المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مِنْ خَوَاطِرِ إِبْنِ الجَوْزِيِّ فِيْ كِتَابِهِ : ( صَيْدِ الخَاطِرِ ) .. ( رائعةٌ )


الأثري العراقي
2013-03-25, 08:38 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
مِنْ خَوَاطِرِ إِبْنِ الجَوْزِيِّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ فِيْ كِتَابِهِ : ( صَيْدِ الخَاطِرِ )
1 ـ إبكِ على خطيئتك ..
ينبغي للعاقل أن يكون على خوف من ذنوبه و إن تاب منها و بكى عليها ! ، وإني رأيت أكثر الناس قد سكنوا إلى قبول التوبة ، و كأنهم قد قطعوا على ذلك ، و هذا أمر غائب ، ثم لو غُفِرَتْ بقي الخجل من فعلها ، و يؤيد الخوف بعد التوبة ؛ أنه في الصحاح : أن الناس يأتون إلى آدم ـ عليه السلام ـ فيقولون : إشفع لنا ، فيقول : ( ذنبي ) !! ، و إلى نوح ـ عليه السلام ـ فيقول : ( ذنبي ) !! ، و إلى إبراهيم ، و إلى موسى ، و إلى عيسى ـ صلوات الله و سلامه عليهم ـ ، فهؤلاء إذا اعتبرت ذنوبهم لم يكن أكثرها ذنوباً حقيقة ، ثم إن كانت ؛ فقد تابوا منها و اعتذروا ، و هم ـ بعد ـ على خوفٍ منها . ثم إن الخجل ـ بعد قبول التوبة ـ لا يرتفع ! ، و ما أحسن ما قال الفضيل بن عياض ـ رحمه الله ـ : ( و اسوأتاه منك و إن عفوت ) ، فأُفٍ ـ و الله ـ لمختارِ الذنوبِ و مؤثرٍ لذةَ لحظةٍ تبقى حسرة لا تزول عن قلب المؤمن و إن غُفِرَ له ، فالحذر الحذر من كل ما يوجب خجلاً ، و هذا أمر قل أن ينظر فيه تائب أو زاهد ؛ لأنه يرى أن العفو قد غمر الذنب بالتوبة الصادقة ، و ما ذكرته يوجب دوام الحذر و الخجل .
2 ـ الوقت كالسيف ..
رأيت العادات قد غلبت الناس في تضييع الزمان ، و كان القدماء يحذرون من ذلك ؛ قال الفضيل : ( أعرف من يعد كلامه من الجمعة إلى الجمعة ) !! . و دخلوا على رجل من السلف فقالوا : لعلنا شغلناك ؛ فقال : ( أصدقكم كنت أقرأ ؛ فتركت القراءة لأجلكم ) !! ، و جاء رجل من المتعبدين إلى سَرِي السَّقَطي ، فرأى عنده جماعة ؛ فقال : ( صرتَ مناخ البطالين ) ثم مضى و لم يجلس !! ، و متى لان المزور ؛ طمع فيه الزائر ؛ فأطال الجلوس ؛ فلم يسلم من أذى ، و قد كان جماعة قعوداً عند معروف فأطالوا ؛ فقال : ( إن مَلِكَ الشمس لا يَفتر في سَوقها .. أفما تريدون القيام ) ؟! ، و ممن كان يحفظ اللحظات عامر بن عبد قيس ، قال له رجل : قــف أكلمك ، قال : ( فأمْسِكْ الشمسَ ) !! ، و قيل لكرز بن وبرة : لو خرجت إلى الصحراء ، فقال : ( يبطل الزوجار ) !! ، و كان داود الطائي يَسْتَفَُ الفتيت و يقـول : ( بين سَفِّ الفتيت و أكل الخبز قراءة خمسين آية ) !! ، و كان عثمان الباقلاني دائم الذكر لله ـ تعالى ـ ، فقال : ( إني و قت الإفطار أحس بروحي كأنها تخرج ؛ لأجل اشتغالي بالأكل عن الذكر ) !! ، و أوصى بعض السلف أصحابه فقال : ( إذا خرجتم من عندي ؛ فتفرقوا ؛ لعل أحدكم يقرأ القرآن في طريقه ! ، و متى إجتمعتم ؛ تحدثتم ) !! . و إعلم أن الزمان أشرف من أن يضيع منه لحظة ؛ فإن في الصحيح عن رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ أنه قال : ( من قال سبحان الله العظيم و بحمده ؛ غرست له بها نخلة في الجنة ) !! ، فكم يضيع الآدمي من ساعات يفوته فيها الثواب الجزيل ؟! ، و هذه الأيام مثل المزرعة ، فكأنه قيل للإنسان : كلما بذرت حبة ؛ خرجنا لك ألف كر ، فهل يجوز للعاقل أن يتوقف عن البذر و يتوانى ؟! ، و الذي يعين على إغتنام الزمان الإنفراد و العزلة مهما أمكن ، و الإختصار على السلام أو حاجة مهمة لمن يلقى ، و قلة الأكل ، فإن كثرته سبب النوم الطويل و ضياع الليل ، و من نظر في سِيَرِ السلف و آمن بالجزاء ؛ بان له ما ذكرته .
