المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فذهب ما فيها من الإشراق، وبقي ما فيها من الإحراق (المثل الناري)


ابو العبدين البصري
2013-01-09, 08:23 AM
فذهب ما فيها من الإشراق، وبقي ما فيها من الإحراق

قال تعالى:{مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. (البقرة:17_20).

أي: مثلهم المطابق لما كانوا عليه كمثل الذي استوقد نارا، أي: كان في ظلمة عظيمة، وحاجة إلى النار شديدة فاستوقدها من غيره، ولم تكن عنده معدة، بل هي خارجة عنه، فلما أضاءت النار ما حوله، ونظر المحل الذي هو فيه، وما فيه من المخاوف وأمنها، وانتفع بتلك النار، وقرت بها عينه، وظن أنه قادر عليها، فبينما هو كذلك، إذ ذهب الله بنوره، فذهب عنه النور، وذهب معه السرور، وبقي في الظلمة العظيمة والنار المحرقة، فذهب ما فيها من الإشراق، وبقي ما فيها من الإحراق، فبقي في ظلمات متعددة:

1_ ظلمة الليل.

2_ وظلمة السحاب.

3_ وظلمة المطر.

4_ والظلمة الحاصلة بعد النور.

فكيف يكون حال هذا الموصوف؟

فكذلك هؤلاء المنافقون، استوقدوا نار الإيمان من المؤمنين، ولم تكن صفة لهم، فانتفعوا بها وحقنت بذلك دماؤهم، وسلمت أموالهم، وحصل لهم نوع من الأمن في الدنيا، فبينما هم على ذلك. إذ هجم عليهم الموت، فسلبهم الانتفاع بذلك النور، وحصل لهم كل هم وغم وعذاب، وحصل لهم ظلمة القبر، وظلمة الكفر، وظلمة النفاق، وظلم المعاصي على اختلاف أنواعها، وبعد ذلك ظلمة النار وبئس القرار .

فلهذا قال تعالى عنهم: {صُمٌّ} أي: عن سماع الخير.

{بُكْمٌ} أي : عن النطق به.

{عُمْيٌ} عن رؤية الحق.

{فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ} لأنهم تركوا الحق بعد أن عرفوه، فلا يرجعون إليه، بخلاف من ترك الحق عن جهل وضلال، فإنه لا يعقل، وهو أقرب رجوعا منهم(1 ).

قال العلامة ابن القيم: " وقال تعالى: {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون} وشبه تعالى حال المنافقين في خروجهم من النور بعد أن أضاء لهم بحال مستوقد النار وذهاب نورها عنه بعد أن أضاءت ما حوله، لأن المنافقين بمخالطتهم المسلمين وصلاتهم معهم وصيامهم معهم وسماعهم القرآن ومشاهدتهم أعلام الإسلام ومناره قد شاهدوا الضوء ورأوا النور عياناً، ولهذا قال تعالى في حقهم {فهم لا يرجعون} إليه، لأنهم فارقوا الإسلام بعد أن تلبسوا به واستناروا فهم لا يرجعون إليه.

وقال تعالى في حق الكفار {فهم لا يعقلون} لأنهم لا يعقلوا الإسلام ولا دخلوا فيه ولا استناروا به ولا يزالون في ظلمات الكفر، صم بكم عمي.

سبحان من جعل كلامه لأدواء الصدور شافياً، وإلى الإيمان وحقائقه منادياً، وإلى الحياة الأبدية والنعيم المقيم داعياً، وإلى الطريق الرشاد هادياً.

لقد أسمع منادي الإيمان لو صادف آذاناً واعية، وشفت مواعظ القرآن لو وافقت قلوباً خالية، ولكن عصفت على القلوب أهوية الشبهات والشهوات فأطفأت مصابيحها، وتمكنت منها أيدي الغفلة والجهالة فأغلقت أبواب رشدها وأضاعت مفاتيحها، وران عليها كسبها فلم ينفع فيها الكلام، وسكرت بشهوات الغي وشهادة الباطل فلم تصغ بعده إلى الملام، ووعظت بمواعظ أنكى فيها الأسنة والسهام، ولكن ماتت في بحر الجهل والغفلة وأسر الهوى والشهوة، وما لجرح بميت إيلام( 2).

