المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الغلو في الصالحين والقبور أصل الشرك


عبدالله الأحد
2016-07-21, 08:20 PM
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله
منشأ الشرك الغلو في الصالحين (3)

قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالاً بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ﴾ [النساء: 60، 61].

قال المحقِّقون من أهل التفسير: الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من مَعبود أو متبوع أو مطاع؛ فطاغوت كل قوم مَن يَتحاكمون إليه غير الله ورسوله.

وقال الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - في إعلام الموقِّعين: "فهذه طواغيت العالم إذا تأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم عدَل عن عبادة الله إلى عبادة الطاغوت، وعن طاعته وطاعة رسوله ومتابعته إلى طاعة الطاغوت ومتابعته، وهؤلاء لم يسلكوا طريق الناجين الفائزين من هذه الأمة، وهم الصحابة ومَن تبعهم، ولا قصدوا قصدهم، بل خالفوهم في الطريق والقصد"؛ اهـ باختصار.

فطواغيت عباد القبور: هي قبور الصالحين وسدنتها، وما وضعوا من كتب روَّجوا فيها بالكذب الذي زعموه كرامات عبادة هذه القبور، واللجء إلى المَقبورين فيها، وما اتَّخذوه لها من أعياد وموالد، فكل هذه طواغيت؛ لأنها صرَفت الناس وعدلتْ بهم عن عبادة الله وطاعته وطاعة رسوله.

وطواغيت أسراء التقليد وعباد آراء الرجال وأقوالهم التي لم يشهَد لها كتاب ولا سنَّة، والتي حكموها في الدين، وترَكوا لها كتاب الله وسنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم: هي هذه الآراء والأقوال وكتبها وما ألِّف لها.

وطواغيت أرباب الطرُق على اختلاف مشاربهم وتباين طرقهم هم شيوخُهم، وما اتخذوا من أوراد وأحزاب واجتماعات خالفوا فيها هدْي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وطاغوت عباد المال الذين يَكنزون الذهب والفضة ولا يُنفقونها في سبيل الله: هو المال.

وطاغوت الذين ضرب على قلوبهم بسياط الغَفلة حتى خرَجوا عن طاعة الله ورسوله، وترَدَّوْا في هاوية الشهوات والمعاصي والفجور: هو الهوى أو الشهوة الحيوانية الشيطانية.

ولا تنسَ الطاغوت الأكبر، وهو الشيطان؛ فإنه طاغوت كل كافر ومُلحِد، وعاصٍ وفاسِق، ومُشرك وعابد وثَن.

واحسرتاه على ما جرَّه هذا الطاغوت على هذه الأمة، لقد مزَّقها كل مُمزَّق، حتى أصبحت شيعًا وأحزابًا: ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ [المؤمنون: 53]، ولم يَلتفتوا إلى قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾ [الأنعام: 159]!

لقد نجح - والله - هذا الشيطان نجاحًا عظيمًا، لا سيما مع عبَّاد القبور، حتى أَخرجهم من التوحيد إلى الشرك، كما تخرج الشعرة من العجين، لا أقول هذا من عندي، ولا أدعي العلم النفسي، بل الله - سبحانه وتعالى - يقول لرسوله وخيرته من خلقه: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ [آل عمران: 128]، ويقول له أيضًا: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [القصص: 56]، والذين غلَوْا في الصالِحين يجعلون الأمر لأصحاب المشاهد والقباب، وإني لا أبتدع القول من عندي، وإنَّما أنا متَّبع فيه علماء الأمة وسلفها الصالح، الذين يقولون ذلك بعبارات صريحة واضحة لكل ذي عينين ناظرتين.

قال الإمام أبو بكر الطرطوشي، بعد أن ذكر حديث أبي واقد الليثي في ذات أنواط: "فانظروا - رحمكم الله - أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويُعظِّمونها ويرجون البرْءَ والشفاء من قِبَلها، يضربون بها المسامير والخِرَق، فهي ذات أنواط فاقطعوها.... إلخ".

