المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الدورة العلمية في شرح (الورقات)الاصولية..للشيخ فتحي الموصلي


ابو الزبير الموصلي
2013-05-10, 06:28 PM
-الدرس الأول-




بسم الله الرحمن الرحيم




المقدمة :
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلآ وأنتم مسلمون}.
{يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا}.
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} .
أما بعد ...

فإن علم أصول الفقه من العلوم المهمة التي يحتاجها كل باحث , وهذا العلم هو الطريق لاستنباط الأحكام من أدلتها .
وغاية هذا العلم : أن يستنبط طالب العلم الحكم من دليله , إذ وجود الدليل جاء لغاية وهي استنباط الحكم ؛ لأن الله تعالى قد تعبدنا بهذه الأحكام .
ولهذا اعتنى العلماء بهذا العلم , بل من العلماء من جعل دراسة أصول الفقه : أول ما يجب الاعتناء به بل يقدم على دراسة الفقه ؛ لأن من حرم الأصول حرم الوصول .

لهذا ارتأينا دراسة متن في هذا العلم , والمتتبع للمصنفات في هذا العلم يجد أنها كثيرة , وتحتاج إلى دروس كثيرة , فانتقينا منها متناً صغيراً في حجمه , موجزا في عباراته , بليغاً في معانيه وهو (متن الورقات) لـ(-إمام الحرمين- أبي المعالي عبد الملك الجويني الشافعي ؛ المتوفى عام 478هـ ؛ عن 59 سنة) ؛ قاصدين إلى فك عباراته , وتأصيل مسائله , وبيان الراجح منها، والتفريع عليها , مع التذكير بمنهج المحققين من علماء السلف في بعض المسائل الأصولية .

والدارسون لهذا المتن على صنفين :
الأول : دارسون لمادة الأصول ؛ فتكون هذه الدروس بمثابة المراجعة والمذاكرة لهم .
الثاني : مبتدئون لم يسبق لهم دراسة الأصول ؛ فتكون هذه المادة بمثابة التأسيس لهم .

وبعد هذه المقدمة الموجزة , نبتدئ بشرح (متن الورقات) ؛ فنقول وبالله التوفيق :
قال المصنف : (هذه ورقات تشتمل على معرفة فصول من أصول الفقه , وذلك مؤلف من جزأين مفردَين ؛ فالأصل: ما بني عليه غيرُه , والفرعُ ما يبنى على غيره , والفقه: معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد) .

قوله : (هذه ورقات تشتمل على معرفة فصول من أصول الفقه) .
الشرح :
قوله : (هذه ورقات) .
ابتدأ المصنف كتابه بالإشارة إلى أنه (متن مختصر) ؛ فقال (هذه ورقات) , وهذا من جموع القلة ؛ فجعل هذا بمثابة الشرط له ؛ ليكون (مصنَّفَهُ) سهل التناول على الطالب ؛ فهو (ورقات) قليلة , لكنه حوى (معان كثيرة) من جوامع مسائل هذا العلم , وصنفها بعبارات دقيقة شاملة , وهذا من بركة العلم , وهذه الطريقة من التصنيف توافق طريقة السلف من جهتين:
الأولى : في إظهار التواضع؛ حيث كان السَّلف يخبرون عن أنفسهم ونتاجهم وأعمالهم بالقلة والاقتصاد .
والثانية : موافقتها لطريقة السلف في الإختصار ؛ فهي مختصرة في العبارة لكنها شاملة جامعة للكثير من المعاني ؛ ولهذا قال : (هذه ورقات تشتمل على معرفة فصول من أصول الفقه) .

قوله : (فصول) .
الفصل : هو الجزء الذي يقتطع من الباب , وهو بعض المسائل المترابطة فيما بينها من حيث المعنى .
وجرت طريقة العلماء في تصانيفهم أنهم يبتدئون بـ :
الكتاب : وهو مجموعة من الفصول والمسائل التي بينها اشتراك في الموضوع .
ثم الانتقال من (الكتاب) إلى (الباب) وهو مجموعة فصول ومسائل .
ثم الانتقال من (الباب) إلى (الفصل) , والفصل للإشارة إلى الفصل بين ما سبق من مسائل وما سيلحق .
ثم الانتقال من (الفصل) إلى (المسألة) .
ثم بعد المسألة يأتي (المثال) و(الصورة) .
والمصنف اختار (فصولاً من أصول الفقه) : وهي مجموعة مسائل مترابطة فيما بينها , إذا الجملة الواحدة من هذا المتن ربما تشتمل على أكثر من مسألة .

قوله: (وذلك مؤلف من جزأين مفردَين) .
الشرح :
قوله: (وذلك) , أي : تعريف ذلك العلم وهو (أصول الفقه) .
وقد جرى المصنف –رحمه الله- على طريقة أهل العلم في التعاريف والحدود ؛ والذين كانت طريقتهم في التعريف أن المصطلح إذا كان مركباً من (أكثر من لفظ) ؛ فيعرفوه تعريفين :
الأول : باعتبار مفرداته وأجزائه كل منها على حدة ؛ فتعرف باعتبار معناها اللغوي , ثم معناها الاصطلاحي , وهذا التعريف يسمى بـ(التعريف الإضافي المركب) ؛ لأن الجملة المركبة إنما تفهم تارة بالنظر إلى أفرادها , وتارة بالنظر إلى مجموع أفرادها .

والثاني : باعتباره لقباً دالا ًعلى العلم؛ فيعرف على اعتبار أنه لفظ واحد عام مجمل لهذا العلم .
وبهذين الاعتبارين يعرف علم (أصول الفقه) .
والمصنف قدم تعريف هذا العلم بالاعتبار الأول (باعتبار مفردَيه وجزئيه) , وأخر ذكر تعريفه باعتباره لقباً على العلم؛ لأنه أراد أن يذكره في باب أصناف العلم , وسيأتي الكلام عليه في موضعه.
فبدأ –رحمه الله- بـالتعريف الإضافي المركب من مفردتي (أصول) و (فقه) ؛ فقال :

قوله : (فالأصل: ما بني عليه غيرُه) .
الشرح :
الأصل يستعمل بمعنى الأساس، ويأتي - في موضوعنا- بمعنيين :
الأول : يستعمل بمعنى الشيء الذي يبنى عليه غيره ؛ كأساس البيت الذي يبنى عليه الحائط.
والثاني: يستعمل بمعنى آخر: وهو ما يتفرع عنه الشيء.
فالأصل : صالح لأن يبنى عليه غيره ، وصالح لأن تكون له فروع منه ؛ كما في قوله تعالى: [أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ] , فلما كانت جميع شرائع الإيمان مجموعة في (لا إله إلا الله) كانت هي الأصل لغيرها , وغيرها متفرع عنها . وبهذا الاعتبار فلا حرج من استعمال (الأصل) و(الفرع) في الشريعة , فتكون كلمة الأصول بالنظر إلى كونها أساساً لغيرها , وهذا الغير يكون فرعا ً؛ وإن تفرع عنه غيره صار أصلا له , وهكذا فالشيء الواحد قد يكون أصلاً باعتبار أنه يبنى عليه غيره , وقد يكون فرعاً باعتبار أنه يتفرع عنه غيره ، وهذا الأخير قد يكون أصلاً لشيء آخر؛ فتأمل.