3 ـ جهاد الشيطان ..
رأيت الخلق كلهم في صفِّ مُحارَبةٍ ، و الشياطين يرمونهم بـ ( نبل الهوى ) ، و يضربونهم بـ ( أسياف اللذة ) ، فأما ( المُخَلِّطُون ) ؛ فصرعى من أول وقت اللقاء! ، و أما ( المتقون ) ؛ ففي جهد جهيد من المجاهدة ، فلا بد ـ مع طول الوقوف في المحاربة ـ من جِراح ! ، فهم يُجْرَحونَ و يُدَاوَوْنَ ، إلا أنهم من القتل محفوظون ، بل إن الجراحة في الوجه شَيْنٌ باقٍ ؛ فليحذر ـ ذلك ـ المجاهدون .
4 ـ حذار من الدنيا ..
الدنيا ( فَخٌ ) ، و ( الجاهل ) بأول نظرة يقع ! ، فأما ( العاقل المتقي ) فهو يصابر المجاعة ، و يدور حول الحَبْ والسلامة بعيدة ، فكم مِن صابرٍ إجتهد سنين ، ثم في آخر الأمر وقع ؟!! ، فالحذر الحذر ، فقد رأينا من كان على سنن الصواب ، ثم زل على شفير القبر ! .
5 ـ جهاد الهوى ..
تأملت أمراً عجيباً ! ، و أصلاً ظريفاً ! ، و هو إنهيال الإبتلاء على المؤمن ، و عرض صورة اللذات عليه مع قدرته على نيلها ، و خصوصاً ما كان في غير كلفة من تحصيله كـ ( محبوب موافق في خلوة حصينة ) ، فقلت : سبحان الله ، ههنا يبين أثر الإيمان لا في صلاة ركعتين ! ، و الله ما صَعِدَ يوسف ـ عليه السلام ـ و لا سَعِدَ إلا في مثل ذلك المقام ! ، فبالله عليكم ـ يا إخواني ـ تأملوا حاله لو كان وافق هواه ؛ من كان يكون ؟! ، و قيسوا بين تلك الحالة ، و حالة آدم ـ عليه السلام ـ ثم زنوا بميزان العقل عقبى تلك الخطيئة ، و ثمرة هذا الصبر ، و اجعلوا فهم الحال عُدةً لكم عند كل مشتهى ، و إن اللذات لتعرض على المؤمن ، فمتى لقيها في صف حربه ، و قد تأخر عنه عسكر التدبر للعواقب ؛ هُزِمَ !! ، و كأني أرى الواقع في بعض أشراكها ، و لسان الحال يقول له : ( قف مكانك ، أنت و ما إخترت لنفسك ) ، فغاية أمره الندم و البكاء ، فإن أمِنَ إخراجه من تلك الهوة لم يخرج إلا مدهوناً بالخدوش !! ، وكم من شخص زلَّت قدمه ، فما ارتفعت بعدها ؟! ، ومن تأمل ذل ( إخوة يوسف ) ـ عليهم السلام ـ يوم قالوا : ( و تصدق علينا ) ؛ عرف شؤم الزلل ! ، و من تدبر أحوالهم ؛ قاس ما بينهم و بين أخيهم من الفروق ، و إن كانت توبتهم قُبِلَتْ ! ؛ لأنه ( ليس من رَقَّعَ و خاط ، كمن ثوبه صحيح ) ! ، و رب عَظْمٍ هِيْضَ ـ أي : إنكَسَرَ ـ لم ينجبر ، فإن جُبِرَ فعلى و هى ! ، فتيقظوا ـ إخواني ـ لعرض المشتبهات على النفوس ، و استوثقوا من لجم الخيل ، و انتبهوا للغيم إذا تراكم بالصعود إلى تلعة ـ كل ما إرتفع عن الأرض ـ ؛ فربما مد الوادي فراح بالركب .
6 ـ حريق الهوى ..
