المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقال جيد عن العراق ( المالكي يرسخ التشيع في بغداد


سمير
2013-07-26, 11:54 AM
المالكي يرسخ التشيع في بغداد
الأربعاء 13 مارس 2013
More Sharing ServicesShare|Share on facebookShare on twitterShare on emailShare on print



عبد الحميد الكاتب - كاتب عراقي

خاص بالراصد
لا يختلف المراقبون والمتابعون للشأن العراقي بأن "الصراع على بغداد" يمثل جوهر الأزمة القائمة منذ عام 2003، فهذا ما يؤمن به طرفا الصراع (السنة والشيعة)، ولا يتورعون من التصريح به.
فالشيعة كان بإمكانهم الاكتفاء بالجنوب والوسط حيث: أكثريتهم السكانية، والثروة النفطية، ومراقدهم - المقدسة حسب معتقدهم - وهذه العناصر الثلاثة تؤمّن لهم ما كانوا يطمحون إليه من حرية دينية وانتعاش اقتصادي وانعتاق من الحكم السني، إلا أن سعيهم للسيطرة على بغداد يحمل عدة أبعاد منها:
1- السعي للسيطرة على العراق عبر السيطرة على عاصمته السياسية (بغداد)، وهو أمر ثابت بالتجربة واستقراء التاريخ، فضلاً عن أن الواقع يصدقه ويؤكده؛ فبعد انتهاء المرحلة الأولى من عملية تشييع بغداد بواسطة مليشيات الصدر خلال عامي (2006-2007)، امتدت أطماع الحكومة إلى كركوك ومناطق الأكراد، وشكلت قوات "عمليات دجلة" التي استفزت قادة إقليم كردستان ودعتهم للاستنفار والتحشيد العسكري والتهديد بالانفصال والاستقلال واتهام رئيس الحكومة نوري المالكي بالدكتاتورية.
وقبل ذلك امتدت أيدي الشيعة إلى سامراء وعملوا من أجل عزلها عن محافظة صلاح الدين السنية وإعلانها محافظة شيعية مقدسة!
2- السعي لإخضاع عاصمة العراق "الثقافية والتاريخية والروحية" للمذهب والثقافة الشيعية، فالسيطرة على بغداد تعني انتزاعها من جسد الوطن العربي والأمة الإسلامية وضمها إلى البلاد الخاضعة للحكم الشيعي وهو انتصار معنوي كبير يضاف إلى الإنجاز المادي (السياسي والعسكري) فبغداد تمثل أهم معالم الحضارة الإسلامية والعربية.
في الجانب المقابل أحسّ العرب السنة بتهديد يستهدف وجودهم منذ أن بدأ إبراهيم الجعفري (رئيس الوزراء السابق) بتنفيذ مشروعه الاجتثاثي عبر قوات وزارة الداخلية وما عُرف حينها بـ (فرق الموت)، وتأكدت هذه القناعة بعد أحداث سامراء (شباط 2006) حيث أصبح التحذير من "تشييع بغداد وطرد السنة منها" شائعاً في أحاديث السياسيين السنة وفصائل المقاومة، وقد اعترفت بعض القوى السنية عام 2008 بأن المليشيات الصدرية نجحت في السيطرة على بغداد وتحويلها إلى مدينة شيعية.
وبعد انطلاق الانتفاضة السنية (أواخر كانون الأول 2012) سارع المتظاهرون إلى التصعيد مطالبين بتأدية صلاة الجمعة في الأعظمية (أكبر المناطق السنية شرق بغداد)، وهو ما أرعب الحكومة ودفعها لاتخاذ جملة من الإجراءات للحيلولة دون وصول أبناء المحافظات السنية إليها، فيما واصل المعتصمون التأكيد على مطلبهم وهو "الوصول إلى بغداد" وتحريرها وفتحها وتخليصها من قوى التسلط الطائفي، وهو مطلب نابع من قناعة راسخة بأن الحسم لا يكون إلا في بغداد.

