المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : السبب الذي جعل الفرق الاسلامية تنحرف عن الصراط المستقيم


ابو الزبير الموصلي
2013-07-15, 03:34 PM
قال الشيخ عبدالمالك الرمضاني في كتابه الماتع مدارك النظر في السياسة...

لكن الذي جعل الفرق الإسلامية تنحرف عن الصراط هو إغفالها ركناً ثالثاً جاء التنويه به في الوحيين جميعاً، ألاَ وهو (فَهْمُ السلف الصالح للكتاب والسنة).
وقد اشتملت سورة الفاتحة على هذه الأركان الثلاثة في أكمل بيان:
فقوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ} اشتمل على ركني الكتاب والسنة، كما سبق.

وقوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} اشتمل على فهم السلف لهذا الصراط، مع أنه لا يشكّ أحد في أن من التزم بالكتاب والسنة فقد اهتدى إلى الصراط المستقيم، إلا أنه لما كان فَهْم الناس للكتاب والسنة منه الصحيح ومنه السقيم، اقتضى الأمرُ ركْناً ثالثاً لرفع الخلاف، ألا وهو تقييدُ فَهْم الأخلاف بِفَهْم الأسلاف؛

قال ابن القيم: " وتأمل سراً بديعاً في ذِكْر السبب والجزاء للطوائف الثلاثة بأوجز لفظ وأخصره؛ فإن الإنعام عليهم يتضمن إنعامه بالهداية التي هي العلم النافع والعمل الصالح..

وقال: " فكلُّ من كان أعرف للحق وأتبع له كان أولى بالصراط المستقيم، ولا ريب أن أصحاب رسول الله و رضي الله عنهم هم أولى بهذه الصفة من الروافض ... ولهذا فسَّر السلف الصراط المستقيم وأهله بأبي بكر وعمر وأصحاب رسول الله ..انتهى

وفي هذا تنصيص منه ـ رحمه الله ـ على أن أفضل من أنعم الله عليه بالعلم والعمل هم أصحاب رسول الله ؛ لأنهم شَهِدوا التنزيل، وشاهَدوا من هدي الرسول الكريم ما فهموا به التأويل السليم، كما قال ابن مسعود : " من كان منكم مُسْتَنًّا فلْيستنَّ بمَن قد مات، فإن الحيّ لا تُؤْمَن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد e، كانوا أفضل هذه الأمة، وأبرَّها قلوباً، وأعمقها عِلْماً، وأقلّها تكلُّفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيّه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتَّبِعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم؛ فإنهم كانوا على الهدي المستقيم

وقال أيضا: " إنَّ الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد e خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيّه، يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسَناً فهو عند الله حسن، وما رأوا سيِّئاً فهو عند الله سيّء "

إذًا فالمسلمون المقصودون لابن مسعود هم الصحابة y؛ قال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ: " أصول السنة عندنا التمسُّك بما كان عليه أصحاب رسول الله e والاقتداء بهم "
.
ومَن حظيَ برضى الله مِن بعدهم فلاقتدائه بهديهم، قال الله تعالى: {والسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ}.

وقد جاء تحديد زمن السلف الذين لا تجوز مخالفتهم بإحداث فهْم لم يفهموه، في حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله صل الله عليه وسلم ...(خيرُ الناسِ قَرْني، ثم الَّذين يَلُونَهم، ثم الَّذين يَلُونَهم، ثم يجيءُ قومٌ تَسبقُ شهادةُ أحدهم يمينَه، ويمينُه شهادتَه ) متفق عليه.

ولهذا الأصل نظائر وأدلة من الكتاب والسنة، منها قول الله تعالى: {ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً}، والشاهد هنا في ضمّ مجانبة سبيل المؤمنين إلى مشاقَّة الرسول لاسْتحقاق هذا الوعيد الشديد، مع أن مشاقَّة الرسول وحده كفيلةٌ بذلك كما قال الله تعالى: {إنَّ الَّذينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى لَن يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً وسَيُحبِطُ أَعْمالَهُمْ}

ومنها ما رواه عبد الله بن لحي عن معاوية بن أبي سفيان أنه قام فينا فقال: ألاَ إن رسول الله e قام فينا فقال: ألاَ إن مَن قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة « رواه أبو داود وغيره وهو صحيح.

