المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحليّة في جمع كلام الإمام الألباني في حلق اللحية


ابو الزبير الموصلي
2013-06-25, 10:04 PM
الحمد لله ؛ نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شرك له ، وأن شهد أن محمداً عبده ورسوله .
أما بعد :
فقد رأيت الإمام الفقيه الألباني - رحمه الله تعالى - قد أعطى هذا الموضوع إهتماماً خاصاً في كثير من كتبه ، غير أنها مبعثرة ، فرأيت أن أجمع كلامه حول هذا الموضوع المهم - حلق اللحية - الذي انتشر بين عامة الناس ، بل وبين خاصتهم - ككثير من دكاترة هذا العصر - كأن الأمر مباح .....
وإليك ما ذكره الشيخ في كتبه :
1 - الرد على من زعم أن إعفاء اللحية للندب :
قال الإمام في ( تمام المنة ) ( 1 / 79 ) :
( قرأت منذ بضعة أيام كتاب "الإسلام المصفى" لأحد الكتاب الغيورين على الإسلام - كما يبدو ذلك من كتابه - والحريصين على بقائه نقيا سليما كما كان في عهده صلى الله عليه وسلم فإذا به يقول - بعد أن ساق أحاديث صحيحة في الأمر بإعفاء اللحية مخالفة للمشركين - ما نصه:
"والأمر بإعفائها لم يكن إلا من قبل الندب وشأنها شأن كل المظاهر الشكلية التي لا يهتم بها الإسلام ولا يفرضها على أتباعه بل يتركها لأذواقهم وما تتطلبه بيئاتهم وعصورهم"!
فانظر لهذا الغيور على أحكام الإسلام كيف مهد لنسف الأمر بإعفاء اللحية بأن حمل الأمر بها على الندب أولا ثم زعم أن الإسلام ترك هذا الأمر المندوب لأذواق المسلمين وبيئاتهم فإذا استذوقوه فعلوه لا لأنه أمر به صلى الله عليه وسلم بل لأنه موافق لذوقهم وعصرهم وإن لم يستذوقوه تركوه غير مبالين بمخالفتهم لأمره صلى الله عليه وسلم ولو فرض أنه للندب!
وإني لأخشى أن يكون رأي المؤلف قريبا من هذا وإلا فما باله لم يتعرض لبيان حكم الإعفاء مع كثرة النصوص التي تتعلق به كما يأتي بيانه بينما نراه قد جزم ببيان حكم الختان مع أنه لا نص فيه كما أشار إليه فيما تقدم مع الرد عليه اللهم إلا تعليقه على قوله صلى الله عليه وسلم: "وفروا اللحى ... ":
"حمل الفقهاء هذا الأمر على الوجوب وقالوا بحرمة حلق اللحية ... " فإنه ليس صريحا في التعبير عن رأيه الشخصي وبخاصة أنه يعلم أن مخالفة الإعفاء أكثر وأظهر من مخالفة الختان فإن كثيرا من خاصة العلماء والشيوخ قد ابتلوا بالوقوع فيها بل وبالتزين والتجمل بها بل إن بعضهم قد يتجرأ على الإفتاء بجواز حلقها ولاسيما في مصر التي يعيش فيها السيد سابق والأستاذ السمان فهذا وحده كان كافيا في أن يحمله على بيان حكم هذه المخالفة ولذلك فإني أهتبل هذه الفرصة لأبين حكم الشرع فيها وأستحسن أن يكون ذلك بالرد على تلك الفقرة التي نقلتها عن كتاب "الإسلام المصفى" لشديد صلتها بالموضوع فأقول:
أولا: ذكر أن الأمر بإعفاء اللحية للندب وقد سمعنا هذا كثيرا من غيره وإبطالا لهذه الدعوى أقول:
هذا خلاف ما تقرر في "علم الأصول": أن الأصل في أوامره صلى الله عليه وسلم الوجوب لقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وغيره من الأدلة التي لا مجال لذكرها الآن والخروج عن هذا الأصل لا يجوز إلا بدليل صحيح تقوم به الحجة وحضرة الكاتب لم يأت بأي دليل يسوغ له خروجه عن هذا الأصل في هذه المسألة اللهم إلا ادعاؤه أن الإسلام لا يهتم بكل المظاهر الشكلية ... ومع أنها دعوى عارية عن الدليل فإنها منقوضة أيضا بأحاديث كثيرة وهو في قولنا:
ثانيا: زعم أن كل المظاهر الشكلية لا يهتم بها الإسلام وأن اللحية منها. أقول: هذا الزعم باطل قطعا لا يشك فيه ذلك أي منصف متجرد عن اتباع الهوى بعد أن يقف على الأحاديث الآتية وكلها صحيحة:
1 - عن ابن عباس قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال.
2 - عن عائشة أن جارية من الأنصار تزوجت وأنها مرضت فتمعط شعرها فأرادوا أن يصلوها فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لعن الله الواصلة والمستوصلة".
3 - عن ابن مسعود مرفوعا: "لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله".
4 - عن عبد الله بن عمرو قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم علي ثوبين معصفرين فقال: "إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسهما".
أخرج هذه الأحاديث الشيخان في "صحيحيهما ": إلا الأخير منها فتفرد به مسلم وهي مخرجة في "آداب الزفاف" و "حجاب المرأة المسلمة".
وفي الباب أحاديث كثيرة جدا وهى مادة كتاب: "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم" لشيخ الإسلام ابن تيمية فليراجعه من شاء.
فهذه نصوص صريحة تبين أن الإسلام قد اهتم بالمظاهر الشكلية اهتماما .
بالغا إلى درجة أنه لعن المخالف فيها فكيف يسوغ مع هذا أن يقال: إن كل المظاهر لا يهتم بها الإسلام ... ؟!