المالكي وتعزيز النفوذ الشيعي في بغداد
لم يكتفِ المالكي بالإنجاز الذي حققه الصدريون خلال عامي (2006 و2007) والمتمثل بتحويل السنة في بغداد إلى أقلية مستضعفة، وإنما شرع في المرحلة الثانية من عملية "تشييع بغداد" والتي تهدف إلى ترسيخ ودعم نتائج الإنجاز الميداني الذي حققته مليشيات الصدر، وسنلخص هنا أهم ما قام به المالكي وحكومته لتعزيز الوجود الشيعي في بغداد على مختلف المستويات.

أولاً : المستوى الديني
منذ أن تولى المالكي رئاسة الوزراء (حزيران 2006) وحتى يومنا هذا، تأسست في بغداد عدة جامعات شيعية أبرزها:
1- كلية الإمام الكاظم للعلوم الإسلامية الجامعة عام 2008 .
2- جامعة الإمام جعفر الصادق عام 2008، والتي اتخذت من جامعة البكر للدراسات العسكرية (سابقاً) مقراً لها، وذلك بعد استيلاء (حسين الشامي – مستشار المالكي ورئيس ديوان الوقف الشيعي سابقاً) على الأراضي والمنشآت التابعة لجامعة البكر عبر صفقة فاسدة مع وزارة الدفاع([1]).
3- كلية أصول الدين الجامعة والتي افتتحها المالكي يوم 30/1/2013.
وقد أسس هذه الكلية المرجع الشيعي مرتضى العسكري عام 1964 وهي من أوائل الكليات الأهلية المعترف بها من قبل وزارة التعليم العالي لكنها أغلقت من قِبل النظام السابق عام 1976.
ولعل انتشار هذه المؤسسات التعليمية الدينية إلى جانب وجود ضريح موسى الكاظم (شمال غرب بغداد) ساهم في تحويل العاصمة إلى مدينة شيعية مقدسة تستقطب طلابهم وزوار مراقدهم.

ثانياً: المستوى الأمني والعسكري
عمل المالكي على تعزيز قوته العسكرية والأمنية في العاصمة من خلال أمرين:
1- استحداث تشكيلات عسكرية وأجهزة أمنية مرتبطة بمكتبه، ويتبع لهذه الفرق معتقلات ومراكز استجواب وتحقيق، ومنها (قوات عمليات بغداد، جهاز مكافحة الإرهاب، لواء 56، قوات "سوات" الخاصة).
2- زيادة نفوذ حزب الدعوة في وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية والاستخبارية المهمة، فمعظم الضباط الكبار في الوزارة يوالون أو ينتمون لحزب الدعوة، وأبرزهم الوكيل الأقدم للوزارة "عدنان هادي الأسدي".
وكأن المالكي يحذو حذو الرئيس السوري السابق حافظ الأسد الذي عمل على زيادة النفوذ العلوي في صفوف المؤسسة العسكرية كما قام باستحداث أجهزة أمنية ومخابراتية كجهاز "المخابرات الجوية" وجهاز "الأمن السياسي".
ولم يقتصر المالكي على إنشاء كيانات عسكرية تابعة له، وإنما قرّب المليشيات الشيعية واعترف بها وأدخلها في الإطار السياسي الرسمي.
فـ "عصائب أهل الحق" بقيادة قيس الخزعلي تملك مقرات ومكاتب في عدد من مناطق العاصمة وتقيم استعراضاتها واحتفالاتها في وسط المدينة.
أما "كتائب حزب الله في العراق" فتصدر بياناتها المؤيدة للمالكي والمهاجمة لخصومه وتعقد مؤتمراتها التي يحضرها عدد من النواب التابعين لائتلاف المالكي، وتنتشر لافتاتها في بغداد وكأنها منظمة مدنية أو جمعية خيرية!
أما "جيش المختار" الذي أعلن واثق البطاط عن تأسيسه مؤخراً، فلا يمكننا اعتباره آخر المنتجات المليشياوية لحكومة المالكي.
ومعظم قادة هذه التنظيمات المسلحة متورطون بدماء العرب السنة أيام الحرب الطائفية (عام 2006م) وكانوا ملاحقين مطاردين وبعضهم خرج من المعتقل ليدخل إلى العملية السياسية!
وتعمل هذه المليشيات على تعزيز سلطة المالكي من خلال أمرين:
1- قمع أي محاولة سنية للتظاهر والاحتجاج، وبث الرعب في المناطق السنية عبر الأعمال التقليدية للعصابات (تهديد وتهجير، اختطاف وتعذيب، اغتيال).
2- ضرب خصوم المالكي من الشيعة، وتأديب المعارضين لسياساته وأطماعه.
يؤمن المالكي بأنه لم يصل إلى السلطة عبر المسلك الشرعي والقانوني، لذلك فهو يسعى لحماية ملكه بزيادة قوته العسكرية، كما أن أطماعه المتزايدة وعدم إيمانه بالشراكة والتوافق يجعلانه حريصاً على تدعيم "نهجه الإقصائي الأحادي" عسكرياً، وهو عادة الحكام المستبدين.