وأما التفريق بين (الأصول) و(الفروع) على غير هذا المعنى بحيث تلقى العداوة والتفريق بين (الأصول) و(الفروع) ؛ بأن كل منهما مستقل عن الآخر , أو أن تشترط شروطا زائدة على الشرط الأصلي المتقدم فهو تفريق فاسد ؛ كمن زعم بعض المتكلمين أن الأصول لا تثبت إلا بالأدلة القطعية , وأما الفروع فتثبت بالأدلة الظنية ؛ فهذا تفريق بدعي ليس له أصل , ومعارض لما ثبت في نصوص الكتاب والسنة وآثار السلف , ولهذا عرّف المصنف (الأصل) بما تقدم.

و(الأصل) إذا أطلق في باب أصول الفقه فيراد به (الدليل) ؛ فقولهم (أصول الفقه) أي : أدلة الفقه .
وهذا المعنى للأصول في هذا الموضع يفيد تعظيم الأدلة الشرعية ؛ لأنها أصول للأحكام الشرعية، والأحكام فروع عليها ؛ إذ لا اعتبار بالأحكام ما لم تستند إلى دليلٍ سواء كان نقليّاً أو استنباطيّاً .

وأحيانا يستعمل (الأصل) بمعنى (الراجح) ؛ فإذا ترجح أمر على آخر ؛ فالراجح يسمى (أصلاً)؛ لأن الترجيح لا يكون إلا بعلم مستفاد من النظر في الأدلة الشرعية , لهذا كان الراجح (دليلاً)؛ أي : صار راجحاً بالدليل .
وللأصل استعمالات أخرى , لكن الذي يعنينا في هذا الباب هو الأول , وهو أن الأصل معناه في باب أصول الفقه : الدليل .
ثم عرّف المصنفُ الفرع بقوله :

قوله : (والفرع ما يبنى على غيره).
الشرح :
يستند الفرع إلى الأصل إما في الوجود كما يستند الابن في وجوده إلى أبيه , وإما في الحكم كما في إعطاء الوسائل حكم المقاصد ؛ فيعطى الفرع حكم الأصل, إذ الوسائل لا تقصد لذاتها وإنما تأخذ الوسائل حكم المقاصد ؛ فالمقاصد هي الأصل , والوسائل هي الفروع .

قوله : (والفقه: معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد).
الشرح :
بعد أن عرف المصنف (الأصول) انتقل إلى تعريف (الفقه) وهو المقصود من هذا العلم , فالناظر في (أصول الفقه) إنما ينظر فيه لأجل الفقه ؛ فهو وسيلة لمقصد (الفقه) كما في الحديث الصحيح [من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين] ؛ فجعل الفقه في الدين هو الغاية , وهذا يفيدنا: أن طالب العلم لا ينبغي أن ينظر في الفقه من غير نظر في (أصول الفقه)، والدارس للأصول لا ينبغي أن يقف عند هذا العلم؛ وإلا كان مثله كمن حاز وسيلةً فعطّل منفعتها ولم يوظفها في الوصول إلى مقصوده منها ؛ فطلب معرفة الأصول طلبُ وسائل، وطلب معرفة الفقه طلب مقاصد.
فـ(علم أصول الفقه) من علوم الوسائل والآلات لا من علوم المقاصد والغايات ؛ لأنه علم يبحث في العلم بالأدلة الإجمالية للفقه التي يستعان بها على فقه الأحكام الجزئية والتي تسمى بمجموعها فقها ؛ لهذا يُعرف علم أصول الفقه: بأنه القواعد العامة التي يمكن التوصل بها إلى استنباط الأحكام العملية من أدلتها التفصيلية.

وأما تعريف الفقه فهو –كما قال المؤلف- : (معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد) .
فالفقه : هو (معرفة) , والمعرفة : هي العلم بالشيء مفصلا .
وقيل في المعرفة : هي إدراك الشيء إما على جهة اليقين أو على جهة الظن .
فإدراك الأشياء لا يكون دائماً على جهة اليقين ؛ بل يكون تارة على جهة اليقين , وتارة أخرى وعلى جهة الظن, وقد يكون الإدراك على جهة الشك والوهم ؛ لكن الشك والوهم لا يكونان معرفة , وهما قد خرجا –حقيقة- عن معنى العلم .
فالمعرفة : إدراك الشيء والعلم به إما على سبيل اليقين أو الظن –الراجح- .
والنظر المعتبر في الفقه هو ما كان على جهة اليقين أو جهة غلبة الظن , وأما النظر المفيد للشك أو الوهم فهو غير معتبر , فالعلم بمسائل الفقه يكون تارة على جهة القطع واليقين وتارة على جهة غلبة الظن , وهذا التأصيل يتفرع عنه مسألة وهي :
هل الفقه من باب الظنون أم من قبيل العلوم ؟
وكثير من الأصوليين قالوا : أن غالب مسائل الفقه من قبيل الظنون؛ لأن طريق معرفة الفقه هو الاجتهاد , والأصل في الاجتهاد إفادته للظن ؛ ففتحوا باب التقليل من شأن هذا العلم.
وأما المحققون من أهل العلم فقالوا : أن الفقه هو من باب العلوم لا من باب الظنون ؛ وقالوا : لو أن قاضياً قضى بين متخاصمين وحكم لأحدهما ؛ فحكمه كان من باب العلم والفقه؛ لأنه استند في حكمه على أمور ثبتت بطريق العلم والشرع إما نصاً أو استنباطاً , لكن إدراكه للحق وإصابته في نفس الأمر هو من قبيل الظن ؛ فالعلم هو الأصل , والظن جاء في الطريق، ولهذا يخرج من (الكلام في الفقه) :
- المقلد : لأنه لا يتكلم بعلم .
- المتكلم : لأن أحكامه عقلية وليست شرعية .
- الحاكمون بالعادات والأعراف ؛ لأن الفقه مختص بالحكم الشرعي لا بالحكم العادي أو العرفي.
وأما الباحث في الفقه فإنه يبحث في دليل شرعي ليستنبط منه حكماً شرعياً لا عقلياً وعاديّاً وهذا الاستنباط لا يتصور أن يكون إلا بالاستناد على أصل علمي أو دليل شرعي , وأقل ذلك أنه يرجح بين قولين ؛ وهذا الترجيح لا يكون إلا بعلم ؛ فصارت جميع مسائل الفقه داخلة في باب العلم لا في باب الظن , وعلى الحقيقة فالمشتغلون في الفقه مشتغلون بالعلم ؛ وتنالهم فضيلة التعلم ونشر العلم , ولهذا كان المجتهد المخطئ منهم له أجر واحد؛ لأنه بذل جهده واستفرغ وسعه في الاشتغال بالعلم لمعرفة الحكم ؛ فعمله كان في العلم وللعلم , وكل مشتغل بالعلم مأجور .