من نازعته نفسه إلى لذة محرمة ، فشغله نظره إليها عن تأمل عواقبها و عقابها ، وسمع هتاف العقل يناديه : ( ويحك لا تفعل ، فإنك تقف عن الصعود ، و تأخذ في الهبوط ، و يقال لك : إبق بما إخترت ) ، فإن شغله هواه فلم يلتفت إلى ما قيل له ؛ لم يَزَل في نزول ! ، و كان مثله ـ في سوء إختياره ـ كالمثل المضروب : ( أن الكلب قال للأسد : ياسيد السباع ، غير إسمي فإنه قبيح ، فقال له : أنت خائن لا يصلح لك غير هذا الإسم ، قال : فجربني فأعطاه شقة لحم و قال : إحفظ لي هذه إلى غد و انا أغير إسمك ، فجاع و جعل ينظر إلى اللحم ، و يصبر ، فلما غلبته نفسه ؛ قال : و أي شيء بإسمي ؟! ، و ما كلب إلا إسم حَسَن ؛ فأكل ) !! ، و هكذا الخسيس الهمة ، القنوع بأقل المنازل ، المختار عاجل الهوى على آجل الفضائل ، فااللهَ اللهَ في حريق الهوى إذا ثار ، و انظر كيف تطفئه ، فرُبَّ زلة أوقعت في بئر بوار ، و رُبَّ أثر لم ينقلع ، و الفائت لا يُستدرك ـ على الحقيقة ـ ، فابعد عن أسباب الفتنة ؛ فإن المقاربة محنة لا يكاد صاحبها يسلم ، و السلام .
7 ـ طغيان الهوى ..
تأملت على الخلق و إذا هم في حالة عجيبة ، يكاد يُقطع معها بفساد العقل ؛ و ذلك أن الإنسان يَسمع المواعظ ، و تذكر له الآخرة ، فيعلم صدق القائل ، فيبكي و ينزعج على تفريطه ، و يعزم على الإستدلاك ، ثم يتراخى عمله بمقتضى ما عزم عليه ، فإذا قيل له : ( أتشك فيما وُعِدَّتَ به ) ؟ ، قال : ( لا و الله ) ، فيقال له : ( فاعمل ) ، فينوي ذلك ثم يتوقف عن العمل ، و ربما مال إلى لذة محرمة ـ و هو يعلم النهي عنها !! ـ ، ومن هذا الجنس تأخر الثلاثة الذين خُلِّفوا ، و لم يكن لهم عذر ، هم يعلمون قُبح التأخر ـ و كذلك كل عاص ـ ، فتأملت السبب ـ مع أن الإعتقاد صحيح ، و الفعل بطىء ـ ؛ فإذا له ثلاثة أسباب :
أحدها : رؤية الهوى العاجل ؛ فإن رؤيته تشغل عن الفكر فيما يجنيه .. و الثاني : التسويف بالتوبة ؛ فلو حضر العقل لحذر من آفات التأخير ، فربما هجم الموت و لم تحصل التوبة . و العجب ممن يُجَوِّزُ سلب روحه قبل مضي ساعة ، و لا يعمل على الحزم !! ، غير أن الهوى يطيل الأمد ، و قد قال صاحب الشرع ـ صلى الله عليه و سلم ـ : ( صلِّ صلاة مُودِعٍ ) ، و هذا نهاية الدواء لهذا الداء ؛ فإنه من ظن أنه لا يبقى إلى صلاة أخرى ؛ جَدَّ و إجتهد .. و الثالث : رجاء الرحمة ؛ فيرى العاصي يقول : ربي رحيم ، و ينسى أنه شديد العقاب ! ، و لو علم أن رحمته ليست رِقَّة ، إذ لو كانت كذلك لما ذبح عصفوراً ! ، و لا آلم طفلاً ! ، و عقابه غير مأمون ، فإنه شرع قطع اليد الشريفة بسرقة خمسة قراريط ! .
8 ـ حساب النفس ..
تفكرت في نفسي ـ يوماً ـ تفكر محقق ؛ فحاسبتها قبل أن تُحاسب ، و وزنتها قبل أن تُوزن ؛ فرأيت اللطف الرباني ! ؛ فمنذ الطفولة ـ و إلى الآن ـ أرى لطفاً بعد لطف ، و ستراً على قبيح ، و عفواً عما يوجب عقوبة ، و ما أرى لذلك شكراً إلا باللسان ، و لقد تفكرت في خطايا لو عوقبت ببعضها ؛ لهلكت سريعاً !! ، و لو كُشِفَ للناس بعضها ؛ لإستحييت ! ، و لا يعتقد معتقد ـ عند سماع هذا ـ أنها من كبائر الذنوب ، حتى يظن في ما يظن في الفساق ، بل هي ذنوب قبيحة في حق مثلي ، ووقَعَتْ بتأويلات فاسدة ، فصرت إذا دعوت أقول : ( اللهم بحمدك و سترك علي إغفر لي ) ، ثم طالبت نفسي بالشكر على ذلك ؛ فما وجدته كما ينبغي ، ثم أنا أتقاضى القدر مراداتي و لا أتقاضى نفسي بصبر على مكروه ، و لا بشكر على نعمة ......