والشاهد هنا في وصف الفرقة الناجية بالجماعة، والعدول عن إضافتها إلى الكتاب والسنة، مع أنها لا يمكن أن تخرج عنهما قط؛ والسر في ذلك يكمن في التنبيه على الجماعة التي فهمت نصوص الوحيين وعملت بهما على مراد الله ورسوله، ولم يكن يومئذ جماعة إلا أصحاب رسول الله e، ولذلك صحَّح أهل العلم ـ في الشواهد ـ اللفظ الآخر الوارد في هذا الحديث من رواية
الحاكم وغيره وهو قوله e في وصف الفرقة الناجية: (( ما أنا عليه اليوم وأصحابي )).

ومنها ما رواه أبو داود وغيره بسند صحيح لغيره عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله موعظة بليغة، ذرَفت منها العيون ووجِلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله! كأن هذه موعظة موَدِّع فماذا تعهد إلينا؟ فقال: » أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإنْ عبداً حبشيًّا؛ فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسَّكوا بها وعَضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدَثة بدعة، وكل بدعة ضلالة

والشاهد هنا في الجمع بين اتباع السنة النبوية وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، ثم تأمل كيف جعل النبي e كلمته هذه وصيّته لأمته من بعده لتعلم صدق القول بأصالة هذا المنهج، ثم تأمل كيف قابل الاختلاف بالتزام هذا المنهج لتعلم أن ضابط ( فَهْم السلف الصالح ) سبب النجاة من التفرُّق،

قال الشاطبيّ ـ رحمه الله ـ: " فقرن ـ كما ترى ـ سنّة الخلفاء الراشدين بسنّته، وأن مِن اتّباع سنّته اتّباع سنّتهم، وأن المحدثات خلاف ذلك، ليست منها في شيء؛ لأنهم
فيما سَنُّوا: إمّا متَّبِعون لسنّة نبيّهم عليه السلام نفسها، وإمّا متّبِعون لما فهموا من سنّته e في الجملة والتفصيل على وجه يخفى على غيرهم مثلُه، لا زائدة على ذلك ..

وقد جعلتُ هذه النصوص من النظائر والأدلة على تأصيل ما أنا بصدده؛ لأنني وجدت ابن أبي العز نزع بها عند شرحه قول الطحاوي: " ونتَّبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفُرقة

تطبيق:لبيان ضرورة تقييد فهم الكتاب بالسنة، وتقييد فهم الكتاب والسنة بما كان عليه السلف الصالح، أُورد هنا قصة جرَت أيام محنة الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ؛ لأبيِّن بها المقصودَين في آنٍ واحد، قال الآجرّي ـ رحمه الله ـ..

