المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العلامة ابن القيم: مراتب العلم وأوجه حرمانه ستة


نجم الجبوري
2013-05-01, 10:13 PM
العلامة ابن القيم: مراتب العلم وأوجه حرمانه ستة...

قال العلامة ابن القيم في (مفتاح دار السعادة) :

(وللعلم ست مراتب

أولها: حسن السؤال.

الثانية: حسن الإنصات والاستماع.

الثالثة: حسن الفهم.

الرابعة: الحفظ.

الخامسة: التعليم.

السادسة: - وهي ثمرته - وهي العمل به ومراعاة حدوده.

فمن الناس من يحرمه لعدم حسن سؤاله ؛ إما لأنه لا يسأل بحال ، أو يسأل عن شيء وغيره أهم إليه منه ،

كمن يسأل عن فضوله التي لا يضر جهله بها ، ويدع ما لا غنى له عن معرفته ، وهذه حال كثير من الجهال المتعلمين.

ومن الناس من يُحرَمه لسوء إنصاته ، فيكون الكلام والمماراة آثر عنده وأحب إليه من الإنصات؛

وهذه آفة كامنة في أكثر النفوس الطالبة للعلم ، وهي تمنعهم علما كثيرا ولو كان حَسَن الفهم.

ذكر ابن عبد البر عن بعض السلف أنه قال:

من كان حسن الفهم رديء الاستماع لم يقم خيره بشره.

وذكر عبد الله بن أحمد في كتاب "العلل" له قال: كان عروة بن الزبير يحب مماراة ابن عباس ،

فكان يخزن علمه عنه ، وكان عبيد الله بن عبدالله بن عتبة يلطّف له في السؤال فيعزه بالعلم عزا.

وقال ابن جريج:

لم أستخرج العلم الذي استخرجت من عطاء إلا برفقي به!.

وقال بعض السلف:

إذا جالست العالم فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول.

وقد قال الله تعالى:

{إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد}.

فتأمل ما تحت هذه الألفاظ من كنوز العلم ، وكيف تفتح مراعاتها للعبد أبواب العلم والهدى ،

وكيف ينغلق باب العلم عنه من إهمالها وعدم مراعاتها ، فإنه سبحانه أمر عباده أن يتدبروا آياته المتلوة

المسموعة والمرئية المشهودة بما تكون تذكرة لمن كان له قلب ، فإن من عدم القلب الواعي عن الله لم ينتفع بكل آية تمر عليه

ولو مرت به كل آية.

ومرور الآيات عليه ، كطلوع الشمس والقمر والنجوم ومرورها على من لا بصر له ،

فإذا كان له قلب كان بمنزلة البصير إذا مرت به المرئيات فإنه يراها ، ولكن صاحب القلب لا ينتفع بقلبه إلا بأمرين:

أحدهما: أن يحضره ويشهده لما يلقى إليه ، فإذا كان غائبا عنه مسافرا في الأماني والشهوات والخيالات لا ينتفع به ،

فإذا أحضره و أشهده لم ينتفع إلا بأن يُلقي سمعه ويصغي بكليته إلى ما يوعظ به ويُرشد إليه.

وها هنا ثلاثة أمور:

أحدها: سلامة القلب وصحته وقبوله.

الثاني: إحضاره وجمعه ومنعه من الشرود والتفرق.

الثالث: إلقاء السمع وإصغاؤه ، والإقبال على الذكر.

فذكر الله تعالى الأمور الثلاثة في هذه الآية.

قال ابن عطية: القلب هنا عبارة عن العقل ، إذ هو محله ، والمعنى لمن كان له قلب واع ينتفع به.

قال: وقال الشبلي: قلب حاضر مع الله لا يغفل عنه طرفة عين.

وقوله:

{أو ألقى السمع وهو شهيد}

معناه: صَرَف سمعه إلى هذه الأنباء الواعظة ، وأثبته في سمعه ، فذلك إلقاء له عليها ، ومنه قوله:

{وألقيت عليك محبة مني}

أي: أثبتها عليك.