ثالثاً: التضييق على بقايا الوجود السني في العاصمة
يعمل المالكي من خلال أجهزته الأمنية والعسكرية على خنق المناطق السنية في جانبي بغداد (الكرخ والرصافة)، وتوحيد مداخل بعض الأحياء، وتطويقها بالكتل الكونكريتية ونقاط التفتيش، فيغدو الحي سجناً لأهله، ويسهل على القوات الحكومة اعتقال الشباب بطريقة عشوائية عند حصول أي تفجير أو اضطراب أمني.
وتتبع الحكومة هذه الأساليب من أجل الضغط على أبناء تلك المناطق والتضييق عليهم وتقييد حريتهم، ومراقبة الناشطين والشخصيات الفاعلة والمؤثرة في الوسط السني، وعزل الأحياء السنية (في جانب الكرخ) عن محيط العاصمة السني، حينها يلجأ السني المقيم في العاصمة إلى أحد أمرين:
- الهرب والفرار إلى مكان بعيد عن التقييد والتهديد والقلق المستمر.
- الاستسلام واليأس وتجنب المتاعب، الأمر الذي يزيد من تمكين الشيعة ولا ينجيه في نهاية المطاف من بطشهم.

رابعاً: فرض الثقافة الشيعية
لابد للقوي المنتصر أن يفرض ثقافته وأفكاره ومبادءه إن لم يكن بالإكراه - كما فعل الشاه إسماعيل الصفوي في إيران - فبالتقادم وطول الأمد وغياب التحصين العلمي والتوعية الثقافية المضادة للتيار الفكري الرسمي.
والأجواء العامة في بغداد اليوم أصبحت شيعية بحتة، فصور الأئمة والزعماء الشيعة تنتشر في كل مكان، والرايات الملونة والأعلام السوداء ترتفع فوق كثير من الأبنية، بل إن المظاهر الطائفية تنتشر في الشوارع والساحات والجامعات والوزارات والمؤسسات العامة.
وتظهر قوة التشيع في أيام المناسبات الشيعية، لتنقلب العاصمة إلى مدينة كربلائية في مظهرها العام وكافة تفاصيل الحياة فيها.
والسني في بغداد مهما كرهَت نفسه هذه التصرفات والسلوكيات المنافية للفطرة الإنسانية والشريعة الإسلامية إلا أنه سيعتاد عليها بمرور الوقت، ويصبح المنكر سابقاً عادة مألوفة وحدثاً ترتفع عنه صفة النكارة والقبح والرفض النفسي له.
أما بعض العوام السنة ومن لم يعرف حقيقة هذه الطقوس والشعائر التعبدية فقد يتابع الشيعة ويقلدهم (جهلاً أو خوفاً) فمنهم من يصنع الطعام ويوزعه يوم عاشوراء، ومنهم من يضع راية سوداء فوق منزله، ومنهم من يلبس السواد في تلك الأيام، ومنهم من يذهب لزيارة ضريح موسى الكاظم لا سيما إن كان يسكن حياً مختلطاً يغلب عليه الشيعة أو يعمل في دائرة حكومية يسيطر عليها الشيعة.
وحكومة المالكي تخصص مبالغ طائلة لإحياء هذه المناسبات، حتى تستعرض قوتها المذهبية في العاصمة، فترهب المعارضين والناقمين وتستميل الجاهلين والمستضعفين.


________________________________________
[1] - صحيفة الشرق الأوسط 1/5/2011.