وقول المصنف : (معرفة الأحكام الشرعية) .
خرج به : (الأحكام العقلية , والأحكام العادية). وقد تقدم الكلام فيه.
وقوله : (التي طريقها الاجتهاد) أي : التي تعرف بطريق النظر والبحث والاجتهاد ؛ فخرج بذلك المسائل العلمية الخبرية الاعتقادية القطعية كالإيمان بالله واليوم الآخر وملائكته ورسله واليوم الآخر والقدر , ووجوب الصلاة والزكاة والحج , وغيرها من المسائل القطعية اليقينية التي يتلقاها الخلف عن السلف تسليماً ؛ فمعرفة مثل هذه المسائل لا تصيّر العارف بها فقيها على المعنى الخاص للفقه .
وأما المسائل التي تعرف بطريق البحث والنظر والاستدلال والاجتهاد والترجيح فهي المسائل التي تدخل في باب الفقه –بمعناه الخاص- .
والمسألة الواحدة قد تكون من قبيل الفقه باعتبار , وليست منه باعتبار آخر , ومثال ذلك : الكلام في بالصلاة ؛ فهي من جهة معرفة وجوبها لا تدخل في باب الفقه لأن هذه المعرفة مقطوع بها مجمع عليها بين الأمة ؛ وأما معرفة شروط الصلاة وأركانها وواجباتها ومستحباتها ومبطلاتها فهي داخلة في باب الفقه؛ لأن طريق معرفة هذه الأمور هو النظر والاستدلال والاجتهاد .
وهاهنا تذكير بقضية مهمة وهي:
أن الكلام في أصول الفقه وتقسيماته ومسائله كان معروفاً من زمن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين؛ فقد وضعوا أصولاً للاستنباط وقواعد للاستدلال وضوبط للاجتهاد وجرّدوا البحث فيه عن الكلام والحشو والرأي الفاسد؛ بل قد حرروا عبارات هذا الفن ورتبوا مسائله وحققوا أدلته واختصروا مباحثه وأجابوا على الاعتراضات بأجوبة علمية دقيقة شافية.
ولنضرب مثلاً على هذا التقرير:
فقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه : أن رجلاً من الأنصار كان بالشام يكنى بأبي محمد – وكانت له صحبة- كان يقول: الوتر واجب؛ فذكر المخدجي أنه راح إلى عبادة بن الصامت فذكر له ما يقول أبو محمد؛ فقال عبادة رضي الله عنه: كذب أبو محمد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" خمس صلوات افترضهن الله على العباد من جاء بهن لم يُضيّع من حقهنّ شيئاً جاء وله عند الله عهد أن يدخله الله الجنة" .
ولو تأملنا هذا الأثر ووقفنا على طريقة الصحابي في الإستدلال والاستنباط ودفع المخالف لانتهينا إلى الفوائد الأصولية التالية:
الفائدة الأولى: التحقق من صحة الحكم بالاستفسار وسؤال الأعلم.
الفائدة الثانية: كان معروفاً بين الصحابة التفريق بين الواجب والمستحب.
الفائدة الثالثة: تخطئة المخالف ولو كان مجتهداً بالعبارة الدالة على ذلك وبما يتناسب مع الحال.
الفائدة الرابعة: الاستدلال بمفهوم المخالفة ( مفهوم العدد) ؛ فقد فهم عبادة أن الوتر ليس بواجب ؛ لأنه ليس داخلاً في تلك الخمس.
الفائدة الخامسة: رد الرأي بالحديث؛ أو رد المستنبط بالمنصوص.
الفائدة السادسة: استعمال الفرض بمعنى الواجب .
الفائدة السابعة: الحديث ذكر لفظ العباد ولم يستعمل لفظ ( المكلفين) ؛ والأول أكمل مبنىً ومعنىً.
الفائدة الثامنة: قول عبادة رضي الله عنه ( كذب أبو محمد) ؛ أي :أخطأ ؛ إذا كان في عرف الصحابة استعمال الكذب بمعنى الخطأ ؛ وهذا من باب تقديم الحقيقة العرفية على الحقيقة اللغوية، والفقيه هو الذي يستعمل الألفاظ بحسب حقائقها وموضعها.
الفائدة التاسعة: جواز الاجتهاد في الأحكام الشرعية وأن عدم الإصابة فيه من باب الخطأ في الشريعة لا من باب الكذب عليها.
الفائدة العاشرة: جواز الكلام في الأحكام الشرعية بالظن الراجح ولا يشترط استصحاب اليقين فيه على الدوام.
فهذه الفوائد العلمية والمسائل الأصولية التي استنبطت من هذا الأثر تدل دلالة قطعية على عمق علم الصحابة في هذا الفن.



يتبع في الدرس القادم -إن شاء الله-.......

ابو الزبير الموصلي
2013-05-24, 08:13 PM
أجوبة الدرس الأول

السؤال الأول:
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة [/font
أبو العباس;256623]جزى الله شيخنا خير الجزاء , ولدي سؤال :

السؤال : ما هو الراجح في مسألة تقديم دراسة أصول الفقه على الفقه ؟


الجواب: من العلماء من قال بتقديم دراسة الأصول على الفقه وآخرون قالوا بقديم الفقه على الأصول؛ ولعل الصواب في التفصيل وليس بمطلق التقديم ، وحاصله: إن التقديم والتأخير في أخذ الفنون راجع إلى ثلاث قواعد:
الأولى: بالنظر إلى مجمل الفن ومفصله؛ فيقدم مجمل كل علم على مفصل العلم الآخر؛ فيقدم مجمل دراسة علم الأصول على مفصل دراسة الفقه، والعكس.
الثانية: بالنظر إلى حاجة المكلف إلى العلم؛ فيقدم في كل فن ما يحتاج إليه المكلف...
القاعدة الثالثة: بالنظر إلى وصف الفن كونه يطلب طلب وسيلة أو يطلب طلب غاية؛ فالأصل الغالب أن يطلب من الفنون ما كان وسيلة إلى غيرها إلا لعارض من رجحان مصلحة أو ظهور حاجة.

