المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سالت دُموعُ الألباني رحمةً لِقْتلِ الشيخِ البغدادي


أحمدعباس الزبيدي
2016-10-18, 10:44 PM
:111:فَقدْ أكرَمني الله تعالى بزيارةِ شيخِنَا الفاضل الكريم، الشيخِ عصام موسى هادي حفظه الله و زاده علما ونفعنا به، في مسجدهِ المسمى التكروري في مدينةِ عمّان الأردنية، وذلك يوم الثلاثاء الموافق 13 شعبان 1433هـ - 3 تموز 2012م قُبيل صلاةِ المغربِ، برفقةِ بعضِ الإخوةِ من طلبةِ العلمِ، وفَّقَهُمُ الله تعالى، فَذكر لنا فوائدَ غزيرةً وثمينةً من علمه، ومن صُحبتهِ للإمامِ الألباني، وكان مما ذكرهُ وفَّقهُ الله تعالى تعليقاً للإمامِ الألباني، لفتَ نَظري وهيّج فِي فؤادي أحاسيس عظيمةً وأجرى مدامعي.

فيا نهرَ ثورا قدْ أثرتَ منَ الهوى**********دفيناً أجنَّتْهُ الجوانِحُ والصدرُ
فلو كانَ لي صبرٌ كففتُ مدمِعِي***********ولكنَّ منْ يشتاقُ ليسَ لهُ صبرُ


تجاه مَنْ ذُكرَ هذا التعليقُ فَي حقهِ فكانَ لا بد من إظهاره لإخوانهِ ومحبيه ومَنْ تأثروا بدعوتهِ وبعلمهِ وسَمْته وبصوتهِ النَّدي الذي لم تَسمعْ أُذني مثلَ عُذوبتهِ، ذلك هو الشيخ محمود بن سلمان البغدادي أَبو اليقظان رَحِمهُ الله وطيَّبَ ثَراهُ...

كان خطيباً بارعاً لمسجد من مساجدِ بغداد في منطقة الزعفرانية، كَتبَ اللهُ لهُ القبولَ والتوفيقَ، فانتشرت دعوتُهُ، وعلا صيتُهُ، وأَحبَّه كُلُّ سلفيّ في داخلِ بغدادَ وخارجِها، بل حتى كِبار السِّنِ، لمِاََ لهُ من جهودٍ حثيثةٍ في نشرِ السُنةِ، وحل النزاعاتِ والخلافاتِ بين صفوفِ أهلِ هذه الدعوةِ المباركة، فكان إذا دُعيَ لإلقاءِ محاضرةٍ في مسجدٍ، امتلأ بالمصلين، ولاتجدُ مكاناً فيه! حتى إنَّ أهلَ المسجدِ ليتعجبون كيف حضرتْ هذه الأعدادُ؟! ومَن أخبرهُم؟! وكيف اجتمعَ هذا العدد؟!وسطوة وجبروت النِّظام البعثي الذي تبنى محاربةَ الدعوة السلفية تمنعُ هذا، وتَعُدّه تحزباً وتنظيماً محظوراً، فلم هذه الجهودُ المباركةُ من الشيخِ لتُرْضِي هذا النظامَ الحاكمَ في حينها، فَمُنِعَ من الخَطابةِ وإلقاءِ الدروسِ والمحاضرات، وتَعَرَّضَ للاعتقالِ مراتٍ عديدةً، ثم انتهى الأمرُ بإعدامِه وإراقةِ دَمِهِ الزَّكي الطاهر، ليلتحقَ بكوكبة العلماءِ الذينَ قُتلوا، وذَنبهم وجُرمهم ((أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ)) وقَدْ أُعْدِمَ قَبْلهُ من المشايخِ وطُلَّابِ العلمِ الكثير، وطَالت قسمًا كبيرًا مِنْهم حَملاتُ اعتقالٍ وتَعذيبٍ طِيلة حُكمِ ذلك النِّظامِ، وكانَ مِمَّن أُعِدمَ مع الشيخِ محمود، الشيخُ تلعة كاظم الجنابي(أبو أنس) ولَعلِّي أذكُرهُ في مقالٍ آخرَ لمِاَ لَهُ مِنْ كبيرِ فضلٍ علىَّ بعد فضْل اللهِ وتَوفيقِه، فَقالَ الشيخُ عصام: لقدْ أحبْبتُ تلكَ الجلسة (أي التي جَمعتْ الشيخَ محمودا بشامةِ الشَّامِ ومحدثِ الزمان) وأَحَبّه الإمامُ الألبانيِ، ولما بلغَهُ نَبَأُ قَتلهِ بكىَ الإمامُ وكَتبَ فَي السلسلةِ الضعيفةِ هذا التَّعليق الذي الكثير من النَّاسِ لا يعلمونَ أنَّ سببَهُ هو نَبَأُ قَتلِ الشيخِ العِراقي، لأنَّه لم يَكنْ مَع الإمام الألباني وقتئذ إلا أَنا، كنتُ قريبا منهُ وأعملُ مَعهُ، وهو المقصودُ بهذا التَّعْليق، ونصُ الحَديث:((لَيأتينَّ على العلماءِ زمانٌ يُقتلونَ فيه كما يُقْتلُ اللصوصُ، فيا لَيْتَ العلماءَ يومئذٍ تَحامَقوا))((ج14القسم الأول/ص54/برقم6521)) وقَدْ حَكمَ عليهِ الإمامُ الألباني بالضعفِ ثُمَّ قال:((والحديثُ مع ضعفه، فقدْ تَحققَ- مَع الأسف-الشطرُ الأولُ منْهُ، فقدْ نَشرتَ بعضُ الجرائد أنَّ بَعضَ الطُّغاةِ في بعضِ البلادِ العربيةِ قَدْ قَتلتْ بعضَ العلماءِ وطلابِ العلمِ في هذهِ الأيامِ هذه السنة (1415هجري ) بعدَ أنْ سَجنوهم شهوراً وسنين بتهمةِ الانتسابِ للوهابيةِ؛ وهم يَعْلمون أَنَّه لا أصلَ لها في واقعِ العالمِ الإسلاميِ، وأنَّها لا حقيقةَ لها، حَتّى تَعفنت وماتت، ثم أحيتها السياسية الغاشمة مجددا لتفريق الأمة وخدمةً لليهود ومَنْ وَراءهم فنسألُ اللهَ أنْ يَكفِيَنا شَرَّهم جميعاً، إنَّه خَيرُ مسؤول)).