9 ـ عواقب الخطايا ..
قد تبغت العقوبات ، و قد يُؤخرها الحلم ، و العاقل من إذا فعل خطيئة ؛ بادرها بالتوبة ، فكم مغرور بإمهال العصاة لم يُمْهَل ؟! ، و أسرع المعاصي عقوبة ؛ ما خلا عن لذة تنسي النهي ! ، فتكون تلك الخطيئة كالمعاندة و المبارزة ، فإن كانت توجب إعتراضاً على الخالق أو منازعة له في عظمته ؛ فتلك التي لا تتلافى ، خصوصاً إن وقعت من عارف بالله ؛ فإنه يندر إهماله !! ، قال عبد المجيد بن عبد العزيز : ( كان عندنا بخراسان رجل كتب مصحفاً في ثلاثة أيام فلقيه رجل فقال : في كم كتبت هذا ؟ ، فأومأ بالسبابة و الوسطى و الإبهام و قال : في ثلاث (( وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ )) ! ؛ فجفت أصابعه الثلاث ؛ فلم ينتفع بها فيما بعد ) !! ، وخطر لبعض الفصحاء أن يقدر أن يقول مثل القرآن ، فصعد إلى غرفة فانفرد فيها ، و قال أمهلوني ثلاثاً ، فصعدوا إليه بعد الثلاث و يده قد يبست على القلم و هو ميت ! ، قال عبد المجيد : ( و رأيت رجلاً كان يأتي امرأته حائضاً ؛ فحاض ، فلما كثر الأمر به ؛ تاب ؛ فانقطع عنه ) ، ويلحق هذا أن يعير الإنسان شخصاً بفعل ، و أعظمه أن يعيره بما ليس إليه ، فيقول يا أعمى ، و يا قبيح الخلقة ، و قال ابن سيرين : ( عيرت رجلاً بالفقر ، فحبست على دين ) !! ، و قد تتأخر العقوبة و تأتي في آخر العمر ! ، فيا طول التعثير ـ مع كِبَرِ السِّنِّ ـ لذنوب كانت في الشباب ، فالحذر الحذر من عواقب الخطايا ، و البدار البدار إلى محوها بالإنابة ؛ فلها تأثيرات قبيحة إن أسرعت ، و إلا اجتمعت و جاءت .
10 ـ غباء العصاة ..
إذا تكامل العقل ؛ قوي الذكاء و الفطنة ، و الذكي يتخلص إذا وقع في آفة كما قال الحسن : ( إذا كان اللِّص ظريفاً ؛ لم يُقطَع ، فأما المغفل ؛ فيجني على نفسه المحن ) ! ، هؤلاء أخوة يوسف ـ عليه السلام ـ أبعدوه عن أبيه ؛ ليتقدموا عنده ، و ما علموا أن حزنه عليه يشغله عنهم ! ، و تهمته إياهم تبغضهم إليه ! ، ثم رموه في الجُبِّ فقالوا : (( يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ )) ـ وليس بطفل إنما هو صبي كبير ـ وما علموا أنه إذا التُقِطَ ؛ يُحَدِّثُ بحاله ، فيبلغ الخبر إلى أبيه ! ، و هذا ( تغفيل ! ) ، ثم إنهم قالوا : (( أَكَلَهُ الذِّئْبُ )) ، و جاؤوا بقميصه صحيحاً !! ، و لو خرَّقوه ؛ إحتُمِل الأمر ، ثم لما مضوا إليه يمتارون قال : (( ائْتُوْنِيْ بِأَخٍ لَكُمْ )) ، فلو فَطِنوا ؛ علموا أن مَلك مصر لا غرض له في أخيهم ! ، ثم حبسه بحجة ، ثم قال : ( هذا الصواع يخبرني أنه كان كذا و كذا ) ، هذا ـ كله ! ـ و ما يفطنون !! ، فلما أحس بهذه الأشياء يعقوب ـ عليه السلام ـ ؛ قال : (( إِذْهَبُوْا فَتَحَسَّسُوْا مِنْ يُوْسُفَ )) ، وكان يوسف ـ عليه السلام ـ قد نُهِيَ ـ بالوحي ـ أن يُعْلِمَ أباه بوجوده ، و لهذا ؛ لما إلتقيا قال له : ( هلا كتبت إلي ) ؟ ، فقال : ( إن جبريل عليه السلام منعني ، فلما نُهِىَ أن يُعَرِّفَهُ خَبَرَهُ ـ ليُنْفِذَ البلاء ! ـ ؛ كان ما فعل بأخيه تنبيهاً ، فصار كأنه يُعَرِّضُ بِخِطبة المُعْتَدَّةِ !، و على فهم يوسف ـ والله ـ بكى يعقوب لا على مجرد صورته !! .
