المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رحلة مع كتاب الإنجيـــــــــل والصليـــــــــــب لعبد الأحد رحمه الله


ياسر أبو أنس
2013-08-14, 08:48 PM
تنبيه !

الرابط المنقول منه نص الكتاب

http://bafree.net/alhisn/showthread.php?t=17755&page=1

( يعد هذا الكتاب من أندر الكتب وأخطرها على الإطلاق …

وهذا الكتاب بالذات يعد من أهم كتب المؤلف عبد الأحد داود - رحمه الله - وهو قس مسيحي كبير أسلم ؛

وكان يجيد الكثير من اللغات ، فكان هذا الكتاب بحق من الكتب المضنون بها على غير أهلها ،

وهو مع أهميته – للأسف – نادر الوجود ، ولذلك أحببت شخصيا أن اكتبه وأضعه بين يديكم

لعل الله أن يهدي به ضالا أو يرشد به تائها ، أو يعلم به جاهلا … والله ولي التوفيق )




( مدخل تعريفي بالمؤلف )

اسمه / هو دافيد بنجامين الكلداني ، كان قسيسا للروم من طائفة الكلدان ، وبعد إسلامه تمسى بعبد الأحد داود .

مولده / ولد عام 1868م ، في أروميا من بلاد فارس ، وتلقى تعليمه الابتدائي في تلك المدينة ،

وبين عامي 1886 – 1889م كان أحد موظفي التعليم في إرسالية أساقفة " كانتر بوري " المبعوثة إلى النصارى النسطوريين

في بلدته ، وفي عام 1892م أرسل إلى روما حيث تلقى تدريبا منتظما في الدراسات الفلسفية واللاهوتية

في كلية " بروبوغاندافيد " وفي عام 1895م تم ترسيمه كاهنا ، وفي هذه الفترة شارك في كتابة سلسلة من المقالات

التي تم نشرها في بعض الصحف المتخصصة ، وبعد عودته من روما توقف في إستانبول عام 1895م

وأسهم في كتابة ونشر بعض المقالات عن الكنائس الشرقية في الصحف اليومية الإنجليزية والفرنسية .

لم يمكث طويلا في إستانبول بل عاد في نفس العام إلى بلدته ، وانضم إلى إرسالية " لازارست " الفرنسية ،

ونشر لأول مرة في تأريخ الإرسالية منشورات فصلية دورية باللغة السريانية ، وبعد ذلك بعامين انتدب

من قبل اثنين من رؤساء أساقفة الطائفة الكلدانية في بلده لتمثيل الكاثوليك الشرقيين في مؤتمر " القربان المقدس "

الذي عقد في مدينة " باري لو مونيال " في فرنسا ، وفي عام 1898م عاد إلى قريته " ديجالا وافتتح مدرسة بالمجان .

وفي عام 1899م أرسلته السلطات الكنسية إلى سالماس ، لتحمل المسئولية ، حيث يوجد نزاعات بين بعض القياديين النصارى هناك

وفي عام 1900م ألقى موعظة بليغة شهيرة ، حضرها جمع غفير من طائفته وغيرها ، وكان موضوعها :

( عصر جديد ورجال جدد ) انتقد فيها تواني بني قومه عن واجبهم الدعوي .


ما هي دوافع إسلامه ؟

يحدثنا المؤلف نفسه في كتبه عن هذه الدوافع ، ومنها :

(1) عناية الله به ، إذ يقول لما سئل : كيف صرت مسلما ؟ كتب : إن اهتدائي للإسلام لا يمكن أن يعزى لأي سبب سوى

عناية الله عز وجلب ، وبدون هداية الله فإن كل القراءات والأبحاث ، ومختلف الجهود التي تبذل للوصول إلى الحقيقة لن تكون مجدية

واللحظة التي آمنت بها بوحدانية الله ، وبنبيه الكريم صلوات الله عليه ، أصبحت نقطة تحولي نحو السلوك النموذجي المؤمن ) .

(2) ومن الأسباب التي ذكرها أيضا والتي جعلته يعلن عصيانه على الكنيسة ، أنها تطلب منه

أن يؤمن بالشفاعة بين الله وبين خلقه في عدد من الأمور ، كالشفاعة للخلاص من الجحيم ،

وكافتقار البشر إلى الشفيع المطلق بصورة مطلقة ، وأن هذا الشفيع إله تام وإنسان تام ،

وأن رهبان الكنيسة أيضا شفعاء مطلقون ، كما تأمره الكنيسة بالتوسل إلى شفعاء لا يمكن حصرهم .

(3) من واقع دراسته لعقيدة الصلب وجد أن القرآن ينكرها والإنجيل المتداول يثبتها ،

وكلاهما في الأصل من مصدر واحد ، فمن الطبيعي ألا يكون بينهما اختلاف ، ولكن وقع بينهماالاختلاف والتضاد ،

فلا بد من الحكم على أحدهما بالتحريف ، فاستمر في بحثه وتحقيقه لهذه المسألة حتى توصل إلى الحقيقة

حيث يقول :( ولقد كانت نتيجة تتبعاتي وتحقيقي أن اقتنعت وأيقنت أن قصة قتل المسيح عليه السلام وصلبه ثم قيامه من بين الأموات قصة خرافية)

(4) اعتقاد النصارى بالتثليث ، وادعاؤهم أن الصفة تسبق الموصوف كان أحد الأسباب التي دعته للخروج من المسيحية .

(5) التقى بعدد من العلماء المسلمين وبعد مواجهات عديدة معهم اقتنع بالإسلام واعتنقه .

انتهى ،،،(الإنجيل والصليب )اعتذار المؤلف

لست أجهل ما ينجم من الأضرار عن إشغال الوسط الذي لم يتكامل مستوى عرفانه بعد بالمسائل المختلف فيها كالدينية والسياسية ،

ولهذا المحذور قد اجتنبت حتى الآن الخوض في المجادلات الدينية بقدر ما كنت أتحامى وأجتنب المنازعات السياسية ،

ولكن لما شاهدت الفاجعة المدهشة التي ولدتها حروب البلقان الأخيرة

ورأيت ما وقع من الفتك بالمسلمين وهتك أعراضهم وإهراق دمائهم ، وإحراق كتابهم فهمت أن ذلك لم يكن إلا بنية محو أهل الإسلام ، بصفة تقديم ضحايا للصليب .ولما كانت قد رسخت عقيدتي الكاملة منذ اثنتي عشرة سنة بان قضية قتل المسيح وصلبه عبارة عن أسطورة منتحلة ،

قررت ان أكشف الستار عن هذه الفكرة بالأدلة القاطعة بصورة واضحة .

ان من يتدخل في المباحثات الدينية لاشك أنه يعرض نفسه لمصاعب وأخطار جمة ، وان من أكبر الخطأ الاعتداء على شعور

أرباب الأديان ووجداناتهم ، ولاسيما الذين يؤمّنون معيشتهم في ظل الدين ، والمباهاة بالانتساب إليه ،

فانهم لا يعفون عن مثل هذا التجاوز أبداً .

يجـب على من يخــتار أحد الأديان ويتصدى لنشره بين الناس أن يكون حائزاً على عدة صفات :

(أولها) ان يكون قد أتقن حسب الأصول دراسة عقائد وأحكام الدين الذي يرد عليه وينتقده ، وأستقرأ أصوله وفروعه

وان يبين ما يشتمل عليه الدين الذي يدعو إليه من القدسيات الأخروية والمحسنات الدنيوية ،

التي تؤمن السعادة الحقيقة المادية والمعنوية لنوع البشر ، بإظهار عقائده الممقولة ، وأحكامه الموافقة للمصلحة ،

وأن يبرهن على حسن نيته، وعلى أنه لا مقصد له غير خدمة الإنسانية لا بمجرد القول ،

بل بان يكون متصفاً بالأخلاق والآداب التي يلتزم نشرها وتعليمها . فان أقوال داعية الدين المتصف بهذه الصفات الجميلة

يُصغى إليها دائماً بصورة حسنة . وأما إن كان على ضد ذلك فلاشك في أنه يزيد الاختلاف والعداوة الدينية شدة.

هذا - وان للعقل وحده الصلاحية في إدراك الدين الحق والتصديق بصحته ، والقلوب مستعدة دائماً بفطرتها ،

ومهيأة بطبيعتها لحب الحقائق والميل الوجداني إليها . فمن الضروري إذاً الحصول على العقل المهذب المثقف بالعلم والتربية ،

والوجدان الطاهر المشغوف بحب الخير والشعور المعتاد للمحاسن والفضائل .

وانني أقول عن نفسي أنني اشتغلت مدة طويلة بالبحث الديني والدرس حسب الأصول المتبعة ، وتخرجت في سلك الرهبان ،

واني أعد نفسي سعيداً بأنني لا أزال إلى اليوم محترماً مكرماً لدى أشراف الملة الأثورية التي أفتخر بالانتساب إليها ،

ولدى رؤسائها الروحانيين أيضاً. واني أوكد بوجداني ان الأسس الدينية التي اتخذتها ليست إلا ثمرة تلك الحرمة والمكانة

مع الدرس والبحث العقلي . ولقد تجشمت ترك أموالي ودياري في سبيل الدين الذي اعتنقته إذ اعتقدته حقاً .

ولم تثن عزمي تلك الشدائد التي اعترضتني في تلك الثماني أو التسع السنين الأخيرة التي قضيتها في القسطنطينية

ولا أزال دائباً على مزاولة مهمتي بكل سكون وسكينة .

ان نتيجة تتبعاتي وأبحاثي الدينية هي انه لما كان الصليب هو موضوع الأناجيل ،

وأساس الدين المسيحي في الحال الحاضر كانت علوياته الدينية عبارة عن التثليث والتجسد الإلهي ،

ومقدساته المذهبية عبارة عن الكهنوت الكفارة أي انه عبارة عن الاعتراف بأن في الألوهية

ثلاثة أقانيم حائزة على صفات مخصوصة إلهية ، تعامل نوع البشر على الأرض بالعفو والمغفرة .

ويدعون أن الأقنوم الثاني الإلهي الذي تجسد قد خلص الإنسان من الخطيئة ومن أسر الشيطان بصيرورته فداء على الصليب

كما يحق عدل الأقنوم الإلهي الأول .

فالنصرانية إذاً تقيم التثليث والثالوث مقام التوحيد والوجدانية ، تستعيض عن المساواة والاخوة والعدالة الصارمة الكافلة

لتأمين السعادة الحقيقية بين الناس على الأرض بالعفو والمغفرة الحاصلة من مصلوب متخيل .

وتستعيض عن النبي العام الممتاز بتأسيس السلام والمسالمة على الأرض بالإله المتجسد المقتول مصلوباً محقراً

فكتابي هذا الصغير الذي وضعته من غير كفاءة أمام الأنظار العامة يبحث عن معنى

(الإنجيل والصليب)

ومن الله التوفيق .

المؤلف :عبدالاحد داؤود

يتبع الكتاب بتمامه

ياسر أبو أنس
2013-08-14, 08:49 PM
إن قضية صلب المسيح وقتله المدعاة هي من أهم المسائل التي تأصل الخلاف فيها بين الإسلامية والنصرانية .

ولو اعتبرت المسئلة المذكورة كواقعة تاريخية لما كان لها من أهمية دينية فقط . لان الكثير من الأنبياء العظام

قد ارتحلوا إلى دار البقاء بجريمة القتل . ولو كان المسيح صلب وقتل حقيقة لما عد ذلك واقعة فوق العادة

ولا شيئاً فوق الإمكان . فقد قتل شهيداً من قبل بأيدي الكفار كل من أرميا ويحي وزكريا وكل مولود يموت

ولكن كيفية شهادة المسيح وصلبه لم يتناقش فيها بهذا الاعتبار ، فان الصليب في نظر النصارى

ومن حيث تمثيله التثليث هو أساس قواعد الدين ، اي ان النصرانية قائمة على الصليب ،

فالصليب عندهم مذبح عليه ذبح المعصوم . والصليب في زعمهم أكبر واقعة فجيعة في الكائنات ،

والصليب أساس الكنيسة تماماً ، والصليب عماد الإنجيل ، كما أن الصليب في اعتقادهم علامة يوم الحشر

فالذي يؤمن به لا يهلك أبداً بل تكون له الحياة الأبدية ... !


يجب أن نوضح هذه العبارات التي تترك علماء الأمة الإسلامية والمتفكرين من أهل الحياد في حيرة .

أساس العقيدة النصرانية ان أبوينا الأولين (آدم وحواء) عليهما السلام لما كانا في جنة عدن

فوسوس إليهما إبليس الذي كان في شكل الحية وأغراهما فأكلا من الشجرة المحرمة عليهما فلما عصيا ربهما

وارتكبا ما نهى عنه طردا وأخرجا من الجنة المذكورة ، وكانت نتيجة شؤم العصيان أن وصم جميع النوع البشري

بالذنب المغروس وهكذا كان نسل آدم المتسمم بهذا الذنب مستحقاً لعذاب نار جهنم الأبدي .

إن العدالة الإلهية حكمت على مجموع النوع الآدمي الذي تعدى حدود الشريعة بالهلاك الأبدي

ولكن رأفة الله وإحسانه اقتضيا تخليصه وتبرئته ، فالجاني الذي خرق قانون العدالة بارتكابه الجريمة

يجب عليه أن يرتق الخرق الذي أحدثه ، فكذلك كان على نوع البشر أيضاً ان يقدم ترضية للقانون الإلهي .

فالجاني المحكوم عليه بالموت يمكنه ان يحصل على إرضاء الشريعة بتقديم دم نفسه بالذات أو بفداء من غيره بدلاً عن نفسه .

وإذا كان هلاك بني آدم قانونياً وشرعياً فإن الرحمة الإلهية أوجدت لخلاصهم علاجاً قانونياً أيضاً ،

اي ان الله سمح بتضحية كلمته (المسيح) على الصليب كفارة عنهم

وهاهي ذي آيات الإنجيل العجيبة تؤيد هذه البيانات التي ذكرناها وتصدقها فمن ذلك قوله :

(لأنه هكذا أحب الله العالم حتى أعطى ابنه الوحيد (*) لكي لا يهلك من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية)

(انجيل يوحنا 3 : 16) .

(بل وجدتم خلاصاً بفداء الحمل الخالص من العيب والدنس يعني بالدم الثمين للمسيح

(بطرس 19:1) .

إن هذا السر اللاهوتي الذي كان مكتوماً عن كل الأنبياء والصالحين السابقين قد خيل (أو) كأنما كشف للكنيسة بواقعة صلب المسيح

وان هوية الأقانيم الثلاثة وأسرارها التي كان يجهلها أكابر الأنبياء كإبراهيم وموسى وداود وعيسى عليهم السلام

قد صار من مبادئ معلومات كل غلام مسيحي فضلاً عن القسيسين والرهبان .

الصليب كاشف الأسرار اللاهوتية ! ما أغربه من أنموذج لتجليات الأديان

إن الكنيسة التي تعلن الحرب على الأصنام ، هي بذاتها تعبد صليباً مصنوعاً من معدن أو خشب

بدعوى أنه كشف سر التثليث ومثله كل النصارى

- ما عدا البروتستانت - يرسمون الصليب بأصابعهم الثلاثة الأولى الأمامية على وجوههم وصدورهم ،

ويسجدون للثالوث الشريف ويمجدونه قائلين

(باسم الآب والابن والروح القدس) (*)


وإن كان أحد العيسويين لا يرسم الصليب على وجهة أو لا يقبل الصليب المصنوع من الخشب أو المعدن ،

لا تقبل عبادته ويعد رافضاً ومرتداً لدى كل الكنائس ، وأما البروتستانت فإنهم وإن لم يعبدوا الصليب

فإنهم على كل حال معتقدون وقائلون إنه بواسطته انكشف التثليث وألوهية المسيح لنوع البشر .

ما الثالوث ؟ ومن هو ؟ أركان التثليث الإلهية عبارة عن

الآب والابن والروح القدسفالآب : وهو الأقنوم الأول من الذوات الإلهية ، مع كونه والد الأقنوم الثاني فهو مكوّن الكائنات .

والابن :وهو الأقنوم الثاني مع كونه ولد الأقنوم الأول وإبنه الوحيد فإنه قد خلص العالم من الخطيئة .

وأما الروح القدس وهو الأقنوم الثالث ، فإنه يصدر عن ركني التثليث الآخرين بصورة دائمة وأبدية ،

ومهمته عبارة عن إعطاء الحياة .

إن الأقانيم الثلاثة ليست ثلاثة آلهة ، بل هم يدعون وجود إله واحد

باعتبار أن الواحد من الثلاثة وأن الثلاثة واحد !


تدعي الكنيسة أن الثالوث الشريف لم يتشكل من ثلاثة آلهة ، ولكنها ما دامت تعترف بوجود نسبة بين الأقانيم ،

وان لكل منها صفات وأفعال ليست للآخرين ، فالأقانيم الثلاثة لا يمكن أن تكون إلهاً تاماً لا على الانفراد ولا بالإجتماع

اي ان (الآب) الوالد ، لا يمكن أن يكون هو الابن ، ولا أن يكون الروح القدس ،

وبناء على ذلك لا يمكن أن يكون (الله) إلهاً تاماً، لأنه مقيد بالانضمام إلى الركنين الآخرين

وهكذا الأقنوم الثاني والثالث .

تقول النصرانية ان في الألوهية أبوة وبنوة ، بيد أنه لا يمكن أن يكون الله أباً وأبناً معاً في وقت واحد

ويلزم من كونه واحداً ألا يمكن أن يكون أباً لنفسه ، ولا أن يكون ابن نفسه،

إذن فلا ريب في أن العقيدة المذكورة قائلة بوجودين مطلقين (أو مستقلين) في الألوهية ،

وكذلك الروح القدس الصادر والمنبثق على الدوام من هذين الوجودين المطلقين أو المستقلين (الآب والابن)

لما كان ليس أباً ولا ابناً وجب أن يكون له وجود مطلق ثالث (مستقل)

والحق يقال ان الفرق شاسع بين معبود النصرانية وبين معبود المسلمين الذي يسبحونه جل جلاله .

ان الأنبياء الذين بلغوا العهد القديم أي التوراة والزبور وكل الكتب العبرانية من الله للناس

لم يكن لهم علم ولا خبر عن التثليث البتة ،

وبما أن موسى عليه السلام وكافة الأنبياء الكرام المأمورين بتأييد شريعته كانوا مكلفين بالدعوة إلى التوحيد ،

م يعرفوا التثليث البتة ، وكأن الصليب المعزو إلى المسيح هو الذي كشف وأفشى سر وجود هيئة الأقانيم الثلاثة في الألوهية ،

وأظهر ان الصليب حمل مذبوح كائن منذ الأزل على عرش اللاهوت في يمين الله قبل تكون كل الكائنات

(راجع يوحنا 8:13 وكثيراً من أبواب الكتاب المذكور)

فالصليب هو الذي أعلن للعالم انه حين لم يكن في الأزل وجود غير الوجود المطلق (أي واجب الوجود)

كان هناك حمل مذبوح (لا مذبوح بايد) جالساً على يمين عظمة الله ولنوضح هذا السر على سبيل الاستطراد .