فقال الشيخ عصام: قال الإمامُ الألباني:((ما كانَ عندي هَوى في تَصحيحِ حديثٍ مثل هذا! لَكنّي لَم أجِد لهُ طريقًا أُصحِحُهُ))
فَلقدْ كان الإمامُ حريصاً كُلّ الحِرصِ على تَصحِيحه، لأجلِ مَا سِمعَ..
قلتُ: كانَ لقاؤهُ بالإمامِ بتاريخ 28/شعبان/1412 هجري _ أي قَبْلَ إعْدامهِ بثلاثةِ أعَوام، ولقاؤهُ مُسجّلٌ ضمنَ سلسلةِ الهُدْى والنور برقم (580) فقال الشيخُ البغداديِ فيه-بعدَ خُطبةِ الحاجةِ- أبياتاً من الشعرِ تُبين مَدى اِشتياقهِ وحَنينه وحبّهِ وشَغَفِهِ بهذا اللقاءِ الميمونِ المُباركِ (وهذا شعورُ كلِ مُحبٍ للسنة، ولإمام الحديثِ في هذا الزمان، فإحسانُ الألباني فاقَ إحسانَ الوالدين رحمهُ الله ) :
أما بَعد:
فإنّي خرَجْتُ منْ بَغْداد قاصداً بلادَ الشّامِ ولسان حَالي يقولُ كما قال الشاعرُ:
أَمُرُّ على الدِيارِ دِيارِ ليلىَ.........أُقبِّلُ ذَا الجدارَ وذَا الجداراَ
وما حُبُّ الديارِ شَغَفْنَ قَلبي...... ولَكنْ حُبُّ مَنْ سكنَ الدِّياراَ

فَيَمَّمْتُ وَجْهيَ شَطْرَ بَيتِ شيخِ الحديثِ فَي زماننا هذا، فَقَرَّت عيني بِرؤيتهِ وسعدَ قلبي بِمُجالَسته، فَجعلتُ أُرَددُ فَرحاً ....:
جَعلْتُكَ في السويداءِ مِنْ فؤادي...ومنْ حَدقي فَديتُكَ بالسويداءِ

