المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نحو تجديد الفقه السِّياسيِّ الإسلاميِّ - للشيخ مختار الطيباوي


ابو الزبير الموصلي
2013-07-08, 09:24 AM
نحو تجديد الفقه السِّياسيِّ الإسلاميِّ

شبهاتٌ فِي الفِقْهِ السِّيَاسِيِّ عِنْدَ بَعْضِ الإِسْلَامِيِّينَ
طَبِيْعَةُ الصِّرَاعِ الإِسْلَامِيِّ العَلْمَانِيِّ
والتَّأثيرات العلمانيَّة الخفيَّة في الفكرِ السِّياسيِّ لدى بعض الإسلاميِّين

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

الحمد لله وحده، و الصَّلاة و السَّلام على من لا نبيّ بعده.
أمَّا بعدُ:
بعض النَّاس ـــــــــ ممَّن يجد ضيقًا في صدره مِن الإمام أحمد، ومن شيخ الإسلام ابن تيميَّة ( رحمهما الله) ويريد أن يتخلَّص منهما في منهجيَّته العلميَّة ـــــــــ يبدأُ خطابه السَّياسيَّ (مصادرةً على المطلوب) بتقسيم السَّلفيَّة إلى سلفيَّة مجدِّدة و سلفيَّة محافظة، سلفيَّة قبل العصر العبَّاسيِّ، و سلفيَّة بعد العصر العبَّاسيِّ (؟!)
وهو نوع من التَّحليل التَّاريخيِّ الاجتماعيِّ الَّذي بدأه مالك بن نبيِّ (رحمه الله) عندما قسَّم التَّاريخ الإسلاميَّ في كتابه (مشكلة الأفكار) إلى ما قبل عصر الموحِّدين، وما بعد عصر الموحِّدين.
ولا شكَّ أنَّه يوجد في السَّلفيِّين هذا التَّقسيم، ولكن ما المقصود بالتَّجديد، و ما المقصود بالمحافظة(؟)
وما الفرق بين أهل السُّنَّة قبل العصر العبَّاسيِّ، و أهل السُّنَّة بعد العصر العبَّاسيِّ(؟)
الظَّاهر أنَّهم يريدون من هذا التَّقسيم البرهنة على آرائهم السِّياسيَّة، ولكنَّهم يبدؤون النَّاس بدعواهم هذه مِن باب المقدِّمة المسلمة و المصادرة على المطلوب(!!)
وصاحب هذا التقسيم لم يستطع من خلال مقالاته العديدة أن يثير دليلا واحدًا مِن الكتاب و السُّنَّة بمفهوم السَّلف قبل العصر العبَّاسيِّ كافيًا على أنَّ آراء الإمام أحمد و ابن تيميَّة في السِّياسة و الإمامة مرجوحة ،لا يأخذ بها إلاَّ المقلِّد.
كذلك يقال له : إنَّ أهل السُّنَّة المعاصرين لا يريدون حلَّ مشكلات النَّاس عبر فكر ابن تيميَّة لأنَّه فكر بن تيميَّة، و لكن لأنَّ الدَّليل الشَّرعيَّ من الكتاب و السُّنَّة و الإجماع يوافق هذا الَّذي تسمِّيه "فكر ابن تيميَّة".
فهم في الحقيقة يريدون حلَّ مشكلات النَّاس عبر الحلول الشَّرعيَّة، سواء كان ممَّا نقله، أو قرَّره ابن تيميَّة، أو ابن حزم، أو غيرهما.
ويصحُّ لك هذا الادِّعاء إذا تمكَّنتَ أن تثبت لنا أنَّ فكر ابن تيميَّة في المسائل المتعلِّقة بواقع المسلمين تخالف الشَّرع.
و إذا لم تقدر على ذلك فإنَّ كلامك هذا يبقى مجرَّد شبهة تعتري كثيرا مِن النَّاس ممَّن لم يحيطوا بالمعرفة الشَّرعيَّة، مِن مصادرها الأصليَّة.
ما هي إذن المشاكل و الإشكالات الَّتي تعترض النَّاس في هذا العصر، ولم يقدر أهلُ السُّنَّة من حلِّها لأنَّهم يقلِّدون الإمام أحمد، و ابن تيمَّية ،و الفكر النَّاشئ في العصر العبَّاسيِّ (؟)
إنَّها الهيمنة الثَّقافيَّة الغربيَّة على العالم بما فيه العالم الإسلاميِّ، و تغلغل العلمانيَّة داخل المجتمعات الإسلاميَّة وفي عقول المهووسين بالسِّياسة و السُّلطة من الإسلاميِّين.