إن كان قد وجد في الأزل حمل مذبوح على يمين الله ؟ فمن يمكن أن يكون الذابح غير الله ؟

إنه لا يتصور وجود آخر في الأزل غير هذين الموجودين . المقصود بالحمل الأقنوم الثاني عيسى المسيح الذي ذبح ،

والمقصود بالذبح في لسان التوراة والإنجيل أو فى لسان الكنيس والكنيسة هو القربان والفداء لأجل أن يكون كفارة ،

وهنا يتحرك سوية ومشتركاً كاهن ذابح ، ومذبوح برىء معصوم ، وجان مجرم قد حصل على البراءة من الخطيئة

وبناء على هذا القصد فالكهنة الذين ألفوا و أوجدوا كتابي وحي يوحنا وإنجيله ، أسندوا الخالق الذي تمكنوا

من إدراكه إلى الكاهن ذابح الذبائح والقرابين ، وأسندوا الحمل إلى ابنه ،

فالله الذي رحم الجنس البشري الذي لم يكن خلقه بعد ، أراد أن يخلصه من الخطيئة التي علم أنه سيغرق فيها ،

فذبح ولده المسمى (حملاً)

منذ الأزل . ليس بين كل الأديان المعلومة من يصور معبوده بصفة الكهنوت غير الكنيسة ، أي النصارى ،

فالآب معبود وهو كاهن ذابح أيضاً ، والابن معبود وكاهن أيضاً .

إن الكاردينال (منينغ) الإنجليزي يبين ويشرح هذه العقيدة العجيبة في كتابه المسمى (كهنوت الأبدية)

قائلاً :

لا تخفى أهمية هذا البحث الموجب للحيرة ، فانه إذا لم تكن وفاة المسيح صلباً حقيقة . فحينئذ يكون بناء عقيدة الكنيسة قد هدم من الأساس

أنه إذا لم يمت المسيح على الصليب لاتوجد الذبيحة ولا النجاة ولا التثليث

فهذا هو علم الكلام الذي يسمونه (ثيولوجيا)

فبولص والحواريون وجميع الكنائس كلهم يدعون هكذا . أي انه إذا لم يمت المسيح لا تكون قيامة أيضاً الخ .

لقد تتبعت مسئلة صلب المسيح قبل عدة سنين ، ورأيت في هذا الباب ما يستوجب الحيرة،

وهو عدم رغبة أحد من علماء المسلمين أو النصارى في كتابة رسالة حول هذا الموضوع .

إن القرآن يقول

{ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم } (*)

وذلك رغم ادعاء كتب الأناجيل تكراراً أن المسيح قتل وصلب .

إن التضاد الصريح الكائن بين هذين الكتابين السماويين اللذين يجب أن يكونا قد نزلا من عند الله وتكذيب أحدهما الآخر

لابد وأن سيكون باعثاً للحيرة وموجباً للأسف لأهل كل من الدينين .

وحري بالدقة ان نرى الإسلامية تصدق نبوة عيسى عليه السلام وتصدق إنجيله الذي بلغه ،

من حيث نرى الكنيسة لا تقبل محمداً عليه الصلاة والسلام رسولاً لاحقاً ولا تصدق القرآن .

ومن الأمور الطبيعية أن لا يكذب الكتابان - المقبول إسنادهما إلى مصدر واحد -أحدهما الآخر من الأساس ،

وما دام التضاد العظيم ظاهراً بينهما في هذا الباب فلا بد لنا من الحكم على أحدهما بالتحريف لامحالة .

ولقد كانت نتيجة تتبعاتي وتحقيقي أن اقتنعت وأيقنت

أن قصة قتل المسيح عليه السلام وصلبه ثم قيامه من بين الأموات قصة خرافية ،

وان الأناجيل الأربعة مع كونها ليست تأليف المسيح ذاته لم توجد في زمانه بل وجدت بعد وفاة الحواريين بزمن طويل

وأنها وصلت إلينا بحالة محرفة ، وقد لعبت بها الأقلام وبعد هذا كله اضطررت إلى الإيمان والاعتراف من كل عقلي وضميري

بأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نبي حق ، ولم أستطع التخلف عن ذلك .

ياسر أبو أنس
2013-08-14, 08:50 PM
الفصـــل الأول مـا هـو الإنجيـــــل ؟- 1 -

يحمل اسم إنجيل كل من الكتب الأربعة الأولى فقط من الأسفار التي وضعت لها الكنيسة عنوان

(العهد الجديد)

الذي يحتوي على سبع وعشرين رسالة

كتبت من قبل عدة كتبة في مباحث مختلفة ،

وكما انه لا يدعي أحد أن بعض هذه الكتب الأربعة المذكورة هو الانجيل الشريف

فانهم لا يبينون من هم مؤلفوها ، وان النسخ الموجودة باللسان اليوناني تحمل اسم (إنجيل) بصورة العنوان فقط .

أما نسختها المكتوبة باللسان السرياني - وهي المعتبرة جداً لدى كل عالم النصرانية -

المسماة (بشيطتا) (البسيطة) فقد وضع فيها اسم (كاروزوتا) أي (موعظة) محل كلمة أنجيل .

وأما الثلاثة والعشرون الباقية من رسائل الكتاب المذكور فقد كتبت بصورة مراسلات خصوصية وبعضها بشكل مكتوبات عامة .

وإحدى تلك الرسائل تبحث عن (أعمال الرسل)

ورسالة أخرى قد كتبت على طرز رؤيا عجيبة بعنوان (وحي (2) يوحنا)

ولا وجود لها في أكثر المجموعات القديمة . فالمواعظ الأربع ترجمت إلى اللغة التركية

بالترتيب على الوجه الآتي :
(الإنجيل الشريف) على ما كتبه متى .
(الإنجيل الشريف) على ما كتبه مرقس .
(الإنجيل الشريف) على ما كتبه لوقا .
(الإنجيل الشريف) على ما كتبه يوحنا .
ويلقب كل من المؤلفين الأربعة بعنوان (مبشر) .

- 2 -

الكنيسة العامة بقيت 325 سنة بغير ما كتاب

ان هذه السبعة والعشرين صفراً أو رسالة الموضوعة من قبل ثمانية كتاب لم تدخل في عداد (الكتب المقدسة)

باعتبار مجموع هيئتها بصورة رسمية إلا في القرن الرابع بإقرار مجمع نيقية العام وحكمه .

لذلك لم تكن إحدى هذه الرسائل مقبولة ومصدقة لدى الكنيسة وجميع العالم العيسوي قبل التاريخ المذكور .

ثم جاء من الجماعات العيسوية في الأقسام المختلفة من كرة الأرض ما يزيد على ألف مبعوث روحاني

يشكلون المجمع العام بمئات من الأناجيل والرسائل المختلفة كل منهم يحمل نسخة إنجيل أو رسالة

على الوجه الذي هو لديها إلى نيقية لأجل التدقيق.

وهناك تم انتخاب الأربعة الأناجيل
مما يربو عدده على الأربعين أو الخمسين من الأناجيل المختلفة والمتضادة ، مع إحدى وعشرين رسالة من رسائل لا تعد ولا تحصى ، فصودق عليها.وهكذا ثبت العهد الجديد من قبل هيئة عددها 318 شخصاً من القائلين بألوهية المسيح

وهم زهاء ثلث عدد أعضاء المجمع المذكور . وهكذا كان العالم المسيحي محروماً من العهد الجديد مدة 325 سنة

أي انه كان بغير ما كتاب .- 3 -كاتبوا الرسائل

لم يكونوا على علم ما بهذه الأناجيل الأربعة

يتحقق لدى من أمعن النظر مرة في مطالعة الرسائل السبع والعشرين - أن كاتبي الثلاث والعشرين منها

لم يكونوا على علم بوجود الأناجيل الأربعة ، وان كل ما تحكيه الأناجيل من الأمثال والنصوص والوقائع والحكايات والمعجزات

تكاد تكون كلها مجهولة لدى كاتبي الثلاث والعشرين رسالة .

إذاً فالأناجيل الأربعة لم تكن موجودة في زمن الحواريين الخمسة أو الستة الذين كتبوا تلك الرسائل

لأنها لا تبحث عن محتويات هذه الأناجيل قطعاً .

ربما يدعي مدع أن بولص أشار إلى بحث أو بحثين من الأناجيل

ولكن لا يجوز قطعاً أن يدعي انه اقتبس من الأناجيل أو كتب بالاستناد إليه ،

مثلاً أن بولص أيضاً يبحث عما بحثت عنه الأناجيل الثلاثة (السينوبتيكية)

من تقديس المسيح الخبز والشراب اللذين شبههما بلحمه ودمه في آخر ليلة من حياته وتوزيعه إياهما على التلاميذ الأثني عشر

ولكن لا نجد في رسائل بولص العبارة الواجب ذكرها كقوله (على الوجه الذي كتب في الإنجيل الفلاني أو إنجيل (فلان)

فلو وجد كتاب إنجيل في زمن كتابة بولص وبطرس رسائلهما ، لكان من البديهي أن يبحثا عنه (أو يقتبسا منه) .


ان الكاتب المسلم الباحث عن (أبابيل) أو عن (انشقاق القمر) لا يمكنه أن يكتب خبرهما بدون أن يتذكر القرآن وينقل عنه ،

فكذلك لا يتصور من كاتب مسيحي يبحث عن واقعة ذكرها الإنجيل ولا يتذكر الإنجيل ويقتبس منه ويستشهد به ،

إذن فلا شبهة في أن الزمن الذي كتب فيه حضرات بولص وبطرس ويوحنا ويعقوب ويهوذا رسائلهم ،

لم يكن يوجد فيه الأربعة الأناجيل المعزوة إلى متى ، ومرقس ، ولوقا ، ويوحنا ، التي في أيدينا .

فاذا ثبت أنه لم يوجد أي كتاب باسم إنجيل لا هذه الأربعة المواعظ ولا غيرها في زمن الخمسة الرسل مؤلفي الرسائل ،

فبأي جرأة تعبر الكنائس - المضطرة إلى الاعتراف بذلك - عن الكتب المذكورة بلفظ (مقدسة) ؟

وأي علاقة للوحي والإلهام بهذه الأناجيل التي لم تكن موجودة في زمن الحواريين ؟

وبأي حياء وجسارة يعبرون عن هذه الأربع المواعظ التي كان يجهلها الخمسة الحورايون بأنها (كلام الله)

ويضعون أيديهم عليها يحلفون بها ؟ وأخيراً يدعون أنها كتبت بالهام من الروح القدس ؟

ولما كان من المحقق أن الرسائل التي تحمل أسماء بعض الحواريين أقدم تاريخاً من الأناجيل الأربعة ،

فبالطبع يجب أن لا تعتبر الرسائل والأناجيل معاً من زمرة الكتب المقدسة .

لا نرى في هذه الرسائل شيئاً عن ولادة المسيح عليه السلام ولا عن طفولته وشبابه ولا عن أفعاله ومعجزاته ،

ولا عن مواعظه وتعاليمه ، ولا عن الوقائع أو الأحوال التي كانت في حياته وأثناء صلبه ،

ولا ذكر فيها لاسم مريم والدة المسيح عليهما السلام أيضاً .

فهي عبارة عن مجموعة من كتابات عن رجل موهوم خيالي يسمى عيسى المسيح قتل مصلوباً ،

وبهذه الواسطة تتخذ صيرورته ذبيحة مكفرة قد خلصت نوع البشر من (الذنب المغروس) الموروث أي من الخطيئة الفطرية .

وعلى هذا تبحث على طريقة الوعظ والنصيحة بوجوب الإيمان (بالمصلوب) الفادي وعن وجوب محبته وطاعته .


ولا شبهة في أن من يقرأ هذه الرسائل ولم يقرأ الأناجيل الأربعة يصرخ متعجباً (حسناً! ولكن من كان عيسى المسيح هذا ؟)

لأنها لا تبحث عن ترجمة حاله ، بل تنوه ببعض الأعمال التخليصيه الفدائية التي قام بها خدمة للإنسانية .

فهي عبارة دعوى لسانية لا تزيد عن قولك

(بما أن زيداً خلص العالم بدمه من عذاب جهنم ، يجب أن يكون ممدوحاً وعظيماً جداً عند الله والناس)

وأن موضـوع كل هــذه الرسائل هو أن شخصاً عالياً سماوياً

(روح الله بشكل إنسان - وإذا كان من الممكن تصوره - فهو أكبر من ذلك أي هو الله ابن الله ، وحاش لله)

أم ماذا قال وماذا فعل ، وبأي أحكام وشريعة أتى ، وبمن التقى ؟ مات المسيح وحي لا غير .

فثبت إذن انه لم يكن هناك من أنجيل ! أهكذا ؟ نعم !

إذ ليس لدينا برهان قوي على وجود إنجيل بهيئة كتاب مصدق من قبل عيسى المسيح عليه السلام بل

(نزل على المسيح إنجيل) فحسب ،
ولكن ماذا كان ذلك الإنجيل ، وماذا صار إليه أمره ؟
- 4 -(لا علم لمؤلفي بعض هذه الرسائل بما كتبه البعض الآخر)

من الظاهر انه لم يكن لكتاب الرسائل الإنجيلية علم بوجود الأناجيل الأربعة كما انه لم يكن بعضهم على علم من كتابات البعض الآخر .

فان في هذه الرسائل بعض العقائد والبيانات الغريبة التي يتفرد بها كاتب تلك الرسالة

ومن هذا القبيل قول بطرس أن المسيح قضى عقب موته ثلاثة أيام في جهنم بين الأرواح المحبوسة في السجن ،

ولكن هذه المسألة العجيبة لم تذكرها بقية الرسائل الست والعشرين الأخرى التي تألف منها كتاب العهد الجديد .

فكيف يمكن أن يكون الخمسة الحواريون غير واقف أحد منهم على ما كتبه الآخرون مع القول بأنهم كتبوا رسائلهم

بتلقي الوحي ملهمين من الروح القدس ؟

كيف لا يكون لبطرس الذي كشف الغطاء عن دخول المسيح الجحيم ثلاثة أيام - خبر ولا علم له برسالة يعقوب

الذي يدعي أن دعاء الكاهن للمريض المحتضر مع دلكه بالزيت يشفيه وكذلك يغفر ذنوبه بهذه المداواة ؟

وعلى كل حال كان على بطرس وهو رئيس الحواريين أن يفتش ويعاين مؤلفات الرسل الذين

هم تحت رئاسته ولا شبهة في أن المعقول والموافق للعدل أن يملي الروح القدس على كل منهم

جميع الحقائق التي يرى ان إلهامها ضروري . هل من عالم يستطيع أن يبين أية حكمة وعدالة استندت إليها

هذه الإلهامات من الروح القدس ، أعني كتمان حقيقة عظيمة عن النصارى الساكنين في بعض الأقطار

وإظهارها والإفضاء بها إلى سكنه ديار أخرى ، ثم كشفها وإلقائها إلى 318 راهباً بعد 325 سنة ؟

لان ظهور ما ينيف على الثلاثمائة فرقة في الثلاثة أو الأربعة الأعصر الأولى الميلادية كل منها

لا يقبل غير الكتاب الذي في يده ، وتشعب العقائد والمذاهب المختلفة والمتضادة ولعن بعضها بعضاً -

كله كان بسبب هذه الرسائل ، وإلا فان الروح القدس لا يدعو إلى الضلالة والاختلاف ولا يكون سبباً لهما أبداً .

ياسر أبو أنس
2013-08-14, 08:51 PM
- 5 -
أغلاط مجمع نيقية العام

لما اعتبرت كتب العهد القديم منسوخة (*) ولم يكن للمتقين من المسيحيين كتاب لا محل للشك فيه ولا شبهة في صحته ،

يهديهم صراط السلامة المستقيم ككتاب المسلمين الموصوف في الآية الكريمة

بقوله تعالى

{ ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين } -

تفرقت النصرانية إلى مئات المذاهب أو الملل المتضادة ذلك بأن الكنيسة التي كانت تملك كتاب مرقس

لم تكن مطلة على صفة ولادة المسيح ولا على قيامه من القبر .

لان هذا الكتاب كان يحتوي على كثير من الوقائع كانت قد وقعت من مبدأ نبوة المسيح إلى أن وضع في القبر فقط

وكذلك الجماعة اليونانية التي كانت تملك كتاب يوحنا لا يمكنها أن تحيط خبراً بصفة ولادة المسيح

ولا (الاعتماد) و(قربان القديس) من الأسرار السبعة . فلنفكر في حالة الكنيسة التي بقيت اكثر من ثلاثة عصور

وهي بغير كتاب ولا صاحب كتاب كيتيم مهمل لا كافل له ... لا نريد أن نبحث هنا عن العقائد والمذاهب العيسوية القديمة

لكننا نبحث باختصار عن مجموعة الكتب التي برزت للوجود في العصر الرابع : إذ كان من تلك المسائل غير المتناهية

والعويصة التي حلها وقررها مجمع نيقية المشهور المار الذكر ، ذلك المعمى العائد إلى (كتب العهد الجديد) .

يجب التفكير في دين بقي من تاريخ نشأته إلى 325 عاماً بغير كتاب

، كم يتأثر بالعقائد المتولدة من المنابع الخارجية وكيف يختل نظامه ويكدر صفاؤه الأصلي بالخرافات والروايات الكاذبة .

ان أغلاط مجمع نيقية العام كثيرة جداً ، تمكن (أثاناثيوس) الراهب الشاب من نصارى الإسكندرية إذ كان شماساً

من حضور المجمع المذكور . فجعل تاريخ الأديان السماوية شذر مذر . واجتهد (آريوس) رئيس الموحدين بالبرهنة

على أن المسيح (مخلوق) وأنه (عبدالله) مستدلاً بما لديه من الآيات الإنجيلية وبتفاسير الأعزة والأباء من ايقليسيا

واعترف بهذه الحقيقة الثلثان وهم الموحدون الذين كانت تتألف منهم الأكثرية العظيمة في المجمع .

ومن الجهة الأخرى قام رؤساء التثلثيين وعلى رأسهم اثاناسيوس للبرهنة على

أن المسيح إله تام وانه متحد الجوهر مع الله مستنداً على آيات إنجيلية أخرى وعلى تفاسير الآباء من إقليسيا.

ادعى الموحدون أن كل الآيات والمحررات القديمة التي يدعى انها تؤيد التثليث وتجسد المسيح محرفة وزائفة

، وبناء على ذلك طلبوا بكل شدة طي تلك الآيات والمحررات الكاذبة. وقد كان الممكن الأقرب إلى الحق

أن تحل هذه المسئلة المهمة بأكثرية آراء (الآباء) المقدسة المتجاوز عددهم الألف بكونهم الممثلين

لعالم النصرانية أجمع ومندوبيه ولكن لم يقترب ملتزموا التثليث الذي بقوا في هذه الأقلية من هذه الصورة من الحل

فدخل قسطنطين (قونسطنطينوس) الذي يريد الأمن والراحة لرعيته بأنه أول إمبراطور عيسوي

ووصاهم بالكف عن الشقاق والنفاق ، وبأن يحلوا المسائل المتنازع فيها وفق الحق والأسس الإنجيلية ،

بيد أن الحزبين المتخالفين كانا على ضد ذلك حتى انهم تدرجوا من المنازعة إلى المشاتمة ،

ومن المجادلة إلى المجالدة والمضاربة ، وكان المأمول حينئذ تدخل سلطة جبرية من الخارج أو توسط صداقة ،

بل كانت الحاجة أو الضرورة إذ ذاك داعية إلى أن يهبط ويحل على هؤلاء الآباء الروح القدس الذي حل

على الحواريين بشكل ألسنة من نار وجعلهم بغتة يتكلمون أربعة عشر لسانا في (عيد الخمسين)

ولم يكن الذوات الحاضرون في المجمع الكبير واقفين على أربعة عشر لساناً فقط ، بل على نحو خمسين لساناً ،

ومعظمهم غرباء عن اللسان اليوناني ، ولكن هيهات ! لم يأت ولم يظهر الروح القدس ولا الفار قليط

كما يتدارك دين المسيح وكتابه وكنيسته ويحول دون هذا الانقلاب المدهش !