وقمتُ بطرحِ أسئلةٍ على شيخِنَا الشيخِ مُحَمّد ناصر الدينِ الألباني باركَ اللهُ فَي عمرِهِ، وجعلَ الحَقَّ على لسانهِ، وقَلمه، وجَعلَ الجنَّةَ مثواه وموئله، وقَدْ أَجابَ أجوبةً كافيةً وردوداً شافيةً، زادهُ اللهُ قوةً وعافيةً، وأسالُ اللهَ العظيمَ وبنورِ وجههِ الكريم أَنْ يُديمَ عَلينا هذه النّعمةَ ويُبعدَ عنَّا النّقمةَ...وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولجميعِ المسلمينَ وصلى اللهُ وسلَّم وباركَ وأنعم على عَبْدهِ ورسولهِ مُحمَّدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ.... (مَحمود بن سلمان البغدادي)، ثُمَّ أَخَذ الشَّيخُ مَحمود بعرضِ أَسئلتِهِ، وفي هذا فوائدُ عديدةٌ،منْها ولعلها تكون مِنْ أَهَمها أَنَّ هذا الطريقَ،طريق الرسلِ والأنْبياء، وسنة الله جاريةٌ في أولياءئهِ ((لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ عُودِىَ))
فكل من دعا إلى ما جاء به الرسول فهو من أتباعِهِ، فلا بد أن يناَلهُ من الأذى من أتباعِ الشيطانِ بحسبِ حالهِ وحالهمِ والله المستعانُ.

ولهذا يقولُ الإمامُ ابنُ القيمِ رحمه الله في كتابهِ (مدارج السالكين) في منزلة الخُلُقِ، وههنا للعبد أحدَ عشرَ مشهداً فيما يصيبُهُ من أذى الخلقِ وجنايتِهم عليه، فقال:((المشهد العاشر:مشهدُ الأسوةِ وهو مَشهدٌ شَريفٌ لَطِيفٌ جداً، فإنّ العاقلَ اللبيبَ يرضى أنْ يكونَ لهُ أسوةٌ برسلِ اللهِ وأنبيائِهِ وأوليائهِ وخاصته من خلقهِ، فإنهم أشدُ الخلقِ امتحاناً بالنَّاسِ، وأذى الناسِ إليهم أسرعُ من السيلِ في الحدور، ويكفي تدَبُّرُ قصصِ الأنبياءِ عليهمُ السلام مع أممهم، وشأن نبينا وأذى أعدائِهِ له بما لم يؤذَه مَنْ قَبْلُه، وقد قال له ورقةُ بنُ نوفل: لَتُكَذَّبنَّ ولَتُخْرَجنَّ ولَتُؤْذيَنَّ.. وقال له:ما جاء أحدٌ بمثل ما جئت به إلا عودى. وهذا مستمر في ورثته كما كان في مورثهم صلى الله عليه وسلم، أفلا يرضى العبد أن يكون له أسوةٌ بخيارِ خلقِ الله وخواصِ عباده: الأمثلُ فالأمثلُ، ومَنْ أحب معرفة ذلك فليقفْ على مِحنَ العلماءِ وأذى الجهال لهم وقد صنف في ذلك ابن عبد البر كتابا سماه مِحن العلماءِ، وقال رحمه الله في المشهدِ الذي قبله:((المشهد التاسع:مشهدُ النعمةِ وذلك من وجوهٍ ، أحدها:أن يشهدَ نعمةَ الله عليه في أن جعلَهُ مظلوماً يترقبُ النصرَ، ولم يجعله ظالماً يَترقبُ المقت والأخذَ، فلو خُيِّرَ العاقلُ بين الحالتينِ- ولابد من إحداهما- لاختارَ أن يكون مظلومًا، ومنها:أن يشهدَ نعمةَ الله في التكفيرِ بذلك من خطاياه، فإنه ما أصاب المؤمنَ همٌ ولا غمٌ ولا أذى إلا كفَّرَ اللهُ به من خطاياه، فذلك في الحقيقةِ دواءٌ يُسْتَخْرَجُ به منه داءُ الخطايا والذنوبِ، ومن رضيَ أن يلقىَ اللهَ بأدوائِه كلِّها وأسقامِهِ، ولم يداوه في الدنيا بدواء يوجبُ له الشفاءَ فهو مغبونٌ سفيهٌ، فأذى الخلقِ لك كالدواءِ الكريهِ من الطبيبِ المشفقِ عليكَ، فلا تنظرْ إلى مرارةِ الدواءِ وكراهتِهِ، ومَنْ كان على يديهِ، وانظر إلى شفقةِ الطبيبِ الذي رَكَّبَهُ لك وبعثَهُ إليكَ على يَدَي مَنْ نَفعكَ بمضرتهِ،

ومنها: أن يشهدَ كون تلكَ البليةِ أهون وأسهل من غيرها، فإنه ما من محنةٍ إلا وفوقَها ما هو أقوى منها وأمرّ، فإن لم يكن فوقَها محنةٌ في البدنِ والمالِ فلينظر إلى سلامةِ دينهِ وإسلامهِ وتوحيدهِ، وأن كل مصيبة دون مصيبة الدين فهينة، وأنها في الحقيقةِ نعمةُ والمصيبةُ الحقيقيةُ مصيبةُ الدينِ،

ومنها:توفية أجرها وثوابها يومَ الفقرِ والفاقةِ وفي بعض الآثار:أنه يتمنى أناسٌ يومَ القيامةِ لو أن جلودَهم كانت تُقرض بالمقاريضِ، لمِاَ يرون من ثوابِ أهل البلاءِ، هذا.. وإنّ العبد ليشتدُ فرحُه يومَ القيامةِ بما له قبل الناسِ من الحقوقِ في المالِ والنفسِ والعرضِ، فالعاقلُ يعدُ هذا ذخرا ليوم الفقرِ والفاقةِ، ولا يُبْطلُه بالانتقامِ الذي لا يجدي عليه شيئاً)).

