المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تعريف التوسل وبيان المشروع منه والممنوع


عبدالله الأحد
2016-07-11, 09:36 PM
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله

تعريف التوسل


لفظة (التوسل) لفظة عربية أصيلة، وردت في القرآن والسنة وكلام العرب من شعر ونثر، وقد عني بها: التقرب إلى المطلوب، والتوصل إليه برغبة، قال ابن الأثير في (النهاية): (الواسل: الراغب، والوسيلة: القربة والواسطة، وما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به، وجمعها وسائل) وقال الفيروز أبادي في (القاموس): (وسل إلى الله تعالى توسيلاً: عمل عملاً تقرب به إليه كتوسل) وقال ابن فارس في (معجم المقاييس): (الوسيلة: الرغبة والطلب، يقال: وسل إذا رغب، والواسل: الراغب إلى الله عز وجل، وهو في قول لبيد:
أرى الناس لا يدرون ما قدْرُ أمرهم بلى، كل ذي دين إلى الله واسلُ).
وقال الراغب الأصفهاني في (المفردات): (الوسيلة: التوصل إلى الشيء برغبة، وهي أخص من الوصيلة، لتضمنها لمعنى الرغبة، قال تعالى: وابتغوا إليه الوسيلة، وحقيقة الوسيلة إلى الله تعالى: مراعاة سبيله بالعمل والعبادة، وتحري مكارم الشريعة، وهي كالقربة، والواسل: الراغب إلى الله تعالى).
وقد نقل العلامة ابن جرير هذا المعنى أيضاً وأنشد عليه قول الشاعر:
إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا وعاد التصافي بيننا والوسائل
هذا وهناك معنى آخر للوسيلة هو المنزلة عند الملك، والدرجة والقربة، كما ورد في الحديث تسمية أعلى منزلة في الجنة بها، وذلك هو قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة)) (1) .
وواضح أن هذين المعنيين الأخيرين للوسيلة وثيقا الصلة بمعناها الأصلي، ولكنهما غير مرادين في بحثنا هذا.
معنى الوسيلة في القرآن:
إن ما قدمته من بيان معنى التوسل هو المعروف في اللغة، ولم يخالف فيه أحد، وبه فسر السلف الصالح وأئمة التفسير الآيتين الكريمتين اللتين وردت فيهما لفظة (الوسيلة)، وهما قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة: 35].
وقوله سبحانه: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء: 57].
فأما الآية الأولى، فقد قال إمام المفسرين الحافظ ابن جرير رحمه الله في تفسيرها: (يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله فيما أخبرهم، ووعد من الثواب، وأوعد من العقاب. اتقوا الله يقول: أجيبوا الله فيما أمركم، ونهاكم بالطاعة له في ذلك.وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ: يقول: واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه).
ونقل الحافظ ابن كثير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن: معنى الوسيلة فيها القربة، ونقل مثل ذلك عن مجاهد وأبي وائل والحسن وعبد الله بن كثير والسدي وابن زيد وغير واحد، ونقل عن قتادة قوله فيها: (أي تقربوا إليه بطاعته، والعمل بما يرضيه) ثم قال ابن كثير: (وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه.. والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود) (2)
وأما الآية الثانية فقد بين الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مناسبة نزولها التي توضح معناها فقال: (نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفراً من الجن، فأسلم الجنيون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون) (3) .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله (4) : (أي استمر الإنس الذين كانوا يعبدون الجن على عبادة الجن، والجن لا يرضون بذلك، لكونهم أسلموا، وهم الذين صاروا يبتغون إلى ربهم الوسيلة، وهذا هو المعتمد في تفسير الآية).
... وهي صريحة في أن المراد بالوسيلة ما يتقرب به إلى الله تعالى، ولذلك قال:
يبتغون أي يطلبون ما يتقربون به إلى الله تعالى من الأعمال الصالحة، وهي كذلك تشير إلى هذه الظاهرة الغريبة المخالفة لكل تفكير سليم، ظاهره أن يتوجه بعض الناس بعبادتهم ودعائهم إلى بعض عباد الله، يخافونهم ويرجونهم، مع أن هؤلاء العباد المعبودين قد أعلنوا إسلامهم، وأقروا لله بعبوديتهم، وأخذوا يتسابقون في التقرب إليه سبحانه، بالأعمال الصالحة التي يحبها ويرضاها، ويطمعون في رحمته، ويخافون من عقابه، فهو سبحانه يُسَفه في هذه الآية أحلام أولئك الجاهلين الذين عبدوا الجن، واستمروا على عبادتهم مع أنهم مخلوقون عابدون له سبحانه، وضعفاء مثلهم، لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، وينكر الله عليهم عدم توجيههم بالعبادة إليه وحده، تبارك وتعالى، وهو الذي يملك وحده الضر والنفع، وبيده وحده مقادير كل شيء وهو المهيمن على كل شيء.