فقرر الإمبراطور أن يفصل في الأمر بالتدابير الشديدة بعد أن تبطن رأي صديقه ووطنيه البابا كاهن رومية الأعظم

الذي يقال انه هو الذي قبله وأدخله في دين النصارى وكنيستهم . وقد أخرج بأمر هذا الإمبراطور أكثر من سبعمائة من الرؤساء الروحانيين الموحدين من المجمع ونفي الكثير منهم وقتل آريوس مع المتقدمين منهم (*) ثم افترق الـ 318 عضواً الباقون أيضاً ثلاث فرق .

وكان اعتراض فرقتين منهم على تعبير أثناسيوس (هوموسيون) أي (من جوهر واحد وإحدى الجوهر عيني الجوهر) ؟

وأخيراً تمكن المعارضون الخائفون من جند الإمبراطور وجلاده الشاهر السيف من النجاة بوضع امضاآتهم

مع نواب البابا وفرقة اثناسيوس على الوثيقة المشهورة بعنوان (عقيدة نيقية)المصرحة بالتثليث وبألوهية المسيح .

وهناك تقرر تعيين وتصديق كتب العهد الجديد على أساس رفض الكتب المسيحية الكثير

ة المشتملة على تعاليم غير موافقة لعقيدة نيقية وإحراقها كلها .

إذاً فانتخاب واختيار الكتب السبعة والعشرين وحدها من بين تلك الأكوام العظيمة من الكتب

التي لا تسعها أية خزانة واحدة ورد الباقية منها ومحوها يجب أن تتحرى أسبابها في الأساس التاريخي الذي أجملناه هنا .

ان الجهة المستغربة بالماثلة للعينين فوق جميع مقررات المجمع الكبير وأعماله هي ان يعلم

كيف انتحل الإمبراطور قسطنطينيوس لنفسه قبل الاعتماد بالنصرانية - أي في حالة كونه مشركاً -

ذلك المقام الأعلى الخاص بنفخ الروح القدس وتعليمه وتصرفه في أثناء انعقاد مجمع رسمي له الصلاحية التامة

لحل مشكلات العقائد الدينية والفصل فيها .

إن (أبو سيبوس) بسقبوس قيصرية الذي تقدسه الكنيسة وتمنحه لقب (سلطان المؤرخين)

كان صديق الإمبراطور فلا يمكن أن يكتب في حقه ما يغاير الحقيقة أو ما هو عبارة عن مفتريات .

وهذا المؤرخ يقول ان قسطنطين اعتمد حين كان أسير الفراش قبيل وفاته وان الذي عمده

(أي نصره) صديقه الحميم (أبو سيبوس)

بسقبوس (نيقوميديا) وأما الرواية القائلة بأن الإمبراطور المومى إليه قد اعتمد من قبل البابا (داماسيوس)

في رومية فتعارض صحتها الرواية الأخرى القائلة بان المشار إليه توفي ولم يتعمد ،

وعلى كل حال فان قول المؤرخ القيصري وثيقة اجدر بالقبول وأحرى بالاعتماد عليها ،

وبنا ء على ذلك فان مؤسس عقيدة نيقية ليس الروح القدس بل هو ملك غير مسيحي

(أي وثني أو ما حد هرطوقي) .

والغلط الثالث المدهش الذي ارتكبه مجمع نيقية الكبير ، هو كيفية تأسيسه (شكل حكومة) للكنيسة ،

فلو كان المجمع عرف أوامر المسيح الصريحة المنافية لهذا العمل في الأناجيل التي قررها واعتمدها بنفسه ،

لم يكن ليجترىء على إحداث مقام خمس بطركيات قبل أن يحمر وجهه خجلاً ،

لان عيسى عليه السلام لم يجوز البتة ابتداع أنظمة (تشكيلات) روحانية كهذه . بل قال صراحة لتلاميذه

(رؤساء الأمم يسودونهم ، والعظماء يتسلطون عليهم فلا يكن هذا فيكم)

هكذا عينوا ثلاثة بطاركة

الأولبسقبوس (بطرك) رومية ،

والثاني بسقبوس إنطاكية ،

والثالثبسقبوس الإسكندرية ،

وبعد عصر واحد رفع إلى هذا المقام نفسه بسقبوس بيزانس -

الذي اكتسب نفوذاً كبيراً بسبب إقامته في عاصمة الإمبراطورية القسطنطينية - وبسقبوس القدس ،

حتى أن بطريرك بيزانس رفع إلى الترتيب الثاني ، ولم يزل في رقابة مع بسقبوس رومية

حتى لقب نفسه أخيراً بلقب (البطريرك العام)

وأما البروتستانت فبما أنهم يرفضون الرهبانية من أصلها وأساسها لا يقبلون كثيراً من أحكام نيقية ومقرراتها .

- 6 -

(مكانة الإنجيل في مذاهب الكاثوليك قليلة جداً)

إن كنيسة الكاثوليك قد فقهت منذ البدء حقيقة الكتب المسماة بالإنجيل وكله شأنها ، فهي تعترف

بأن الكتب الإنجيليه الموجودة في عالم النصرانية لا تحتوي على جميع الوحي والإلهامات النازلة على المسيح ،

ومن ثم تعتقد الكنيسة المذكورة أن قسماً من تعليم المسيح مندرج في السفر المسمى بالإنجيل بصورة الوحي والقسم الآخر

قد عهد به إلى التلاميذ (الحواريين) ثم فوض بالتسلسل منهم إلى الكنيسة ، فماذا تكون إذن مكانة الإنجيل عند كاثوليكي

يعتقد ان كاهن رومية الأعظم وهو خليفة المسيح ومفسر الكتب المقدسة والأخبار أو النبوات الإلهية الوحيد ،

ويقتنع بان حل المسائل وفصل المشكلات الحادثة سواء أكانت في حق الإنجيل أو في حق الدين المسيحي يعود إليه وحده !

لذلك كان ملجأ الدين المسيحي ومستنده في نظر الكاثوليكي هو الحبر الأعظم البابا .

ولكن المذاهب المسيحية الأخرى لا تقبل خلافة المسيح بهذه الصورة ولا يعرفون لهم مستنداً غير الكتب المقدسة .

وصفوة القول لا حكم للإنجيل في نظر الكاثوليك ، وأي حاجة إلى الكتب المقدسة لقوم يعتقدون

أن كل ما قرره حبر رومية الأعظم الجالس على كرسي الخلافة البطرسية وحكم به فيما يعود إلى الأحكام والأخلاق العيسوية

فهو قطعي تجب طاعته ، لأنه قد وهب من عند الله تعالى صفة العصمة ؟

هذه العقيدة (عصمة البابا) هي التي تجعل البروتستانت يتهورون إلى درجة الجنون ،

وهكذا يتخلص الكاثوليكي من جميع عقائد النصرانية وأسرارها التي لا تدرك ،

نحن لا نبحث هنا عن مقدار تمكنهم في هذه العقيدة ولوازمها العملية والمحافظة عليها ،

ولكن عند ما يورد العلماء الموحدون اعتراضاتهم بالحق على الكتب الإنجيلية ،

ترى الراهب الكاثوليكي لا يأبى أن يقول متبسماً

(أفرايتم هذه الحجج ؟ أنه ليس لكم مفر ما لم تتقلدوا الذهب - أو الدين - الكاثوليكي) .- 7 -
( كلمة الإنجيل أصلها اللغوي ومعناها)

إنجيل ( ايفغليون Evanghilion ) كلمة مركبة من لفظتين يونانيتين (Eu ايو)

بمعنى (مرحى ، جيد ، حقيقي) و (أنغلبون) وهي عبارة عن (بشارة أو التبشير بالفعل)

فالمعنى الصحيح للكلمة (التبشير بالسعادة الحقيقية)

لكني أراني في حاجة إلى لفت الأنظار إلى نقطة قد غابت عن نظر كل الناقدين الغربيين

وهي أن المسيح عليه السلام لم يتكلم باليونانية بل كانت لغته (الآرامية)أي (اللغة السريانية)

وفي اللغة السريانية تستعمل كلمة (سبرته مكان كلمة إنجيل (إيفنغلبون)

وهذا الاسم يأتي من قبل (سبر Swar) وهو مطابق لكلمة (صبر) العربية ،

فالدين الذي أسداه المسيح عليه السلام وانعم به على العالم كان عبارة عن (الأمل) و (الصبر)

وقد وردت كلمة إنجيل في القرآن ولكنها من اللغات المعربة - الدخيلة في العربية .

ويشتق من نفس الكلمة في اليونانية (Anghelos انغيلوس)

بمعنى روح أو ملك ، وكلمة ملك أو ملائكة (أو فوملاخة) في السريانية القديمة بمعنى (قاصد، سفير ، نبي) .

والذي أريد أن أوضحه جيداً بكل دقة هو أن كلمة إنجيل المستعملة في الأناجيل الأربعة السريانية

عندما تتعلق بالمسيح تكون كلمة (سبرته) دائماً وبلا استثناء ، وهي تعطي دائماً معنى (الطريقة للذهبية)

و (الفكرة ا لمعنوية)

وأما إذا أضيفت إلى المبشرين الأربعة فهناك يتبدل الحال تبدلاً تاماً مثل ذلك انه لاشك أن لوقا كتب كتابه باللسان اليوناني

فهم يعطون كتابة عنواناً باليونانية .To Kata Haghion Evanghelion

وأما جمعية ترجمة الكتاب المقدس (بايبل سوسايتي) فقد ترجمت العنوان المذكور إلى اللغة التركية هكذا :

( إنجيل . لوقاتك تحريري اوزره ) أي (الإنجيل على تحرير لوقا أو على ما كتبه لوقا) .

لا أعلم ماذا يفهم التركي من التفسير المذكور أعلاه . وأني أحيل الحكم بصحة أو فساد تركيب وإنشاء هذه العبار

ة من حيث علم النحو إلى مقدرة القراء ، واعتقد أن ترجمة العبارة اليونانية أعلاه على الوجه الآتي تكون اقرب للأصل :

(إنجيل شريف لوقاية نظراً) أي (الإنجيل الشريف نظراً إلى لوقا) أو (لوقادن مروى اولان أو بيلديكمز مقدس الإنجيل)

أي (الإنجيل المقدس ذاك إلى نعرفه المروى عن لوقا) .

هذا الأثر المكتوب في حق (المذهب) أو (الطريقة) أو (الفكرة الدينية) الذي اشتهر باسم الإنجيل هو عائد إلى لوقا

. وبعد حصول العلم بأن العبارة اليونانية المذكورة تشمل (متى) والمبشرين الآخرين أود أن أضع حقيقتين أخريين أمام الأنظار العامة .

(الأولى) الإنجيل الشريف المسمى

Haghion Evanghelion

لا يعود إلى لوقا بل إلى المسيح نفسه . وعليه يكون التعبير عنه بمثل

(إنجيل لوقا) أو (أنجيل متى) غلط أو تغليط .

(الثانية) أن هذه التعابير اليونانية لم تكتب من قبل المبشرين الأربعة أنفسهم ولكنها أضيفت من قبل الكنيسة مؤخراً ،

أو من قبل مجمع نيقية على اغلب الاحتمالات . كل الأقوام الآرامية أي الأثوريون والكلدان والسريان والمارونيون

وسالاباريو الهند يترنمون بهذه العبارة في الكنيسة أثناء الصلاة وفي الطقوس الروحانية عند قراءة (قريان)

أحد الأناجيل الأربعة على الجماعة وهي : (ابو نجليون دماران عيشو مشيخاً ، كاروزوتا ومتى) أو مرقس ... الخ

أي (إنجيل حضرة عيسى المسيح ، موعظة متى) وكل الأقوام التي تتكلم السريانية يعلمون أن الإنجيل

مختص بالمسيح عليه السلام ولا يلقبون الكتب الأربعة بعنوان (إنجيل) بل بعنوان (كاروزوتا) .

وان الأناجيل الأربعة السريانية ليس عنوانها كما في اليونانية بل (كاروزوتا ومتى) و (كاروزوتا ومرقس) ... الخ

أي وعظ أو موعظة متى .... الخ .

ياسر أبو أنس
2013-08-14, 08:52 PM
- 8 -

( المواعظ الأربعة )

ما هو المفهوم فيما مر أعلاه ؟ وأي حقيقة نتجت ؟ الشيء المفهوم واضح جداً . وهو أن كتب متى ورفقائه المبشرين الثلاثة ليست أناجيل .

بل هي (كاروزوتا) أي (مواعظ) لان (ابو نغليون) أو (سبرتا) خاص بعيسى عليه السلام .

ليس لأي سفر من أسفار العهد الجديد حق بأن يحمل اسم (إنجيل) ، وليس اطلاق هذا الاسم (إنجيل)

على كتب متى ومرقس ولوقا ويوحنا إلا غلطاً وزوراً ، هذا الإطلاق اعتداء لا يقدر على العفو عنه غير المسيح عليه السلام .

ولكن هل كان هذا الاعتداء عمداً أم جهلاً؟ لنفرض أننا منعنا إطلاق اسم (توراة) على ما كتبه (مردخاي) واسم (زبور)

على ما كتبه (إيليا) و(قرآن) على ما كتبه (عثمان) أفلا يغضب اليهود والمسلمون وكذا المسيحيون أنفسهم أيضاً ؟ بلى ،

فكذلك إطلاق اسم الإنجيل الشريف على أسفار متى ولوقا يستوجب الغضب والاعتراض بتلك الدرجة .

يفهم صريحاً من التحقيقات السابقة أن إنجيل المسيح عليه السلام شيء ، وأسفار المبشرين - بل الواعظين - الأربعة ، شيء آخر .

أذن يجب التحري والبحث عن إنجيل المسيح عليه السلام .

بأي لغة تكلم المسيح ؟ لم تكن اللغة المسماة (قوديش) أعني لغة التوراة المقدسة وأنبياء بني إسرائيل مستعملة في زمانه .

كان اليهود قد بدأت بعد اسر بابل تتكلم باللغة الكلدانية (بابيلونيش) أذن كانوا يتكلمون باللغة التي كانوا مولودين

في بلادها قبل التاريخ الميلادي بخمسة عصور .

وإذن يجب أن نقبل معتقدين مذعنين أن المسيح عليه السلام كان يتكلم الكلدانية لا بالعبرانية ،

وكثير من الكلمات الإنجيلية تصدق دعوانا هذه التي لا تقبل الاعتراض

فان المسيح عليه السلام كان قد بلغ إنجيله باللسان السرياني الذي كان يتكلمه . فالمسيح بلغ دعوته بقوله (سبرتا) أي (أمل) لا (ابو نغليون) .

أقول ان المسيح عليه السلام كان مأموراً من الله بتبشير (أمل) و (انتظار) ولا أظن أن أحد العيسويين يتمكن أن يجترىء على الاعتراض

على الكلمة الصادرة من فمه النبوي فهو إذا أمعن النظر في مطالعة مدلولات المسيح وهي الدور الأول من الأناجيل ،

أي التي لم يطرأ عليها التحريف ولا التفسيرات الملحقة ، يرى انه (عليه السلام) لم يدع أن معه أي رحمة أو دين حاضر في يده

ليسلمه إلى قومه يداً بيد ، ولكنه اكتفى بالتبشير بما عبر عنه بكلمة (الملكوت) أو (الأمل)

وفي الفقرة الآتية نبرهن على صحة مطالعتنا هذه .

- 9 -

كلمة (إنجيل) معناها (فكرة معنوية) و(طريقة مؤقتة)

لم يذهب الحواريون ولا الكنيسة القديمة إلى أن في لفظة (إنجيل) ما يدل على معنى كتاب أو مصحف ، بل كان لفظ (إنجيل)

عندهم بمعنى (فكرة معنوية) و(طريقة مؤقتة) فحسب. أقول طريقة مؤقتة لأنه كان قد وعد بسعادة عظيمة خليقة بالبشارة

عبر عنها بالألفاظ (أمل) و (ملكوت الله) الذي سيأتي في المستقبل

ودليلنا على هذا قول (مرقس 14:1)

(وبعد ما اسلم يوحنا جاء يسوع إلى الجليل يكرز بإنجيل ملكوت الله)

فما معنى (إنجيل ملكوت الله) ؟ إن هذه الآية تعلمنا أن عيسى عليه السلام لم يعظ بإنجيله ،

بل كان يعظ بإنجيل آخر ثم قال (15ويقول قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا (بالإنجيل) .

أما شركة بايبل سوسايتي وجمعية (المبشرين) فقد ترجموا هاتين الآيتين على ما شاؤا من تقديم وتأخير حسب عادتهم ،

فترجموا (اونغيليون) أي كلمة (إنجيل) اليونانية بلفظ بشارة .

أتدرون لماذا ؟ ليس فهم هذا بالشيء الصعب فانهم جعلوا لفظ (بشارة) مكان إنجيل في نسخ اللغات

التي يستعملها المسلمون (الترك والعرب والإيرانيون والأفغان)

لكي يتسأل هؤلاء قائلين (إذن قد كان هنالك إنجيل آخر أقدم من أسفار الإنجيل هذه التي في أيدينا)

فطووا لفظ إنجيل لإجل إغفالهم ، وهاءنذا قد ترجمت لفظ (اونغيليون)

في الآيتين بلفظ (إنجيل)

وعند الإجابة عن السؤال ما (إنجيل متى؟)

يعلم أن الإنجيل ليس بمصحف أي ليس بكتاب أو سفر مكتوب كما يعلم من الحقائق

والشهادة التي أعطاها هو نفسه في حقيقة مسمى الإنجيل ، وإنجيل من هو ؟

إنجيل الله (مرقس 14:1)

إنجيل الابن (رسالة بولص إلى الرومانيين أو أهل رومية 9:1)

إنجيل المسيح (رسالة بولص الأولى إلى كورنثوس 23:9)

إنجيل الملكوت ( متى 23:4 و35:9)

إنجيل بولص (إلى الرومانيين 16:2)

لما كنا لا نعرف غير الأناجيل الأربعة المسماة بإنجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا ، فلا غرو أن لا نعرف غير هؤلاء المبشرين الأربعة ،

وأما زمن الحواريين فقد كانت فيه كلمة (ايو نغيلسطيس) أي مبشر عنواناً أو لقباً لصنف خاص من الواعظين !

فبولص الرسول عندما يبحث عن الوظائف التي انعم بها المسيح على الكنيسة يقول للافسوسيبن وهو

(أعطى البعض أن يكونوا رسلاً والبعض أنبياء والبعض مبشرين والبعض رعاة ومعلمين)

(رسالة بولص إلى افسس 11:4)

وفي اليونانية رسل أنبياء مبشرين ... الخ بصيغة النعت . ولو أردت ان أشرح وأجرح هذه الآيات التي في الأسفار

التي يدعى أنها كتب سماوية لاحتجت إلى عمر بقدر عمر متوشلخ ولكني أراني مضطراً بمقتضى الوجدان إلى

رد هذه الآية الغريبة ذات العلاقة بهذا البحث بكل شدة بقصد الدفاع عن الحقيقة والعقل السليم .