إن كان حضرة الكاتب لم يطلع عليها فهو في منتهى الغرابة إذ يجرؤ على الكتابة في هذه المسألة التي لها ما وراءها من الفروع الكثيرة لون أن يراجع ولو مصدرا واحدا من مصادر الإسلام الأساسية! وإن كان اطلع عليها فإني أخشى أن يكون جوابه عنها أنها لا توافق الذوق! أو يقول: لا يقرها المنطق! كما قال ذلك في مسألة نزول عيسى عليه السلام ص 75 وحينئذ أعترف بأنه لا جواب إلا الشكوى إلى الله تعالى ...
مما سبق من النصوص يمكن للمسلم الذي لم تفسد فطرته أن يأخذ منها أدلة كثيرة قاطعة على وجوب إعفاء اللحية وحرمة حلقها:
أولا: أمر الشارع بإعفائها والأصل في الأمر الوجوب فثبت المدعى.
ثانيا: حرم تشبه الرجال بالنساء وحلق الرجل لحيته فيه تشبه بالنساء فيما هو من أظهر مظاهر أنوثتهن فثبت حرمة حلقها ولزم وجوب إعفائها.
ثالثا: لعن النامصة - وهي التي تنتف شعر حاجبيها أو غير بقصد التجميل - وعلل ذلك بأنه تغيير لخلق الله تعالى والذي يحلق لحيته إنما يفعل ذلك للحسن - زعم - وهو في ذلك يغير خلقة الله تعالى فهو في حكم النامصة تماما ولا فرق إلا في اللفظ ولا أعتقد أنه يوجد اليوم على وجه الأرض ظاهري يجمد على ظاهر اللفظ ولا يمعن النظر في المعنى المقصود منه ولاسيما إذا كان مقرونا بعلة يقتضي عدم الجمود عليه كقوله عليه السلام ههنا: " ... للحسن المغيرات خلق الله".
وثمة دليل رابع وهو أنه صلى الله عليه وسلم جعل إعفاء اللحية من الفطرة كما جعل منها .
قص الأظفار وحلق العانة وغير ذلك مما رواه مسلم في "صحيحه" ففيه رد صريح على الكاتب ومن ذهب مذهبه أن اللحية من أمور العادات التي يختلف الحكم فيها باختلاف الأزمان والعصور ذلك لأن الفطرة من الأمور التي لا تقبل شرعا التبدل مهما تبدلت الأعراف والعادات: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} 1.
فإن خولفنا في هذا أيضا فإني لا أستبعد أن يأتي يوم يوجد فيه من الشيوخ والكتاب المتأثرين بالجو الفاسد الذي يعيشون فيه وقد سرت فيه عادة إعفاء شعر العانة مكان حلقه وإعفاء اللحية وإطالة الأظافر كالوحوش لا أستبعد أن يأتي يوم يقول فيه بعض أولئك بجواز هذه الأمور المخالفة للفطرة بدعوى أن العصر الذي هم فيه يستذوقها ويستحسنها وأنها من المظاهر الشكلية التي لا يهتم بها الإسلام بل يتركها لأذواقهم يقولون هذا ولو كان من وراء ذلك ضياع الشخصية الإسلامية التي هي من مظاهر قوة الأمة فاللهم هداك. ) .

2 - المخالفات الشرعية في حلق اللحية :
قال الإمام رحمه الله في ( آداب الزفاف ) ( ص 207 ) :
(
5- حلق اللحى:
الخامس: ومثلها في القبح - إن لم تكن أقبح منها عند ذوي الفطر السليمة - ما ابتلي به أكثر الرجال من التزين بحلق اللحية بحكم تقليدهم للأوربيين الكفار حتى صار من العار عندهم أن يدخل العروس2 على عروسه وهو غير حليق! وفي ذلك عدة مخالفات:
أ- تغيير خلق الله قال تعالى في حق الشيطان:
{لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً} .
فهذا نص صريح في أن تغيير خلق الله دون إذن منه تعالى إطاعة لأمر الشيطان وعصيان للرحمن جل جلاله فلا جرم أن لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المغيرات خلق الله للحسن كما سبق قريبا ولا شك في دخول اللحية للحسن! في اللعن المذكور بجامع الاشتراك في العلة كما لا يخفى وإنما قلت: "دون إذن من الله تعالى" لكي لا يتوهم أنه يدخل في التغيير المذكور مثل حلق العانة ونحوها مما أذن فيه الشارع بل استحبه أو أوجبه.
ب- مخالفة أمره صلى الله عليه وسلم وهو قوله:
ومن المعلوم أن الأمر يفيد الوجوب إلا لقرينة والقرينة هنا مؤكدة للوجوب وهو:
ج- التشبه بالكفار قال صلى الله عليه وسلم:
"جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس" .
مسلم وأبو عوانة في صحيحيهما عن أبي هريرة.
ويؤيد الوجوب أيضا:
د- التشبه بالنساء فقد:
"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال"2.
رواه البخاري 10/274 والترمذي 2/129 - طبع بولاق وصححه والبغوي في حديث علي بن الجعد 5/145/2 وابن حبان في الثقات 2/89 وأبو نعيم في أخبار أصبهان 1/120 وابن عساكر في تحريم الأبنة 166/1 وكذا أبو العباس الأصم في الثاني من حديثه رقم 99 - نسختي والدولابي 1/105 عن ابن عباس.
وله شواهد من حديث أبي سعيد الخدري عند الهيثم الدوري في "ذم اللواط" 157/1.
وآخر من حديث أبي هريرة عند ابن عساكر 166/1 وكذا ابن ماجه 1903.
وثالث في حديث ابن عمر في جزء الشموخي رقم 16.
ومما لا ريب فيه - عند من سلمت فطرته وحسنت طويته - أن كل دليل من هذه الأدلة الأربعة كاف لإثبات وجوب إعفاء اللحية وحرمة حلقها فكيف بها مجتمعة؟!
ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمة: ويحرم حلق لحيته. كذا في الكواكب الدراري 1/101/2 وروى ابن عساكر 13/101/2 عن عمر بن عبد العزيز أن حلق اللحية مثلة وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المثلة.
وقد كنت فصلت القول في هذه المسألة في مقال تولت نشره مجلة الشهاب في العدد 41 من السنة الأولى ثم قام بعض المخلصين من المحبين للسنة والمجاهدين في سبيلها على نشرها في رسالة لطيفة للطباعة والنشر في بغداد وقد ذكرت فيها نصوص العلماء في تحريم الحلق نقلا عن الأئمة الأربعة فمن شاء الوقوف على ذلك فليرجع إليها.
ولا تغتر أيها الأخ بكثرة المبتلين بهذه المخالفة وإن كان فيهم بعض من ينسبون إلى العلم فإن العمل بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الهدى والنور فالجهل خير منه ولا سيما إذا استغل هذا العلم في سبيل تأويل النصوص الصريحة وردها تبعا للهوى وجريا مع التيار بمثل قول بعضهم:
إن إعفاء اللحية ليس من أمور الدين بل من شؤون الدنيا التي يخير فيها المسلم!
يقولون هذا وهم يعلمون أن إعفاء اللحية من الفطرة كما قال صلى الله عليه وسلم على ما رواه مسلم وغيره والفطرة لا تقبل التغيير شرعا كما قال عز وجل: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} فاللهم ثبتنا بقولك الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
ولا يخفى أن في حلق الرجل لحيته - التي ميزه الله بها على المرأة - أكبر تشبه بها فلعل فيما أوردنا من الأدلة ما يقنع المبتلين بهذه المخالفة عافانا الله وإياهم من كل ما لا يحبه ولا يرضاه ) .
وقال في ( حجة النبي صلى الله عليه وسلم ) ( ص 7 ) :
( 2 - التزين بحلق اللحية:
وهذه المعصية من أكثر المعاصي شيوعا بين المسلمين في هذا العصر بسبب استيلاء الكفار على أكثر بلادهم ونقلهم هذه المعصية إليها وتقليد المسلمين لهم فيها مع نهيه صلى الله عليه وسلم إياهم عن ذلك صراحة في قوله عليه الصلاة والسلام:
(صحيح) (خالفوا المشركين احفوا الشوارب وأوفوا اللحى) رواه شيخان وفي حديث آخر: (وخالفوا أهل الكتاب) .
وفي هذه القبيحة عدة مخالفات:
الأولى: مخالفة أمره صلى الله عليه وسلم الصريح بالإعفاء .
الثانية: التشبه بالكفار .
الثالثة: تغير خلق الله الذي فيه طاعة الشيطان في قوله كما حكى الله تعالى ذلك عنه: (ولآمرنهم فليغيرن خلق الله) .
وقال في ( آداب الزفاف ص 207 - حاشية ) :
( يضًا حديث أبي هريرة الآتي بعده، ففيه:
"خالفوا المجوس"، ولهذا قال الحافظ في "الفتح":
"وهو المراد في حديث ابن عمر، فإنهم كانوا يقصون لحاهم، ومنهم من كان يحلقها".
قال شيخ الإسلام "ص28":
"فأمر -صلى الله عليه وسلم- بمخالفة المشركين مطلقًا، ثم قال: "أحفوا الشوارب، وأوفوا اللحى"، وهذه الجملة الثانية بدل من الأولى، فإن الإبدال يقع في الجمل كما يقع في المفردات، قال: فلفظ مخالفة المشركين دليل على أن جنس المخالفة أمر مقصود للشارع، وإن عينت في هذا الفعل، فإن تقديم المخالفة علة تقديم العام على الخاص، كما يقال: أكرم ضيفك؛ أطعمه وحادثه، فأمرك بالإكرام أولًا، دليل على أن إكرام الضيف مقصود، ثم عينت الفعل الذي يكون إكرامًا في ذلك الوقت، والتقرير من هذا الحديث شبيه بالتقرير من قوله: "لا يصبغون فخالفوهم".
الرابعة: التشبه بالنساء وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعل ذلك. وانظر تفصيل هذا الإجمال في كتابنا (آداب الزفاف في السنة المطهرة) (ص 126 - 131)
وإن من المشاهدات التي يراها الحريص على دينه أن جماهير من الحجاج يكونون قد وفروا لحاهم بسبب إحرامهم فإذا تحللوا منه فبدل أن يحلقوا رؤوسهم كما ندب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حلقوا لحاهم التي أمرهم صلى الله عليه وسلم بإغفائها. فإنا لله وإنا إليه راجعون ) .

3 - إعفاء اللحية عبادة وليست عادة :
قال الإمام رحمه الله في ( تحقيق رياض الصالحين ) ( 1 / 434 - حاشية ) :
( وفي كون الإعفاء من الفطرة رد صريح على بعض الشيوخ المنحرفين الذين يحلقون لحاهم ويزعمون أن الإعفاء عادة وليس بعبادة: (فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله) ) .
4 - قص اللحية كحلقها :
قال الإمام رحمه الله في ( الضعيفة ) ( 2107 ) :
( قال الحافظ في " الفتح " (10/296) :
" وهو المراد في حديث ابن عمر، فإنهم كانوا يقصون لحاهم، ومنهم من كان يحلقها ".
قلت: وفيه إشارة قوية إلى أن قص اللحية - كما تفعل بعض الجماعات - هو كحلقها
من حيث التشبه، وأن ذلك لا يجوز. والسنة التي جرى عليها السلف من الصحابة
وغيرهم إعفاؤها إلا ما زاد على القبضة؛ فتقص الزيادة. وقد فصلت هذا في غير
ما موضع تفصيلا، واستدللت له استدلالا قويا يحضرني منه الآن تحت الحديث الآتي
(2355) ، والحديث (6203) . ) .