السؤال الثاني:
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة [/font
عمارالفهداوي;256648]شيخنا الحبيب , هل صحيح أن الإمام الشافعي - رحمه الله - هو أول من أصّل لهذا العلم الشريف أم هناك من سبقه في ذلك؟؟


الجواب: الإمام الشافعي رحمه الله هو أول من صنف مصنفاً جرّد فيه علم الأصول الفقه وليس أول من تكلم في مسائل الأصول؛ فالأولية عند هذا الإمام في التصنيف والتجريد؛ ومعنى ذلك: أنه رحمه الله صنف كتاباً خاصاً في أصول الفقه وهو كتاب ( الرسالة) جعله كتاباً خاصا في هذا العلم وحصره على مباحث الأصول وما له صلة بالأصول وجرّده عن طريقة المتكلمين وحواشي المتأخرين.

السؤال الثالث:
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة [/font
ابو العبدين البصري;256968]أحسن الله إليكم شيخنا ونفع بكم .

بالنسبة لمسألة كون أصول الفقه وسيلة والفقه غاية.

ذكرتم حفظكم الله في شرح الأصول من علم الأصول : أن من الخطأ تسمية أصول الفقه من علوم لآله لأنها ادلة الاحكام ؟
فنرجوا التوضيح شيخنا جزاكم الله خيرا.




الجواب: فرق في باب الفنون والعلوم بين الآلة والوسيلة إذ بينهما عموم وخصوص؛ فعندما يقال: إن أصول الفقه من علوم الآلة فالمراد أنه مجرّد أداة ووسيلة محضة تعين الطالب على الفهم والدراية وتقرب له المقصود؛ أما القول بإن علم أصول الفقه من الوسائل؛ فالمقصود أنه من مقدمات الفقه ولوازمه؛ إذ الوسيلة قد تكون جزءاً من الشيء أو متصلة به بخلاف الآلة؛ فيقال: علم اللغة من علوم الآلة وعلم الأصول من علوم الوسائل؛ لأن علم الأصول يدور على العلم بالأدلة الإجمالية للفقه.

السؤال الرابع:
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عمربن محمدالبومرداسي http://www.kulalsalafiyeen.com/vb/nass/nass131/buttons/viewpost.gif (http://www.kulalsalafiyeen.com/vb/showthread.php?p=257936#post257936)
شيخنا،هل تعدّ الأصول الفقهية أو(أصول الفقه) ،أصولا مطّردة،حكمها حكم الآية والحديث والأثر؟أم هي أصول جامعة قد تخرج بعض جزئيّات الفقه عنها ـ تنزيلاً ـ ؟
وجزاكم الله خيرا.



الجواب: الأصول الفقهية القطعية التي اتفق العلماء على إدخالها في أصول الفقه – وهي من مباحثه وليست عارية فيه- تكون مطّردة حكمها حكم الآية والحديث؛ وذلك لسببين: الأول: أن هذا النوع من الأدلة يستند إلى جملة كبيرة من الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة؛ فلا يظن أن مستند هذا النوع من الأدلة مجرد الاستنباط والاجتهاد بل الاستدلال والتنصيص.
والسبب الثاني: أن هذه الأصول ما نالت وصف القطعية والاطراد والعموم إلا لأنها انتشرت في موارد الشريعة وتكررت في كثير من المواضع ؛ ولا يتخلف عنها جزئي إلا إذا كان هذا الجزئي هو أصلاً لم يكن مندرجاً تحتها؛ أو كان تخلفه عنها لدليلٍ خاصٍ مستثنى.
ومن الناحية اللفظية الاصطلاحية : أصول الفقه لا يتخلف عنها جزئي؛ لأنها أدلة مجملة ؛ قيقال فيها: قد تعارض بدليل آخر ولا يقال: يتخلف عنها جزئي؛ ولكن الذي يصح عليه وصف التخلف: هو القواعد الفقهية؛ إذ قد تخرج بعض الجزئيات عنها؛ لأن الكلام في أصول الفقه من باب الكلام في أدلته بخلاف الكلام في القواعد الفقهية فهو من باب الكلام في مسائل الفقه وتطبيقاته وصوره؛ فتأمل .

السؤال الخامس:
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة [/font
أبو يعقوب يوسف;258700]

شيخنا الفاضل وفقك الله لكل خير شيخنا هناك إشكال في قولك :" ...قد يكونفرعاباعتبار أنهيتفرع عنه غيره.." أليس هدا شيخنا هو تعريف الأصل بالاعتبار الثاني الدي دكرته في بداية التعريف .؟
إضافة إلى أن الفرع كما في المتن بعدها مباشرة هو ما يبنى على غيره..
فالصواب على حسب فهمي القاصر أن يقال حفظك الله :" ....وقد يكون فرعاً باعتبار أنه يتفرع من غيره..."
أرجوا تصويبي لو تكرمتم حفظكم الله ومعدرة لأني تقدمت بين أيديكم .


الجواب: الصحيح أن يقال: يتفرع عن غيره، أو يتفرع من غيره؛ ويصحح على هذا ؛ وجزاك الله خيرا على هذا التصويب.

ابو الزبير الموصلي
2013-05-24, 08:14 PM
-الدرس الثاني-

قوله : (والأحكام سبعة: (الواجب والمندوب والمباح والمحظور والمكروه والصحيح والباطل).
الشرح :
انتقل المصنف إلى (مبحث الأحكام) وقدمه على الكلام في (أدلة الأحكام) –كما جرت عليه طريقة المصنفين في (أصول الفقه) ؛ إذ جرت عادتهم على ترتيب أبواب مصنفاتهم على النحو الآتي :
الباب الأول : الكلام في الحكم ومعناه وأقسامه وأنواعه .
الباب الثاني : الكلام في أدلة الأحكام المتفق عليها والمختلف فيها .
الباب الثالث : كيفية استنباط الأحكام من أدلتها .
الباب الرابع : بيان حال المستفيد من جهة كونه مجتهدا أو مقلدا .
وقدم المصنف الكلام في الأحكام على الكلام في أدلتها من باب تقديم الثمرة على الشجرة , ولأن الغاية من معرفة الأدلة الوقوف على أحكامها؛ فترتيب الأشياء في الوجود يختلف عن ترتيبها في الحصول.

والمقصود من تعلم هذا العلم – أعني : أصول الفقه – هو حصول العلم بأدلة الشريعة ومعرفة أحكامها ومعرفة كيفية استنباط هذه الأحكام من أدلتها ؛ فليس كل مشتغل بالعلم الشرعي سواء كان في باب الفقه أو في باب أصول الفقه يكون فقيهاً بما اشتغل فيه , بل قد يكون مجرد ناقل فيه ، أو ربما يكون مقلداً ؛ ومدار التفاوت في مراتب العلم في هذا الباب على تصور حقيقة الشيء ومعرفة أدلته والعلم بطريقة استنباط الحكم منها.