إذا سألتم علماء النصارى ولاهوتيهم كافة ، والبروتستانت (المجددين) الملهمين من الروح القدس -

والبابات المعصومين - والآباء والأعزة المشهورين بالصدق والعرفان ، منذ مجمع نيقية العام إلى هذا اليوم

(هل من المنتظر أو المأمول أن يبعث ويظهر نبي آخر بعد حضرة المسيح ؟ )

أنا اعلم انهم يسارعون بقولهم (نعم ، سيظهر كثير من الأنبياء الكذبة (*)

فبولص الذي لم يقرأ الأناجيل الأربعة القائلة بان المسيح خاتم الأنبياء ، نوه بوجود أنبياء في زمانه ،

ومع أني أضع كف الاحترام والتعظيم على صدري تجاه الأرواح القدسية واعترف بأني لست أهلاً لان أكون كأصغرهم ،

اضطر أن أقول بغير اختيار (هل الروح القدس الذي يبجله هؤلاء النصارى هو ذلك الروح القدس الجليل النوراني من أرواح الله الحق ؟

مع الأسف أن الجواب الذي أستطيعه هو النفي (لا.لا)

يدعون أن روح القدس هو الله (حاش لله) فماذا نقول للمبشرين وللبابا وللكهنة الذين يزعمون تفوقهم على سائر الناس

ويفتخرون ويتكبرون بوقوفهم على أسرار الألوهية ، وهم ينسبون إليه النسيان والجهل ،

فقد أوحى إلى متى الإنجيلي انه لن يأتي بعد المسيح نبي حقيقي ، أفلم يكن يعلم بوجود ذلك المقدار من الأنبياء

الذي تفتخر الكنائس بحصولها عليهم في زمان بولص ؟ أم أوحي ذلك إلى بولص ناسياً؟

وإذا كان هو الذي أوحي إلى أمثال متى ولوقا أن المسيح وحده هو المبشر ، فما بال بولص يبحث عن أنبياء ورسل في زمانه

يفوقون المبشرين في الرتبة أضعافاً مضاعفة ؟ وإذا كان المسيح عليه السلام يبشر باقتراب ملكوت الله ،

فان الروح القدس الذي يبحث عن إرسال جيوش من الرسل والأنبياء وظهورهم بغتة بعد عروج المسيح

لا يفيد كنيسة المسيح قدر ذرة من الشرف والفخر الحقيقيين .

لا أعلم من التوراة ومن جميع كتب الأنبياء العبرانيين أن نبياً من الأنبياء كان يستحق حمل عنوان (رسول) وبما أن لقب (رسول الله)

أعلى بكثير من لقب (نبي) فأننا نتعلم من روح قدس بولص ان أرسل المسيح هم اكبر منه ، رحماك اللهم ربي !

انك لا ترضى بالاعتداء والتحقير الذي جوزوه على عبدك ، ورسولك وحبيبك عيسى عليه السلام وعلى روح قدسك العظيم المنير ،

اللهم اهد مرتكبي ذلك إلى الإيمان والصلاح وهبهم الإدراك السليم ،

إذ ليس في إمكاني غير الدعاء والاستغاثة .

من كان أولئك المبشرون غير متى ومرقس ولوقا ويوحنا ! ماذا كتبوا ؟ كم كان عدد الإنجيليين ؟ بأي إنجيل كانوا يبشرون ؟

ومن الذين كانوا يبشرونهم ؟ لاشك أن الروح القدس كان قـد نفـخ في أولئك وأوحى إليـهم فمـاذا عملوا ؟

من أولئك الذين هدوهم وجذبوهم إلى الإيمان ؟

ماذا يفيد تكثير مثل هذه الأسئلة ؟ ليست مما يستطيع المبشرون الإجابة عنها ،

وهاءنذا اضطر إلى أن أقول إن الذين أحدثوا هذه الآيات جهلاً أو ظلماً بقصد أن يمجدوا المسيح أو يعظموا الإنجيل

قد أهانوه وخانوا ملكوت الله الذي جاء ليبشر به .

إن هؤلاء الذين وضعوا هذه الغرائب في فم بولص لم يتوقفوا عن عزو إنجيل لبولص أيضاً كما ترى في رسالته إلى الرومانيين

16:2 (في اليوم الذي فيه يدين الله سرائر الناس حسب إنجيلي بواسطة يسوع المسيح) .


الباب الثانيغرض الإنجيل وموضوعه (الإسلام) و (أحمد)- 10 -المبشر لوقا يبشر ( بالإسلام ) و ( بأحمد )

لننظر الآن في التأويل والتفسير الحقيقي للفظ إنجيل الذي يبشر بالسعادة الحقيقية وماذا يحتمل أن يكون القصد من

كلمة (أمل) أو (ملكوت الله ؟ )

فاذا انكشف هذا السر نكون قد فهمنا روح الإنجيل ولبه . اسأل الله تعالى أن يمن على هذا المؤلف الأحقر

بان يجل له نصيب الفخر بكشف هذه الحقيقة التي تعدل الدنيا وما فيها بأهميتها العظمى وقيمتها التي لا يساويها شيء -

مع أنها وياللأسف لم تزل حتى الآن مجهولة لدى كل من المسلمين والمسيحيين -

وتمحيصها من التحريفات والتأويلات الفاسدة ، وابرازها بتمامها وصفائها بالأدلة القاطعة والبراهين المسكتة

بصورة صريحة واضحة بحيث يفهمها كل أحد .

وهاءنذا أتحدى بإعلان وإظهار هذه الحقيقة جميع العالم وكافة روحانيي النصارى واشهر أساتذة

الألسنة والعلوم الدينية في دور الفنون الموجودة في العالم المسيحي ، تسلية لقلوب المسلمين ،

وتثبيتاً لإيمان الموحدين ، الذين أصيبوا بأنواع المصائب ، وأمسوا هدفاً للتحقير والطعن في هذه الأيام الأخيرة .

وهاءنذا افتتح كلامي بالحمد والشكر وتحياتي مع روحي وحياتي مشفوعة مع شهادة أن لا اله إلا الله ،

تلك الكلمة الطيبة كاملة التوحيد والإيمان الصحيح تقرباً إلى الله الواحد الأحد ، مكون الكائنات ، وواهب العقول والإفهام ،

المطلع على خفايا السرائر والنيات ، جل جلاله ، وخدمة لدين حبيبه ومصطفاه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

فأني قد عاهدت الله عز اسمه بأن اقف نفسي على خدمة هذا الدين المبين وخدمة أمته المظلومة ، والدعاء لها ،

والله ولي الإجابة والتوفيق . بعد هذا أقول :جاء في لوقا

انه ظهر في الليلة التي ولد فيها المسيح عليه السلام جمهور من الجنود السماوية للرعاة الذين كانوا في البرية يترنمون بهذا النشيد :

(لوقا 14:2) .
"الحمدلله في الأعالي ، وعلى الأرض إسلام ! وللناس أحمد"

إن الذي فتح عيني هذا المحرر الفقير ، ووهب له مفتاح أبواب خزائن الإنجيل ، وكان له دليلاً في تتبع الأديان الأخرى ،

وإمعان النظر في الإنجيل مرة أخرى ، هو هذه الآية آية الآيات الإلهية .

اني مطمئن بان هذه الآية الجليلة ستبعث اليقظة مع الحيرة والدهشة في قلوب كثير من المسيحيين

كما وقع ذلك لي لأني واثق بأنه يوجد في هذه الملة اليوم أناس كثيرون برءاة من التعصب والسفسطة ،

وانهم لا يتأخرون عن الإذعان والتصديق للكلام الحق ولا يترددون في قبول الفكر الصحيح وقتاً ما (*)

- 11 -

كيف ترجموا هذه الآية

كلما تقدمت في هذا المؤلف الوجيز تزعجني هاتان الواهمتان . الأولى هل يوجد من يشعر باني راغب في

اكتساب الشرف والعظمة بنقد المفسرين والمترجمين ؟ والثانية - هل أنا مصيب في ترجمتي وعلى حق في تفسيري ؟

إن في مكتبة هذا العاجز نسخة من الكتاب المقدس بالعبرانية ونسخة من ترجمته بالسريانية الجديدة

ونسخه ثالثه بالتركية مع نسخة من الإنجيل والتوراة باليونانية ولم أجد ما احتاج إلى مراجعته من المؤلفات

في مكتبة بايزيد العامة لإكمال هذا العمل النافع . فأنا مضطر إلى الاكتفاء بما عندي من هذه الكتب .

على أنه ليس في المطبعة حروف عبرانية ولا يونانية .

وهاءنذا اشرع في المقصود وقبل أن ادخل في بيان شرح الآية التي نحن في صدد الكلام عنها وأبسط تدقيقاتي

فيما سأورده في إثباتها بصورة مفصلة في الفصل العاشر - أراني مضطراً إلى تقديم بعض المقدمات الإيضاحية بعبارة مختصرة فأقول :

إن الرعاة السوريين الذين ذكروا في الآية لم يكونوا من خريجي أكاديمية اثينة وقد سمعوا جمهور الجنود السماوية

يترنمون بتلك الأنشودة العجيبة فلا يمكن إذاً أن تكون الأنشودة باليونانية .

هذا شيء لا يوجد من يعترض عليه ، ومن البديهي انهم كانوا يرتلون التسبيح باللغة السريانية .

ولم يذكر أنشودتهم المهمة هذه متى ولا المبشرون الآخرون ، وان لوقا كتب موعظته باللغة اليونانية

لأنه روماني أو لاتيني على ما هو معلوم من اسمه .

كلمتان وردتا في اللغة الأصلية للآية المذكورة لم يدرك أحد ما تحتويان عليه من المعاني تماماً ،

فلم تترجم هاتان الكلمتان كما يجب في الترجمة القديمة من السريانية على وفق ما وقع في التراجم إلى اللغات الأخرى ،

فبناء عليه يجب البحث عن نشيد الملائكة في اللغة الأصلية ، لان لوقا انما كتب كتابه متخذاً كثيراً من المؤلفات المتقدمة مادة له

ثم ان تلك المآخذ المتقدمة صارت عرضة لتنقيح وتصرف مراقب مجمع نيقية الفاقد للمرأفة ،

ياسر أبو أنس
2013-08-14, 08:53 PM
وبعد كل ما كان فان ترجمتها باليونانية وقعت على الوجه الآتي كما في

(ترجمة بايبل سوسايتي) .

(الحمد لله في الأعالي ، على الأرض سلامة ، في الناس حسن الرضا)

ومن البديهي إن الملائكة لم ينشدوها باللغة اليونانية ، وإلا كانوا كمن يكلم الرعاة الأكراد في جبل هكاري باللغة اليابانية ،

فلنبين الآن التفسير الصحيح الحقيقي للكلمتين (ايريني ، السلامة) و (أيودكيا ، حسن الرضا) فيا للعجب !

لكن انظروا أولاً إلى هذا التفسير الذي فسروه هم :

أولاً ، كلمة (دوكسا) مشابهة لكلمة (الحمد) في العربية والعبرانية والسريانية . و

هي من الألفاظ المشتركة بين جميع اللغات السامية ، و (دوكسا) مشتقة من (دوكو) أو (دوكئو) .

وبناء على ذلك تكون التسبيحات ، بمعنى حمد وعقيدة وفكرة . والكلمة المستعملة في السريانية بمقابل (دوكسا) هي كلمة (تشبوحتا)

وفي اللاتينية Gloria والفرنسيون والإنجليز والملل العربية تستعمل كلمات تشبهما .

كثيراً ما نصادف في صحائف كتب العهد القديم كلمات بعين الكتابة مشابهة ككلمات (حمد) و (احمد) و (محمد) فما يشابه (محمد)

ما جاء في ملوك أول 6:20 وهوشع 16:9 ويوئيل 5:3 ومرائي ارميا 1 : 7و11) ... الخ .

فالأولى من الكلمتين اللتين هما موضوع بحثنا الآن هي (ايريني) فقد ترجمت بكلمات (سلامة) و(مسالمة) و (سلام)

لكني لا افهم لماذا يترجم مترجموا (بايبل سوسايتي) اللفظ الواحد مرة (سلام) ومرة (سلامه) وأخرى (مسالمة) ؟

أن كلمة (ايريني) بمعنى (سلم) و (سلام) وهي من الألفاظ المشتركة بين جميع اللغات السامية

كما أن كلمة (احمد) كذلك موجودة في جميع تلك اللغات ، ففي السريانية (شلم) وفي العبرانية (شالوم)

التي يستعمل في مقابلتها الغربيون المنسوبون إلى اللغات اللاتينية

Pace, Paix, Pax, Peace .

من المعلوم أن لفظ (إسلام) يفيد معاني واسعة جداً ، ويشتمل على ما تشتمل عليه ألفاظ (السلم ، السلام) و (الصلح ، المسالمة)

و (الأمن ، الراحة) أي ان من اسلم وجهه لله واجب الوجود يكون مسلماً

وتزول من قلبه العداوة والخصومة التي يثيرها الكفر بالإيمان الذي يحل في قلب من اسلم مع الإقرار باللسان ،

فهو للقلب راحة ، وفي الآخرة أمان ، ومن المسلمين المجاورين اطمئنان على العرض والنفس والمال .

وهذا الإسلام يعطي راحة الفكر ، واطمئناناً للقلب ، وأماناً يوم القيامة .

أن الكلمتين (ايريني) و(شلم) تفيدان هذا المعنى بعينه ، وأما كلمة (إسلام ، سلام) فهي مع ما تشتمل عليه من المعاني

التي شرحناها آنفاً باختصار تتضمن معنى زائداً وتأويلاً آخر أكثر وأعم وأشمل وأقوى مادة ومعنى

ولكن قول الملائكة (على الأرض سلام) لا يصح أن يكون بمعنى الصلح العام والمسالمة .

لان جميع الكائنات وعلى الأخص الحية منها ولاسيما النوع البشري الموجود على كرة الأرض دارنا الصغيرة

هي بمقتضى السنن الطبيعية والنواميس الاجتماعية خاضعة للوقائع والفجائع الوخيمة كالاختلافات والمحاربات والمنازعات .

وذلك لكي يتمتعوا بالحياة والرقى ، ويعلو قسطهم من قانون الترقى والتكامل ، وهذه النزعة الفطرية الضرورية

من غرائز البشر تحدث لهم ضروب الاختلاف والتنازع ، وتحملهم على الشقاق والجدال والجلاد .

فمن المحال أن يعيش الناس على وجه الأرض بالصلح والمسالمة ، ولا يتمكن أي دين كان أن يضمن دوام السلم العام

بين الأمم والأقوام حتى لو تعلقت إرادة الله عز وجل بذلك لاقتضى أن يبدل سننه الاجتماعية في طباع البشر ونظام معايشهم

ويغير النواميس الطبيعية فيهم ويستبدل بها غيرها .

إن الحكومات المستريحة الآمنة المسالمة إذا لم تكن على حذر دائم من عدوها تكون مقضياً عليها بالتدلي والسقوط ،

ولا تزال تتقهقر حتى تصير إلى البداوة والانحطاط أو الاضمحلال ، وإذا كانت الأمم لا تخشى اعتداءاً على حياتها أو عرضها أو مالها ،

والحكومات الحاضرة لا تسحب للدماء ولا للنار حساباً ، فلماذا نراها منهمكة في المسابقة إلى الاختراعات الحربية المرعبة التي نشاهدها ،

خرقوا جبال الألب من أسفلها وهي التي تمردت على ذكاء (بونابرت) و (انيبال) وهمتهما ، وعبدوا للطريق فيه

ا حتى صارت تمر منها القطارات بالكهرباء ، وتساق فيها الجيوش ليقيم كبار العرب - الذين سافروا من حضرموت إلى الصين-

وجاءوا من اجداثهم ولينظروا إلى تلك البحار التي مخروا فيها والأمواج التي تسنموا غواربها ماذا يرون

؟ أما البحار فهي هي بعينها ، ولكن أي السفن أنشئت ، وأي الآلات اخترعت لطي تلك المسافات بالسرعة العجيبة ؟

والى الرياح العاتية والعواصف القاصفة في جو السماء ! هي وإن كانت باقية على حالها منذ القدم ،

ولكن ليبصروا كيف أن الفن انفذ فيها التلغراف اللاسلكي وسخرها كخادم له ، ثم لينظروا هذه المناطيد والطيارات ،

والمدرعات والغواصات والدبابات ، من مخترعات العقل والفن ، ما أوجدتها إلا الضراوة بالحرب ،

وعدم الثقة في معاهدات الصلح ، والأمان من الحرب ، وإذاً يكون (السلام) الذي هتفت به الملائكة ليس عبارة عن الاستراحة والمسالمة الدنيوية ،

او أن يدخل جميع الناس الكنيسة فيصبحون آمنين مرتاحين تحت إدارة الأساقفة والرهبان خدام (الأسرار السبعة)

بل إن كان في الدنيا شيء قد اكتسب اكبر شهرة في اقتراف المظالم وإيقاد نيران العداوة فلا شك أنها الكنيسة ،

أقول لا شك ، لان تلك حقيقة تاريخية ثابتة بالفعل ويقول المسيح نفسه (ما جئت لألقي سلاماً على الأرض)

وأما الذين يصدقون بأنه سيتأسس صلح عام ، فأولئك هم عبيد الوهم والخيال .

ياسر أبو أنس
2013-08-14, 08:54 PM
الإســــــــلام

الإسلام : دين أساس إدارته وحكمه العدل المطلق الذي لا هوادة فيه ، لان الجرائم والجنايات تعاقب عليها يد العدالة ،

ولكن الأشرار والمنافقين من المسلمين لا يزالون يسعون في الأرض فساداً ، ولم يخل زمن الخلفاء الراشدين - مثال للعدل المطلق الكامل -

من مثل هذه الاختلافات والشقاق من الحروب .

أذن فماذا كانت تقصد الملائكة ؟

هل قصدت (سلام عليكم) (شلم لحن) كما يريد أن يحيي بعضنا بعضاً ،

ويؤدي له رسوم المجاملة ؟ الناس يمكنهم أن يستعملوا ما يشاءون من الكلمات الرقيقة لأجل المجاملة ،

ولكن لا حكمة ولا حاجة أبداً إلى ذلك في التبشير السماوي ، ولاسيما إذا كان من قبل جيش من الملائكة يترنمون في جو الأفلاك .

- 13 -

(ايريني) أي (الإسلام) هو الدين المبين ، وحبل الله المتين ، المكمل للإنسان جميع وسائل ترقيه المادية والمعنوية ،

والكافل له سعادة الحياة والعيش الرغيد إلى الأبد .

مهما أكن حريصاً على التزام الاعتدال ، وعلى سوق القلم فيما لا يجرح عواطف المسيحيين ،

فلا بد أن أكون معذوراً إذا ما تجاوزت أحياناً هذه الخطة .

رحماك ربي ! ما اكثر ما ينحي به أحرار الفكر والموحدون في أوروبا وأمريكا على النصرانية من التحقير الشفهي ،

والاعتداء التحريري ! ومن المعلوم بالضرورة أن مثل تلك المطاعن لا تقع في بلاد المسلمين كتركيا .

ما كان اجدر الكنائس بخدمة الإنسانية لو صرفت عنايتها في مجامعها الكبرى من مجمع نيقية إلى آخر مجمع للفاتيكان(

عن فحص الأسرار والأشياء السحرية ووجهت همتها إلى المعاني العميقة للآية التي نحن بصدد التدقيق في معناها :

كم كان للمسيح من طبيعة وإرادة ؟

هل كانت أمه مريم إذ كان في رحمها برئيه من الذنب المغروس أم لا ؟

عندما يتحول الخبز والخمر إلى لحم المسيح ودمه في القربان المقدس هل يفقدان جوهرهما أم أعراضهما فقط ؟

إذا كان عقد النكاح كارتباط المسيح بعروسه للكنيسة أبدياً فيكون افتراق الزوجين وانفصال أحدهما عن الآخر محالاً حتى الموت أم لا ؟

هل ينبثق الروح القدس من الآب وحده ، أم من الآب والابن معاً ؟

وأسفا على الكنيسة التي تشتغل بمثل هذه المسائل ؟

أذن فالملائكة أرادت أن تقول (سيؤسس دين الإسلام على الأرض)

أقول إلى رهبان البروتستانت وواعظيهم الذين يدعون المسيح جاء بالسلام أن مدعاكم غلط محض ،

وان المسيح قد قال صريحاً وتكراراً انه لم يأت بالسلام بل بالسيف والنار ،

والاختلاف والتفريق بين الناس ، فلا مناسبة للسلام بالمسيح ولا بالمسيحية ، ودونكم هذه النصوص .