5 - حلق اللحية تغيير لخق الله :
قال الإمام رحمه الله في ( الصحيحة ) ( 2792 ) :
( قوله
: " المغيرات خلق الله " هي صفة لازمة لمن يصنع الوشم والنمص والفلج، وكذا
الوصل على إحدى الروايات ". وقال العيني في " عمدة القارىء " (22 / 63) : "
قوله: " المغيرات خلق الله تعالى " كالتعليل لوجوب اللعن ". فإذا عرفت ما سبق
يتبين لك سقوط قول الشيخ الغماري في رسالته " تنوير البصيرة ببيان علامات
الكبيرة " (ص 30) : " قلت: تغيير خلق الله يكون فيما يبقى أثره كالوشم
والفلج، أو يزول ببطء كالتنميص، أما حلق اللحية فلا يكون تغييرا لخلق الله لأن
الشعر يبدو ثاني يوم من حلقه.. ". أقول: فهذا كلام باطل من وجوه: الأول:
أنه مجرد دعوى لا دليل عليها من كتاب أو سنة أو أثر، وقديما قالوا:
والدعاوي ما لم تقيموا عليها بينات أبناؤها أدعياء. الثاني: أنه خلاف ما يدل
عليه زيادة " الواصلات "، فإن الوصل، ليس كالوشم وغيره مما لا يزول، أو
يزول ببطء ولاسيما إذا كان من النوع الذي يعرف اليوم بـ (الباروكة) فإنه
يمكن إزالتها بسرعة كالقلنسوة .... ) .

6 - من بدع الجمعة التزين بحلق اللحية :
قال الإمام رحمه الله في ( الأجوبة على أسئلة الجامعة ) ( ص ص 116 ) :
(
3 - التجمل والتزين له ببعض المعاصي كحلق اللحية ولبس الحرير والذهب ) .
7 - إعفاء اللحية بمناسبة وفاة قريب :
قال الإمام رحمه الله في ( آداب الزفاف ) ( ص 207 - حاشية ) :
( وزاد بعضهم في الضلال فجعلوا إعفاء اللحية بمناسبة وفاة قريب لهم من الكمال! {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} . ) .
8 - إعفاء تميّز المسلم عن الكافر :
قال الإمام رحمه الله في ( الضعيفة ) ( 129 ) :
( ومن آثار هذه الأحاديث السيئة وتوجيهاتها الخاطئة أننا نرى بعض الناس حين يريد الدخول في الصلاة يكور على رأسه أو طربوشه منديلا لكي يحصل بزعمه على هذا الأجر المذكور مع أنه لم يأت عملا يطهر به نفسه ويزكيها! ومن العجائب أن ترى بعض هؤلاء يرتكبون إثم حلق اللحية فإذا قاموا إلى الصلاة لم يشعروا بأي نقص يلحقهم بسبب تساهلهم هذا ولا يهمهم ذلك أبدا، أما الصلاة في العمامة فأمر لا يستهان به عندهم! ومن الدليل على هذا أنه إذا تقدم رجل ملتح يصلي بهم لم يرضوه حتى يتعمم، وإذا تقدم متعمم ولوكان عاصيا بحلقه للحيته لم يزعجهم ذلك ولم يهتموا له فعكسوا شريعة الله حيث استباحوا ما حرمه، وأو جبوا، أو كادوا أن يوجبوا ما أباحه، والعمامة إن ثبت لها فضيلة فإنما يراد بها العمامة التي
يتزين بها المسلم في أحواله العادية! ويتميز بها عن غيره من المواطنين، وليس يراد بها العمامة المستعارة التي يؤدي بها عبادة في دقائق معدودة، فما يكاد يفرغ منها حتى يسجنها في جيبه! والمسلم بحاجة إلى عمامة خارج الصلاة
أكثر من حاجته إليها داخلها بحكم أنها شعار للمسلم تميزه عن الكافر ولا سيما في هذا العصر الذي اختلطت فيه أزياء المؤمن بالكافر حتى صار من العسير أن يفشي المسلم السلام على من عرف ومن لم يعرف، فانظر كيف صرفهم الشيطان عن العمامة النافعة إلى العمامة المبتدعة، وسول لهم أن هذه تكفي وتغني عن تلك وعن
إعفاء اللحية التي تميز المسلم من الكافر كما قال صلى الله عليه وسلم:
" خالفوا المشركين احفوا وفي رواية قصوا الشوارب وأو فوا اللحى "، رواه الشيخان وغيرهما عن ابن عمر وغيره وهو مخرج في " حجاب المرأة المسلمة " (ص 93 - 95) .
وما مثل من يضع هذه العمامة المستعارة عند الصلاة إلا كمثل من يضع لحية مستعارة عند القيام إليها! ولئن كنا لم نشاهد هذه اللحى المستعارة في بلادنا فإني لا أستبعد أن أراها يوما ما بحكم تقليد كثير من المسلمين للأوربيين. فقد قرأت في " جريدة العلم الدمشقية " عدد (2485) بتاريخ 25 ذي القعدة سنة 1364 هـ ما نصه: لندن - عندما اشتدت وطأة الحر، وانعقدت جلسة مجلس اللوردات سمح لهم الرئيس بأن يخلعوا لحاهم المستعارة! فهل من معتبر؟ . ) .
منقول من طاهر نجم الدين
يتبع

ابو الزبير الموصلي
2013-06-25, 10:06 PM
9 - أخذ ما زاد عن القبضة :
قال الإمام رحمه الله في ( الضعيفة ) ( 2355 ) :
( واعلم أنه لم يثبت في حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم الأخذ من اللحية ، لا قولا، كهذا، ولا فعلا كالحديث المتقدم برقم (288) .
نعم ثبت ذلك عن بعض السلف، وإليك المتيسر منها:
1 - عن مروان بن سالم المقفع قال:
" رأيت ابن عمر يقبض على لحيته فيقطع ما زاد على الكف ".
