلاب وأخلاق الخنازير وأخلاق الحمير, ومنهم من يتطوس في ثيابه كما يتطوس الطاوس, في ريشه ومنهم من يكون بليدا كالحمار, ومنهم من يؤثر على نفسه كالديك, ومنهم من يألف ويؤلف كالحمام, ومنهم الحقود كالجمل, ومنهم الذي هو خير كله كالغنم, ومنهم أشباه الذئاب ومنهم أشباه الثعالب التى تروغ كروغانها.

وقد شبه الله تعالى أهل الجهل والغي بالحمر تارة, وبالكلب تارة, وبالانعام تارة, وتقوى هذه المشبهة باطنا حتي تظهر في الصورة الظاهرة ظهورا خفيا, يراه المتفرسون, وتظهر في الأعمال ظهورا يراه كل أحد, ولا يزال يقوي حتي تستشنع الصورة, فنقلب له الصورة بإذن الله, وهو المسخ التام, فيقلب الله سبحانه وتعالى الصورة الظاهرة على صورة ذلك الحيوان, كما فعل باليهود وأشباههم ويفعل بقوم من هذه الأمة يمسخهم قردة وخنازير.

فسبحان الله! كم من قلب منكوس وصاحبه لا يشعر؟ وقلب ممسوخ, وقلب مخسوف به, وكم من مفتون بثناء الناس عليه؟ ومغرور بستر الله عليه ومستدرج بنعم الله عليه؟ وكل هذه عقوبات وإهانات, ويظن الجاهل أنها كرامة.

فأما مشهد الحيوانية وقضاء الشهوة:فمشهد الجهال الذين لا فرق بينهم وبين سائر الحيوان إلا في اعتدال القامة ونطق اللسان ليس همهم إلا مجرد نيل الشهوة بأي طريق أفضت إليها فهؤلاء نفوسهم نفوس حيوانية لم تترق عنها إلى درجة الإنسانية فضلا عن درجة الملائكة فهؤلاء حالهم أخس من أن تذكر وهم في أحوالهم متفاوتون بحسب تفاوت الحيوانات التي هم على أخلاقها وطباعها.

فمنهم: من نفسه كلبية لو صادف جيفة تشبع ألف كلب لوقع عليها وحماها من سائر الكلاب ونبح كل كلب يدنو منها فلا تقربها الكلاب إلا على كره منه وغلبة ولا يسمح لكلب بشيء منها وهمه شبع بطنه من أي طعام اتفق: ميتة أو مذكى خبيث أو طيب ولا يستحى من قبيح إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث إن أطعمته بصبص بذنبه ودار حولك وإن منعته هرك ونبحك.

ومنهم: من نفسه حمارية لم تخلق إلا للكدر والعلف كلما زيد في علفه زيد في كده أبكم الحيوان وأقله بصيرة ولهذا مثل الله سبحانه وتعالى به من حمله كتابه فلم يحمله معرفة ولا فقها ولا عملا ومثل بالكلب عالم السوء الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها وأخلد إلى الأرض واتبع هواه وفي هذين المثلين أسرار عظيمة ليس هذا موضوع ذكرها.

ومنهم: من نفسه سبعية غضبية همته العدوان على الناس وقهرهم بما وصلت إليه قدرته طبيعته تتقاضى ذلك كتقاضي طبيعة السبع لما يصدر منه.

ومنهم: من نفسه فأرية فاسق بطبعه مفسد لما جاروه تسبيحه بلسان الحال سبحان من خلقه للفساد.

ومنهم: من نفسه على نفوس ذوات السموم والحمات كالحية والعقرب وغيرهما وهذا الضرب هو الذي يؤذي بعينه فيدخل الرجل القبر والجمل القدر والعين وحدها لم تفعل شيئا وإنما النفس الخبيثة السمية تكيفت بكيفية غضبية مع شدة حسد وإعجاب وقابلت المعين على غرة منه وغفلة وهو أعزل من سلاحه فلدغته كالحية التي تنظر إلى موضع مكشوف من بدن الإنسان فتنهشه فإما عطب وإما أذى ولهذا لا يتوقف أذى العائن على الرؤية والمشاهدة بل إذا وصف له الشيء الغائب عنه وصل إليه أذاه والذنب لجهل المعين وغفلته وغرته عن حمل سلاحه كل وقت فالعائن لا يؤثر في شاكي السلاح كالحية إذا قابلت درعا سابغا على جميع البدن ليس فيه موضع مكشوف فحق على من أراد حفظ نفسه وحمايتها: أن لا يزال متدرعا متحصنا لابسا أداة الحرب مواظبا على أوراد التعوذات والتحصينات النبوية التي في القرآن والتي في السنة.

ومن الناس: من طبعه طبع خنزير يمر بالطيبات فلا يلوى عليها فإذا قام الإنسان عن رجيعه قمه وهكذا كثير من الناس يسمع منك ويرى من المحاسن أضعاف أضعاف المساوىء فلا يحفظها ولا ينقلها ولا تناسبه فإذا رأى سقطة أو كلمة عوراء وجد بغيته وما يناسبها فجعلها فاكهته ونقله.

ومنهم: من هو على طبيعة الطاوس ليس له إلا التطوس والتزين بالريش وليس وراء ذلك من شيء.

ومنهم من هو على طبيعة الجمل أحقد الحيوان وأغلظه كبدا.

ومنهم من هو على طبيعة الدب أبكم خبيث وعلى طبيعة القرد.

وأحمد طبائع الحيوانات: طبائع الخيل التي هي أشرف الحيوانات نفوسا وأكرمها طبعا وكذلك الغنم وكل من ألف ضربا من ضورب هذه الحيوانات اكتسب من طبعه وخلقه فإن تغذى بلحمه كان الشبه أقوى فإن الغاذي شبيه بالمغتذى.

ولهذا حرم الله أكل لحوم السباع وجوارح الطير لما تورث آكلها من شبه نفوسها بها والله أعلم.

والمقصود: أن أصحاب هذا المشهد ليس لهم شهود سوى ميل نفوسهم وشهواتهم لا يعرفون ما وراء ذلك ألبتة( 1).


_____________
( 1) انظر المدارج : (ج1_ص691_ص696). والجواب الكافي : (ص143). بتصرف.

الحياة أمل
2013-03-24, 06:54 PM
[...
تفصيل مفيد ~ وعرض جميل
أحسن ربي إليكم
ولخير الأعمآل وفقكم
::/

ابو العبدين البصري
2013-03-24, 07:24 PM
[...
تفصيل مفيد ~ وعرض جميل
أحسن ربي إليكم
ولخير الأعمآل وفقكم
::/
اللهم آمين .
بارك الله فيكم.

الأثري العراقي
2013-03-24, 07:47 PM
نقلٌ ماتعٌ ! ـ جداً ـ .. بوركت أخي

ابو العبدين البصري
2013-03-24, 10:53 PM
نقلٌ ماتعٌ ! ـ جداً ـ .. بوركت أخي
وفيكم بارك الرحمن أخي الكريم.

بنت الحواء
2013-03-25, 04:45 PM
جزاك الله خيرا
جعله الله في ميزان حسناتك

ابو العبدين البصري
2013-03-25, 06:04 PM
جزاك الله خيرا
جعله الله في ميزان حسناتك
وجزاك مثله اللهم آمين.