11 ـ في الشهوة الهلاك ..
من وقف على موجب الحِسِّ ؛ هلك ، و من تَبِعَ العقل ؛ سَلِمَ ؛ لأن مجرد الحس لا يرى إلا الحاضر ـ وهو : الدنيا ـ ، و أما العقل فإنه ينظر إلى المخلوقات ، فيعلم وجود خالق مَنَحَ و أباحَ ، و أطلق وحظر ، و أخبر : أني سائلكم و مبتليكم ليظهر دليل وجودي عندكم بترك ما تشتهون طاعة لي ، و إني قد بنيت لكم داراً غير هذه ، لإثابة من يطيع ، و عقوبة من يخالف ، ثم لو تُرِكَ الحس وما يشتهي مع أغراضه ؛ قَرُبَ الأمر ، إنما يزني ؛ فيُجلَد ، و يشرب الخمر ؛ فيُعاقَب ، و يسرق ؛ فيُقطَع ، و يفعل زلة ؛ فيُفضَح بين الخلق ، ويُعْرِضُ عن العلم إلى البطالة ؛ فيقع الندم عند حصول الجهل ، ثم إنا نرى الكثير ممن عمل بمقتضى عقله ؛ قد سَلِمَتْ دنياه و آخرته ، و مُيِّزَ ـ بين الخلق ـ بالتعظيم ، و كان عيشه في لذات ـ غالباً ـ خيراً من عيش موافق لهوى ، فليعتبر ذو الفهم بما قلت ، و ليعمل بمقتضى الدليل و قد سلم .
12 ـ ليس لك من الأمر شيء ..
من الجهل أن يخفى على الإنسان مراد التكليف ، فإنه موضوع على عكس الأغراض ! ، فينبغي للعاقل أن يأنس بانعكاس الأغراض ، فإن دعا وسأل بلوغ غرض تعبد الله بالدعاء ، فإن أُعْطِيَ مراده ؛ شكر ، و إن لم يَنل مراده ؛ فلا ينبغي أن يلح في الطلب ؛ لأن الدنيا ليست لبلوغ الأغراض ! ، و ليقل لنفسه : (( وعسى أن تكرهوا شيئاً و هو خير لكم )) ، من أعظم الجهل أن يمتعض في باطنه ؛ لإنعكاس أغراضه ! ، وربما إعترض في الباطن ، أو ربما قال : ( حصول غرضي لا يضر ، و دعائي لم يُستَجَب ) ، وهذا ـ كله ـ دليل على جهله وقلة إيمانه وتسليمه للحكمة ، و من الذي حصل له غرض ثم لم يُكَدَّر ؟! ، هذا آدم طاب عيشه في الجنة ، وأُخرج منها ، ونوح سأل في إبنه فَلَم يُعْطَ مراده ، و الخليل إبتُليَ بالنار ، و إسماعيل بالذبح ، ويعقوب بفقد الولد ، ويوسف بمجاهدة الهوى ، و أيوب بالبلاء ، و داود وسليمان بالفتنة ، وجميع الأنبياء على هذا ، و أما ما لقي نبينا محمد ـ صلى الله عليه و سلم ـ من الجوع و الأذى ، وكدر العيش ؛ فمعلوم ، فالدنيا وُضِعَت للبلاء ، فينبغي للعاقل أن يوطن نفسه على الصبر ، و أن يعلم أن ما حصل من المراد ؛ فلُطْفٌ ، و ما لم يحصل ؛ فعلى أصل الخلق و الجِبِلَّةِ للدنيا ، كما قيل :
طُبِعَتْ عَلى كَدَرٍ وَأنْتَ تُرِيـدَهَا ..... صَفْوَاً مِنَ الأقْـــذَاءِ وَالأكـدَارِ
وَمُكَلَّفُ الأيَّامِ ضِدَّ طِبَــــاعِهَا ..... مُتَطَلِّبٌ فِي المَـــاءِ جَذْوَةَ نَـــارِ
وها هنا تتبين قوة الإيمان و ضعفه ، فليستعمل المؤمن من أدوية هذا المرض التسليم للمالك ، و التحكيم لحكمته ، و ليقل : قد قيل لسيد الكل : ( ليس لك من الأمر شيء ) ، ثم ليُسَلِّ نفسه بأن المنع ليس عن بخلٍ ، و إنما هو لمصلحة لا يعلمها !! ، و ليؤجر الصابر عن أغراضه ، و ليعلم الله الذين سَلَّمُوا ورضُوا ، و إن زمن الإبتلاء يسير ، والأغراض مدخرةٌ تلقى بعد قليل ، و كأنه بالظلمة قد إنجلت ، و بفجر الأجر قد طلع ، و متى إرتقى فهمه إلى أن ما جرى مراد الحق سبحانه ؛ إقتضى إيمانه أن يريد ما يريد ، و يرضى بما يُقَدِّرُ ، إذ لو لم يكن كذلك ؛ كان خارجاً عن حقيقة العبودية في المعنى ، و هذا أصل ينبغي أن يُتأمل و يُعمل عليه في كل غرض إنعكس ! .