رواه أبو داود وغيره بسند حسن؛ كما بينته في " الإرواء " (920) ،و" صحيح
أبي داود " (2041) .
2 - عن نافع: أن عبد الله بن عمر كان إذا أفطر من رمضان وهو يريد الحج، لم
يأخذ من رأسه ولا من لحيته شيئا حتى يحج.
وفي رواية:
أن عبد الله بن عمر كان إذا حلق في حج أوعمرة أخذ من لحيته وشاربه.
أخرجه مالك في " الموطأ " (1/353) .
وروى الخلال في " الترجل " (ص 11 - المصورة) بسند صحيح عن مجاهد قال: رأيت
ابن عمر قبض على لحيته يوم النحر، ثم قال للحجام: خذ ما تحت القبضة.
قال الباجي في " شرح الموطأ " (3/32) :
" يريد أنه كان يقص منها مع حلق رأسه، وقد استحب ذلك مالك رحمه الله، لأن
الأخذ منها على وجه لا يغير الخلقة من الجمال، والاستئصال لهما مثلة ".
3 - عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: " وليقضوا تفثهم ":
" التفث: حلق الرأس، وأخذ الشاربين، ونتف الإبط، وحلق العانة، وقص
الأظفار، والأخذ من العارضين، (وفي رواية: اللحية) ، ورمي الجمار،
والموقف بعرفة والمزدلفة ".
رواه ابن أبي شيبة (4/85) وابن جرير في " التفسير " (17/109) بسند صحيح.
4 - عن محمد بن كعب القرظي أنه كان يقول في هذه الآية: " ثم ليقضوا تفثهم "
، فذكر نحوه بتقديم وتأخير، وفيه:
وأخذ من الشاربين واللحية ".
رواه ابن جرير أيضا، وإسناده صحيح، أوحسن على الأقل.
5 - عن مجاهد مثله بلفظ:
" وقص الشارب ... وقص اللحية ".
رواه ابن جرير بسند صحيح أيضا.
6 - عن المحاربي (وهو عبد الرحمن بن محمد) قال: سمعت رجلا يسأل ابن جريج عن
قوله: " ثم ليقضوا تفثهم "، قال:
" الأخذ من اللحية ومن الشارب ... ".
7 - في " الموطأ " أيضا أنه بلغه:
أن سالم بن عبد الله كان إذا أراد أن يحرم، دعا بالجملين، فقص شاربه وأخذ من
لحيته قبل أن يركب، وقبل أن يهل محرما.
8 - عن أبي هلال قال: حدثنا شيخ - أظنه من أهل المدينة - قال:
رأيت أبا هريرة يحفي عارضيه: يأخذ منهما. قال: ورأيته أصفر اللحية.
رواه ابن سعد في " الطبقات " (4/334) .
قلت: والشيخ المدني هذا أراه عثمان بن عبيد الله، فإن ابن سعد روى بعده
أحاديث بسنده الصحيح عن ابن أبي ذئب عن عثمان بن عبيد الله قال:
رأيت أبا هريرة يصفر لحيته ونحن في الكتاب.
وقد ذكره ابن حبان في " الثقات " (3/177) ، فالسند عندي حسن. والله أعلم.
قلت: وفي هذه الآثار الصحيحة ما يدل على أن قص اللحية، أوالأخذ منها كان
أمرا معروفا عند السلف، خلافا لظن بعض إخواننا من أهل الحديث الذين يتشددون في
الأخذ منها، متمسكين بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: " وأعفوا اللحى "، غير
منتبهين لما فهموه من العموم أنه غير مراد لعدم جريان عمل السلف عليه وفيهم من
روى العموم المذكور، وهم عبد الله بن عمر، وحديثه في " الصحيحين "،
وأبو هريرة، وحديثه عن مسلم، وهما مخرجان في " جلباب المرأة المسلمة " (ص
185 - 187/ طبعة المكتبة الإسلامية) ، وابن عباس، وحديثه في " مجمع الزوائد
" (5/169) .
ومما لا شك أن راوي الحديث أعرف بالمراد منه من الذين لم يسمعوه من النبي
صلى الله عليه وسلم، وأحرص على اتباعه منهم. وهذا على فرض أن المراد بـ (الإعفاء)
التوفير والتكثير كما هو مشهور، لكن قال الباجي في " شرح الموطأ "
(7/266) نقلا عن القاضي أبي الوليد:
" ويحتمل عندي أن يريد أن تعفى اللحى من الإخفاء. لأن كثرتها أيضا ليس بمأمور
بتركه، وقد روى ابن القاسم عن مالك: لا بأس أن يؤخذ ما تطاير من اللحية وشذ
. قيل لمالك: فإذا طالت جدا؟ قال: أرى أن يؤخذ منها وتقص. وروي عن
عبد الله بن عمر وأبي هريرة أنهما كانا يأخذان من اللحية ما فضل عن القبضة ".
قلت: أخرجه عنهما الخلال في " الترجل " (ص 11 - مصورة) بإسنادين صحيحين،
وروى عن الإمام أحمد أنه سئل عن الأخذ من اللحية؟ قال:
كان ابن عمر يأخذ منها ما زاد على القبضة، وكأنه ذهب إليه. قال حرب: قلت له
: ما الإعفاء؟ قال: يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: كان هذا عنده
الإعفاء.
قلت: ومن المعلوم أن الراوي أدرى بمرويه من غيره، ولا سيما إذا كان حريصا
على السنة كابن عمر، وهو يرى نبيه صلى الله عليه وسلم - الآمر بالإعفاء -
ليلا نهارا. فتأمل.
ثم روى الخلال من طريق إسحاق قال:
" سألت أحمد عن الرجل يأخذ من عارضيه؟ قال: يأخذ من اللحية ما فضل عن القبضة.
قلت: حديث النبي صلى الله عليه وسلم:
" احفوا الشوارب، وأعفوا اللحى "؟
قال: يأخذ من طولها ومن تحت حلقه. ورأيت أبا عبد الله يأخذ من طولها ومن
تحت حلقه ".