فهل منهج أهل السُّنَّة اليوم لم يستطع مقاومة هذه الهيمنة، ومقاومة العلمانيَّة لأنَّه يدعو إلى تصفية الدِّين من الدَّخيل عليه (؟!)
أم لأنَّه لم يتبن منهج التَّغيير في الفكر الاعتزاليِّ، أو حسب التَّسميَّة الشَّرعيَّة "منهج الأمر بالمعروف و النَّهيِّ عن المنكر في عقيدةِ المعتزلة" الَّتي تقتضي الاقتحام السِّياسيِّ بعنف، و استعمال القوَّة (؟)
مرَّة أخرى يظهر أنَّ عبد الله الحامد يوحِّد بين الدِّين الإسلاميِّ و بين النِّتاج الفكريِّ العامِّ للحضارة الإسلاميِّة،وينطلق في معالجته لواقع المسلمين اليوم مِن نظرة فلسفيَّة مفادها أنَّ الحياة الاجتماعيَّة تؤثِّر في نظريَّة المعرفة لدى الفرد، بحيث إنَّ رؤية الفرد تختلف من مجتمع إلى آخر.
و لذلك تراه إمَّا يُضعِّف النُّصوص المتواترة المرويَّة عند البخاريِّ ،و مسلم، و أهل السُّنن الخاصَّة بتسيير علاقة الحاكم بالمحكوم، أو يدَّعي أنَّ المفهوم السَّائد لهذه النُّصوص هو مفهوم أفرزتهُ ظروفٌ خاصَّةٌ اجتماعيَّة و سياسيَّة في العصر العبَّاسيِّ، و بالتَّالي هو مفهوم وليد تلك الظُّروف، و لا تدلُّ عليه أقوال السَّلف الصَّالح قبل العصر العبَّاسيِّ ، وهذا المفهوم الزَّمنيُّ تتَّخذه السَّلفيَّةُ اليوم منهجا و أصولا ثابتة (!!)
فيحاول استعمال مذهب التَّاريخانيَّة الَّتي تعتمد في محاولة تمييعها للنُّصوص على أنَّ هذه الأخيرة لها تاريخ و تاريخيَّة(؟!)
و حتَّى ندخل معه في صميم الموضوع نذكِّره بمرجعيَّة آرائه الَّتي يدعو إليها:
نحن نعلم أنَّ فكرتي الحرِّيَّة و المسؤوليَّة لم تعالج في الفكر الاعتزاليِّ بطريقة مباشرة ، و إنَّما اندرجت في إطار مبحث "التَّكليف"، و تحت أصل" العدل" الَّذي أدخلوا فيه مسألة الملكيَّة و أنَّه عقد يقع بالتراضيِّ، و أرادوا أن يعمموه على مسألة الإمامة.
فخلُص هؤلاء المعاصرون إلى أنَّ الحياة الاجتماعيَّة يجب أن تكون قائمةً على التَّعاقد و التَّراضي،و أنَّ القيِّمَ الوحيد على هذا المبدأ هو المجتمع المدنيُّ الَّذي يكون عبارةً عن مؤسَّسات مدنيَّة موازيَّةٍ للسُّلطة ،و معارضةٍ في مجال: القانون، والحرِّيَّات، و المراقبة السِّياسيَّة و الاجتماعيَّة و الاقتصاديَّة و الثَّقافيَّة، و المطالبة و غير ذلك.
و لذلك لا غرابة إذا قلنا: إنَّ تصوُّر الدكتور للحرِّيَّة السِّياسيَّة و الاجتماعيَّة يندرج في التَّصوُّر المعتزليِّ، و إن كان ليس بالضَّرورة أن يكون معتزليًّا.
وفي الحقيقة أخذ عبد الله الحامد و أضرابه هذه النَّظريَّة مِن العلمانيَّة، وحتَّى يسوغ لهم تمريرها ألبسوها ثوبًا إسلاميًّا، و استعاروا لذلك التَّأصيل المعتزليِّ.
ومعلوم أنَّ هذه النَّظريَّة "التَّعاقد الاجتماعيَّ" هي عبارة فضفاضة
وعليه يمكننا القول :إنَّ الدُّعاة إلى الديمقراطيَّة سواء داخل التِّيَّار العلمانيِّ العربيِّ، أو داخل التِّيَّار الإسلاميِّ السِّياسيِّ الحزبيِّ يجدون في الاعتقاد الاعتزاليِّ فيما يخصُّ نظريَّة "التَّعاقد الاجتماعيِّ" مرتعًا خصبًا في عقيدة المعتزلة في " التَّعديل و التَّجوير" و مرجعًا، و سندًا يظنُّون أنَّه يعطيهم، أو يضفي على مطالبهم السِّيساويِّة الصِّبغة الشَّرعيَّة ، لأنَّ المعتزلة انطلقوا في مفهومهم للحرِّيَّة و الاختيار من أساس شرعيٍّ و عقائديِّ إسلاميٍّ بحث ،والنَّتيجة : فإنَّ نظرتهم ليست نظرة بدعيَّة كما يزعم السَّلفيُّون (!!)