(لا تظنوا أني جئت لألقي سلاماً (ايريني) على الأرض . ما جئت لألقى سلاماً بل سيفاً)

(متى 34:10)

وفي موعظة أخرى للمسيح

(جئت لألقي ناراً على الأرض ، أتظنون أني جئت اعطي سلاماً على الأرض ، كلا أقول لكم ، بل انقساماً)

(لوقا 12 : 49-53)

أن تدقيقاتنا ومطالعاتنا العميقة في هذا الموضوع مندرجة في الفصل العاشر

ولكن اضطررت هاهنا عند تحقيق معنى الأنجيل إلى تدقيق في المعاني المهمة التي تتضمنها الآية المذكورة لا غير ،

فأن الملائكة في هذه الآية تخبر وتعلن صريحاً بأنه سيظهر دين بأسم (الإسلام) و (السلم) .

فإذا كانت هذه الفكرة التي بيناها باطلة ، فالآية المذكورة ليست إلا نغمة لا معنى لها (حاشا)

فما دامت النصرانية تعتقد أن الآية المذكورة وحي والهام من قبل الملائكة حقيقة ،

فيجب علينا أن نقبلها مثلهم ، ونضطر إلى الاعتقاد بأنها أهم واعظم شأناً من أية آية في الكتب السماوية ،

لان هذا الإلهام ليس من قبل نبي أو رسول أو ملك واحد بل هو الهام من قبل جمهور من الجنود السماوية يهللون ويترنمون بالذات ،

فنحن على هذا مضطرون إلى قبول أن محتوياتها أيضاً عبارة عن تظاهرات كبيرة وتجليات مهمة جداً

تتعلق بمنافع البشر وبنجاتهم في المستقبل .

ولنبين أن أنبياء الله قد استعملوا من قبل في أسفار التوراة (العهد العتيق) هذا المعنى اللغوي لكلمة (إسلام)

بمادة هذا المصدر نفسه ومشتقاته وهي

(سلم ، تسليم ، إسلام) العربية

و (شلم ، شلوم) العبرانية

و (شلم) السريانية ،

على الوجه آلاتي :

(اشعيا 44 : 26 و 28) إتمام ، إكمال ، إكمال النقص ، الذهاب به إلى مكانه .

(اشعيا 12:38) الإنهاء ، الإيصال إلى المنتهى .

(أمثال سليمان 7:16) المصالحة ، الصلح مع .

(يشوع 10 : 1 : 4) عقد الصلح والمصالحة ، التسليم والضبط .

فالإسلام عبارة عن الدين المتمم والمكمل للأديان السابقة والحاكم في الاختلافات الكائنة بين اليهودية والمسيحية والمصلح بينهما ،

ومدخلهما في ضمن دينه المكامل المتمم ليكون الجميع سوية مسلمين لله ، مسلمين ومؤمنين .

أليس لهذه الآية رابطة بصورة بليغة بآية القرآن المجيد التي نزلت على حضرة خاتم الأنبياء في حجة الوداع ؟

وبلغها لأكبر مجتمع في عصره

{ اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً }(*)

الباب الثالث

(أيادوكيا) بمعنى (أحمد)

الكلمة الأصلية التي ترجمت عنها كلمة (أيادوكيا)

نقول : إذا لم يكن الإنجيل الأصلي قد رفع من الميدان منذ زمن لوقا ، أو نقول لكي لا نعرض أنفسنا للتهمة بجرم الافتراء

إذ ربما كانت أنشودة الملائكة موجودة بنصها الأصلي ثم أعدمت في عهد تصرفات مجمع نيقية التطهيرية :

لماذا لا يوجد النص الأصلي لهذه الآية ؟

لماذا يحاولون أن نقتنع ونخضع لدعوى القائل :

أن (أيادوكيا) ترجمة مطابقة للكلمة التي كانت في المتن الأصلي ، وبصورة موافقة للقاعدة اللسانية الحقيقية ؟

فلو قام أحد البابين قرضاً وترجم هذه الآية بقوله (الحمد لله في الأعالي وعلى الأرض لوح . وللناس باب !!

فبأي حق وصلاحية يمكن أن يرد ويرفض ؟ والمتن الأصلي غير موجود ليكون للكنيسة حق الاعتراض والمؤاخذة

أن البابي مجسم أو انه يعتقد بإنسان قد تأله ، وهو أيضاً يدعي الألوهية وانه يعطي ألواحاً

وآيات كحضرة (يهوه) معبود اليهود(*) .

وهاءنذا أسال : ماذا كان اصل الكلمة المرادفة لكلمة (أيودوكيا) ؟

فعوضاً عن (بروبا باجندا فيذه) التي للكاثوليك ، وجمعية ترجمة الكتب المقدسة إلى كل اللغات التي للبروتستانت،

أرجو أن يتلطفوا بالإجابة على هذه الأسئلة :
ماذا كان نص العبارة التي كان التهليل والترنيم بها ، وللترجمة بكلمة (أيودكيا) هيهات لا شيء ، عدم ، كله ضاع وانمحى .

وان ما يضحكني بزيادة هو قولهم :

(بما أن لوقا ملهم من قبل الروح القدس ، قد حافظ على الترجمة من غير أن تبقى حاجة إلى المتن) .

ولكن المترجمين في المخابرات الدولية دائماً يذهبون بمتن اللغة الأصلية مع الترجمة إلى الرئيس ويعرضونهما عليه معاً .

فأين متن اللغة السماوية ؟!

وسنبرهن في الفصل الثاني بصورة قطعية ومقنعة على أن لوقا لم يكتب موعظته بالوحي والإلهام ولا بإلقاء الروح القدس .

فالمتن الأصلي مفقود ، والترجمة مشكوك في صحتها !- 13 -

المعنى اللغوي المستعمل لكلمة (أيودوكيا)

يجب أن تكون كلمة (أيودوكيا) ترجمة حرفية لكلمة سريانية مثل (ايريتي) أو لكلمة عبرانية .

ولكن كتاب لوقا لم يترجم عن لسان آخر . فان قال قائل كان هناك مأخذ ، وان لوقا كتب كتابه مترجماً عن ذلك المأخذ)

فان المعنى يزداد غموضاً . لان ذلك المأخذ في اللسان الأصلي مفقود .

ولابد أن يرد على بال كل مسيحي وجود نسخه مكتوبة بالسريانية وهي :

( ) بشيطتا( ) سبرا طابا

ولكن تلك أيضاً مترجمة عن اليونانية فعلينا إذاً أن نفهم معنى (أيودوكيا) من اللغة اليونانية ومن قاموسها فقط ،

وذلك لا يكفي لحل المسئلة ، ولابد أن تكون الملائكة قد استعملت كلمة عبرانية أو بابلية أو كلمة أخرى من إحدى اللغات السامية

وان لوقا ترجمها بـ (أيودوكيا) وهنها السر والظلمة .

وفي النسخة المسامة (بشيطتا) التي برزت إلى الوجود بعد مجمع نيقية (ازنيك) الكبير

قد ترجموا كلمة (أيودوكيا) بكلمة (ساورا طاوا) ومعناها (أمل صالح) وهي مثل (الصبر جميل) بالعربية تماماً .

ولا شك أن الذين ترجموها بعبارة (سورا طاوا) قد كتبوها متخذين بنظر اعتبارهم أن (إنجيل) عبارة عن بشارة أمل .

أن المقصود من الاشتغال بالألفاظ ليس إلا التمكن من إظهار حقيقة لم تزل مكتومة أو خافية على كل الموسوية والمسيحية والإسلامية حتى الآن

فارجوا أن يتعقبني القراء بصبر وتأن .

لا يمكن أن تكون (أمل صالح) ترجمة حرفية مطابقة لأصل كلمة (أيودوكيا) بل يجب أن تكون إحدى العبارتين مردودة ، ولكن أيتهما ؟

الأثوريون النسطوريون يقرؤون الآية التي هي موضوع بحثنا عند شروعهم بالصلاة ، ولهؤلاء كتاب عبادة يسمى (قودشادشليحي)

وهو اقدم من مجمع نيقية بكثير. وبما أن ليس بين مندرجات هذا الكتاب المهم الآيات العائدة إلى (قربان القديس)

الموجودة في أناجيل متى ومرقس ولوقا نستدل على أن الكتاب المذكور اقدم من الأناجيل الأربعة ،

ومهما يكن هذا الكتاب فهو أيضاً أصيب بالتغيرات والتحريفات على مرور الزمان

لكنه قد تمكن من أن تبقى صحائفه مصونة عن إضافة الآيات المذكورة إليه المسماة (الكلمات الأصلية)

وفي هذا الكتاب (سبرا طابا) أي (أمل صالح) أو (بشارة جيدة أو حسنه) وذلك عوض عن (أيودوكيا)

فلدينا وثيقتان فقط في اصل أنشودة الملائكة وهما كتاب (لوقا) وكتاب (قودشا).

ليت شعري أي واحدة من هاتين الوثيقتين المستقله إحداهما عن الأخرى هي اكثر اعتباراً وأخرى بالاعتماد عليها ؟

لو كانت الملائكة في الحقيقة قد أنشدت (أمل صالح) لكان الواجب على لوقا أن يكتب عوضاً عن أيودوكيا(أيوه لبيس)

وعلى الأصح (ايلبيدا آغسى) كما كتب بولص) وبما أننا وقعنا بين وثيقتين متضادتين تناقض إحداهما الأخرى ،

لا يمكننا أن نرجح إحداهما بغير مرجح .

لم يكن في الكنائس القديمة كتاب باسم إنجيل باللغة العبرانية ، أما الكلمة (أيودوكيا)

فهي بالعبرانية راصون وهي تشتمل على معان مثل (رضا ، لطف ، انبساط ، مسرة ، حظ ، رغبة)

وهي اسم لفعل ( رضا) المشابهة لكلمة (رضا) العربية فتكون النتيجة أن (أيودوكيا)

المترجمة إلى اليونانية bona Volantas (حسن الرضا)

قد تحولت وتأولت بعد ذلك إلى كافة الألسنة بالعبارات التي تفيد المعنى المذكور .

أنا ادعي أولاً أن تأويل (أيودوكيا) على هذا الطراز لا يؤدي المعنى الحقيقي ،

وثانياً انه من الجهل والمفتريات الكفرية بمكان .

أولاً : لا يقال في اليونانية لحسن الرضا (أيودوكيا) بل يقال ( ثليما) وكان يجب لمن يكتب ( ) أو ( ) ا

لمطابقة تماماً لحسن الرضا . ففي هذا يكون تفسير أيودوكيا غلطاً وخطأ . ولعل الكنائس ولا سيما الأساتذة الذين يعرفون اليونانية

من أهلها وغيرهم يعارضوني في ذلك

فأقول : أن هذه الكلمة مركبة من كلمــتين (أيـو)

بمعـنى (حسن ، جيد، صالح ، مرحى ، حقيقي ، حسن ملاحة) وأما كلمة (دوكيا) وحـدها فلا اعـرف لـها استــعمالاً في شيء من كــتب اللــغة ،

وإنــما توجــد كلمــة ( أو دوكوئه) وهي بمعــنى (الحمـــد ، الاشـتهاء ، الشوق ، الرغبة، بيان الفكر)

وها هي ذي الصفات المشتقة من هذا الفعل ( دوكسا) وهي حمــد، محمــود ، ممــدوح ، نفيـــس ، مشـــتهى ، مرغــوب، مجيد ،

والآن لننـــظر مــاذا بيــن أنبيــاء بني إســـرائيل من الأفــكار والمــعاني في الألفــاظ حمـد محمد محمود(*) .

أنا لا اعلم بوجود رجل تاريخي يحمل اسم احمد ومحمد قبل ظهور النبي (الأخير الأعظم) صلى الله عليه وسلم ،

وبناء على ذلك فان اختصاص حضرة النبي الأكرم بهذا الاسم الجليل (محمد)

لا يمكن أن يكون من قبيل المصادفة والإتفاق ، ولو قال قائل أن أبوي النبي سمياه محمداً قصداً لأنهما قرءا كتب الإنجيل ،

ومن هناك علما انه سيأتي نبي باسم محمد ، لكان من المحال أن يصغي لقوله أحد .

ياسر أبو أنس
2013-08-14, 08:55 PM
وهنا أريد أن أفتش في كتب العهد القديم العبرانية المكتوبة قبل ظهور الإسلام بألفين أو ثلاثة الآلف سنة عن المعنى الحقيقي لهذه الألفاظ العربية

(حمد ، احمد ، محمد) وعما تشتمل عليه كلمة (إسلام)

في اللغة الرسمية السماوية من المعاني الواسعة فان كلمتي (احمد ومحمد) أيضاً تحتويان على ذلك المقدار من المعاني .


لا تحمد لا تطمع في بيت جارك

(خروج 17:20)

أن ترجمتهم التركية تنهى عن النظر بالشهوة والحسد ، وذلك غلط، لان نص الآية لا تشته زوجة جارك .

( ) تحت ظله باشتياق جلست (نشيد الإنشاد 3:2)حمده

( ) ( الحمد ، الاشتهاء ، الاشتياق ، التعشق ، التلذذ ، الانشراح .

( ) الله اشتهى هذا الجبل أو الجبل الذي اشتهاه الله(مزامير 16:68) .

( ) حمد الإعجاب ، الاشتهاء ، الانبساط ، الانشراح ، الرضا ، حمد ، محمد، مليح ، جميل المنظر ، حميد المنظر(تكوين 9:2) .

(حمد وشمن)مرغوب ، مشتهى ، مرضي ، مطلوب ، مرغوب (أمثال 20:21)

والحال انهم قد ترجموا الكلمتين (هتاوا ، هاوا) من الباب نفسه بكلمة (ايبيثوميا) اليونانية التي هي أيضاً بمعنى الشهوة والاشتهاء .

أذن فان (الإصحاح) السبعين) يترجم الكلمتين (حمد) و (اهوى) كلتيهما بالكلمة (ايبيثوميا) . ( ) وباليونانية (ايبيثوميا)

احمد من الذهب أي أشهى من الذهب .

( ) كل (محمدتنـا) جرجت . وفي اليونانيــة ( )(اشعيا 11:64)

تحب الدقة في انهم يترجمون كلمة (محمديتو) التي في الآية المذكورة أعلاه بـ (اندوكساهيمون) .

أذن فمحمد بمعنى Glorieax, IIIustre, Fameux الفرنسية .

أي أن علماء اليهود الذي ترجموا كلمة (محمد) العبرانية مرة بمشتهى ومرة بمرغوب وأخرى براض ومرضي ،

يعبرون عنها الآن بلفظ (أيندكسوس) فالصفة (أيندوكسوس) المذكورة تحتوي على الصفات الجميلة كالاسم

(محمد ، احمد ، امجد ، ممدوح ، محتشم ، ذو الشوكة)

والبروتستانت ترجموا هذه الصفة الجميلة بجملة (كل نفائسنا صارت خراباً) .

أذن فالكلمات ( المحمدة) أو ( الاحمدية) أو ( الحمدة) التي ذكرها لوقا بمقابلة (احمد ، محمد)

كلها الاسم المبارك الذي ترنمت به الملائكة إشارة وأخباراً بنبي آخر الزمان(*) .

أن عبارة (حسن الرضا) لها كل المناسبة إلى (محمد و أحمد) فقط.

لأنه إذ كان قد وجد في جماعة الأنبياء من ظهرت فيه هذه المعاني : طيب ومقدس حري بتوجيه العالمين وجدير بحسن رضائهم

وحائز على المحمدة وكل الصفات الجميلة بحيث يفيدهم ويرضيهم ويسرهم بكل ما يشتاقون إليه ،

فهو محمد صلى الله عليه وسلم فان كان الذين لم يؤمنوا ولم يطيعوه بحسن رضائهم فمن ذا الذي يرضون من بعده ؟(*)

وأما الذين يذهبون إلى الفكرة السقيمة ، إلى أن المقصود من (حسن الرضا)

هو أن واجب الوجود كان سيء النية ، سيء الرضا ، حاملاً للبغض والعداوة والغضب على نوع الإنسان إلى حين ولادة المسيح ،

وانه بعد ولادة المسيح غير هذه الصفات إلى ضدها وتصالح الناس ، فليتفكروا جيداً أن الجنود السماوية (ملائكة الله)

يعلمون أن خالقهم منزه وبرئ من سوء النية والجهل وانهم يسبحونه ويقدسونه إلى ابد الآبدين .

- 14 -

(تنبيه مفيد جداً للمسلمين)

قد نشرت كثير من المؤلفات حول المقايسة والموازنة بين الأديان الموسوية والعيسوية والإسلامية ،

وترجيح بعضها على البعض من نقاط مختلفة ، ويمكنني أن أقول أن المؤلفات المذكورة لم تؤثر في قارئيها تأثيراً حسنا إلى هذا اليوم .

وهذا أمر طبيعي لأنها قد كتبت بأساليب تجرح الاحساسات الدينية لثلثي أهالي تلك الأديان ،

بيد أن الكتابة بقصد ترجيح أحد هذه الأديان الثلاثة أمر سهل وليس من عمل ايسر وأهون على أحد ذوى المحاباة

من أن يبين أن دينه حق وان دين الآخرين باطل . ومن الجهة الأخرى ليس للمدقق اللاديني أن يجد ميداناً واسعاً ومساعداً

لبيان المطالعة وسرد الهذيان والافتراءات كما يجده على الدين . فكما أن مؤلفات الجاحدين تسوق إلى الإلحاد وفساد الأخلاق ،

فان من المشاهد ان المصنفات المكتوبة على وجه التعصب والتطرف ، مضراتها أكثر محسناتها ،

مثلاً البروتستانتيون قد كتبوا مئات من الكتب وألوفاً من النشرات ضد الإسلامية ،

ولم يتسن لهم أن يقنعوا مسلماً واحداً من عشرين مليوناً بصحة دينهم فينصروه (*) .

وكذلك قد كتبت كتب على اليهودية ولم يقترن أحدها بنتيجة حسنة . فالقراء لا يكتفون بقراءة اثر الكاتب بل يريدون حالاً

وبكل شوق أن يعرفوا من هو ذلك المؤلف؟ وما هي صفته ؟ وفي أي دور الفنون تخرج ؟

وما هو مسلكه وما هي أخلاقه؟

أي أني إذا علمت حقيقة حال رجل يبشر بالدين الذي يلتزمه ويرجحه وعلمت درجة علمه وتتبعاته ودار الفنون التي تخرج فيها ،

وانه يقدم على النقد التحليلي لأسفار التوراة والإنجيل المحرفة ، ووجدته واقفاً على اللغات الأصلية التي كتبت بها هذه الكتب المقدسة ،

فأنا أول من يقدم له الاحترام ، فان لم يكن واقفاً على العبرانية لسان التوراة ومطلعاً على البابلية والسريانية واليونانية ،

فبأي جسارة يتدخل في مثل هذه المسئلة العويصة المشكلة ؟ فان قام لتقريب بعض الكتب الفرنسية المضرة

التي فقدت جدتها (مودا) بقصد تطييب خاطر المسلمين فبالطبع هم أيضاً يدافعون عن كتابهم ودينهم ،

ويقومون بالدعايات ضد الإسلام والقرآن ، وحينئذ تظهر الحال المؤسفة .