قلت: لقد توسعت قليلا بذكر هذه النصوص عن بعض السلف والأئمة؛ لعزتها، ولظن
الكثير من الناس أنها مخالفة لعموم: " وأعفوا اللحى "، ولم يتنبهو القاعدة
أن الفرد من أفراد العموم إذا لم يجر العمل به، دليل على أنه غير مراد منه،
وما أكثر البدع التي يسميها الإمام الشاطبي بـ (البدع الإضافية) إلا من هذا
القبيل، ومع ذلك فهي عند أهل العلم مردودة، لأنها لم تكن من عمل السلف،
وهم أتقى وأعلم من الخلف، فيرجى الانتباه لهذا فإن الأمر دقيق ومهم. ) .

ابو الزبير الموصلي
2013-06-25, 10:07 PM
وقال رحمه الله في ( الضعيفة ) ( 5453 ) :
( ولبعضه شاهد موقوف؛ أخرجه المحاملي في "الأمالي" (ج 12/ رقم 65) عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: (ثم ليقضوا تفثهم) قال:
التفث: حلق الرأس، وأخذ الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، وقص الأظفار، والأخذ من العارضين، ورمي الجمار، والوقوف بعرفة والمزدلفة.
ورجاله كلهم ثقات؛ إلا أن هشيماً كثير التدليس، وقد عنعنه؛ ولولا ذاك لحكمت على إسناده بالصحة.
ثم وجدت الإمام الطبري قد أخرج هذا الأثر في تفسير الآية المذكورة (17/ 109) من طريق هشيم قال: أخبرنا عبد الملك عن عطاء عن ابن عباس به.
فقد صرح هشيم بالإخبار؛ فأمنا بذلك شر تدليسه؛ فصح إسناده والحمد لله.
ثم روى عن محمد بن كعب القرظي أنه كان يقول في هذه الآية:
(ثم ليقضوا تفثهم) : رمي الجمار، وذبح الذبيحة، وأخذ من الشاربين واللحية والأظفار، والطواف بالبيت والصفا والمروة.
قلت: وإسناده صحيح.
ثم روى نحوه في قص اللحية عن مجاهد مثله.
وسنده صحيح.......
خامساً: قال (ص 14) : "ورخص بعض أهل العلم في أخذ ما زاد على القبضة؛ لفعل ابن عمر". وعلق عليه، فقال:
"الحجة في روايته لا في رأيه؛ ولا شك أن قول الرسول وفعله أحق وأولى بالاتباع من قول غيره أو فعله؛ كائناً ما كان"!
فأقول: نعم؛ لكن نصب المخالفة بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وابن عمر خطأ؛ لأنه ليس هناك حديث من فعله أنه كان - صلى الله عليه وسلم - لا يأخذ من لحيته. وقوله:
"وفروا اللحى"؛ يمكن أن يكون على إطلاقه، فلا يكون فعل ابن عمر مخالفاً له، فيعود الخلاف بين العلماء إلى فهم النص. وابن عمر - باعتباره راوياً له - يمكن أن يقال: الراوي أدرى بمرويه من غيره، لا سيما وقد وافقه على الأخذ منها بعض السلف كما تقدم، دون مخالف له منهم فيما علمنا. والله أعلم.
ثم وقفت على أثر هام يؤيد ما تقدم من الأخذ، مروياً عن السلف؛ فروى البيهقي في "شعب الإيمان" (2/ 263/ 1) : أخبرنا أبو طاهر الفقيه: حدثنا أبو عثمان البصري: حدثنا محمد بن عبد الوهاب: أنبأنا يعلى بن عبيد: حدثنا سفيان عن منصور عن إبراهيم قال:
كانوا يأخذون من جوانبها وينظفونها. يعني: الليحة.
قلت: وهذا إسناد جيد؛ من فوق البصري كلهم ثقات من رجال "التهذيب".
وأما أبو عثمان البصري؛ فهو عمرو بن عبد الله؛ كما في ترجمة محمد بن عبد الوهاب - وهو الفراء النيسابوري - من "التهذيب". وقد ذكره الحافظ الذهبي في وفيات سنة أربع وثلاثين وثلاث مئة، وسمى جده "درهماً المطوعي"، ووصفه بأنه:
"مسند نيسابور" في كتابه "تذكرة الحفاظ" (4/ 847) .
وأما أبو طاهر الفقيه؛ فهو من شيوخ الحاكم المشهورين الذين أكثر عنهم في "المستدرك"، وشاركه في الرواية عنه تلميذه البيهقي؛ واسمه: محمد بن محمد ابن محمش الزيادي، أورده الذهبي في "التذكرة" أيضاً في وفيات سنة عشر وأربع مئة، ووصفه بأنه:
"مسند نيسابور العلامة". وله ترجمة في "طبقات الشافعية" للسبكي (3/ 82) . ) .

ابو الزبير الموصلي
2013-06-25, 10:12 PM
وقال في ( الضعيفة ) ( 6203 ) :
( والحديث عزاه السيوطي في "الدر، (4/142) لابن المنذر أيضاً، وابن مردويه،
وابن عساكر، وسكت عنه - كما هي غالب عادته -؛ الأمر الذي يجعل من لا علم
عنده يقدم على ذكره؛ بل والاحتجاج به، كما فعل الشيخ التويجري في "الرد
على من أجاز تهذيب اللحية" (ص 7 - 8 و15 و51) ، ولقد أصاب في رده على
ذاك الكاتب الذي زعم: "أن اللحية رمز عربي، وليس من الإسلام في شيء! "،
ورسالته تدور حول إبطال هذا الزعم، ولقد كان موفقاً في ذلك، بخلاف عنوانه
للرسالة، فلقد كان مخطئاً فيه من ناحيتين:
الأولى: أنه لا يطابق المعنون عنه؛ لأن تهذيب اللحية غير حلقها بداهة،
وهو لم يرد فيها على الذين يذهبون إلى جواز تهذيبها مع قولهم بحرمة حلقها.