وعليه؛ فإنَّ رأي الإمام أحمد و أهل السُّنَّة والجماعة في العصر العبَّاسيِّ وهو العصر الَّذي انتشرت فيه عقيدة الاعتزال لا يمثِّل إلاَّ وجهة نظر الإمام أحمد الَّتي لا يجب أن نعتبرها هي مذهب السَّلف الصَّالح قبل العصر العبَّاسيِّ (!!)
كما لا يجب أن نخلط بين أقوال الإمام احمد الأصوليَّة الممثِّلة للأصول السَّلفيَّة وبين اجتهاده في مثل هذه المسألة.
ولو أنَّنا عدنا قليلا إلى صورة وموضوع عقيدة الحرِّيَّة و الاختيار عند المعتزلة لوجدناها كالتَّالي: يرى المعتزلة أنَّه يجب استخدام القوَّة في الأمر بالمعروف و النَّهيِّ عن المنكر، وهذا أحد أصولهم الخمسة ، فإذا جار الحاكم أو ظلم يجب الخروج عليه، و مقاومته لخلعه وتنحيته أمرًا بالمعروف و نهيًّا عن المنكر.
وحتَّى يكون الإنسان مسئولا عن أفعاله يجب أن يكون خالقًا لها لأنَّه لو خلقها الله لم يكن هذا الإنسان مسئولا عنها ، فاقتضى ذلك تحقيق حرِّيَّة الفرد بإنكار القدر (!!)
و إذا اقتضت المسؤوليَّة و الحرِّيَّة إنكار القدر فإنَّهما يقتضيان الأمر بالمعروف و النَّهيِّ عن المنكر باليد، و أنَّ اعتقاد الجبر يولد سلطة الفرد و تسلُّطه.
و إذا وجب إثبات الإنسان قادرا مسئولا عن أفعاله لتنزيه الله عن تكليف مالا يطلق كان في مقدور الإنسان تغيير جور الحاكم فلا معنى للواجب إلاَّ أن تكون قادرا مختارا أو مضطرًّا ممنوعا (!!)
و الأمر بالمعروف و النَّهيُّ عن المنكر واجب مؤكَّد فلزم على النَّاس ــــــ من باب المسؤوليَّة عن أفعالهم أمام الله ـــــــ إزالة جور و ظلم الحاكم باستعمال القوَّة (!!)
و عليه؛ قد يتبيَّن للقارئ أنَّ رد الدكتور عبد الله الحامد ـــــ وغيره من المفكِّرين المعاصرين ــــ أصول السَّلفيَّة و منهجها إلى العصر العبَّاسيِّ ليزعم أنَّهم كانوا يدافعون عن مواقف سياسيَّة معيَّنة هي مذهبهم الجبريُّ في الإمامة، لأنَّ الجبر ـــــ في عقيدة الدكتور ـــــ يقتضي التَّسليم للواقع.(!)
ومذهب أهل السُّنَّة في الإمامة يرتكز عند الدكتور عبد الحامد على أحاديث ضعيفة و عند آخرين على الجبر لأنَّه لم يكن آنذاك فرق بين الدِّين و الدَّولة فكان لابدَّ للموقف الاجتماعيِّ أن يظهر في الثوب الدِّينيِّ العقائديِّ كما عند السَّلفيِّين أو في المظهر السِّياسيِّ الحزبيِّ كما عند الخوارج و الشِّيعة (!!)
وعليه؛ كان لهذا المظهر الاجتماعيِّ الانطواء تحت تأويل ملائم لجوهر الدِّين و أصوله.
و نحن وبعد أن تفحَّصنا مضامين كلام الدكتور وجدناه يتحاكم إلى معايير اعتباطيَّة متغيِّرة تمثِّل فوضويَّة التَّفكير و القراءة لا ترجع في التَّحليل إلى المعيار الثَّابت و الشامل ، فاعتبارهما السَّلفيَّة هي مظهر لخلفية اجتماعيَّة مضطربة و لنزاع سلطويٍّ بين العائلات القرشيَّة لا يرجع لأيِّ معيار علميٍّ إلاَّ التَّقليد للمستشرقين و العلمانيِّين و الرَّافضة.(يتبع)