وقوله: {وهو شهيد}

قال بعض المتأولين: معناه: وهو شاهد مقبل على الأمر غير معرض عنه ، ولا مفكر في غير ما يسمع.

قال: وقال قتادة: هي إشارة إلى أهل الكتاب، فكأنه قال: إن هذه العبَرَ لتذكرة لمن له فهم فتدبر الأمر ،

أو لمن سمعها من أهل الكتاب فشهد بصحتها لعلمه بها من كتاب التوراة وسائر كتب بني إسرائيل.

قال: فـ{شهيد} على التأويل الأول من المشاهدة ، وعلى التأويل الثاني من الشهادة.

وقال الزجّاج: معنى {من كان له قلب}:

من صرف قلبه إلى التفهم، ألا ترى أن قوله:

{صم بكم عمي} أنهم لم يستمعوا استماع مستفهم مسترشد ، فجُعلوا بمنزلة من لم يسمع ،


كما قال الشاعر:

..................... أصم عما ساءه سميع

ومعنى {أو ألقى السمع} استمع ولم يشغل قلبه بغير ما يستمع ، والعرب تقول: ألقِ إلىّ سمعك ، أي: استمع مني،

{وهو شهيد} أي: قلبه فيما يسمع .

قال: وجاء في التفسير أنه يعني به أهل الكتاب الذين عندهم صفة النبي صلى الله عليه و سلم.

فالمعنى: أو ألقى السمع وهو شهيد ، أن صفة النبي صلى الله عليه و سلم في كتابه.

وهذا هو الذي حكاه ابن عطية عن قتادة وذكر أن شهيدا فيه بمعنى شاهد ، أي: مخبر.

وقال صاحب "الكشاف":

لمن كان له قلب واع؛ لأن من لا يعي قلبه فكأنه لا قلب له ، وإلقاء السمع والإصغاء ،{وهو شهيد}

أي: حاضر بفطنته ؛ لأن من لا يحضر ذهنه فكأنه غائب ؛ أو هو مؤمن شاهد على صحته وأنه وحي من الله ،

وهو بعض الشهداء في قوله: {لتكونوا شهداء على الناس} ،

وعن قتادة: وهو شاهد على صدقه من أهل الكتاب لوجود نعته عنده.

فلم يُختلف في أن المراد بالقلب القلب الواعي ، وأن المراد بإلقاء السمع إصغاؤه وإقباله على الذكر وتفريغ سمعه له.

واختُلِف في الشهيد على أربعة أقوال:

أحدها: أنه من المشاهدة ، وهي الحضور، وهذا أصح الأقوال ، ولا يليق بالآية غيره.

الثاني: أنه شهيد من الشهادة .

وفيه على هذا ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه شاهد على صحة ما معه من الإيمان.

الثاني: أنه شاهد من الشهداء على الناس يوم القيامة.

الثالث: أنه شهادة من الله عنده على صحة نبوة رسول الله صلى الله عليه و سلم بما علمه من الكتب المنزلة.

والصواب القول الأول ، فإن قوله: {وهو شهيد}

جملة حالية، والواو فيها واو الحال، أي: ألقى السمع في هذه الحال ، وهذا يقتضى

أن يكون حال إلقائه السمع شهيدا وهذا من المشاهدة والحضور.

ولو كان المراد به الشهادة في الآخرة أو الدنيا لما كان لتقييدها بإلقاء السمع معنى ،

إذ يصير الكلام: إن في ذلك لآية لمن كان له قلب أو ألقي السمع حال كونه شاهدا بما معه في التوراة ،

أو حال كونه شاهدا يوم القيامة! ولا ريب أن هذا ليس هو المراد بالآية.