ثم نأتي إلى تعريف الحكم الشرعي لغةً واصطلاحاً:
والأحكام : جمع حكم، وهو :
-في اللغة- يدور على معنيين: المنع والقضاء , ووجه مناسبته للمعنى الشرعي : أن الشارع إذا حكم على الشيء بالوجوب مثلاً فقد قضى فيه بذلك ومنع المكلف من خلافه.
والحكم في الاصطلاح مشهورٌ: وهو خطاب الله المتعلِّق بفعل المكلف من حيث إنه مكلف به.
وحده آخر: بأنه خطاب الله المتعلِّق بأفعال المكلفين من طلب أو تخيير أو وضع.
وحده ثالث: بأنه مقتضَى خطاب الشارع المتعلِّق بأفعال المكلفين من طلب أو تخيير أو وضع. ومقتضى الخطاب هو مدلول الكلام ومطلوبه.
ومن هذه التعاريف الثلاثة نستطيع أن نستنتج ما يلي:
1_ أن هذه التعاريف جاءت لبيان حد الحكم الشرعي وليس مطلق الحكم؛ فلا يدخل فيها الحكم العقلي ولا الحكم العادي ( ما عرف بحكم العادة).
2_ أن المراد بـ(خطاب الشرع) : الكتاب والسنة؛ أما المراد ب(مقتضى خطاب الشرع) فمعناه مدلول الكلام ومطلوبه؛ أي ما يدل عليه الخطاب ويفيده من الطلب والحكم.
ومثال خطاب الشرع هو قوله تعالى:{ وأقيموا الصلاة} .
أما مقتضى خطاب الشرع؛ فهو ما يدل عليه هذا الخطاب من وجوب الصلاة ؛ فخطاب الشارع يتعلق بالقول والنص ونظم الكلام، أما المقتضَى فيتعلق بالمعنى والمدلول المستفاد من النص.
3_ وخرج بقوله( بفعل المكلف) ما تعلق بذات الله تعالى أو فعله أو صفاته فهذا يبحث في باب العقيدة؛ وفيه احتراز مما تعلق بذوات المكلفين نحو : { ولقد خلقناكم ثم صورناكم}.
4- وخرج بقوله( من حيث أنه مكلف به) خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف لا من حيث أنه مكلف به؛كقوله تعالى{ يعلمون ما تفعلون} ؛ فإنه خطاب من الله متعلق بفعل المكلف من حيث إن الملائكة الحفظة يعلمونه، لا من إنه مكلف به.
5_ وقوله:( من طلب أو تخيير أو وضع) يدل على أن الحكم الشرعي نوعان:
الأول- الحكم التكليفي: وهو خمسة: الواجب والمندوب والمحرم والمكروه والمباح.
والثاني- الحكم الوضعي: وهو ما دل عليه خطاب الشرع من أسباب وشروط وموانع.
وفي هذا الموضع نذكر فائدةً مهمةً، وهي:
إن الحكم الشرعي من الأسماء العامة الجامعة؛ فيكون شاملاً لخطاب الشارع ومقتضاه وصفة الفعل المطلوب؛ كما يقول شيخ الإسلام رحمه الله في ( المسوّدة 2/1007):" الحكم الشرعي إما أن يقع على نفس قول الشارع وخطابه، أو على تكليفه بالأفعال، أو على صفة للأفعال ثبتت بالشرع، أو على هيئة الفعل يكون الفعل عليها بإذن الشرع".
فيدخل في مسمى الحكم الشرعي هذه الثلاثة : خطاب الشرع ، ومقتضاه وأثره، وصفة الفعل؛ لهذا كنا أمام اصطلاحات ثلاثة: الإيجاب والوجوب والواجب؛ فنقول:
إيجاب : يثبت بخطاب الشرع .
ووجوب : هو مقتضَى الخطاب وأثره .
وواجب : وهو صفة الفعل المطلوب.
وللتوضيح أيضاً: أن الإيجاب هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين.
والوجوب: هو أثر الخطاب ومقتضاه.
وواجب وهو الفعل المطلوب على صفة معينة أو هيئة معينة.
وكذلك يقال في باب الحرام: التحريم والحرمة والمحرم.
تحريم ثبت بخطاب الشرع، وحرمة الفعل وهي عُلمت من مقتضى الخطاب ومحرم وهو صفة الفعل الحرام.
والمقصود أن اسم الحكم الشرعي يتضمن هذه الثلاثة.
ويحسن أن نبين أقوال المخالفين لأهل السنة في هذا الباب:
الأشعرية : لا تثبت إلا الأول وهو الإيجاب والتحريم( ما يتعلق بخطاب الشارع) ؛ فلا تدخل صفات الأفعال التكليفية في الحكم الشرعي؛ لأن الأفعال – عندهم- ليست مشتملة على صفات حسن أو قبح؛ وإنما وصفها بذلك مبني على أمر الشارع أو نهيه.
أما المعتزلة : فلا تثبت إلا الوجوب والحرمة( أي: مقتضى الخطاب وأثره وصفة الفعل)؛ فلا تدخل موضوع الخطاب في الحكم الشرعي؛ لأن الأفعال عندها مشتملة على الحسن والقبح لذاتها ؛ والمكلف يستحق الثواب والعقاب حتى لو لم يرد إيجاب أو تحريم من الشرع.
فالأشعرية أثبتت الإيجاب ولم تثبت الوجوب، والمعتزلة أثبتت الوجوب ولم تثبت الإيجاب، وفقهاء أهل السنة أثبتوا :الإيجاب والوجوب والواجب كما تقدم.

وهاهنا فائدة علمية منهجية وهي : أن المحققين من علماء أهل السنة نظروا إلى الأسماء الشرعية الاصطلاحية على أنها أسماء عامة جامعة ؛ فمثلاً:
قالوا في الحكم الشرعي بأنه : اسم جامع للخطاب , ومقتضاه , وصفة الفعل المطلوب فعله.
وقالوا في الدليل الشرعي بأنه : اسم جامع لما أخبرت به الشريعة ،وما أمرت به ، ووجه دلالة الشرع عليه، فأدخلوا الثلاثة فيه .
وقال في النصّ الشرعي بأنه : شامل للفظ والمعنى معاً وأدخلوا في بابه مبحث دفع المعارض لهذا النص. وهكذا قالوا في النسخ والتأويل؛ فطريقة المحققين هي إجراء الأسماء على عمومها والتعامل معها على أنها أسماء جامعة؛ فليس الاقتصار على بعض معانيها بأولى من الاقتصار على البعض الأخر.