" بلغني عن المهتدي ـ رحمه الله تعالى ـ أنه قال: ما قطع أَبي ـ يعني الواثق ـ إلا شيخ جيء به من المصيصة، فمكث في السجن مدة، ثم إن أبي ذكره يوما فقال: علي بالشيخ، فأُتي به مقيَّدا، فلما أُوقف بين يديه سلَّم عليه، فلم يرُدَّ عليه السلام، فقال له الشيخ: يا أمير المؤمنين! ما استعملتَ معي أدب الله تعالى ولا أدب رسوله e؛ قال الله تعالى: {وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أو رُدُّوها}، وأمر النبي e بردّ السلام؟! فقال له: وعليك السلام. ثم قال لابن أبي دُؤاد: سَلْهُ، فقال: يا أمير المؤمنين! أنا محبوس مقيَّد، أُصلّي في الحبس بتيمم، مُنِعتُ الماء، فمُر بقيودي تُحَلّ، ومر لي بماء أتطهر وأصلي، ثم سَلْني، قال: فأمر فحُلَّ قيده، وأمر له بماء، فتوضأ وصلى، ثم قال لابن أبي دؤاد: سلْهُ، فقال الشيخ: المسألة لي، تأْمُره أن يجيبني، فقال: سل، فأقبل الشيخ على ابن أبي دؤاد يسأله فقال: أخبرني عن هذا الأمر الذي تدعو الناس إليه، أشيء دعا إليه رسول الله e؟ قال: لا! قال: فشيء دعا إليه أبو بكر الصديق t بعده؟ قال: لا! قال: فشيء دعا إليه عمر بن الخطاب t بعدهما؟ قال: لا! قال الشيخ: فشيء دعا إليه عثمان بن عفان بعدهم؟ قال: لا! قال: فشيء دعا إليه علي بن أبي طالب t بعدهم؟ قال: لا! قال الشيخ: فشيء لم يدعُ رسول الله e ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي رضي الله تعالى عنهم تدعو أنت الناس إليه ؟! ليس يخلو أن تقول: علِموه أو جهِلوه؛ فإن قلتَ: علِموه وسكتوا عنه، وسِعَنا وإياك ما وَسِع القوم من السكوت، فإن قلتَ: جهِلوه وعلِمتُه أنا، فيا لُكَعُ بن لكع! يجهل النبي e والخلفاء الراشدون رضي الله تعالى عنهم شيئا وتعْلمه أنت وأصحابك؟! قال المهتدي: فرأيتُ أبي وثب قائماً ودخل الحيرى()، وجعل ثوبه في فيه يضحك، ثم جعل يقول: صدق، ليس يخلو من أن نقول: جهلوه أو علموه، فإن قلنا: علِموه وسكتوا عنه، وسِعَنا من السكوت ما وسِع القوم، وإن قلنا: جهلوه وعلمته أنت، فيا لكع بن لكع! يجهل النبي e وأصحابه رضي الله تعالى عنهم شيئا تعلمه أنت وأصحابك؟! ثم قال: يا أحمد! قلت: لبيك، قال: لستُ أعنيك، إنما أعني ابن أبي دُؤاد، فوثب إليه فقال: أعط هذا الشيخ نفقةً وأخرجه عن بلدنا ".
وفي رواية أوردها الذهبي في » السير «: " .. وسقط من عينه ابن أبي دُؤاد، ولم يَمتحن بعدها أحداً "، وفي رواية: " قال المهتدي: فرجعتُ عن هذه المقالة، وأظن أن أبي رجع عنها منذ ذلك الوقت"().
قلت: تأمل! فإن ردَّ الشيخ هذا الأمرَ العظيمَ إلى سيرة السلف الصالح رفع الخلاف مباشرة وكان سبب هداية الواثق والمهتدي إلى ما جاء ذكره في القصة، فهذا يدلّك على أنه تأصيل دقيق، فاحفظه!

تنبيه
إذا اختلف سلفنا الصالح في مسألة ما كان تحكيم الدليل من الكتاب والسنة هو المسلك الوحيد، لقول الله تعالى: {فإن تَنَازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}، وكلمة {شَيْءٍ} هنا نكرةٌ في سياق الشَّرط، فتَعُمّ كل اختلاف التضاد في الأصول والفروع، كما أشار إليه العلاّمة محمد الأمين الشنقيطي

وقال ابن القيم: " ولو لم يكن في كتاب الله وسنة رسوله بيانُ حُكْمِ ما تنازَعوا فيه ولم يكن كافياً، لم يَأمر بالرَّدِّ إليه؛ إذ مِن الممتنِع أن يَأمر تعالى بالرَّدّ عند النزاع إلى مَن لا يوجَدُ عنده فَصْلُ النزاع

نسائم الهدى
2013-07-15, 09:30 PM
ماشاء الله توضيح رائع

بارك الله فيكم

وجزاكم ربي خيراً