13 ـ من أسرار الدعاء ..
من العجب إلحالك في طلب أغراضك و كلما زاد تعويقها ؛ زاد إلحاحك ، و تنسى أنها قد تُمنع لأحد أمرين ، إما لمصلحتك ؛ فربما مُعَجَّلُ أذىً ، و أما لذنوبك ؛ فإن صاحب الذنوب بعيد من الإجابة ، فنظِّف طرق الإجابة من أوساخ المعاصي ، و انظر فيما تطلبه هل هو لإصلاح دينك ، أو لمجرد هواك ؟! ، فإن كان للهوى المجرد ؛ فاعلم أن من اللطف بك و الرحمة لك تعويقة ! ، وأنت في إلحاحك بمثابة الطفل يطلب ما يؤذيه ، فيُمنَع ؛ رفقاً به ! ، و إن كان لصلاح دينك ؛ فربما كانت المصلحة تأخيره ، أو كان صلاح الدين بعدمه ! ، و في الجملة ؛ تدبير الحق ـ عز وجل ـ لك خير من تدبيرك ، و قد يمنعك ما تهوى ؛ إبتلاء ليبلو صبرك ، فأرِهِ الصبر الجميل ؛ تَرَ عن قربٍ ما يَسُرُّ ، و متى نظَّفت طرق الإجابة من أدران الذنوب ، و صبرت على ما يقضيه لك ؛ فكلُّ ما يجري أصلح لك ـ عطاءً كان أو منعاً ـ ! .
14 ـ ميزان الرجولة ..
لا يغرك من الرجل طنطنته و ما تراه يفعل من صلاةٍ وصومٍ وصدقةٍ وعزلةٍ عن الخلق ! ، إنما الرجل هو الذي يراعي شيئين : ( حفظ الحدود ) ، و ( إخلاص العمل ) ، فكم قد رأينا متعبداً يحرق الحدود بالغيبة ، و فعل ما لا يجوز مما يوافق هواه ؟! ، وكم قد اعتبرنا على صاحب دين أنه يقصد بفعله غير الله ـ تعالى ـ ! ، وهذه الآفة تزيد و تنقص في الخلق ، فالرجل ـ كل الرجل ـ : هو الذي يراعي حدود الله ، و هي ما فُرض عليه و أُلزم به ، و الذي يُحسن القصد ، فيكون عمله و قوله خالصاً لله ـ تعالى ـ ، لا يريد به الخلق ولا تعظيمهم له ، فرب خاشعٌ ليقال ناسكٌ ! ، وصامتٌ ليقال خائفٌ ! ، وتاركٌ للدنيا ليقال زاهدٌ ! ، و علامة المخلص : ( أن يكون في جَلوتهِ كخَلوتهِ ) ، وربما تكلف بين الناس التبسم و الإنبساط ؛ لينمحي عنه إسم زاهد ! ، فقد كان إبن سيرين يضحك بالنهار ، فإذا جَنَّ الليل ؛ فكأنه قتل أهل القرية !! ، وإعلم أن المعمول معه لا يريد الشركاء ، فالمخلص مُفْرِدٌ له بالقصد ، و المرائي قد أشرك ؛ ليحصل له مدح الناس ، وذلك ينقلب ؛ لأن قلوبهم بيد من أشرك معه ، فهو يقلبها عليه لا إليه ، فالموفق من كانت معاملته باطنة ، وأعماله خالصة ، و ذاك الذي تحبه الناس و إن لم يبالهم ، كما يمقتون المرائي و إن زاد تعبده ، ثم إن الرجل ـ الموصوف بهذه الخصال ـ لا يتناهى عن كمال العلوم و لا يقصر عن طلب الفضائل ، فملأ الزمان أكثر ما يسعه من الخير ، و قلبه لا يفتر عن العمل القلبي إلى أن يصير شغله بالحق ـ سبحانه وتعالى ـ .
وقال ـ أيضا ـ في مكان آخر من كتابه :
.... بالله عليك ؛ أتدري من الرجل ؟! ، الرجل ـ والله ـ من إذا خلا بما يحب من ( المحرم ) ، و ( قدر عليه ، وتقلقل عطشاً إليه ) ؛ نظر إلى نظر الحق إليه ؛ فاستحيى من إجالة همه فيما يكرهه ؛ فذهب العطش !! ، كأنك لا تترك لنا إلا ( ما لا تشتهي ) ! ، أو ( مالا تصدق الشهوة فيه ) !! ، أو ( مالا تقدر عليه ) !!! ، كذا ـ والله ـ عادتك ، إذا تصدقت ؛ أعطيتك كسرة لا تَصلح لك ! ، أو في جماعة يمدحونك !! ، ...
جمعها ورتبها :
أبو عبد الرحمن الأثري العراقي