وإتماما للفائدة أذكر تفريقاً مهما ً– وربما أشرنا إلى بعضه فيما تقدم-، وهو الفرق في الاستعمال الأصولي والفقهي بين الإيجاب والوجوب والواجب.
الإيجاب : هو خطاب الشارع وكلامه؛ فهذا وصف للشرع ؛ لأن الشرع هو الذي يصدر الإيجاب ،يقال :أوجب الشرع علينا الصلاة إيجاباً؛ فالإيجاب في حكم الصلاة هو نفس قوله تعالى:(وأقيموا الصلاة )؛ فالإيجاب وصفٌ للخطاب نفسه ؛ أي: باعتبار المصدر وهو من يصدر عنه الخطاب وهو قائله المتكلِّم به .
أما الوجوب : فهو دلالة الخطاب ومقتضاه ومفهومه ؛ فهو وصف لفعل المكلف لا لقائله؛ فهو متعلَّق خطاب وأثره؛ ففي قوله تعالى:(وأقيموا الصلاة ) وصف لإقامة الصلاة بالوجوب؛ لهذا يقال: يقال:وجبت الصلاة وجوباً ولا يقال: وجبت الصلاة إيجاباً ؛ لأن الإيجاب بالنظر إلى المصدر الحاكم ( الشرع) ، والوجوب بالنظر إلى متعلَّق الحكم الشرعي وهو فعل المكلف. فالإيجاب وصف للشرع، والوجوب وصف للتكليف بالفعل.
أما الواجب: فهو نفس الفعل الذي طلب الشرع من المكلف فعله؛ أي وصف للصلاة المعينة التي يقوم بها المكلف؛ لهذا يقال : أصبحت الصلاة بعد الإيجاب واجبه على المكلف ؛ فالواجب وصف لنفس فعل المكلف في الصلاة.
لهذا الإيجاب حكم شرعي أصولي يتعلق بالخطاب، والوجوب حكم فقهي يتعلق بفعل المكلف ، والواجب وصف جزئي لنفس الفعل الذي يقوم به المكلف.
ولتقريب المعنى نقول: إن الإيجاب وصف لخطاب الشارع ، والوجوب وصف للأفعال ، والواجب وصف للمكلف في أدائه للفعل.
مثاله: نقول: إيجاب الجهاد ثبت بنصّ الشارع، والأدلة في هذا الباب دلت على وجوبه ، وقد لا يكون واجبا على كل مكلف إلا بعد تحقق الشروط وانتفاء الموانع.
فانظر كيف استعملنا الإيجاب مضافاً للشرع، والوجوب مضافاً لوصف الفعل ، والواجب وصف لفعل المكلف لهذا الأمر.
ونقول أيضاً: وجوب صلاة الفريضة على المرأة لكن لا تكون واجبة عليها في حال الحيض. فوصفنا الصلاة المفروضة بالوجوب لكن لما نتكلم عن صلاة معينة ترتبط بفعل المكلف فنصفها باواجب؛ فتأمل.
والتفريق بين هذه الاصطلاحات الثلاثة مبني على التوسع والتجوز في استعمال كل اصطلاح مكان الأخر؛ فلا حرج فيه ... وإنما فصلت الكلام فيه من باب الأكمل في استعمال الاصطلاح من جهة ، ولعلمي بعلو همة رواد هذا المنتدى المبارك في طلب التفصيل من جهة أخرى .
يتبع في الدرس القادم إن شاء الله.
وإنما فصلت في هذا الموضوع لأهميته في ضبط الاصطلاح من جهة ولعلو همة رواد هذا المنتدى المبارك من جهة أخرى؛ وإلا ّفالتفريق بين هذه الاصطلاحات الثلاثة مبني على التوسع والتجوز في استعمال كل اصطلاح مكان الأخر .

بنت الحواء
2013-05-25, 09:00 AM
بارك الله فيك
و
جزاك الله الجنة

ابو الزبير الموصلي
2013-06-12, 04:06 PM
-الدرس الثالث-


قوله : (والأحكام سبعة: الواجب والمندوب والمباح والمحظور والمكروه والصحيح والباطل).

قوله : (والأحكام) .
الشرح :
أي الأحكام التي تستنبط من الأدلة وهي سبعة .
ويعني بالأحكام : الأحكام الشرعية , وهي على قسمين : حكم تكليفي , وحكم وضعي.
والحكم التكليفي : هو طلب الفعل أو طلب الترك , أو التخيير بين الفعل والترك .
والحكم الوضعي : هو جعل شيء علامة على شيء آخر ؛ فالله تعالى جعل للأحكام الشرعية علامات تدل على الحكم , فمن غير هذه العلامات لا يمكن الاستدلال على الحكم ؛ فجعل الأسباب والشروط والموانع والصحة والبطلان بمثابة العلامات التي إذا وجدت وجد الحكم الشرعي , وإذا فقدت فقد معها الحكم الشرعي ؛ ولهذا فالحكم الوضعي لا دخل لإرادة وقدرة المكلف فيه .
وإذا كانت الأدلة هي الشجرة , والأحكام هي الثمرة ؛ فإن الأحكام الوضعية هي بمثابة الوسيلة للأحكام التكليفية , وهذا من رحمة الله تعالى؛ فإنه لما كلفنا الله بالطاعات والواجبات وأمرنا بترك المحرمات والمنهيات جعل لنا علامات معرِّفات لهذه الأحكام , وإلا لولا هذه العلامات لأسندت معرفة الأحكام إلى العقل ؛ فزوال الشمس جعله الله سبباً معرِّفا كاشفاً على دخول وقت صلاة الظهر , ثم جعل شروطاً لصحة الصلاة , ثم جعل موانع يتوقف الحكم على انتفائها ويزول بوجودها .

قوله : (فالواجب ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه) .
الشرح :
ابتدأ المصنف بذكر الواجب , وقدمه على سائر الأحكام ؛ وهكذا طريقة سائر العلماء، وهذا التقديم يرجع إلى:
أولاً : أن الواجب هو الأصل , والباقي هي بمثابة الفروع لهذا لأصل .
وثانياً : أن فعل الواجب محبوب عند الله ومقدم على ما سواه ؛ كما جاء في الحديث القدسي : "ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه" .
ولسبب ثالث: هو أن ثواب فعل الواجب أعظم من ثواب ترك الحرام؛ كما حرّر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
والواجب عرفه المصنف بأنه : ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه , وهذا التعريف هو بالنظر إلى الأثر والثمرة .
وأما حدّ الواجب في اللغة؛ فيرجع إلى معنى اللزوم والثبوت والاستقرار وإلى معنى سقوط الشيء لا زماً محله؛ كما في قوله تعالى: {فإذا وجَبت جنوبها} ؛ أي: إذا سقطت واستقرت في الأرض، ولهذا يسمى في اللغة ما يسقط الجوع: بالوجبة.
أما في الإصطلاح : فهو ما طلب الشارع فعله على وجه الحتم والإلزام .
فالواجب : طلب جازم من الشارع بالفعل على وجه الحتم والإلزام لا على وجه الإرشاد.
ولو لاحظنا هذا التعريف وغيره من التعاريف لانتهينا إلى أن الواجب في الاصطلاح ما تضمن العناصر التالية:
أولها: أنه طلب جازم.
والثاني: استحقاق العقاب على الترك. أي: إذا ترك فعل الواجب يعاقب.
والعنصر الثالث: أن فاعل الواجب لا يثاب على فعله للواجب إلا إذا فعله امتثالاً؛ فإذا فعله من غير نية الامتثال – كأن يفعله إكراها- فتسقط عنه المطالبة بالواجب لكن بلا ثواب.
والمقصود الأول من فعل الواجب هو تحقيق مصلحة الامتثال للشارع.
و مصلحة فعل الواجب تتحصل من ثلاث جهات:
الأولى : من جهة اعتقاد الوجوب , كمصلحة اعتقاد وجوب الصلاة .
والثانية : من مصلحة فعل ذات المأمور به ؛ فالصلاة في نفسها مصلحة ؛ ولهذا شرعت إقامتها في جميع الأحوال والأوقات.
الثالثة : من مصلحة امتثال المكلف للأمر وأداؤه للفعل .