والأخرى: أنه - أعني: العنوان - يشمل الحنفية وغيرهم الذين من مذهبهم
جواز أخذ ما زاد على القبضة؛ بل يشمل ابن عمر وأبا هريرة وغيرهم من السلف
الذين احتج بهم الحنفية؛ وإن لم يسلم بذلك الفاضل المعلق على رسالة: "وجوب
إعفاء اللحية" للشيخ الكاندهلوي؛ فإنه قد خالف السلف، ومنهم إمام السنة
أحمد بن حنبل؛ فقد روى الخلال في "كتاب الترجل ": قال: أخبرني حوب،
قال: سئل أحمد عن الأخذ من اللحية؟ قال:
كان ابن عمر يأخذ منها ما زاد على القبضة. وكأنه ذهب إليه. قلت له: ما
(الإعفاء) ؟ قال: يروى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال: كان هذا عنده الإعفاء.
أخبرني محمد بن أبي هارون: أن إسحاق حدثهم قال: سألت أحمد عن
الرجل يأخذ من عارضيه؟ قال: يأخذ من اللحية ما فضل عن القبضة. قلت:
فحديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
"أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى"؟ قال: يأخذ من طولها ومن تحت حلقه ورأيت
أبا عبد الله يأخذ من طولها ومن تحت حلقه، وروى ابن هاني مثله في "مسائله "
(2/151/1848) .
قلت: ثم قال الخلال: أخبرني عبيد الله بن حنبل قال: حدثني أبي قال:
قال أبو عبد الله: ويأخذ من عارضيه، ولا يأخذ من الطول، وكان ابن عمر يأخذ
من عارضيه إذا حلق رأسه في حج أو عمرة، لا بأس بذلك.
فأقول: هذا الرواية شاذة؛ إن لم أقل: منكرة عن الإمام أحمد، من ناحيتين:
الأولى: في قول أحمد: "ولا يأخذ من الطول ". فإنه مخالف لرواية حرب
لاسحاق المتقدمتين، ولعل ذلك من عبيد الله بن حنبل؛ فإنه غير معروف بالرواية؛
فإن الخطيب لما ذكره في "التاريخ " (10/347) لم يزد على أن ذكر ما في هذا
الإسناد، فقال:
"حدث عن أبيه، سوى عنه أبو بكر الخلال ".
فمثله لا يحتج به بما تفرد به، فكيف إذا خالف؟!
والأخرى: في قوله في أثر ابن عمر: وكان يأخذ من عارضيه "؛ فإنه مخالف
لزيادة فِي حَدِيثِ ابن عمر في "الصحيحين ":
"خالفوا المشركين، ووفروا اللحى، وأحفوا الشوارب ".
وهو مخرج في "الإرواء" (1/119) ، وزاد البخاري في رواية (5892 - فتح) .:
"وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر؛ قبض على لحيته، فما فضل؛ أخذ".
فهذا هو الصحيح عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وعن أحمد أيضاً. وله عَنْ ابْنِ عُمَرَ طريق
أخرى، رواها ابن أبي شيبة (8/563) ، وابن سعد (4/178) . وله عنده طرق أخرى.
ثم روى الخلال، ومن قبله ابن أبي شيبة عن أبي زرعة بن جرير قال:
"كان أبو هريرة يقبض على لحيته، ثم يأخذ ما فضل عن القبضة".
وإسناده صحيح على شرط مسلم.
قلت: والآثار السلفية بهذا الماس كثيرة؛ حتى قال منصور عن إبراهيم:
" كانوا يأخذون من جوانبها، وينظفونها. يعني: اللحية ".
أخرجه ابن أبي شيبة (8/564) ، والبيهقي في "شعب الإيمان " (5/220/
6438) بإسناد صحيح عن إبراهيم، وهو: ابن يزيد النخعي، وهو تابعي فقيه
جليل، قال الذهبي في "الكاشف ":
"كان عجباً في الورع والخير، متوقياً للشهرة، رأساً في العلم، مات سنة
(96) كهلاً ".
قلت: فالظاهر أنه يعني من أدركهم من الصحابة وكبار التابعين وأجلائهم،
كالأسود بن يزيد - وهو خاله - وشريح القاضي، ومسروق وأبي زرعة - وهو الراوي
لأثر أبي هريرة المذكور آنفاً - وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، والآثار في الباب
كثيرة؛ بل إن بعضهم جعل الأخذ من اللحية من تمام تفسير قوله تعالى في
الحُجَّاج: {ثم ليقضوا تفثهم} ، فقال محمد بن كعب القرظي:
"رمي الجمار، وذبح الذبيحة، وأخذ من الشاربين واللحية والأظفار".
أخرجه ابن جرير بسند جيد عنه.
ثم روى عن مجاهد مثله. وسنده صحيح.
ومجاهد، ومحمد بن كعب من أجلة التابعين المكثرين من الرواية عن ترجمان
القرآن عبد الله بن عباس، والآخذين العلم عنه والتفسير، ولعلهما تلقيا منه تفسير
آية الحج هذه؛ فقد قال عطاء: عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ أنه قال في قوله: {ثم ليقضوا
تفئهم} ، قال:
"التفث: حلق الرأس، وأخذ من الشاربين، ونتف الإبط، وحلق العانة، وقص
الأظفار، والأخذ من العارضين، ورمي الجمار، والموقف بعرفة والمزدلفة ".
أخرجه ابن جرير أيضاً، وإسناده صحيح.
ورواه ابن أبي شيبة من طريق أخرى عن عطاء بن أبي رباح قال:
"كانوا يحبون أن يعفوا اللحية؛ إلا في حج أو عمرة. وكان إبراهيم يأخذ من
عارض لحيته ".