فبوابة المتولي في مصر هي ذات أنواط يَجب إزالتها وتكسيرها، وتَطهير هذا الطريق منها، وكم في قرى مصر من أشجار وأحجار هي ذات أنواط، وشر مِن ذات أنواط.

وقال الإمام أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث": "ومِن هذا القسم أيضًا: ما قد عمَّ به الابتلاء من تزيين الشيطان للعامة تخليق[1] الحيطان والعمد، وسرج مواضِع مخصوصة من كل بلد يَحكي لهم حاكٍ أنه رأى في منامه بها أحدًا ممن شهر بالصلاح والولاية، فيفعلون ذلك ويحافظون عليه، مع تضييعهم فرائض الله وسنَّة رسوله، ويَظنون أنهم متقرِّبون بذلك، ثم يَتجاوَزون هذا إلى أن يَعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم فيُعظِّمونها ويَرجون منها الشفاء لمرضاهم، وقضاء حوائجهم بالنَّذر لها، وهي ما بين عيون وشجر وحائط وحجر"، ثم ضرب - رحمه الله - أمثلة كثيرة مما وقع في مدينة دمشق في عصره ومن قبل عصره.

ويشهد لكلام هذا الإمام حديث: ((لعن الله زائرات القبور، والمتَّخذين عليها المساجد، والموقدين عليها السرج)).

وقال الشيخ قاسم من علماء الحنفية في شرح درر البحار: "النذر الذي يقع من أكثر العوام يأتي إلى قبر بعض الصالحين قائلاً: يا سيدي فلان، إن ردَّ غائبي، أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي فلك من الذهب أو الطعام أو الشمع كذا: باطل إجماعًا؛ لوجوه، منها: أن النذر للمخلوق لا يجوز، ومنها أن ذلك كفر... إلى أن قال: وقد ابتُلي الناس بذلك، ولا سيما في مولد أحمد البدوي"؛ اهـ.

انظر إلى هذا الإمام وكيف حكى الإجماع على بطلان النذر للأموات وغيرهم من دون الله تعالى، وهذا حق لا ريب فيه، ولم يَكتفِ بذلك، بل جعل النذر للمشايخ والصالِحين كفْرًا.

وقال الإمام البكري الشافعي في تفسيره عند قوله تعالى: "﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾ [الزمر: 3]، قال: وكان الكفار إذا سئلوا عن خالق السموات والأرض قالوا: الله، فإذا سئلوا عن عبادة الأصنام قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ ﴾ لأجل طلب شفاعتهم عند الله، وهذا كفر"؛ اهـ.

وهذا كما عليه عباد القبور إذا سُئلوا عن طوافهم بالقبور قالوا: ما ندعوهم، ونَنذر لهم، ونطوف حول قبورهم، ونتمسَّح بأركانها إلا ليَشفعوا لنا عند الله في قبول الدعاء وقضاء الحاجات، وغير ذلك، فما أشبه الليلة بالبارحة، وما أشبه النعل بالنَّعل!

وقال الإمام أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي: "لما صعبَت التكاليف على الطغام والجهال، عدَلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاعٍ وضَعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم؛ إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور وإكرامها، والتزامها بما نَهى عنه الشرع من إيقاد النيران، وتقبيلها وتخليقها، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع عليها: يا مولاي، افعل لي كذا وكذا، وأخذ تربتها تبركًا، وإفاضة الطيب على القبور، وشد الرحال إليها، وإلقاء الخِرَق على الشجر اقتداءً بمَن عبَد اللات والعزَّى"؛ اهـ.

وكلام العلماء في هذا الباب كثير وكثير جدًّا، بل بحر لا ساحل له، كله يدور حول إخلاص العبادة لله، وتجريد التوحيد، ونعي الشرك على أهله، ﴿ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ﴾ [النور: 40]، قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ﴾ [الأحقاف: 5، 6].