قلت: فلنتأمل هذا المثل العظيم الذي ضربه الله لنا في كتابه العظيم في حال المنافقين الذين سمعوا تلك الكلمة العظيمة: ( لا إله إلا الله ) فلم يلقوا لها بالاً ولم يرفعوا بها رأساً بل قالوها بقلوب كاذبة فلم تنفعهم أحوج ما كانوا إليها.
وليكن المؤمن على ذكر من هذا: (المثل الناري) الذي ذكره الجبار في كتابه كي لا يكون في الموقف الذي مر به هؤلاء المنافقون نسأل الله جل في علاه أن يعيذنا وإياكم من النفاق صغيره وكبيره .
هذا ما أردت التذكير به نسأل الله أن يتولانا في الدنيا ولآخرة.



______________
( 1) انظر تفسير تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام الرحمن: (ص44). للعلامة السعدي رحمه الله تعالى .
(2 ) الوابل الصيب من الكلم الطيب: (56).

ابو العبدين البصري
2013-01-09, 08:26 AM
(المثل المائي)

ثم قال تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} يعني: أو مثلهم كصيب، أي: كصاحب صيب من السماء، وهو المطر الذي يصوب، أي: ينزل بكثرة، {فِيهِ ظُلُمَاتٌ} ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمات المطر، {وَرَعْدٌ} وهو الصوت الذي يسمع من السحاب، {وَبَرْقٌ} وهو الضوء اللامع المشاهد مع السحاب.

{كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ} البرق في تلك الظلمات {مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} أي: وقفوا.

فهكذا حال المنافقين، إذا سمعوا القرآن وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده، جعلوا أصابعهم في آذانهم، وأعرضوا عن أمره ونهيه ووعده ووعيده، فيروعهم وعيده وتزعجهم وعوده، فهم يعرضون عنها غاية ما يمكنهم، ويكرهونها كراهة صاحب الصيب الذي يسمع الرعد، ويجعل أصابعه في أذنيه خشية الموت، فهذا تمكن له السلامة.

وأما المنافقون فأنى لهم السلامة، وهو تعالى محيط بهم، قدرة وعلما فلا يفوتونه ولا يعجزونه، بل يحفظ عليهم أعمالهم، ويجازيهم عليها أتم الجزاء.

ولما كانوا مبتلين بالصمم، والبكم، والعمى المعنوي، ومسدودة عليهم طرق الإيمان، قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} أي: الحسية، ففيه تحذير لهم وتخويف بالعقوبة الدنيوية، ليحذروا، فيرتدعوا عن بعض شرهم ونفاقهم، {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فلا يعجزه شيء، ومن قدرته أنه إذا شاء شيئا فعله من غير ممانع ولا معارض(1 ).

قال العلامة ابن القيم _رحمه الله تعالى_: "والمثل الثاني قوله تعالى: {أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين} الصيب المطر الذي يصوب من السماء أي ينزل منها بسرعة وهو مثل القرآن الذي به حياة القلوب كالمطر الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان، فأدرك المؤمنين ذلك منه، وعلموا ما يحصل به من الحياة التي لا تخطر لها، فلم يمنعهم منها ما فيه من الرعد والبرق وهو الوعيد والتهديد والعقوبات والمثلات التي حذر الله بها من خالف أمره، وأخبر أنه منزلها بمن كذب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو ما فيه من الأوامر الشديدة كجهاد الأعداء والصبر على الأمر أو الأوامر الشاقة على النفوس التي هي بخلاف إرادتها فهي كالظلمات والرعد والبرق، ولكن من علم مواقع الغيث وما يحصل به من الحياة لم يستوحش لما معه من الظلمة والرعد والبرق، بل يستأنس لذلك ويفرح به لما يرجو من الحياة والخصب.