الحياة أمل
2013-03-26, 12:04 PM
[...
جميل ونآفع ~ مآ اصطدتم لنآ من الفوآئد
جعلكم الله مبآركين حيث كنتم
وكتب لكم جزيل الأجر
::/

الأثري العراقي
2013-03-26, 04:47 PM
اللهم آمين .. وشاكرٌ لكم أختنا

ياسر أبو أنس
2013-03-28, 12:58 AM
الأثري العراقي

إختياراتك رائعة بروعة شخصك الكريم

الكثير عندما يسمع بإسم أبن الجوزي يذهب بتصورهِ إلى

أبن القيم الجوزية رحمه الله

والصحيح إذا قيل ابن الجوزي

فيقصد به أبي عبد الرحمن أبن الجوزي البغدادي رحمه الله

كان شديداً بالتجريح وإذا وثق أحداً من الرواة

قبل توثيقه وإذا جرح أحداً لايعتد بتجريحهِ إذا إنفرد بذلك

رحمه الله وسائر علمائنا الأعلام

الأثري العراقي
2013-03-28, 05:22 AM
أشكرك أخي الحبيب
بلغك الله ما يرضاه لك من الخير .. اللهم آمين

بنت الحواء
2013-03-28, 11:34 AM
جزاكم الله خيرا
بارك الله فيكم
أثابكم الباري

الأثري العراقي
2013-03-28, 07:15 PM
وجزاكم الله بمثله

الأثري العراقي
2013-04-26, 05:52 PM
للفائدة ..