والدعاء عبادة، بل مخ العبادة، ورأس العبادة، وروح العبادة، ولبُّ العبادة؛ عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الدعاء مخ العبادة))؛ رواه الترمذي.

وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الدعاء هو العبادة))، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غافر: 60]؛ رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي.

فيعلم بهذا أن ما عليه القبوريون وشيعتهم خروجٌ على كتاب الله وسنة رسوله، وعلى علماء الأمة وأئمة المسلمين، وإنما هي من البدع والخرافات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وإنما أوحاها الشيطان ليضل بها عن سبيل الله، ويزين بها عبادة الأنداد من دونه، أيها المؤمن الخائف على دينه، فرَّ من هؤلاء فرارك من المجذوم إن لم تكن لك قوةٌ على جهادهم، وإلا فجاهدْهم، وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة؛ قال عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن: ((لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حُمْرِ النَّعم))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((ما مِن نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنَّته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمَن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل))؛ رواه مسلم عن ابن مسعود، وقال: ((من رأى منكم منكرًا فليُغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعفُ الإيمان))؛ رواه مسلم عن أبي سعيد، وأي منكر - يا من تدعى الإيمان - أعظم من الشرك بالله وعبادة غير الله؟!

قل للقبوريِّين في صراحة: لا تتمسَّحوا بالقبور، ولا تتسكعوا حول الأضرحة والقباب، فإن ذلك لن يغني عنكم من الله شيئًا إلا ما أغنت اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى عابديها من قبل، واحذروا أن تكونوا من الذين نعتهم الله في كتابه.


منشأ الشرك: الغلو في الصالحين (4)

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ [الزخرف: 87]، وقال تعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ﴾ [الزخرف: 9]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾ [يونس: 31]، وقال جل ذكره: ﴿ قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ﴾ [المؤمنون: 84 - 89].

كان المشركون يقرُّون بتوحيد الربوبية لله، وكانوا يقرُّون ويعلمون أن الله تعالى خالقُ كلِّ شيء، وأنه الرازق لهم ولكلِّ شيء، وربُّ كل شيء ومليكُه، وهو المحيي والمميت، وبيده ملكوت السموات والأرض، مدبِّر للعالم، وهو علام الغيوب، ﴿ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾، وبيده مقاليد الأمور، ﴿ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ ﴾، كما هو واضح جلي من الآيات السابقة، وكانوا مع هذا يقولون عن آلهتهم الذين اتخذوهم أولياء من دون الله: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾ [الزمر: 3]؛ أي: إنهم لا يملكون ضرًّا ولا نفعًا مستقلاًّ، وإنما هم شفعاء ووسائط لدى الله، كما جاء ذلك في القرآن في غير موضع في بيان حال المشركين وشِركهم.

وكل هذه الاعترافات لله بوحدانية الربوبية والخَلْق والملك والتدبير، وهذا الإقرار وهذا العلم - لم يُدخلهم في الإسلام، ولم يعصِم دماءَهم ولا أموالهم، بل حكَم اللهُ بكفرهم، وأمر رسولَه بجهادهم؛ حتى يُعبد الله وحده لا شريك له.

وكانوا مع هذا يزعمون أنهم على دين إبراهيم عليه السلام، وأنهم حُنفاء، ويقولون على النبي صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه من المؤمنين: الصُّبَاة، ويدَّعون أنهم أهدى من الرسول، ولم تنفعهم هذه المزاعم، ولم تُفِدهم هذه الدعاوى شيئًا، ولم تغيِّر حقيقةَ الشرك التي كانت في دعائهم لأولئك الموتى الذين كانوا يسمونهم أولياء، ويزعمون أنهم شفعاء عند الله بما لهم من الوجاهة والكرامة.