وأما المنافق فإنه عمي قلبه لم يجاوز بصره الظلمة ولم ير إلا برقاً يكاد يخطف البصر، ورعداً عظيماً وظلمة، فاستوحش من ذلك وخاف منه، فوضع أصابعه في أذنيه لئلا يسمع صوت الرعد، وهاله ذلك البرق وشدة لمعانه وعظم نوره فهو خائف أن يختطف معه بصره، لأن بصره أضعف من أن يثبت معه، فهو في ظلمة يسمع أصوات الرعد القاصف، ويرى ذلك البرق الخاطف، فإن أضاء له ما بين يديه مشى في ضوئه، وأن فقد الضوء قام متحيراً لا يدري أين يذهب، ولجهله لا يعلم أن ذلك من لوازم الصيب الذي به حياة الأرض والنبات وحياته هو في نفسه، بل لا يدرك إلا رعداً وبرقاً وظلمة ولا شعور له بما وراء ذلك، فالوحشة لازمة له، والرعب والفزع لا يفارقه، وأما من أنس بالصيد وعلم أنه لا بد فيه من رعد وبرق وظلمة بسبب الغيم، أستأنس بذلك ولم يستوحش منه، ولم يقطعه ذلك عن أخذه بنصيبه من الصيب.

فهذا مثل مطابق للصيب الذي نزل به جبريل صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من عند رب العالمين تبارك وتعالى على قلب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليحيي به القلوب والوجود أجمع، اقتضت حكمته أن يقارنه من الغيم والرعد والبرق ما يقارن الصيب من الماء، حكم بالغة وأسباباً منتظمة نظمها العزيز الحكيم.

فكان حظ المنافق من ذلك الصيب سحابه ورعوده وبروقه فقط، لم يعلم ما وراءه فاستوحش بما أنس المؤمنين، وارتاب بما اطمأن به العالمون، وشك فيما يتقيه المبصرون العارفون، فبصره في المثل الناري كبصر الخفاش نحو الظهيرة، وسمعه في المثل المائي كسمع من يموت من صوت الرعد، وقد ذكر عن بعض الحيوانات أنها تموت من سمع الرعد.

وإذا صادف هذه العقول والأسماع والأبصار شبهات شيطانية، وخيالات فاسدة، وظنون كاذبة، حالت فيها وصالت، وقامت بها وقعدت، واتسع فيها مجالها، وكثر بها قيلها وقالها، فملأت الأسماع من هذيانها، والأرض من دواوينها، وما أكثر المستجيبين لهؤلاء والقابلين منهم والقائمين بدعوتهم والمحامين عن حوزتهم والمقاتلين تحت ألويتهم والمكثرين لسوادهم.

ولعموم البلية هم وضرر القلوب بكلامهم هتك الله أستارهم في كتابه غاية الهتك وكشف أسرارهم غاية الكشف، وبين علاماتهم وأعمالهم وأقوالهم، ولم يزل عز وجل يقول: (ومنهم.. ومنهم.. ومنهم) حتى انكشف أمرهم، وبانت حقائقهم وظهرت أسرارهم.

وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في أول سورة البقرة أوصاف المؤمنين والكفار والمنافقين، فذكر في أوصاف المؤمنين ثلاث آيات، وفي أوصاف الكفار آيتين، وفي أوصاف هؤلاء بضع عشرة آية، لعموم الابتلاء بهم وشدة المصيبة بمخالطتهم، فإنهم من الجلدة، مظهرون الموافقة والمناصرة، بخلاف الكافر الذي قد تأبد بالعداوة وأظهر السريرة ودعا لك بما أظهره إلى مزايلته ومفارقته( 2).


_________________
( 1) انظر تفسير تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام الرحمن: (ص44_). للعلامة السعدي رحمه الله تعالى .
( 2) الوابل الصيب من الكلم الطيب: (ص56).

ابو الحسين الأثري
2013-01-09, 09:01 AM
دررٌ ياأبا العبدَين
جزيتَ الجنة وبورك فيك ...

الحياة أمل
2013-01-09, 08:47 PM
[...
نفعنآ الله بمآ نقلتم
وكتب أجركم ~ بآرك فيكم
::/

ابو العبدين البصري
2013-01-13, 07:44 PM
دررٌ ياأبا العبدَين
جزيتَ الجنة وبورك فيك ...



[...
نفعنآ الله بمآ نقلتم
وكتب أجركم ~ بآرك فيكم
::/

بارك الله فيكما .