ان ملاحظات المنتقدين الغربيين إلى الآن في تآليفهم بشأن التوراة والإنجيل تنحصر في البحث عن التناقض

وعدم الارتباط وعن وجود عدة مؤلفين للكتاب الفلاني ، والخلاصة أنها تبحث عن الآيات المضرة وعن أن (يهوه)معبود اليهود

كان كذا وكذا ، وان كيفية ولادة المسيح الخارقة للعادة وصعوده ليست إلا حكاية خرافية ، وما تلك إلا أشياء عديمة الفائدة ،

فإذا لم نر واحداً من المائة من بين مطلعي تلك الآثار المذكورة يسلك مسلك الإيمان والتوبة وإصلاح النفس فان القسم الأعظم

من هؤلاء يرفضون أفكار المنتقدين ومطالعاتهم بكل نفرة ولا يزالون ثابتين في اعتمادهم على الكتب المقدسة التي في أيديهم .

وأما القسم الآخر فهم أناس مغفلون مساكين مجردون من كل دين ومذهب كمقامر أضاع ثروته في بيوت القمار

،لان أولئك المنتقدين لم يقصدوا تمحيص الحقيقة وإظهارها للعيان وخدمة البشر بها .

لذلك أقول أن ترجمة التآليف المذكورة وإهداءها للمسلمين مضر جداً ،

إن بعض المفكرين مثل فولتير وكارلايل ورينان يظهرون في كتبهم التي كتبوها ضد الدينين اليهودية والعيسوية ،

كأنهم ينتصرون للإسلامية ، ولكنهم في الحقيقة يقصدون تخريب الإسلامية ،

وإبطالها كما يفعلون بالأديان الأخرى ، وكيف ينتصر للإسلام والقرآن هؤلاء المنتقدون

وهم ينكرون كل المعجزات الواقعة من قبل لأنبياء الله بأذنه ؟(*)

إن مقاصد المنتقدين الغربيين الذين يدعون أن عباد النار أو البوذيين قد أثروا في الدين المسيحي ،

عبارة عن بيان أن منبع الأديان المذكورة ومنشأها ليس هو الوحي بل أنها قد تأسست من خرافات

وأساطير البابليين والهنود والفرس القدماء(*)

وبالطبع فان هؤلاء يحكمون على الإسلام والقرآن الكريم بعين هذه القواعد الانتقادية أيضاً .

فلذلك أوصى المسلمين المؤمنين من صميم قلبي بان يبتعدوا عن ترجمة مثل هذه المؤلفات .

ومع أني قد اجتنبت في كتابي هذا كل الانتقادات العديمة الفائدة الجارحة لشعور المسيحيين والموسويين الدينية ،

وارجح بقاءهم متدينين بالموسوية والعيسوية على اللا دينية ،

فأني أطالع وادقق كتب الإنجيل والتوراة بأصول محاكمة جديدة لم اسبق بها لحد الآن ،

تاركاً معاول التخريب التي دأب عليها المنتقدون من قبلي :
إن أملي الوحيد هو الكشف عن حقيقة الموضوع والغرض الذي يجب أن ترمي إليه هذه الكتب (العهد الجديد)

أي اني اشعر بان لابد في هذه الكتب من حقيقة . وأدرك أن الحقيقة المذكورة سعادة وخير لكافة البشر .

وأني قد شرعت في مطالعة الكتب المقدسة باللسان الأصلي التي كتبت بالدقة والإمعان لإظهار هذه الحقيقة بكل وضوح .

- 15 -

( مترجمة) عن كلمة ( راصون)العبرانية .

ليثق قرائي المحترمون ، بان الاختلاف المستحكم بين العيسوية والإسلامية سينحل ويفصل فيه حالاً عند انكشاف المعنى الحقيقي

الذي تحتويه هذه الكلمات بعونه تعالى ، فمن الضروري أن يتتبعوا المباحث في شأن الكلمات المذكورة بالصبر والدقة .

يوجد في اللغتين العبرانيـة والبابليــة القديمــة فعــل ثلاثــي مجــرد ( رصــه) ( رضا) بمعنى (رضى) العربية .

وهذا الفعل مستعمل كثيراً في كتب التوراة وسنحقق هذه الكلمات الأجنبية المهمة في النسخة المسماة (شبتو اغتبتا)

وهي الكتب العبرانية المقدسة التي ترجمها سبعون عالماً يهودياً من اللسان الأصلي إلى اليونانية في مدة قرنين أو ثلاثة

قبل الميلاد في إسكندرية مصر .

ومن المعلوم لدى علماء اللغات أن الأسماء والصفات والأفعال على قسمين ،

أي أن كل اســم أو صـفة إما مذكر و المؤنث على الإطلاق . مثلاً محمد مذكر ومحمدةمؤنث ، وبالعبرانية (محمد ) مذكر ( مؤنث) .

وفي الأثورية ( محمد )مذكر و ( محمدة ) مؤنث وأما اللغات الغربية القديمة فلا تتبع هذه القاعدة

وهي تطلق على الكلمة التي لا تذكير ولا تأنيث فيها (غير جنسي)وفي اليونانية يستعملون التعبيرات بمقابلة محمد للمؤنث ( أيندوكسي )،

ولعديم الجنس ( أيندوكسون) فاليونانيون يطلقون لفظ (أنيدوكسون) على ما يصفه العبرانيون بالصفة ( محمد) .

لذلك جاء التعبير في (اشعيا 11:64) ( محمديتو) و ( أيندوكساهيمون )

بمعنى أشياؤنا الحميدة النفيسة (أندوكسا وهو جمع أيندوكسون( محمديهم محمــديها) نفائســهم نفائســه (مرائي ارميــا 1: 7و11)

وقد ترجمــت فــي النســخة السبــعيـنية بمشتهيات ( كرم حمد) كرم الحمد الحديقة اللذيذة ،

مبتغي اللذة والشـــوق (اشعيــا 2:27 و12:32)

مـن اجـل الحقـول المقبـــولة ( أو بحمــدوت) ( دوكســاسي) النفائــس

(دانيــال : 1 : 38 و 43)

( حمدة النسوان) شهوة النساء

(دانيال 11: 37 و38 و43) .

( هحمدوت ثياب فاخرة) جيمل ، فاخر ، مرغوب

(تكوين 15:27) .

فالمعاني التي تحتوي عليها الكلمات (حمد ، حميد ، محمد) في اللغة العبرانية القديمة على الوجه الآتي :


1- فعل : النظر بعين الطمع والشهوة ، الغبطة ، الاشتياق ، الاشتهاء صبرورة الشيء مرغوباً ولذيذاً ،

الرغبة والإرادة ، المدح والثناء ،الحمد .

2- صفة : مشتهى ، شهي ، معشوق ، مقبول ، فاخر ، نفيس ، ذو قيمة ، حميد ،

جليل، ممدوح ، حبيب ، لطيف ، لذيذ ، مكيف (أو مطرب)

ياسر أبو أنس
2013-08-14, 08:55 PM
الباب الرابع

الإيضاح القطعي للمعنى الحقيقي للإنجيل

- 16 -

(وظيفة خاصة تنحصر في إصلاح الأمة الموسوية وإرشادها ونفخالروح الجديدة وإعطاء اللدنات لدين موسى)

يجب أن تقرأ وتطالع الكتب السماوية مهما كانت مضطربة ومحرفة بكل عناية واحترام لان كلام الله وآياته الجليلة

لا تزال باقية بين هذه الكتابات المحرفة والمشوبة بالخرافيات ، في إمكانكم أن تطيلوا اللسان على المحرفين

ولكن ليس لنا أن تستهزئ بالكتاب الذي لا ذنب له البتة ولهذا السبب أراني مضطراً إلى تكرار التنبيه

على أن لا يشجع أحد على ترجمة التآليف المشهورة بالفرنسية والإنجليزية ضد الإنجيل والتوراة.

وان يجتنب المسلمون هذه النشرات الملوثة بالهذيان ، لان كل ما نشر من المصنفات ضد الإنجيل والتوراة

لحد الآن لم يفد غير إيراث الضرر والخلل للدين والإيمان ، ونحن عندما نطالع الكتب الحاملة

اسم الإنجيل والتوراة الشريفين فطالعهما بكل احترام كسائر المسلمين المستقيمين طالبي الحقيقة ،

مفكرين بان في هذه الكتب حقيقة لا تزال مكتومة مستورة فلنجتهد بقراءتها آملين

أن نكشف عن تلك الحقيقة على كل حال .

ان المهمة الخاصة التي أرسل الله بها عيسى عليه السلام هي عبارة عن إصلاح بني إسرائيل ،

وشرح الشريعة الموسوية وبث الروح الجديدة فيها .

وان المواعظ الأربعة المسماة بالأناجيل تقول تكراراً أن المسيح مرسل ومأمور بإرشاد اليهود خاصة ،

وبإيداع شريعتهم الحياة والروح الجديدة ، وبناء على ذلك نضطر إلى الاعتقاد بان كل ما وجدناه فيها

من البيانات المخالفة لذلك فهو محرف قد الحق بالكتاب أخيراً ، لأنه لا يتصور أن نبياً عظيماً كالمسيح عليه السلام

يتكلم بكلام يكذب بعضه بعضاً فان من يقول لم أرسل إلا لبني إسرائيل فقط .

لا يقول أنا نور العالم أو يقول اذهبوا وتلمذوا العالم اجمع .

فالعبارات الأولى التي في الطابق التحتاني هي الحرية بالاعتماد عليها ، وأما المخالفة فهي الحاقيه يجب طيها .

- 17 -

(التكامل الديني نظير التكامل القومي(*)تماماً)

ما وصلت إليه أمة من الأمم إلى المدنية والتكامل التام عقيب انتباهها طفرة ، بل لابد للوصول إلى المدنية التامة

من اجتياز ثلاثة انقلابات . لنتصور أمة بدوية أو تحت نير غيرها ، كيف يمكن أن تصل إلى المدنية

أمة مبتلاه بالجهل والفقر والمظالم ؟

ينبغي أولاً إيقاظ هذه الأمة وسوقها إلى التربية القومية تدريجاً من حيث لا تشعر ،

وعندما يثنيه شعورها القومي وتظهر فيها فكرة وحدة الوطن تبتدى باجتياز المرحلة الثانية فينفتح أمامها

باب الحكم الذاتي فتسعى من طريق الاستقلال الإداري إلى إعداد الأسباب الموصلة إلى الاستقلال التام ،

وبعد أن يحضر ويتهيأ لها كل شيء تنهض لكسر نير الأجنبي ولإعلان الاستقلال المطلق ،

وحينئذ تدخل باب المدنية التامة لتنال السعادة والمدنية ، مثال ذلك أمة البلغار ،

كانت أولاً في دور الأسر ثم انتقلت إلى الحكم الذاتي الإداري وأخيراً نالت الحرية والاستقلال التام .

وإذا أمعنا النظر في كل دين من الأديان نراه يصادف ثلاثة أدوار من الانقلابات أيضاً لكي يتكامل ،

ولا يمكن أن يتكامل أي دين في أول نشأته ، والأديان المؤسسة من لدن يوذاو كوفوشيوس محكوم عليها بالانقلاب جديد أخير .

أن ديني بوذا وكونفوشيوس نشأ من دين براهمن الهند القديم ، ولم يصلا حتى الآن إلى آخر خطوة من التكامل ،

والعيسوية دين منقلب عن الموسوية ، أي أن الدين نسفه انتقل إلى الدور الثاني بواسطة الانقلاب .

وكذلك الزردشتية والبوذية دينان قد انقلبا من الأديان القديمة التي كانت في حالة الطفولة والصبا ،

فكل هذه الأديان وفي ضمنها العيسوية مجبورة أولا بدلها من انقلاب ثالث قطعي ،

وان صحائف القرآن تثبت أن الإسلام ليس بدين جديد ، بل هو دين متمم ومكمل للعيسوية والموسوية على الأخص ،

وحائز على صفة الحياة إلى يوم القيامة ومن أهم ما يستلفت نظري في استقراء مباحثي الدينية

فكرة المحافظة والارتجاع

كما هو الحال في الحكومات، أي كما أن هناك قوة تمانع كل انقلاب ،

وان المرتجعين في كل انقلاب ديني يخاصمون القائمين بالانقلاب ويشهرون الحرب عليهم

كذلك جاء المسيح عليه السلام ولم تقبله اليهود المرتجعة ،

وجاء محمد صلى الله عليه وسلم ولم يقبله المسيحيون المرتجعون ،

ولكن من القوانين الطبيعية أن يكون المرتجعون دائماً مغلوبين.

ليس بين علماء اليهود من يستطيع أن يدعي بان كتاب العهد القديم كتاب كاف لتشكيل دين جامع لكل الأمم .

أن هذا الادعاء مما يستحقر عزة انفس الأقوام والأمم الأخرى ، نحن نقدس التوراة لأنه كتاب من الله يحتوي

على بيانات والهامات خاصة لهداية وإرشاد قوم خاص.

وكذلك نطالع كتب الدين للصينيين والهنود والفارسيين بكل احترام ،

ويمكننا أن نشاهد في جميعها بعض الحقائق والأوامر والنواهي الإلهية ،

لان الله لم يترك أمة بغير إمام أو حيكم أو نبي ،

وقد أرسل من قبل الله إلى كل أمة مرشدون ومعلمون وأنبياء(*) .

ولهذا فلو اجتمع اليهود والبوذيون والكونفشيوسيون والمجوس بمحل واحد ،

فانهم لا يستطيعون تبادل الأفكار عن وحدة الدين ، ولا يمكن أن يوجد الاتحاد بين هذه الأديان قطعاً،

ولا يمكن أن يكون كتاب أحدهم كتاباً عاماً للجميع أي أن يكون الكتاب هو الكتاب الوحيد للأديان الأربعة ،

ولابد من كتاب آخر لأجل إيصالهم إلى تربية أخلاقية ودينية هو اكثر تدقيقاً واكثر اتساعاً ،

فأي دين غير دين الإسلام له مثل ذلك الكتاب بشكل كتاب منزل من الله ؟ يجب الإنصاف .

ان المسيح عليه السلام لم يترك ولا سطراً واحداً بهيئة كتاب ،

وإذا ادعوا ذلك فليخرجوه بأي لسان كتب ؟وماذا كتب ؟ والى من فوض ما كتب ؟

حتى ولو وضعنا كتب العهد الجديد في صف الكتب المقدسة ،

لا يمكن أن يكون مجموع الكتب المذكورة كتاب الله الكافي لتشكيل دين عام ،

هذه الكتب تشتمل على عقائد وتعاليم تدمي قلب اليهودي وتؤذي احساساته الدينية ،

لم تكن الكتب الإنجيلية في وقت ما مظهر التوجه والرغبة تجاه الأديان الموجودة في آسية .

فالفرس بقوا دائماً متبعين لكتاب زردشت المسمى (زنده اويسته)

ونظروا إلى العيسوية بنظر النفرة . وأهل الصين والهند لا يرون العهد الجديد كافياً كالعهد القديم ،

إنما ظهرت الكتب المذكورة (كتب العهد الجديد) مناسبة للأقوام الغربية المتشبعة أفكارهم بفلسفة اليونان القديمة ،

ولم تكن إلا أسفاراً وجدت باللغة اليونانية وصبغت بالفلسفة النئويلطونية .

فها نحن أولاء نرى انه لا يمكن ولا يتصور دين عام جامع للبشر غير الإسلام ،

ولا كتاب باسم الله غير القرآن الكريم ،

أن الكتب الإنجيلية - مع الأسف - قد استعاضت عن أن تسوق البشر إلى الرقي ، إلى الانقلاب الديني ،

إلى التكامل في دين موسى ، بان سارت بهم القهقري فرجعوا إلى الوراء ،

فبعد أن مات الإسكندر والقياصرة الرومانيون واليونانيون القدماء الكفار (الوثنيون)

إذا بإله اللاتين واليونان الكاثوليك والأرثوذكس الجديد قد تجسد في هيئة طفل يهودي واكل وشرب وتاجر

وبعد أن تعلم صنعة التجارة صلب وقتل من قبل اليهود ، ثم صار يؤكل ويشرب كل يوم

في جميع الكنائس والمعابد التي تبلغ نصف مليون (؟) فكيف تفتقر الموسوية وسائر الأديان الشرقية

-التي تشعر بحاجتها إلى التكامل والارتقاء الديني -

إلى مثل العيسوية المضطرب دينها إلى هذه الدرجة ؟

تصرف جماعات المبشرين منذ أربعمائة سنة في خزائن من النقود تحت مؤازرة كل حكومات أوربا (وأمريكا)

ولكنهم لم يستطيعوا أن يزحزحوا أفكار الأقوام الشرقية عن مكاتبها الدينية .

زد على ذلك أن الاحساسات الدينية في أوربا وأمريكا آخذة في التفسخ وفساد الأخلاق يتكاثر ،

وبينما الموحدون من جهة واللادينيون من جهة أخرى يهجمون على المسيحية

نرى المبشرين منهمكين في نشر الكتب المقدسة ومواظبين على الوعظ بها(*).

ياسر أبو أنس
2013-08-14, 08:56 PM
- 18 -

نص المواعظ

(الأناجيل) الأربعة الصريحة

(في أتباع المسيح عليه السلام للتوراة وأنبيائها ، وعدم نقض شيء منها)

(ولا من روايات وتفاسير العبرانيين لها)

روى متى أن حضرة المسيح عليه السلام قد بين بصورة أكيدة وصريحة أن المحافظة على شريعة موسى عليه السلام

وطاعتها والعمل بموجبها فرض قطعي ، قال :

(لا تظنوا أني جئت لانقض الشريعة أو الأنبياء ، ما جئت لانقض بل لأكمل ،

فأني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض ، لا يـزول حـرف واحـد أو نقطـة واحدة من الناموس حتى يكمل الكل)

متى 5: 17-18 .

ليس لدي وثيقة تستطيع أن تبين ما إذا كانت هذه الآية صدرت من فم المسيح عليه السلام حرفياً أم لا ،

ولكن هناك إفراط في ترجمة الآية المذكورة إلى اللغة التركية ، وما ذلك إلا لان البروتستانت -

بسبب عدم وقوفهم على العلوم الدينية - يتصدون لمثل هذه التفاسير -

فكل حرف في شريعة موسى وكل نقطة موضوعة فوق أحد حروف كتاب الشريعة أو تحته اكبر قيمة من السموات

فمثلاً كان موسى عليه السلام قد خصص يوم السبتيوماً مباركاً ، يوم عطلة وراحة للموسويين

، ثم ابطل هذا ونسخ من قِبل كنيسة المسيح وأقيم مكانه يوم الأحد من غير أن تزول السموات أو تنمحي كرة الأرض

وأين إلغاء إحدى الوصايا العشر من زوال نقطة من فوق أحد الحروف ؟ وهاك نص الوصية الرابعة منها :

( اذكر يوم السبت ) (خروج 8:20)

فكيف يمكن التوفيق بين إفادات المسيح القطعية وبين إلغاء يوم السبت الذي هو المادة الرابعة من أحكام الشريعة ؟

كل كتب العهد القديم تسمي هذا يوم اليهود العزيز ، وتخبر انه سيدوم يوماً مقدساً إلى آخر الزمان ،

والمسيح عليه السلام بالذات التزم يوم السبت وقدسه ، ولكن الكنيسة جعلت يوم الأحد عوضاً عن السبت ،

فماذا تقول للكنيسة التي خالفت المسيح؟(*)

ولم تكتف الكنيسة بإلغاء يوم السبت بل أبطلت الختان أيضاً(**)

مع علمها بان المسيح قال بصراحة أنه لم يأت لإبطال حرف واحد من شريعة موسى ،

وهو بالطبع ليس له خبر عن (التثليث) وعن (الأسرار السبعة) التي لوعت اليهودية .