موقع درر

نبذة عن التوسل المشروع والتوسل الممنوع
بدر بن علي بن طامي العتيبي

في مسألة التوسل
على عمومها فأقول :
ليعلم أن التوسل هو : التوسط في الدعاء .
وعليه فأركانه ثلاثة : متوسل وَ متوسل به وَ متوسل إليه .
فإن نقص منها ركن فلا يعد من التوسل ولا من معناه .
والمتوسل إليه : في كل حال هو الله تعالى فمن عِندهِ تقضى الحاجات ، وتلبى الرغبات .
والمتوسِل : هو الداعي .

ويبقى المتوسل به : هو وسيلة الدعاء ، وهو على قسمين :
( 1 ) مشروع .
( 2 ) غير مشروع .

( 1 ) التوسل المشروع
أما المتوسل به المشروع فصوره عدة ومنها :
التوسل إلى الله تعالى بأسماء وصفاته ، كقول : يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث .
فالمتوسِل : هو الداعي
والوسيلة [ المتوسل به ] : هي تعظيم الله باسم الحي و القيوم ، وبصفة الحياة والقيومية .
والمتوسل إليه : هو الله تعالى فهو المغيث وحده سبحانه دون ما سواه .
ومن صور التوسل : التوسل بالإيمان بالله ، والإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم ، كما قال تعالى : ( ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ) .
ومن صور التوسل : التوسل بالأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة ، كما في فصة الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار فتوسلوا إلى الله تعالى بصالح أعمالهم وخالصها .
ومن صور التوسل : التوسل بدعاء الصالحين الأحياء ، كما ثبت من أكثر من وجه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال في الاستستقاء : اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم ، وإنا نتوسل إليك بعمّ نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم أمر العباس بأن يقوم ويدعو الله تعالى .
وفي ذلك أنه توسل إلى الله تعالى بدعاء العباس رضي الله عنه ، ولا يجوز أن يطلب ذلك من الميت ، ولو جاز لما كان يليق بعمر بن الخطاب وفقهه ومحبته للنبي ::ص أن يقدم دعاء العباس على دعاء النبي ::ص .
وكذلك توسل معاوية بن أبي سفيان بدعاء الأسود بن يزيد الجرشي ، وغير ذلك .
فهذه كلها صور التوسل المشروع .