انتهى كلامه-رحمه الله-...
وفي هذه القصة أنَّ الخيرَ موجود في أرضِ العراق بالرغم مما يتعرض لَهُ هذا البلد بين الفينةِ والفينَةِ من إجهاضٍ لدعوةِ الحقِ واستنزافٍ لأصحابِها، لكنهم بإذن الله وتوفيقهِ سائرون على ما سار عليه الرسلُ عليهم السلام، وفيها أن حملةَ هذا المنهج السلفي لهم صلة وثيقةٌ بأئمةِ الدعوةِ وأنَّهم يتبعون خَطواتِ العلماءِ الربانيينَ أمثالِ الإمامِ الألباني والإمامِ ابن بازِ، والإمامِ العثيمين رحمهم الله تعالى، وفيها الرحمةُ العظيمةُ التي كان عليها الإمامُ الألباني لما بلغهُ نبأُ قتلِ الشيخِ البغدادي كيف امتزجتْ دموعُهُ بمدادِهِ، وسالَ قلمهُ بهذهِ الدُرَّر، وهذهِ الرحمة التي للأسف وُئِدَت -أو تكاد- اليومَ بين المنتسبينَ للعلمِ..
وفيها حرصُ الإمامِ الشديدُ لتتبعِ أخبارِ إخوانِهِ، وواقعِ دعوتِهِم وما يحيطُ بهم من أخطار، وحملُ هُمومهِم والتألم لواقعهِم المريرِ...
وفيها التكريمُ الذي نالهَ الشيخُ محمودُ البغداديُ باختصاصِهِ بدموعِ الألباني وبكلامهِ، والمرجو أن ينالَ الذي هو أكرم وأعظم من ذلك: عفوَ الكريمِ سبحانه، وأن يَحشرَهُ في قوافلِ من قدَّم نَفسهُ لرضى اللهَ سُبحانه ((وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى)).

فأسألُ الله العظيمَ ربَّ العرشِ العظيم أَن تكونَ هذهِ الكلماتُ خالصةً لَوجههِ الكريمِ، وأنْ أكونَ قد وفيتُ جزءاً يسيراً من الحقِّ الذي يُطَوِّقُ أعناقَنا تجاهَ مشايِخِنا وإخوانِنا الذين قضوا نحبَهَم وأفضوا إلى ربهم، وأن يرحَم الشيخَ محمودا وجميعَ إخوانِه ممن قُتِلَ وسُجِنَ وعُذِّب، وأن يجمعَنا بهم وكل من أحسنَ لنا، في دارِ كرامتهِ مع نبيِنا محمد، وصلى اللهُ وسلمَ وباركَ على عبدهِ ورسولهِ وعلى آلهِ وصحبهِ وسلم.

كتبه : أبو عمر الكرخي 29/ذي القعدة/1433هجري.

الحياة أمل
2016-10-20, 12:25 AM
جمعهم الله في مستقر رحمته ولآ حرمنآ من فضله
بآرك الرحمن فيكم أستآذ لهذآ الطرح المآتع ...~

حواري
2016-10-24, 11:17 PM
دمتم بخيروعافيه

أحمدعباس الزبيدي
2016-11-19, 07:53 PM
:111: بارك الرحمن فيكم

خالداء
2016-11-22, 10:14 PM
وفقكم الله لمايحب ويرضى

أنمار
2016-11-23, 04:40 AM
قال شيخ الاسلام رحمه الله تعالى
أهل السنة يموتون ويحيى ذكرهم وأهل البدعة يموتون ويموت ذكرهم ; لأن أهل السنة أحيوا ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فكان لهم نصيب من قوله : { ورفعنا لك ذكرك } وأهل البدعة شنئوا ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فكان لهم نصيب من قوله : { إن شانئك هو الأبتر }
رحم الله علمائنا عاشوا على السنة وعليها ارتحلوا نسآل الله جلا في علاه ان يجمعهم يوم القيامة مع من خدموا سنته صلى الله عليه وسلم