وأيضا فالآية عامة في كل من له قلب وألقى السمع، فكيف يُدّعى تخصيصها بمؤمني أهل الكتاب

الذين عندهم شهادة من كتبهم على صفة النبي صلى الله عليه و سلم؟! وأيضا فالسورة مكية والخطاب فيها

لا يجوز أن يختص بأهل الكتاب ، ولا سيما مثل هذا الخطاب الذي علق فيه حصول مضمون الآية ومقصودها بالقلب الواعي

وإلقاء السمع، فكيف يقال: هي في أهل الكتاب؟!

فإن قيل: المختص بهم قوله: {وهو شهيد}! فهذا أفسد وأفسد، لأن قوله: {وهو شهيد}

يرجع الضمير فيه إلى جملة من تقدم وهو: من له قلب أو ألقى السمع ،

فكيف يُدّعى عوده إلى شيء غايته أن يكون بعض المذكور أولا، ولا دلالة في اللفظ عليه ،

وأيضا فإن المشهود به محذوف ، ولا دلالة في اللفظ عليه ، فلو كان المراد به: وهو شاهد بكذا،

لذكر المشهود به ، إذ ليس في اللفظ ما يدل عليه ، وهذا بخلاف ما إذا جعل من الشهود - وهو الحضور -

فإنه لا يقتضى مفعولا مشهودا به ، فيتم الكلام بذكره وحده.

وأيضا ، فإن الآية تضمنت تقسيما وترديدا بين قسمين، أحدهما: من كان له قلب ، والثاني: من ألقى السمع وحضر بقلبه ولم يغب ،

فهو حاضر القلب شاهده لا غائبه ؛ وهذا -والله أعلم- سر الإتيان بأو دون الواو ،

لأن المنتفع بالآيات من الناس نوعان:

أحدهما: ذو القلب الواعي الزكي الذي يُكتفى بهدايته بأدنى تنبيه ، ولا يحتاج إلى أن يستجلب قلبه ويحضره

ويجمعه من مواضع شتاته ، بل قلبه واع زكي قابل للهدى غير معرض عنه ، فهذا لا يحتاج إلا إلى وصول الهدى إليه فقط ،

لكمال استعداه وصحة فطرته ، فإذا جاءه الهدى سارع قلبه إلى قبوله كأنه كان مكتوبا فيه ،

فهو قد أدركه مجملا ثم جاء الهدى بتفصيل ما شهد قلبه بصحته مجملا .

وهذه حال أكمل الخلق استجابة لدعوة الرسل ،كما هي حال الصديق الأكبر - رضي الله عنه - .

والنوع الثاني: من ليس له هذا الاستعداد والقبول ، فإذا ورد عليه الهدى أصغى إليه بسمعه وأحضر قلبه

وجمع فكرته عليه وعلم صحته وحسنه بنظره واستدلاله ، وهذه طريقة أكثر المستجيبين ،

ولهم نُوِّعَ ضرب الأمثال وإقامة الحجج وذكر المعارضات والأجوبة عنها ؛ والأولون هم الذين يدعون بالحكمة ،

وهؤلاء يدعون بالموعظة الحسنة ، فهؤلاء نوعا المستجيبين.

وأما المعارضون المدعون للحق فنوعان:

نوع يدعون بالمجادلة بالتي هي أحسن ، فإن استجابوا وإلا فالمجالدة ؛ فهؤلاء لابد لهم من جدال أو جلاد.

ومن تأمل دعوة القرآن وجدها شاملة لهؤلاء الأقسام ، متناولة لها كلها ،

كما قال تعالى:

{ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن}.

فهؤلاء المدعوون بالكلام.

وأما أهل الِجلاد فهم الذين أمر الله بقتالهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.

وأما من فسر الآية بأن المراد بمن كان له قلب هو: المستغنى بفطرته عن علم المنطق!

وهو المؤيد بقوة قدسية ينال بها الحد الأوسط بسرعة ، فهو لكمال فطرته مستغن عن مراعاة أوضاع المنطق!