لم يكتف المسيح ببيان محافظته على شريعة موسى عليهما السلام فقط بل قال : حتى القوانين والأوامر الموضوعة

من قبل العلماء والفقهاء من اليهود واجبة الطاعة

ومنه قوله في (متى 4:8)

(فقال له يسوع انظر أن لا تقول لأحد بل اذهب أرِ نفسك للكاهن وقدم القربان الذي أمر به موسى شهادة لهم) .

في هذه الدرجة كانت محبته لشريعة موسى وارتباطه بها وتعصبه لها عليه السلام حتى أن متى اخـبر عن المسـيح

بأنه كان يسمي اليهود (أبناء) ويسمي الأقوام الأخرى (كلابا) متى 15 : 21-28 .

وبينما كان المسيح يتجول يوماً مع تلاميذه الأثنى عشر في صور وصيدا من أراضي فينيقية القديمة

(إذ بامرأة كنعانية تركض وراءه

قائلة : (ارحمني يا سيدي(2) ابن داود بنتي تتعذب كثيراً من الجن)

أما المسيح فلم يجبها بكلمة ، والمرأة مداومة على الصياح والعويل ، وفي هذه الأثناء وبناء على مراجعة التلاميذ

قال المسيح (لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة)

أخيراً اقتربت تلك المسكينة وقبلت قدميه وقالت سيدي أغثني(*)

فأجابها قائلاً : (ليس هنا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب)

ولكن المرأة أجابت قائلة

(نعم يا سيدي ، لان الكلاب أيضاً تأكل من الفتات الساقطة من سفرة أصحابها)

وعلى هذا قال لها المسيح

(يا أمراه عظيم إيمانك ، ليكن لك كما تريدين)

فشفيت ابنتها من تلك الساعة .

لا اعلم هل قال المسيح عليه السلام ذلك أم لم يقله ، ولكني اعلم جيداً أن اكثر من تضرر من جراء تأثير ذلك الكلام

هو أمته عالم النصرانية ، ومن جراء ذلك التحقير والتعبير بالكلاب، نرى النصارى يجتهدون بكل

ما استطاعوا في محو كل من لم يكن من دينهم : والصحيح أن هذا الكلام

لا يليق بدكتور أو مسلم أو مدرس فضلاً عن أن لا يليق بنبي أو مسيح .

ومع كل ما هنالك فالآن ظهر جلياً أن عيسى المسيح عليه السلام قد أرسل إلى قوم بني إسرائيل فقط(*)

ولاشك في أن المسيح الذي لم يخلص مجنونة كنعانية إلا بعد الجهد الطويل ، لا يمكنه أن يسعى لتخليص العالم ،

فان الصاحب الذي لا يريد أن يعطي جزءاً من فتات سفرته لكلابه ،

لا يفكر أبداً بالذهاب إلى القتل والصلب في سبيل كلب ويفدي الكلاب بنفسه .

ان كون المسيح لم يرسل إلى غير الأمم الموسوية حقيقة تثبتها الطبقات القديمة من المواعظ الأربعة ،

فلا هو وعظ الأمم وارشدهم ، ولا تلاميذه حتى انه نهى تلاميذه الذين أرسلهم ليبشروا باقتراب ملكوت الله

أو ملكوت السموات هكذا

(هؤلاء الأثنى عشر أرسلهم يسوع وأوصاهم قائلاً : إلى طريق أمم لا تمضوا ،

والى مدينة السامريين لا تدخلوا ، بل بالحزي اذهبوا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة ، وفيما انتم ذاهبون عظوا


(اكرزوا)قائلين انه قد اقترب ملكوت السموات)

(متى 10 : 5-7)

فمن هنا تبين جليا أن الآيات الأخرى المضادة لهذه الآيات أما محرفة أو زائفة .

فاذا كان المسيح ينهي تلاميذه من الذهاب حتى إلى جارتهم أمة السامريين الممتزج دمهم بدم اليهود ،

والذين يصدقون أسفار توراة موسى ، فكيف وبأي جسارة يسوغ لمتى وجود هذه الآيات والنصوص

أن يقول في إنجيله عن لسان المسيح

(اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس)

متى 19:28 .

ياسر أبو أنس
2013-08-14, 09:48 PM
- 19 -

إصلاح قوم بني إسرائيل

انا لا اقدر ان اكتب عن الموسويين غير الاحترام وما تقتضيه الرقة والمجاملة

رغم انتسابي بالجنس إلى أمة الأثوريين الكلدانيين الذين أساءوا جداً إلى اليهود ،

وكيفية إصلاح بني إسرائيل المتعلق ببحثنا مرتبط بالأناجيل الأربعة .

أي ان الأناجيل الأربعة تعلمنا كيف كانت أخلاق اليهود الذين كانوا في زمن المسيح عليه السلام ،

وكم كانت أحوالهم الروحية قد فسدت وتلوثت بالسيئات ،

فنظراً إلى الأناجيل الأربعة كان اليهود في زمن المسيح يريدون أن يتمسكوا بأوامر الكتاب

الذي في أيديهم في جميع المعاملات الشرعية بصورة حرفية ، ليس بحكمة الشريعة وروحها ،

بل بمادتها وحروفها وبما ان يوم السبت يوم مقدس حسب الحكم الرابع من الوصايا العشر ،

كانوا يأمرون بتعطيل كافة الأشغال والأعمال البدنية .

ولم يكن اليهودي مأذوناً بإجراء أي عمل عدا العبادة والاستراحة ،

وليس هذا قاصراً على اليهودي وحده بل هو مجبور على إراحة عبده وخادمه

وجاريته وحماره وكل حيواناته الداجنة في يوم السبت

(كل من يعمـل فيـه عمـلاً يقتـل)

(لا تشـعلوا ناراً في جميـع مساكنكم يوم السبت )

خروج 35 : 2 - 3 .

وكان جزاء كل من يعمل بما نهى الله عنه الموت والإعدام ، لاشك أن شريعة موسى الشديدة

كانت معتبرة ونافعة لقوم بني إسرائيل البدو (؟)

الذين نجوا حديثاً من نير استعباد المصريين ، وان رعاية القانون تحصل أما من الخوف

أو من خلق الحياء من العار ، أما الأمة المتمدينة فكما أنها تقيم العدالة بروح حكم القانون ،

فكذلك تلطف وتعدل بعض مواد القانون نظراً لمقتضيات الحال والزمان :

وأما تطبيق الشريعة وإجراء أحكامها حرفياً فليس بضروري إلا في الأقوام الوحشية

أو التي في حال البداوة فقط ، ولابد من تربية ملية تسوق أخلاق العامة إلى الصلاح

والمدنية والرقي والسعادة الحقيقية كما يجب التأديب والعقاب على كل فعل وحركة

مخالفة لآداب معاشرة القوم وأخلاقهم السائدة ،

على أن تكون مرتبطة بالعدالة وبقوانين معقولة ومشروعة ونافعة

(ولما كان بنو إسرائيل في البرية وجدوا رجلاً يحتطب حطباً يوم السبت فقدمه الذين

وجدوه يحتطب حطباً إلى موسى وهارون وكل الجماعة فوضعوه في المحرس لأنه لم يعلن ماذا يفعل به .

فقال الرب (يهوه) لموسى قتلا يقتل الرجل ، يرجمه بحجارة كل الجماعة خارج المحلة ،

فأخرجه كل الجماعة خارج المحلة ورجموه بحجارة فمات كما أمر يهوه موسى)

عدد 15: 32 - 36 .

نعم يمكنني أن أتصور رجم فاعل الذنب البسيط عديم الأهيمة من قبل أمة عدد أفرادها

لا يبلغ المليونين أو الثلاثة بهذه الصورة المدهشة في الصحراء ، ولكن لا أتصور إمكان إجرائه

في (بارك هايد) لندن ، أو في (شانزه ليزه) باريس .

فالشريعة المذكورة استمرت على الحكم بكل دهشتها مدة تزيد على الثلاثة آلاف سنة ،

وأصيب بنو إسرائيل بالانحطاط والأسر ، وعلماء اليهود وفقهاؤهم وضعوا كتباً كثيرة

تحتوي على قوانين مغلقة وتعاليم عديمة الفائدة ، تركت الملة في حالة الحيرة والاضمحلال ،

وبينما كانت هذه الأمة البيئية تستحق من قبل لينيونات القيصر الجديد مادة ،

ومن قبل زمرة العلماء المرائين عديمي الأخلاق معنا ، ظهر حضرة المسيح عليه السلام

ودعا الملة المذكورة إلى الإصلاح .

أول من خاصم النبي الكريم هم العلماء والخواص - دون العوام -

أولئك العلماء الذين اعتادوا على امتصاص دماء الأمة .

مثال ذلك انهم لما قبضوا على زانية جاؤا بها إلى المسيح وسألوه

(وجدنا هذه المرأة في فعل الزنا ، ومعلوم أن موسى أمرنا برجم أمثالها ، فالآن ماذا تقول أنت ؟ )

فأجابهم قائلاً لهم

(من كان منكم بلا خطيئة فليرمها أولاً بحجر)

(يوحنا 7:8) .

وبما أنهم لم يكونوا سالمين من الذنب تسللوا من عنده واحداً بعد واحد ،

فقال المسيح للخاطئة المسكينة الباقية وحدها

(اذهبي ولا تخطيء أيضاً)

يوحنا 11:8

وهذه خطة نبي مأمور بعمل الإصلاح .

(موسى أمركم في شريعته قائلاً لا تزن(*)

وأما أنا فأقول لكم أن كل من ينظر إلى امرأة بنظر الشهوة يكون قد زنى بها في قلبه .

موسى قال لا نقتل وأما أنا فأقول لكم أن كل من يبغض ويعادي أحداً يكون قد قتله )

(متى 5 : 21-26) .

فالمسيح عليه السلام فسر روح الشريعة وشرح حكمها بإفاداته المجددة ،

فان منبع فعل الزنا هو الشهوة وان منشأ القتل هو البغض ،

وكذلك فان نهي الشريعة عن أن يعمل عمل في يوم السبت لم يكن لمنع الاشتغال بالأمور الحسنة

وفعل الخير في اليوم المذكور . وان الشريعة التي نجزم الأمر بغسل الأيدي والأواني

وعلى الأخص بالطهارة لا تأمر بترك القلب والفم ملوثين بالرجس من الأفكار والأقوال ،

وان الإنسان يمكنه أن يتطهر بحفنة من الماء ،

ولكنه لا يمكنه أن يطهر قلبه بكل مياه البحر المحيط الكبير .

قام مسبح فقير تارك للدنيا يعظ بقلب مشتعل بحب الإنسانية ، ملتهب بالعشق الإلهي ،

يوصي شديداً بالتزام أسس الدين كالصدق والرحمة والعفو والحب الإلهي تجاه العلماء

ذوي الطمع اللاتهاتي في حطام الدنيا ، اكثر الناس التزاماً لرسوم الذبائح ولا عشار ،

مرتكبي أنواع الرياء والتزوير لأجل الحصول على مديح العامة ، ظهر يسوع ناصري

لا يعير أهمية لمثل مسائل نقل الميت وتغيير القبور ، يعلم بان كرامة الإنسان

ليست بالجسد الذي هو عبارة العظم واللحم ، بل هي قائمة بالروح الساكنة في ذلك الجسد ،

تجاه الكهنة الجادين في تعظيم الأموات وتزيين القبور ،

الماهرين في فنون خداع الأحياء وتسليبهم .

الفريسيون أولئك الذين إذا وقع خروفهم في البئر يركضون بأربع أرجل

لأجل إخراجه يوم السبت ، يؤاخذون المسيح عليه السلام ،

ويتهمونه بعدم التزام يوم السبت لأنه يبرئ فيه المرضى والمجانين .

الحاخامون أولئك البطالون ، ذوو الجبب الطويلة ، عابسو الوجوه أثناء الصوم ،

آكلوا أموال الأرامل واليتامى ومحرقوا أكبادهم ، يفترون على تلاميذ المسيح بعدم الصوم ،

أولئك المنافقون الذين يجولون البر والبحر ليتلقفوا مهتدياً تائباً بقصد أن يسلبوه حتى ثيابه ،

أصروا على البغضاء للمسيح المتواضع الحليم الذي يدعو الاهلين المساكين

أشباه الغنم الضالة إلى التوبة وإصلاح النفس ، وهكذا رموا المسيح عليه السلام

بالكفر واللؤم ، حينما كان يلقي فكرة التجديد أو الولادة من جديد ،

ويعلم طريق الحقيقة ويبشر به ، وبعدما حارب ابن مريم عليهما السلام

أولئك الرجعيين المرائين في الدين خادمي الأجسام ،

أنذرهم بان أهالي سدوم وطمورا سيكونون احسن حالاً منهم يوم الجزاء ، ثم

انه أخيراً غاب ولن يروه بعد ، من غير أن يصلح القوم المذكورون .
فإذا

كانت المواعظ الأربعة تبين هذه الحقائق بكل تفصيل وتمثيل ،

فكيف وبأي صلاحية يمكن الادعاء بان المسيح نبي عام ؟

والتلاميذ الذين لبثوا ثلاث سنين بصفة مرداء المسيح ،

الذين بقوا إلى آخر دقيقة أجهل مما كانوا قبلاً ،

بأي علم وبأي قوة يتمكنون من إقناع الأمم بقولهم :

كان رجل يسمى يسوع قتل على الصليب وكان هو الله ؟

(استغفر الله ثم استغفر الله) (*) .

ياسر أبو أنس
2013-08-14, 10:15 PM
- 20 -

(كان الإنجيل عبارة عن التبشير بملكوت الله)

إذا سألتم راهباً مسيحياً ما هو الملكوت ؟ يجبيكم فوراً هو الكنيسة ،

وان لم يكن قد تشكل في زمن المسيح مثل هذه الكنيسة ومثل هذه الملة والجماعة ،

فالمسيح وتلاميذه كانوا يدخلون (السيناغوغا) المسمى (كنشت كنيس)

كسائر اليهود ويصلون ويتعبدون ، ولم يخطر على باله أحداث مذهب جديد أو جماعة جديدة

وبناء على ذلك لم يتشكل ملكوت الله في زمن عيسى عليه السلام .

علم المسيح تلاميذه صلاة بشكل الفاتحة وهي - بالرغم من وقوع تحريف أو تحريفين فيها

صلاة بليغة مهمة جداً من جهتين ،

أما أولاً فلأنها تبين عقيدة التوحيد بكل احترام وبكمال العزة ،

وأما ثانياً فلأنها تحتوي على عبارة (ليأت ملكوتك) خطاباً لله تعالى ،

لان كل صلاة حقيقية تحتوي على مادتين : الأولى أداء فرض التحية والكلمات الناطقة

بالتعظيم والعبودية للخالق والسجود له ،

والأخرى عبارة عن طلبنا الإسعاف ورجالنا قضاء الحاجة من الله تعالى .

فالكنيسة المتخشمة الصارخة بضع مرات في كل يوم (ليأت ملكوتك)

منذ اكثر من ألف وتسعمائة سنة لم تكن غير الجماعة العيسوية ،

يا للتضاد ، يا للعناد والعصيان ! لقد مضى تسعة عشر عصراً ،

أإلى الآن ننتظر قائلين

(ليأت ملكوتك) .

فان كان ملكوتك الله هو الكنيسة ، فما بال الكنيسة تكرر بفهما ولسانها كل يوم

هذا الدعاء وتطلب من الله أن يبعث لهم ملكوته ؟

الحق أقول يجب عليهم الإنصاف والحياد . فما دام الله لم يستجب لهم ،

ولا أسعف لهم هذا الطلب حتى الآن ،

أما ان لهم أن يكفوا عن هذه المراجعة المستمرة في هذا الشأن ؟

القطط العديمة التجربة ، عندما ترى بائع الكبود ، ترقص بين يديه وحواليه

وتصيح وتطلب بلسانها لقمة من ذلك الإنسان .

أما القطط الأخرى ذوات التجربة فأنها تجلس أمام الباب وتنظر عن بعد ولا تتحرك من مكانها ،

لأنها قد علمت بالتجربة أن بائع الكبود لا يعطي قطعة من الكبد ما لم يأخذ قطعة من النقوذ ،

وانتم منذ تسعة عشر عصراً تنادون

(ليأت ملكوتك)

ومع أنكم تعلمون أنه لم يأت ولن يأتي ، لا تزالون تكررون

(ليأت ليأت) !

هل من الممكن عدم التعجب والحيرة ؟

إذا كان ملكوت الله هو الكنيسة كما تزعمون ،

فقد جاءت الكنيسة واستولت على الدنيا ، فأي ملكوت أذن تطلبون ؟

أم أفلا تخافون - إذا ما جاء ملكوت الله - أن يلحق المقامات الروحانية

مع البطاركة والبابا بالعدم والزوال؟

أم ماذا يكون حال الملوك والعساكر العيسوية القديرة حينئذ؟

أفلا ترون إذا ما جاء ملكوت الله ، انه لا يختم ويقضي على كنائس المذاهب المختلفة

التي يتجاوز عددها الخمسمائة ؟

المسيح عليه السلام لخص صلاة اليهود الزبورية وكل صلواتهم الطويلة بهذا الدعاء

(أبانا الذي ... الخ)

كما لخص شريعة موسى بوصيتين ، فالوصيتان اللتان هما عبارة عن

(حب الله وحب الجار)

تبينان لب الشريعة الموسوية وروحها . ومما هو حرى بالدقة أن المسيح عليه السلام

لم يتعد حدود الشريعة المذكورة أبداً ، وقد اتصف الله تكراراً في كتب التوراة بلفظ

(الله ، الآب) على أن كلمة (أب)

هذه لا من حيث أن الله ابنا وحيداً كما تزعم الكنيسة ، بل لأنه موجد كافة الموجودات

ومكون كل الكائنات(*)

على أن معنى (أب) اللغوي الحقيقي هو إعطاء الثمر كما تقدم بيانه ،

وان مادة (أب) المؤلفة من ألف مفتوحة وباء هي في جميع اللغات

السامية بمعنى (الوالد) و (المثمر)

وبالألف المكسورة بمعنى (الثمر) وفي العربية (اباب)

بمعنى طراوة وخضرة ،

وبهذا القصد والمعنى كانوا يخاطبون خالق الكائنات موجدها بكلمة

(أب)

وبالطبع لم يكن بأس في هذا التعبير ، ولكن لما أساءت الكنيسة استعماله في

كتب العهد الجديد التي أوجدتها ، صار لا يجوز لأبناء ملكوت الله أن يخاطبوا الله اليوم بهذا الاسم .

وان ملكوت السماوات لما رأى مخالفة الكنيسة واعتداءها على تعاليم المسيح في تعبيرها

(باسم الآب والابن والروح القدس)

أظهر خطأ الكنيسة بالآية القرآنية الجليلة

{ بسم الله الرحمن الرحيم } .

فالمسيح عليه السلام يؤيد الأمر الأول لشريعة التوراة التي لخصها
في صلاته هذه

(ليتقدس اسمك)

"يا إلهنا الذي في السماء ليتقدس اسمك لان لك الملكوت والقدرة والعزة إلى الأبد آمين "

(متى 6 :9-13) .

وأما الوصية الثانية من شريعة موسى فهي (حب الجار) .

سأل فريسي عارف بالشريعة من المسيح عليه السلام طلباً للشر(*)

أي يريد أن يأخذ كلاماً من فم المسيح عليه السلام حتى يأخذه عليه حجة

بقصد إيقاعه في فخ

(أي وصية هي العظمى في الشريعة ؟)

فقال له عيسى عليه السلام ، هي التي لله

"لتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل روحك ومن كل فكرك "

هذه الوصية الأولى

والعظمى الثانية مثلها

(لتحـب جـارك كنفـسك ، بهاتين الوصيتـين تتعلـق الشـريعة كلها والأنبياء)

(متى 22 : 34-40) .