( 2 ) التوسل الممنوع - غير المشروع -
أما التوسل الممنوع ، وغير المشروع ، فهو التوسل : بجاه أو بحق أو بذات الأنبياء والصالحين .
كقول القائل : اللهم إني أسألك بجاه النبي ::ص ، أو بحق النبي ::ص ، أو بالنبي ::ص .
وتنبه إلى أن المقام لا يزال في ( دعاء الله تعالى بوسيلة ) وهنا جعل الداعي الوسيلة : حق أو جاه أو ذات النبي ::ص .
وهذا النوع من التوسل اختلف أهل العلم من بعد القرون المفضلة في جوازه ، والصواب أنه : بدعة لا تجوز ، لأن هذا لم يرد به حديث صحيح عن النبي ::ص ، ولم يفعله الصحابة رضي الله عنهم ، ولم يرد ذلك إلا في أحاديث لا تنتهض للحجة ، وقول من لا يكون قوله حجة !! ، بل نص أبو حنيفة النعمان - و عليه اتفاق أصحابه - على المنع من : سؤال الله بشيٍ من خلقه ، قال القدوري : ( المسألة بخلقه لا تجوز لأنه لا حق للخلق على الخالق ، فلا تجوز وفاقاً ) .
وعليه فالتوسل بحق المخلوق وجاهه وذاته : بدعة منكرة .
ولم يقل أحد من أهل السنة بأنه شرك أكبر ، هذا إذا كانت الباء : للسببية .
أما إن كانت الباء للقسم ، فإن هذا من الشرك من وجه آخر : وهو الحلف بغير الله تعالى ، نص على ذلك غير واحد من العلماء ومنهم شارح الطحاوية ابن أبي العز الحنفي .
والحلف بغير الله تعالى من الشرك بلا خلاف ، فقد سماه النبي ::ص شركاً ، ولا يجوز لأحدٍ من العالمين أن يخرجه من مسمى الشرك .
ولكن هل هو من الشرك المخرج من الملة أم لا ؟ ، البحث والتفصيل فيه مشهور ، والصواب أنه من الشرك الأصغر ما لم تظهر قرينة تنقله للشرك الأكبر كاعتقاد استحقاقيته لذلك ، أو أن فيه من صفات الربوبية شيء ونحو ذلك .

تنـبـيـه هــام
إذا عُلم معنى التوسل ، فإن كفار قريش خلطوا بين هذا المعنى ، وبين دعاء آلهتهم من دون الله تعالى ، وسموا دعاءهم غير الله تعالى : وسيلة ، وقربة ، وشفيع - أي وسيط و وسيلة !! - ، قال تعالى : ( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) (يونس:18) ، وقال تعالى ( أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) (الزمر:3)
فكذبهم الله تعالى في الآيتين حيث قال : ( أتنبئون الله بما لا يعلم ) ؟ ، وقال : ( إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ) ، وذلك أن ظاهر ألفاظهم هو قصدهم والرغبة إليهم .
ومما يتحقق أن مشركي العصور المتأخرة من عباد القبور والأضرحة والأولياء وقعوا فيما وقع فيه أسلافهم من المشركين ! ، وسموا دعاء غير الله تعالى توسلاً ، فالمستغيث قائلاً : يا بدوي ، المدد يا ست زينب ، الغوث يا جيلاني !!!! ، كل هذا من دعاء غير الله تعالى ، ودعوى أنهم شفعاء و وسطاء و وسائل !! : كل هذا حمق وكذب وكفر .
وذلك لأن دعاء غير الله تعالى ، لا ورود فيه لذكر الله تعالى ، وعلبه فينقص منتهى التوسل ، ويهمل أهم أركانه !! .
فمن دعاء غير الله تعالى : مشتغيث به لا متوسلاً به ، و إلا فأين المتوسل إليه في دعائه ؟!.
وذلك لأن :
الاستغاثة لها ركنان : المشتغيث وَ المشتغاث به ، ولا ركن ثالث لها .
وأما التوسل فأركانه ثلاثة كما تقدم : متوسل و متوسل به و متوسل إليه .
هذا من وجه ، و والوجه الآخر : أن قول الرجل : يا فلان أغثني ، أو يا رسول الله نفّس كربتي : في فهم كل عربي وعاقل يسمى استغاثة ولا يسمى توسلاً ، فقط طلب منه الغوث ، وطلب منه تنفيس الكربة .
ولا يقال بأن مراده : يا فلان ادع الله أن يغيثني !!!! ، أو يا رسول الله ادع الله أن ينفس كربتي .
لأن هذا لم يرد في كلامه ، وفي حقيقة الحال هو يريد ذلك ممن دعاه ، ولو أراده من الله لطلبه من الله مباشرة ، ولهذا لما زعم المشركون أنهم ما دعوهم من دون الله ، وإنما ( اتخذوهم وسطاء ) و ( وشفعاء ) و ( وسائل ) ، كذبهم الله تعالى وكفرهم كما تقدم ذكره .
فهذا النوع ( من التوسل !! المزعوم ) بمعناه الخاطئ : هو الشرك الأكبر بالله تعالى ، وهو توسل المشركين إلى آلهتهم على حد زعمهم وكذبهم وافترائهم
صيد الفوائد