ولو قيل: أيُّ هذه المصالح الثلاث أفضل للعبد؟
فالجواب: أن يقال: التفضيل بينها على التفصيل:
من حيث القوة؛ فالمصلحة الحاصلة من اعتقاد الوجوب أقوى؛ أما من حيث النفع ؛ فالمصلحة الحاصلة من فعل الواجب أنفع ؛ ففعلٌ بلا اعتقاد لا يقبل، واعتقادٌ بلا فعل لا ينفع؛ وكمال دين العبد في فعل الأقوى والأنفع.
ومن هنا يتبين لنا وجه تقديم الواجب على غيره من الأحكام ؛ لأنه الأهم ؛ ولأن مصلحة الدين إنما تقوم به ؛ فالإحسان في القيام بباقي الأحكام متوقف على إتقان القيام بالواجبات ؛ فمن كان قائماً بالواجب فقيامه بباقي الأحكام أيسر؛ ومن كان مضيّعاً للواجب فتضيعه لباقي الأحكام أكثر. وهذه مقدمة مهمة في الفقه بالأحكام الشرعية؛ وإنما يبنى الدين على القيام بالواجبات وفعل الحسنات؛ فمثلا: العبد لا يقع بالشرك إلا لتركه واجب التوحيد، ولا يقع في الظلم إلا لعدم قيامه بواجب العدل، ولا يرتكب الفواحش إلا لتركه واجب العفة. وهكذا.
وهذا التأصيل ينفع في باب معالجة النفوس وتزكيتها وفي باب فقه الدعوة؛ فإذا أردنا أن نرفع المحرمات وندفع السيئات فلا سبيل – كمقدمة- إلا بالدعوة إلى أداء الواجبات والحثّ على فعل الحسنات والطاعات؛ فرفع المنكرات يكون بفعل أضدادها لا بالحثّ على مجرّد تركها. فتأمل هذا الموضع فإنه دقيق.

أقسام الواجب :
ينقسم الواجب إلى أقسام باعتبارات متعددة , ومن ذلك :
الأول : ينقسم من جهة وقته إلى :
1- واجب موسع ؛ وهو : ما يسع وقته الواجب وغيره , كالصلوات الخمس .
2- واجب مضيق ؛ وهو : ما لا يسع وقته أكثر من فعله ؛ كصوم رمضان .
الثاني : وينقسم من جهة فاعله إلى :
1- واجب معين وهو : الواجب الذي يلزم جميع الكلفين به أن يفعلوه كالصلاة والصيام والحج ؛ فالنظر فيه إلى ذات الفاعل .
2- واجب كفائي وهو : الواجب الذي إن أقامه الكفاية من المسلمين سقط الوجوب عن بقية المؤهلين ؛ فالشارع ينظر فيه إلى نفس الفعل بقطع النظر عن فاعله ؛ كصلاة الجنازة , ودفن الميت , والجهاد في سبيل الله .
الثالث : وينقسم باعتبار ذاته إلى :
1- واجب معين لا يقوم غيره مقامه كالصوم والصلاة .
2- واجب مبهم غير معين , يسقط الوجوب بما يتأتى منها ؛ كأحد خصال الكفارة في قوله سبحانه {فكفارته اطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة} .
وتفصيل الكلام في هذه الأقسام في كتب المطولات .

قوله : (والمندوب ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه).
الشرح :
حد المندوب : أنه ما طلب الشارع فعله لا على وجه الحتم والإلزام .
والمندوب هو أمر لكن لا على سبيل الإلزام , كما في قوله تعالى {إن الله يأمر بالعدل والإحسان) , فالعدل واجب , والإحسان مستحب ؛ فأمر الله بالعدل هو أمر وجوب , وأمره بالإحسان هو أمر استحباب .
والمصنف عرف المندوب بما تقدم , وهو تعريف بالنظر إلى ثمرة المندوب .
والثواب يكون عند فعله لا عند تركه ؛ فهو مطلوب الفعل , وهنا مسائل نوردها إيجازا مراعاة للاختصار فنقول :


المسألة الأولى :أن ترك المندوب بالجملة أمر مذموم في شريعتنا , وفرق بين ترك المندوب أحيانا , وبين تركه بالكلية ؛ فتركه بالكلية يفضي إلى تضييعه , وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب , فصار الحفاظ على المندوب بالكلية من هذا الوجه واجباً , ولهذا ذم الإمام أحمد من ترك الوتر تركاً مطلقاً ؛ فترك المستحب على الدوام يفضي إلى تضييعه –من وجه- , ويفضي إلى التساهل في الواجبات وربما تركها –من وجه آخر- .

المسألة الثانية : المستحب خادم للواجب , فبه يجبر الواجب , وبالمستحب يعان العبد على الحفاظ على الواجب , وهذا في الحديث [ ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه , ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه] ؛ فقرن في باب الولاية الشرعية وفي باب تكميل الإيمان بين فعل الواجب وفعل المستحب ؛ فتأمل كيف أن المحبة تكون في هذا الحديث بفعل الواجب والقربة تكون بفعل المستحب.
فإذا كان العبد متهاوناً في فعل المستحبات كان هذا ذريعة للتهاون في إداء الواجبات .
وعلاقة المستحب بالواجب تكون من أمور خمسة:
1_ أنه خادم للواجب؛ أي فيه إعانة على القيام بالواجدب
2_ أنه مكمّل للواجب؛ كما في صوم ستة من شوال مع صوم رمضان
3_ أنه جابر للواجب؛ أي يجبر النقص الذي يكون في الواجب.
4_ أنه حافظ للواجب؛ أي يحفظ الواجب من الضياع.
5_ أنه تذكار للواجب؛ أي بعض المستحبات هي بمثابة التذكير بالواجب.
والمستحبات توزع وتركب على الواجبات بحسب ما ذكر أعلاه.