وعبَّادُ القبور يصنعون كما يصنع سلفهم الأولون، الذين بيَّن القرآنُ أقوالَهم وأعمالهم وأحوالهم، فتغيير أسماء الموتى المؤلَّهين المدعوين المنذور لهم: لا يغير الحقيقة الشركيَّة مهما حاول مروِّجوها على الدَّهْماء والعامَّة من الدجالين، فها أنت ترى العامة اليوم يلجؤون إلى الموتى ينادونهم: يا سيدي، أغثني أدركني، العارف لا يعرف، الشكوى لأهل البصيرة عيب، المحسوب منسوب ولو كان معيوب، وغير ذلك من الفضائح التي أخجلوا بها الإسلام والمسلمين، وسوَّدوا بها وجوههم أمام خصومهم من الأجانب.

تالله ما طُعن الإسلامُ من خصومه وشوِّه في نظر هؤلاء الخصوم عن جماله بمثل ما شُوه به من تلك الجاهلية الجهلاء، التي دسَّها وروَّجها أعداءُ الإسلام، وما حادثة هانوتو وزير خارجية فرنسا وطعنه في الإسلام ببعيدةٍ عن الأذهان، وقد ردَّ عليه الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده - رحمه الله - يومئذ بما نزَّه الإسلامَ عن كل دخيل:
الإسلام دين الفطرة، دين المدنيَّة الصحيحة، دين العقل السليم، دين القرآن الذي ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ﴾ [فصلت: 42]، فكيف يَسمح هذا الدِّين بإذلال العقل وإهانته وتحقيره بتلك العقائد الخرافيَّة السخيفة، ويتدلى إلى عبادة الموتى بدعائهم، والنذر لهم، والحلِف بهم، والطواف حول قبورهم، واللجأ إليهم من دون الله بعد أن أصبحوا ترابًا تحت أطباق الثَّرى؟!

أرسل اللهُ تعالى رسولَه إلى الناس كافةً بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، وأنزل عليه الكتابَ والحكمة؛ ليُخرج الناس من تلك الظلمات الجاهلية إلى نور العلم والهداية الإيمانية التوحيدية.

ما جاء الإسلامُ إلا لمحاربة هذه المخازي الشركية، والقضاءِ عليها، ما جاء الإسلامُ إلا لتطهير القلوب وتزكيتها من رجس الشرك، وفَكاكها وتخليصها من رقِّ الوثنية الممقوتة، ما جاء الإسلام إلا لكرامة الإنسان وعزَّته بالذلِّ لله وحده، وأن يُعبد الله لا شريك له من الإنسان أو الحيوان أو الجماد.

ولكن من المحزن أن للشيطان على بعض النفوس سلطانًا وأي سلطان! قادهم إلى الخرافات، جرَّهم إلى الشرك بتعظيم القبور، وأبى عليهم التوحيد والانقياد إلى حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم حتى أخرجهم من العزة إلى الذلَّة، ومن الكرامة إلى المهانةِ والحقارة، ومن نور التوحيد إلى ظلمات الشرك، وأخرجهم من نور الإيمان بالله وحده إلى الإيمان بالطاغوت الذي أُمروا أن يكفروا به، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

قال تعالى: ﴿ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ﴾ [العنكبوت: 65]، وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ [لقمان: 32]، وقال أيضًا: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا ﴾ [الإسراء: 67].

أليس هذا هو القرآن؟! أليس هذا هو الدستور السماوي الذي جاء به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى الثَّقلين الجن والإنس؟! هذه الآيات واضحة المعنى في المشركين عبَّاد اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى؛ أنهم كانوا يفزعون إلى الله وحده، ويُخلصون له الدعاء عند الشدائد والخطوب، ويتركون آلهتَهم وما كانوا يعبدون من دون الله وراءَ ظهورهم، ويُخلصون الدعاءَ لله لكشف ما نزل بهم من الشدة والضائقة، فإذا فرَّج اللهُ عنهم الشدة والكرب عادوا إلى ما كانوا عليه من الشرك وعبادة الموتى.