وإسناده صحيح أيضاً.
وإذا عرفت ما تقدم من هذه الآثار المخالفة لحديث الترجمة؛ فالعجب كل
العجب من الشيخ التويجري وأمثاله من المتشددين بغير حق، كيف يتجرأون على
مخالفة هذه الآثار السلفية؟! فيذهبون إلى عدم جواز تهذيب اللحية مطلقاً؛ ولو
عند التحلل من الإحرام، ولا حجة لهم تذكر سوى الوقوف عند عموم حديث:
" ... وأعفوا اللحى"، كأنهم عرفوا شيئاً فات أولئك السلف معرفته، وبخاصة
أن فيهم عبد الله ابن عمر الراوي لهذا الحديث؛ كما تقدم، وهم يعلمون أن الراوي
أدرى بمرويه من غيره، وليس هذا من باب العبرة بروايته لا برأيه؛ كما توهم البعض،
فإن هذا فيما إذا كان رأيه مصادماً لروايته، وليس الأمر كذلك هنا كما لا يخفى على
أهل العلم والنهى؛ فإن هؤلاء يعلمون أن العمل بالعمومات التي لم يجر العمل بها
على عمومها هو أصل كل بدعة في الدين، وليس هنا تفصيل القول في ذلك،
فحسبنا أن نذكر بقول العلماء وفي مثل هذا المجال؛ "لو كان خيراً؛ لسبقونا إليه ".
أضف إلى ما تقدم أن من أولئك السلف الأول الذين خالفهم أولئك المتشددون
ابن عباس ترجمان القرآن الذي يحتجون بتفسيره؛ إذا وافق هواهم، بل وجعلوه في
حكم المرفوع؛ ولو لم يصح السند به إليه، كما فعلوا بما روي عنه في تفسير قوله
تعالى: {يدنين عليهن من جلابيبهن} قال: "يبدين عيناً واحدة" (1) ! ثم تراهم
هنا لا يعبأون بتفسيره لآية (التفث) هذه، مع ثبوته عنه وعن جمع من تلامذته،
وقول ابن الجوزي في "زاد المسير" (5/426 - 427) : بأنه أصح الأقوال في تفسير
الآية. والله المستعان.
ثم رأيت في "الموطأ، (1/353 - 354) : عن مالك: أنه بلغه عن سالم بن عبد الله؛ كان إذا أراد أن يحرم؛ دعا بـ (الجَلْمَيْن) ، فقص شاربه، وأخذ من لحيته قبل أن يركب، وقبل أن يهل محرماً. ) .

ابو الزبير الموصلي
2013-06-25, 10:24 PM
10 - إطلاق اللحية على ما زاد من القبضة من البدع الإضافية :
قال الإمام رحمه الله في ( الضعيفة ) ( مقدمة ج / 5 / 5 ) :
( ومن الأبحاث الفقهية ما جاء تحت الحديثين (2107 و 2355) من بيان أن السنةَ التي جرى عليها عملُ السلف من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين إعفاءُ اللحية إلا ما زاد على القبضة؛ فيُقصَ، وتأييد ذلك بنصوص عزيزة عن بعض السلف، وبيان أن إعفاءها مطلقاً هو من قبيل ما سماه الإمام الشاطبي بـ (البدع الإضافية) . ) .

ابو الزبير الموصلي
2013-06-25, 10:25 PM
وقال رحمه الله في ( صلاة العيدين في المصلى ) ( ص 40 - حاشية ) :
( قلت: يشير إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أهل هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره" وفي رواية "فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي" مختصر صحيح مسلم رقم 1251 وغيره.
قلت: وظاهر الحديث وجوب ترك أخذ الشعر والظفر على من عزم على التضحية حتى يضحي فيحرم الأخذ المذكور وبه قال الإمام احمد وغيره فليتنبه لهذا أولئك المبتلون بحلق اللحية فإن حلقها للعيد فيه ثلاث معاصي: الأولى: الحلق نفسه فإنه تأنث وتشبه بالكفار وتغيير لخلق الله كما بينته في كتابي "آداب الزفاف في السنة المطهرة" "الطبعة السادسة ص: 118".
الثانية: التزين للعيد بمعصية الله!
الثالثة: ما أفاده هذا الحديث من تحريم أخذ الشعر لمن أراد أن يضحي والحقيقة أن هذه المخالفات قل من ينجو منها حتى من بعض أهل العلم نسأل الله السلامة ) .

ابو الزبير الموصلي
2013-06-25, 10:25 PM
11 - إعفاء اللحية أياماً قليلة حزن على الميّت من نشر الشعر :
قال الإمام رحمه الله في ( أحكام الجنائز ) ( ص 30 ) :
( نشر الشعر، لحديث امرأة من المبايعات قالت: " كان فيما أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه، وأن لانخمش وجها ولا ندعو ويلا، ولا نشق جيبا، وأن لا ننشر شعرا ".
أخرجه إبو داود (2 / 59) ومن طريقه البيهقي (4 / 64) بسند صحيح.
وإعفاء بعض الرجال لحاهم أ ياما قليلة حزنا على ميتهم، فإذا مضت عادوا إلى حلقها! فهذا الاعفاء في معنى نشر الشعر كما هو ظاهر، يضاف إلى ذلك أنه بدعة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: " كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار ".رواه النسائي والبيهقي في " الاسماء والصفات " بسند صحيح عن جابر رضي الله عنه . ) .

الأثري العراقي
2013-06-26, 05:34 AM
جزاك الله خيراً ، ونرجو منك ـ أخي ـ في مثل هكذا مواضيع ـ ؛ أن تراعيها مزيد إهتمام ـ من حيث ( الترتيب ) ، و ( التنضيد ) ـ ؛ لتكون أبلغ في الفهم ، وأكثر تشويقاً للقراء ..
وفقك الله