المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اهل الشوكة - لشيخ مختار الطيباوي


ابو الزبير الموصلي
2013-07-09, 01:58 PM
أهل الشوكة
بسم الله الرحمن الرحيم
ينتقد العلمانيون ومن سلك سبيلهم أمثال المعتزلة و الرافضة وخوارج العصر نظرية أهل الشوكة في الإمامة عند فقهاء الإسلام، و يرون أنها تكرس الاستبداد و الغطرسة ،و تمنع الشعوب من الحرية و غير ذلك ،وهم بذلك لم يفرقوا بين أمرين اثنين.
الشوكة في الإمامة لا تعني ـ بالضرورة ـ الغلبة بل تعني الفعالية ، وعليه لا يجب تفسير مذهب أهل السنة بأنه مذهب يقر الاستبداد السلطوي ، ويجعل من الملك العضوض هدفا وغاية ،ولكن أهل السنة يتكلمون في حدود المتاح الممكن، و ليسوا كالعلمانيين وعباد الكرسي يحاولون تطبيق نماذج سياسية ثقافية معقدة في بلدان غالب سكانها من الأميين ، فلا يراعوا حالة الشعوب و إمكانياتها.
(( فأهل السنة لا ينازعون في أنه كان بعض أهل الشوكة بعد الخلفاء الأربعة يولون شخصا وغيره أولى بالولاية منه، وقد كان عمر بن عبد العزيز يختار أن يولي بعده القاسم بن محمد لكنه لم يطق ذلك، لأن أهل الشوكة لم يكونوا موافقين على ذلك)){المنهاج}{550/1}.
((و حينئذ فأهل الشوكة الذين قدموا المرجوح وتركوا الراجح،أو الذي تولى بقوته وقوة أتباعه ظلما و بغيا يكون إثم هذه الولاية على من ترك الواجب مع قدرته على فعله أو أعان على الظلم،و أما من لم يظلم، ولا أعان ظالما ،و إنما أعان على البر و التقوى،فليس عليه في هذا شيء.))
و معلوم أن صالحي المؤمنين لا يعاونون الولاة إلا على البر و التقوى، لا يعاونونهم على الإثم والعدوان، ولكن إدخال البلاد في دوامة و تفريق المسلمين هو أكبر جرما من أن يولي أهل الشوكة شخصا مرجوحا.
وعليه لا محذور من اعتبار رأي أهل الشوكة إذا كانت مخالفتهم تؤدي إلى مفاسد كبيرة كالاقتتال وغير ذلك ، والديمقراطية نفسها تقر بمبدأ الشوكة والغلبة و الفعالية ، فهي تأمر بتغير الأنظمة الديكتاتورية سلميا، ولا تقر مبدأ مقاتلة الحاكم الديكتاتوري الذي ولاه أهل الشوكة وهم في العصر الحديث العسكر ، وتطلب بالتغيير السياسي سلميا ، فكذلك مذهب أهل السنة يطلب بتغيير النظام الفاسد سلميا بالنصيحة والأمر بالمعروف و النهي عن المنكر وتوعية الفاعليات الاجتماعية المختلفة ، وهذا يتجلى من خلال قولهم : ((ينبغي أن يولى الأصلح للولاية إذا أمكن إما وجوبا عند أكثرهم ،و إما استحبابا عند بعضهم، و أن من عدل عن الأصلح مع قدرته لهواه فهو ظالم، ومن كان عاجزا عن تولية الأصلح مع محبته لذلك فهو معذور)).
فهذا مذهب في غاية الوضوح و القوة، و يرتكز على شرعية نصوصية قوية ، وعليه فليس أهل السنة أعوانا للمستبدين بأموال الشعوب و المضايقين لحقوق الناس و غير ذلك ، ولكنهم يميزون بين طرق التولية و يراعون المصالح درءا للمفاسد ، فلا يجب وفق مذهبهم الجري وراء النظرية الجيدة و المذهب الشرعي المتمثل في تولية الأصلح، والواقع السياسي و الاجتماعي لا يمكن من تحقيقها، أو المطالبة بها بالعنف و القوة يقود إلى شر أكبر منها.
إن التفريق بين المثالية و الواقع، و التعامل مع الواقع في حدود المتاح و الممكن مع مراعاة مصالح المسلمين الكبرى، و دفع عنهم المفاسد التي تتنافى و دور وجود الدولة هو ما تحث عليه الشريعة فما بالك إن كان موافقا لرأي الغالبية .