فبعد أن رأينا هذا التفسير من المسيح لشريعة موسى وتصديقه تعاليم جميع

أنبياء بني إسرائيل بصراحة على الوجه المبين أعلاه ،

أقوال للأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت والنصارى المنسوبين

إلى المذاهب المختلفة الأخرى التي يربوا عددها على الخمسمائة مذهباً :

راجعوا أيها القوم ضميركم واحساساتكم التي هي محبة للحقائق ،

وإذا اقتضى الأمر راجعوا روح قدسكم بكل دقة ،

وتفكروا خدمة للحقيقة في هذه الآيات المذكورة .

لمن أعطيت الشريعة ؟

طبعاً لليهود ،

إلى أي ملة كانت تنتسب الأنبياء والى من أرسلوا؟

طبعاً إلى اليهود ،

لان المسيحيين متفقون على الاعتقاد بان الله لم يرسل نبياً من غير اليهود .

حسن جداً : من أي ملة كان السائل ؟

بالطبع كان يهودياً ،

ماذا كان المسيح ؟

طبعاً هو كان يهودياً أيضاً ،

من كان يمكن أن قد كان جارهما ؟ بالطبع لا يكون جار اليهودي إلا يهودياً أيضاً،

والجار الذي لا يكون يهودياً يجب أن يكون أما أسيره أو ظالمه ،

وعلى كلتا الحالتين فهو مكلف بان لا يحبه كنفسه .

أذن فانظروا المسيح عليه السلام وان كان يبحث عن الصديق والعدو

في موعظته المشهورة

(متى 5 إلى نهاية الباب السابع)

فانه كان دائماً يخص اليهود بكلامه هذا وقد بين أن اليهودي ليس مكلفاً يحب جاره اليهودي فحسب

بل يقول يجب أن يحب عدوه اليهودي أيضاً، وليس هناك من إشارة قطعاً حول كون (الأمم)

أصدقاءهم أم أعداء .

فهاءنذا أقول لهؤلاء المسيحيين الذين يبلغ عددهم الملايين وهم ليسوا من الإسرائيليين :

انظروا . ان مسيحكم لم يعرفكم قطعاً .

ولم ينقل عنه انه قال عنكم حرفاً واحداً بل انه سمى غير الإسرائيليين كلاباً . فمن انتم ؟

ثم من هم أبناء الملكوت؟ أتعلمون ماذا انتم حسب شريعة موسى ؟

أن الذين لم يختتنوا إنما يعدون ملوثين (نجساً)

حتى أن المسيح نفسه ختن في اليوم الثامن من ولادته ،

وهو إلى يوم غيبوبته كان على مسلك اليهودية تماماً ،

أذن فارجعوا إلى الإنصاف ولا تعودا تبحثون عن الإنجيل وعن عيسى والصليب .

أليست هذه هي أناجيلكم الأربعة ،

كونوا واثقين إنها بسبب تصوير المسيح يهودياً تاماً وملياً (ناسيوناليست)

شديد التعصب لقوميته بدرجة مفرطة ، صارت قسوس البلغار يحملون الصلبان

ويتلون آيات التمجيد والثناء للذين ارتكبوا أشنع الفظائع في أعدائهم في الحرب . أذن فهم

ولا شك معذورون في هذه الشناعات ، هذه هي آثار الملية المفرطة ،

فأنى للمسيح أن يؤسس كنيسة أو ملكوتاً وان اليهودي

إذا لم يختن في لحم غرلته كان يحكم عليه بالإعدام؟

(تكوين 14:7 وخروج 24:4)

فكيف كان للمسيح أن يأخذ النصارى القلف أي الذين لم يختتنوا إلى ملكوت الله ؟!

وأمر الله في التوراة صريح بأنه واجب على اليهودي ختان ذريته حتى انه قد

أوجب عليه أن يختن عبده والأجنبي الذي اشتراه بفضته أيضاً ،

ولا يباح لأي ذكر غير مختون أن يسكن في بيت يهودي

وليس ذلك من شعائر اليهودية فحسب ،

بل مما أطلق الله عليه اسم العهد والميثاق .

وإذا أمعنا النظر في عدم تجويز الشريعة دخول الاغلف

(أي الذي لم يختن)

معابد الموسويين ، فهل نرى من الممكن أن يدخل المسيح معابد الكنائس التي

ألغت رسم الختان وأقامت مكانه المعمودية أو يجالسهم أو يساكنهم ؟!


يقول المسيح

(احب ألهك اكثر من نفسك ، واحب جارك كنفسك)

ولكنه لا يقول: احب أن جنسك كنفسك . حسن جداً ،

ماذا كان المحذور لو قال احب ابن دينك كنفسك ؟

لم يتمكن من أن يقول هذا أيضاً ، لان ابن دبن اليهودي يجب أن يكون يهودياً أيضاً .

اتضح جلياً وبصورة مقعنة أن عيسى المسيح لم يكن ليفدي أحداً بحياته

بل لم يكن يسمح بتقديم قلامة من أظفاره هدية للعالم

فضلاً عن انه لم يتعهد للروس والإنجليز والاميركيين بالنجاة لانه

لم يعرفهم ، ولا بإراقة قطرة من دمه في سبيل جعل الروم واليونان الأجانب ،

والسوريين الساكنين في سورية - مسيحيين بواسطة المعمودية ،

لإعطائهم الحياة الأبدية ، بل لم يكن ليعطي رطلاً من النجارة التي أمام منضدة

(محل تجارته)

لأجل ذلك .

لا ريب في ان القسم الثاني من محتويات الدعاء المذكور المبهمة عبارة عن تأسيس

اخوة صحيحة وتوطيد المعاملة الفدائية بين الإسرائيليين ،

وتأمين مقتضيات الخلاص من شر أعدائهم وغوايتهم وهو :

(خبزنا كفافنا اعطنا اليوم ، واغفر لنا خطاينا كما نغفر نحن أيضاً للمخطئين ألينا

ونجنا من الشرير الذي يذهب بنا إلى الإغواء)

متى 6،10-13 .

هل كان من حد الأمم غير الإسرائيليين أن يجترءوا على

مثل هذه المطالب من حضرة (يهوه) الرب الذي يحسبونه أباهم(*)

(فلو سألنا اليوم الإسرائيليين : من هم الأشرار وذووا الغولية الشيطانية الذين يغوونهم ؟

هل من شبهة في الجواب الذي يعطونه ؟

آه هم المسيحيون ، آه انهم المبشرون) .

بقي اكبر ما يتعلق ببحثنا من الصلاة الإنجيلية وهو المادة التي في شان ملكوت الله

(ليأت ملكوتك لتكن إرادتك كما في السموات أيضاً على الأرض) .

هنا يعد المسيح بان سيأتي ملكوت سماوي ،

وبأن ستعطى الإرادة والكلام الخاص بالملكوت المذكور .

عجباً ، ماذا يمكن أن يكون القصد من ملكوت الله هذا ؟

هل هو عبارة عن ان شرطتنا تتألف من الملائكة ،

وعساكرنا من الكرويين ، وهيئة وزرائنا من السرافيين ؟!

المسيحيون يعتقدون أن المسيح سيأتي ويحكم قبل يوم الجزاء

على وجه الأرض ألف سنة ، أما نحن المسلمين

فنتمنى ان لو جاء المسيح وأسس سلطتنه العظيمة على هذا النمط -

وعلى الأخص بمناسبة إصلاحاتنا الداخلية هذه - ساعة اقدم ،

(لان مجيء المسيح يخلصنا من مكايد أهل الكيد ودسائس الاغيار) .

نعم نحن نتمنى ذلك لان مجيء المسيح الوحيدين هم المسلمون !

أما اليهود فقد رفضوه ، وأما المسيحيون فقد نسبوا المسيح التاريخي الحقيقي

وأقاموا محله يسوعاً خيالياً متألهاً .

إن المعنى المراد من كلمة (الملكوت)

إنما هو على الوجه الذي ذكره المسيح تكراراً (بكلام الملكوت) أو (كلام الله)

عبارة عن إرادة ورضاء صاحب الملكوت جل جلاله وفي الصلاة المذكورة أعلاه

قد استعمل لفظ ثيليما اليونانية ورضا العبرانية ،

ولا حث عن (أيودوكيا)

بعد ، لماذا لا يبحث عن أيودوكيا (حمد) ؟

بالطبع أن للبشرية شيئين دائمين هم (الإسلام)

وهو يقيم ديناً حقيقياً وملكوت الله على الأرض ، و (القرآن)

وهو اقدس كتاب في العالم يحتوي على إرادة الله ورضائه في تحقيق وتسهيل

إدارة ملكوت الله وبعد أن اكمل محمد صلى الله عليه وسلم

الملكوت والكتاب القديم المحتوي على رضاء الله بصورة رسمية

أرتحل إلى دار النعيم . وان دين الإسلام والقرآن الكريم سيبقى

دائماً وثابتاً إلى يوم القيامة .

وسيأتي في الفصل العاشر أن كل تفسير أو تأويل يباين هذا التفسير

فهو باطل ولا معنى له ، فستراه مفصلاً تفصيلاً .

ياسر أبو أنس
2013-08-14, 11:28 PM
الباب الخامس

حضرة المسيح لم يحرز التوفيق(*)

تحقق أن المسيح عليه السلام لم يقصر في وظيفته التي أمر بإيفائها

ولكن الملا من علماء القوم وأشرافهم لم يقدروا عيسى عليه السلام حق قدره

إذ كان يجوب قرى ارض كنعان بالفقر والفاقة ماشياً على قدميه ،

يشفي المرضى ويدعو الخطاة إلى الصلاح .

ولا شيء اصعب من تفهيم الكلام وبيان الحقيقة وتثبيت قواعد الإصلاح في قوم

لم يكونوا على شيء من الثقافة ولا التربية الأولية ليكون لهم نصيب من الأفكار العامة على الأقل

وإذا ما اظهر علماء الملة وكبارها المخالفة لفكرة التجديد ،

فمن الطبيعي أن يقلدهم جهالها ضعفاء الفكر والشعور ،

وان الذين أحرزوا المقامات العالية والمنافع الشخصية

وهم الفريسيون المراءون المتعصبون الذين كانوا يحذرون استنارة العامة

قد اسروا الحسد واظهروا العداوة والبغضاء لذلك الشاب مرشد الملة إلى الانتباه والى مخافة الله .

لنقايس بين فقر المسيح عبد الله المجدد وزهده

وبين الثروة والشرف والجاه

الذي كان لرؤساء الكنيس الروحانيين الذين يدعون أن المعاني المخالفة لتفسير العلماء المتقدمين

تضر بالأمة(**)

فبقدر ذلك الفرق العظيم بينهما كان عمق جهل الأمة العاجزة عن إدراك ذلك .

لابد لمن يريد أن يؤسس ديناً أو دولة من اتخاذ كل الوسائل المشروعة

لذلك وتطبيقها على اكمل صورة لإدراك الظفر والفوز بمطلوبه ،

وأما المسيح عليه السلام فقد توسل بفكره معنوية فقط

هي عبارة عن إنجيل وبشارة بأمر عظيم ،

على أن الفكرة والعقيدة بغير سلاح ولا قوة لا تؤثر في قوم قلوبهم كالحجارة أو اشد قسوة .

قوم كانوا منقادين إلى رؤسائهم الروحانيين والجسمانيين المتغلبين فقط ،

بل لا تؤثر ولا تنفذ العقيدة في ورقة وردة !

وبينما كان المسيح عليه السلام يجتهد في إصلاح انفس القوم وتهذيب أخلاقهم من جهة ،

كان من الجهة الآخر يحارب المتغلبين .

فمن الطبيعي في المسيح الذي يستقيم على هذه الطريقة إلا ينال كل مقاصده

إذ لابد من القوة لتقوية الفكرة ، وإن المجدد الذي لا يملك القوة لا يكون التوفيق رفيقه

مهما يظهر على يديه من الخوارق والمعجزات .

ولو كان المسيح عليه السلام مأموراً بتأسيس شريعة أو دين ناسخ لدين موسى ،

لتوسل بكل التدابير والوسائل الموصلة إلى تلك الغاية .

أي لكان شرع بوضع أساس الدين بعد إكمال التشكيلات الجديدة على منهج

يعين على المسلك وخط الحركة ، لأنه لابد لمن يريد إحداث انقلاب ديني

من شدة التحفظ والاحتياط في البداءة ومن السير التدريجي ،

وما لم يمكن الحصول على عدد من علماء الدين المتقدم وعلى قسم من رؤساء الملة

واكتساب النفوذ والقوة بدرجة كافية ،

فان محاولة التجديد تبقى عقيمة ولا يتسنى لأي مجدد أو نبي أن يحصل على الانقلاب فجأة ،

فان هناك قوة مدهشة ارتجاعية تهلكه في الحال وان الأمة لا تقبل قانون التكامل(*)

والترقي عن تفهم تستوحش من المشروعات الفجائية وتخشى عواقبها فتعصي أمر مرشدها .

وكذلك كل الأعمال الطبيعية والصناعية والفكرية لا تتكامل إلا بالتدرج

وان الله هو الذي وضع قانون التكامل هذا ويدبر الكائنات بموجبه ،

وان الحكمة التي تمنع المجدد من إعلان الانقلاب فجأة عقب تلقي الوحي

إنما هي حذره من عدم الحصول على المقصد المطلوب ،
لا حذر الموت .

وبناء على ما تقدم لو كان المسيح عليه السلام مأموراً بتأسيس دين

لسار فيه على منهج واضح وخطة
منتظمة ،
وكان الزمان والحال مساعدين وموافقين لمثل هذه الحركة

إذ كان اليهود قد سئموا اختلاف الفرق الثلاثة ، وكانوا في انتظار ظهور المسيح ،

ولكن المسيح عليه السلام لم يعمل هذا ،

فلم يتخذ صديقاً حميماً من المجلس الملي (سنهدرين)

ولا أحداً من كبار القوم فكيف أمكنه أن يحصل على انقلاب ديني

بواسطة أثنى عشر رجلاً من الصيادين والعشارين ؟

ماذا كان يتمكن أن يصنع بشرذمة من الناس الأميين الجاهلين

ما لم يحصل على مظاهرة من الخواص ؟

ولا يوجد في شيء من الأناجيل الأربعة نباء صريح عما إذا كان للمسيح منهج معين أم لا .

بل كلها تبحث عن قرب ملكوت الله , ولا نبين بالصراحة ما هذا الملكوت

وهل يريد به تأسيس دين جديد أو دولة دنيوية مادية ؟

ولكنها تؤميء لي أن غايتها ونتيجتها أن الملكوت المنتظر يوحد الدين والدولة معاً

ويوجد بين الملل كتلة عظيمة تنقلب بها الأمم فتكون ملة واحدة ،

ومن ذلك قوله

(ما جئت من نفسي لكن هو أرسلني لماذا لا تفهمون) (كلام) ي ؟

لأنكم لا تقدرون أن تسمعوا قولي

(يوحنا 8 : 42و43)

وأخص من هذا أنه في الباب السابع عشر من إنجيل يوحنا

يوصي المسيح عليه السلام في دعائه الأخير المهم

بما يحيل الذين يناجون الله دائماً والمؤمنين بكلامه إلى إلا ألطاف الإلهية .

ولكن مع الأسف لم تعلم حيئنذ ما هذه

(البشارة) (الأمل) (الكلام)

الذي يريده ، يقول يوحنا 29:16

أن المسيح إلى آخر ليلة كان يكلم تلاميذه بالأمثال . ووعد أن المرسل من طرف الله

والذي سيأتي بعده سيفسرون ويبين كلامه وإنجيله الحقيقي

ونحن لا نريد أن نبحث هنا عن تفسير لفظ

(فار اقليط)

اليوناني بل نقتصر على أن نفهم من الآيات الإنجيلية آلاتية

(يوحنا 26:14 و7:16) و (لوقا 49:24)

ما يأتي مما استنتج من تلك الآيات :

1- أن المسيح لم يعط الحواريين إنجيلاً مرقوماً في كتاب .

2- أن العقيدة والكلام الإنجيلي الذي علم به شفهياً لم يفهمه الحواريين ،

بل بقي من قبيل المعميات والألغاز .

3- لم يتسن للمسيح أن يفهم إنجيله وكلامه لتلاميذه في ثلاث أو أربع سنين

لذلك اخبر وبشر بمجيء واحد آخر .

4- لا يحتمل أن يكون الذي وعد المسيح بمجيئه بعده قد جاء في زمن الحواريين .

لأنه لو كان قد جاء في زمنهم لكان ملكوت الله قد أتى ،

ولما دامت الاستغاثة والدعاء إلى هذا اليوم (ليأت ملكوتك)

ولما أمكن إطلاق ( كنيسة)

عوضاً عن الاسم المبجل (ملكوت الله)

ثم أن الأمر الذي ينقض هذه الفكرة ، قول المسيح للحواريين

(ها أنا معكم دائم الأوقات إلى انقضاء العالم)

(متى 20:28) .

ارتحل كل الحواريين إلى دار البقاء في العصر الأول من الميلاد

فكيف كان يقدر أن يبقى على الأرض (إلى انقضاء الدنيا) ؟!

ولكن كيف يمكن التأليف بين وعده هذا(*)

وبين وعده بأنه سيأتي الباراقيطوس؟ يستبان من تينكم الروايتين

أن اثنين من الرهبان الكرام أحدهما كتب في كتاب متى ،

والثاني في موعظة يوحنا من غير أن يعلم أحدهما بما كتب الآخر ،

أما الراهب متى الذي لا يعترف بالباراقليطوس فيعتقد

أن المسيح سيبقى دائماً مع الرسل إلى الأبد ،

وأما الراهب يوحنا القائل بالباراقليطوس

فلا يرى لزوماً لبقاء المسيح على الأرض ،

على انهما يحملان عين الفكرة والاعتقاد في مخيلتهما ،

كأن المسيح سواء أكان بذاته أو بواسطة الروح القدس

سيوجد مع الباباوات والبطارقة متحداً بهم على الدوام أن خليفة يوحنا

الذي لم يؤد الصلاة الربانية يحتمل أن يكون معذوراً في الخيال الذي تلقاه

ولكن ماذا نقول عن خليفة متى ، البابا العظيم

الذي نسي دعاء (أبانا)

من حيث يجب أن يكون قد صلى به آلاف المرات

كما هو مسطور في الباب السادس ؟!

لا شبهة في أن المسيح عليه السلام أدى وظيفته على اكمل وجه ، بدعوة بني إسرائيل

إلى تهذيب الأخلاق والتوبة والصراط المستقيم على منهج نجهل صفته ومع ذلك

وبخ الفريسيين بشدة العلماء على الوجه الذي استحقوه

(متى الباب 23)

(مرقس 12: 38-40)

(لوقا 20: 45-47) .

ولكن لا قوم إسرائيل اصطلحوا ، ولا تلاميذه استطاعوا أن يفهموا

(أسرار الملكوت)

على الوجه الحقيقي ، وأنا لنصادف بين جميع مؤسسي الأديان نبياً واحداً

لم تقدره حق قدره أمته الكنود المنكرة للجميل التي أرسل لاصلاحها

ومن الجهة الأخرى فالنصارى الذين غلوا فيه واصعدوه إلى درجة الألوهية ،

لم يعرفوه حق المعرفة ، ولكن الإسلام والقرآن الذي اخبر المسيح بظهوره

قبل ستة عصور ونيف هو الذي قدره قدره وعرف حقيقته

وقدس شأنه الحقيقي هذه المعاملات التي لقيها المسيح عليه السلام

من الأديان الثلاثة .