وعبَّاد القبور وأرباب الطرق لا يَعرفون في شدة ولا في رخاء إلا الدسوقيَّ والبدوي وأم هاشم وغيرهم من الذين اتخذوهم آلهةً من دون الله؛ يستغيثون بهم، ويستنصرون بهم على الأعداء، ولهم يَنذِرون وبهم يحلفون.

وما جرَّ هؤلاء إلى الشرك - بل إلى الدَّرَك الأسفل من الخزي والهوان - إلا إعراضُهم عن تدبُّر كتاب ربهم وسنَّة نبيهم وهدي سلف الأمة الصالح وأئمتها المهتدين.

قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ [الزخرف: 36]، وقال تعالى:﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴾ [طه: 124، 126] جزاء وفاقًا.

عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت، فقال له: ((أجعلتني لله ندًّا؟! بل ما شاء اللهُ وحده))؛ رواه النسائي.

انظروا يا قوم إلى غَيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم على جَناب التوحيد، مع أن القائل له: "ما شاء الله وشئتَ"، لم يُرد أن يجعلَ الرسول ندًّا لله، ولكنَّ حِرصَ رسول الله صلى الله عليه وسلم على توحيد الله، وخوفَه على أمته من أن يجرَّها الشيطان بمثل هذه الحبال إلى الشرك - جعله يسُدُّ كلَّ طريق للشيطان؛ نصيحة للأمة، فجزاه الله خير الجزاء.

يا قوم، اتقوا الله في أنفسكم، اتقوا الله في أولادكم، اتقوا الله في أمَّتكم، اتقوا الله في الشبيبة الطاهرة التي لم يدنِّس قلبَها شيء من الشرك والبدع والخرافات، اتقوا الله وقولوا للناس في صراحة، واجهروا لهم بالقول، وبيِّنوا لهم ما عليه السواد الأعظم من هذه الخرافات المخزية والبدع المضلَّة، ولا سيما عبَّاد القبور وأرباب الطرق، ارفعوا أصواتكم في وجوههم، ﴿ وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 42]؛ فإنَّ كاتم الحق شيطانٌ أخرس.

اللهم نوِّر قلوبنا بتوحيدك، ولا تجعل للشِّرك على قلوبنا من سبيل، أنت نعم المولَى ونعم النصير.

موقع الألوكة

وصايف
2016-07-21, 09:30 PM
http://files2.fatakat.com/2013/10/13825632481476.gifhttp://files2.fatakat.com/2013/10/13825632481476.gifhttp://files2.fatakat.com/2013/10/13825632481476.gifhttp://files2.fatakat.com/2013/10/13825632481476.gifhttp://files2.fatakat.com/2013/10/13825632481476.gifhttp://files2.fatakat.com/2013/10/13825632481476.gif
http://www8.0zz0.com/2016/07/21/21/252454209.png
http://files2.fatakat.com/2013/10/13825632481476.gifhttp://files2.fatakat.com/2013/10/13825632481476.gifhttp://files2.fatakat.com/2013/10/13825632481476.gifhttp://files2.fatakat.com/2013/10/13825632481476.gifhttp://files2.fatakat.com/2013/10/13825632481476.gifhttp://files2.fatakat.com/2013/10/13825632481476.gif
http://www10.0zz0.com/2016/07/21/21/947364626.png
http://files2.fatakat.com/2013/10/13825612601715.gifhttp://files2.fatakat.com/2013/10/13825612601715.gifhttp://files2.fatakat.com/2013/10/13825612601715.gifhttp://files2.fatakat.com/2013/10/13825612601715.gifhttp://files2.fatakat.com/2013/10/13825612601715.gifhttp://files2.fatakat.com/2013/10/13825612601715.gif
http://www11.0zz0.com/2016/07/21/21/414838737.gif

عبدالله الأحد
2016-07-22, 09:32 PM
جزاكم الله خيرا