والمراد بمن {ألقى السمع وهو شهيد}

من ليست له هذه القوة ، فهو محتاج إلى تعلم المنطق ليوجب له مراعاته! ، وإصغاؤه إليه أن لا يزيغ في فكره!.

وفسر قوله: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة}

أنها القياس البرهاني! و{الموعظة الحسنة} القياس الخطابي!

و{جادلهم بالتي هي أحسن} القياس الجدلي!.

فهذا ليس من تفاسير الصحابة ولا التابعين ولا أحد من أئمة التفسير ، بل ولا من تفاسير المسلمين ،

وهو تحريف لكلام الله تعالى ، وحمل له على اصطلاح المنطقية المبخوسة الحظ من العقل والإيمان ؛

وهذا من جنس تفاسير القرامطة والباطنية وغلاة الإسماعيلية لما يفسرونه من القرآن وينزلونه على مذاهبهم الباطلة.

والقرآن بريء من ذلك كله ، منزه عن هذه الأباطيل والهِذْيانات .

وقد ذكرنا بطلان ما فسر به المنطقيون هذه الآية التي نحن فيها والآية الأخرى في موضع آخر من وجوه متعددة ،

وبينا بطلانه عقلا وشرعا ولغة وعرفا ، وأنه يتعالى كلام الله عن حمله على ذلك وبالله التوفيق.

والمقصود بيان حرمان العلم من هذه الوجوه الستة:

أحدها: ترك السؤال.

الثاني: سوء الإنصات وعدم إلقاء السمع.

الثالث: سوء الفهم.

الرابع: عدم الحفظ.

الخامس: عدم نشره وتعليمه ؛ فإن من خزن علمه ولم ينشره ولم يعلمه ابتلاه الله بنسيانه

وذهابه منه جزاءً من جنس عمله، وهذا أمر يشهد به الحس والوجود.

السادس: عدم العمل به ، فإن العمل به يوجب تذكره وتدبره ومراعاته والنظر فيه ، فإذا أهمل العمل به نسيه.

قال بعض السلف: كنا نستعين على حفظ العلم بالعمل به ؛ وقال بعض السلف أيضا:

العلم يهتف بالعمل فإن أجابه حل وإلا ارتحل.

فالعمل به من أعظم أسباب حفظه وثباته ، وترك العمل به إضاعة له ، فما استدر العلم ولا استجلب بمثل العمل ،

قال الله تعالى:

{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به }.

وأما قوله تعالى:

{واتقوا الله ويعلمكم الله}

فليس من هذا الباب ، بل هما جملتان مستقلتان طلبية وهي: الأمر بالتقوى ، وخبرية وهي:

قوله تعالى : {ويعلمكم الله}

أي: والله يعلمكم ما تتقون ، وليست جوابا للأمر بالتقوى ، ولو أريد بها الجزاء لأتى بها مجزومة مجردة عن الواو ،

فكان يقول: واتقوا الله يعلمْكم ، أو إن تتقوه يعلمْكم ، كما قال:

{إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا}

فتدبره" اهـ .

منقول
ـــــــــــــــــ
~(n)~ ~( نجم الجبوري )~

ابو الزبير الموصلي
2013-05-01, 10:19 PM
حياك الله اخي نجم بس لو تكبر الخط لان عيوننا راحت وما قدرنا نخلص القراءة

ياسر أبو أنس
2013-05-01, 11:04 PM
الأخ الفاضل نجم الجبوري وفقك الله وبارك فيك

نقل مميز وفيه فوائد عظيمة إستفدتُ منها كثيراً

أسأل الله تعالى أن يكتب لكَ بها أجراً

شكراً لك

وأقول لأخي أبو الزبير وفقهُ الله

كبرتُ الخط وقرأتُ المقال كلهُ تعال كمل قرآءته

حياكم الله

الحياة أمل
2013-05-03, 03:43 AM
[...
بآرك الرحمن فيكم
وجزآكم خيرآ
::/