المسألة الثالثة : قد يشرع –أحيانا- , بل يكون مستحباً ترك فعل المندوب ؛ إذا كان في تركه مصلحة راجحة , ومثاله : كترك المستحب تأليفاً للقلوب , أو درءاً لمفسدة واقعة أو متوقعة ؛ فإن كان فعل المندوب مفض إلى مفسدة راجحة كمفسدة التفرق بين المسلمين كان ترك المستحب هو المطلوب ؛ فما ناقض المقصود فتركه هو المقصود؛ فمصلحة تأليف قلب الكافر على الإسلام , وتأليف قلب المسلم على السنة , وتأليف قلب الفاجر على التقوى ؛ هي من مصالح الإسلام الضرورية التي يتعين اعتبارها , ويغتفر في سبيل تحقيقها ترك بعض المندوبات , بل ترك بعض الواجبات أحياناً .
ولهذا ينبغي على طلبة العلم والدعاة إلى منهج السلف معرفة هذا الفقه تأصيلاً وتنزيلاً .

قوله : (والمباح ما لا يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه).
الشرح :
أتى المصنف بالمباح بعد المندوب لأن المباح ليس فيه ترك , فجعله وسطا بين مطلوب الفعل من الواجب والمندوب , وبين مطلوب الترك من المحظور والمكروه .
ومعنى المباح في اللغة: الواسع ؛ ومنه يسمى المكان الواسع في الدار بباحة الدار.
أما حده في الاصطلاح: فهو : التخيير بين الفعل وبين الترك ؛ كأكل الطيبات .
وهذا التعريف هو بالنظر إلى ذاته وجزئه , أما بالنظر إلى كليته , أو ما يقترن به ؛ فالمباح قد يأخذ أحكاماً أخرى ؛ فقد يكون واجباً إذا صار وسيلة إلى واجب , وكذلك يكون محرماً إذا صار وسيلة إلى محرم .
لهذا يمكن القول بأن المباح قد يخرج عن حد الإباحة الشرعية في ثلاثة صور:
الأولى: إذا تعلق المباح بقصد الشارع لا بحظ المكلف – كما بين ذلك الشاطبي في الموافقات- ؛ ومعنى ذلك: أن المباح إنما يوصف بكونه مباحاً إذا اعتبر فيه حظ المكلف فقط لكن إذا تعلق بقصد الشارع وطلبه وتكليفه فلا يبقى مباحاً؛ لأن الشارع يريد من المكلف ان يجعل المباح خادما إلى أمر ديني؛ وأقل ذلك أن يطلب الشرع من المكلف أن يكون شاكرا لله تعالى في تناول المباحات والشكر تارة يكون مستحباً وتارة يكون واجباً؛ فالمباح باعتبار حظ المكلف يبقى مباحا وبالنظر إلى حق الشارع لا يبقى مباحا؛ فالمكلف في تناوله للمباحات تارة على الإباحة والتوسعة والتخيير بين الفعل والترك وهذا من حظه؛ وتارة يكون تحت التكليف والطلب وهذا متعلق بحظ الشريعة . وتكمبيل العبودية في باب المباحات يكون في حال أخذ العبد لحظه منها مع مراعاة قصد الشرع فيها؛ فيجمع بين الحظوظ والقصود؛ فتأمل.
الصورة الثانية: إذا صار المباح وسيلةً لشيء فيأخذ حكم ذلك الشيء؛ فإذا صار وسيلة إلى واجب صار واجباً؛ وإذا صار وسيلة لحرام صار حراماً ؛ وهكذا.
الصورة الثالثة: يتحول المباح إلى الأقسام التكليفية الأخرى بالنية والاحتساب؛ فالمباح بالنية الحسنة يتحول إلى طاعة سواء كانت واجبة أو مستحبة؛ وبالنية السيئة يتحول المباح إلى معصية.
وهاهنا مسألتان :
المسألة الأولى :إن الحفاظ على أصل المباح واجب في شريعتنا ؛ فالحفاظ على وجود المباحات والطيبات والأنكحة –مثلا- فهي وإن كان التلبس بكل واحد منها مباحا بجزئه ؛ إلا أنه الحفاظ على وجودها بكليتها أمر واجب في الشريعة ؛ لأن فواتها بالكلية يفضي إلى ترك الأصل الذي وجوده ضروري لحفظ الدين والدنيا ؛ فترك الآحاد للنكاح مباح , لكن ترك تواطؤ الجميع على ترك النكاح مفض إلى إهلاك الحرث والنسل , وهكذا ترك الاحاد لبعض أنواع الاطعمة مباح , لكن تركه لجميع أنواع الطعام محرم لأنه يفضي إلى إهلاك النفس , فكيف لو تواطأ الجميع على ترك جميع أنواع الطعام ؟ لكان هذا أولى بالتحريم والمنع .
ولهذا فلو منعت جهة ما مباحا من المباحات لغير مصلحة شرعية كان هذا المنع مخالفا للشريعة فلا يجوز ؛ وهذا أصل هام في (مسألة المقاطعات الاقتصادية) ؛ التي تدور في كثير من أنواعها وتطبيقاتها على رجحان المصلحة وليس لمجرد المنع؛ لأن الأصل في باب المعاملات مع الكفار وغيرهم الإباحة؛ فليعلم .

المسألة الثانية : أنه لا يجوز فعل المباح أو تركه تديّنا , فالتدين بهذا الترك داخل في باب الابتداع في الدين ؛ ففرق بين أن يترك العبد المباح باعتبار أنه مخير بين الفعل والترك واستواء الطرفين فلا ميزة ولا ترجيح للفعل على الترك، وبين أن يتديّن العبد بترك المباح ويجعل تركه لبعض انواع المباحات تقرباً يتقرب بها إلا الله تعالى ؛ فهذا داخل في باب الابتداع في الدين؛ فلك أن لا تأكل بعض أنواع الفواكه باعتبار أن أكلها مباح وأنك مخيّر بين أكلها وتركها؛ لكن ليس لك أن ترك هذا النوع من الفواكه وتتديّن بهذا الترك وتجعله من الطاعات والقربات كما نراه عند بعض المتصوفة الذين يتدينون بترك المباح.
وهنا فرق بين ترك المباح عادة وتخيراً، وبين تركه قربة وتديّناً؛وبين عدم انشغال القلب به؛ فالأول داخل في الإباحة والثاني داخل في الابتداع والثالث داخل في الزهد المشروع.
فترك المباح أو فعله تديّناً إنما يكون التدين فيه من جهة اعتقاد أن العبد مخير في فعل أحد الأمرين ؛ أما التديّن بفعل أحدهما فهو من باب الابتداع .

نعمان الحسني
2013-06-12, 09:32 PM
مبادرة طيبة , أسأل الله أن يوفقكم في نشر العلم الشرعي ..